جميع فصول : الفصل -الفصل 10

10 فصول

الفصل الأول

كانت الفيلا تقف في نهاية الزقاق كأنّها تنتظر منذ زمن طويل أن يُفتح بابها مجدداً. جدرانها الخارجية بلون الحجر الرملي الباهت، والنوافذ العالية مغلقة بستائر بيضاء قديمة تهتز قليلاً مع كل نسمة. في الداخل، رائحة الغبار المختلط برائحة الخشب المعالج حديثاً، وأصوات عمال بعيدة تأتي من الطابق العلوي كهمس متقطع.آدم راشد وقف في وسط الصالة الكبيرة، يمسك بمخطط مطبوع على ورقة سميكة، ينظر إلى الجدار الشرقي الذي كان يجب أن يُعاد بناؤه جزئياً. الساعة تقترب من العاشرة صباحاً، والشمس تدخل من النافذة الجانبية في شريط ضيق يسقط على الأرضية الخشبية فيرسم مستطيلاً باهتاً. كان يرتدي قميصاً أبيض بأكمام مطوية حتى المرفقين، وسراويل رمادية داكنة، وحذاءً أسود نظيفاً رغم الغبار. شعره القصير مرتب، وملامحه هادئة إلى درجة تبدو شبه فارغة.سمع خطوات خفيفة خلفه، ثم صوت امرأة يقول:ـ صباح الخير. أنا ليّان فهد.التفت ببطء. كانت تقف على بعد خطوات، تحمل حقيبة جلدية بنية فاتحة، وملفاً أسود تحت ذراعها. طولها متوسط، شعرها الأسود مربوط إلى الخلف بطريقة بسيطة تُظهر جبينها، وترتدي بلوزة بيضاء وبنطالاً أسود. لم تكن تبتسم، لكن عينيه
last updateآخر تحديث : 2026-08-22
اقرأ المزيد

الفصل الثاني

عند الثانية والنصف بعد الظهر، عاد آدم إلى الفيلا بعد أن أنهى اجتماعاً قصيراً مع المقاول في المكتب المؤقت خارج السور. كانت الشمس قد مالت قليلاً، والضوء داخل الصالة صار أميل إلى الاصفرار. وجد ليّان جالسة على الدرجة الثالثة من السلم الخشبي، دفترها مفتوح على ركبتيها، وهي تقيس بشريط معدني المسافة بين الجدار والعمود الحجري.لم ترفع رأسها فوراً حين دخل. انتظرت حتى انتهى من قياسها، ثم قالت دون أن تنظر إليه:ـ الطابق العلوي أضيق مما يظهر في المخطط. الممر بين الغرفتين الجانبيتين لا يتجاوز متراً وعشرين سنتيمتراً.ـ أعرف. هذا أحد أسباب تأخير الترميم السابق.طوى شريط القياس ببطء، ووضعه داخل الحقيبة. نهضت. كانت قد خلعت حذاءها ووضعته بجانب السلم، تسير الآن بجوارب رفيعة لونها رمادي. لاحظ آدم ذلك، ثم صرف نظره فوراً إلى المخطط الذي يحمله.ـ هل انتهيتِ من الغرف الثلاث؟ـ بقيت غرفة الزاوية. الضوء فيها ضعيف جداً حتى في هذا الوقت.سارا معاً إلى الطابق العلوي. الدرج يصرّ تحت أقدامهما صريراً خفيفاً متقطعاً. في الممر الضيق، اضطر آدم أن يتأخر خطوة خلفها. رائحة خفيفة من عطرها وصلت إليه — شيء نظيف، يشبه رائحة ال
last updateآخر تحديث : 2026-08-22
اقرأ المزيد

الفصل الثالث

في الليلة نفسها، الساعة الحادية عشرة إلا ربعاً، فتح آدم حاسوبه على طاولة المكتب في شقته. الشقة هادئة، الإضاءة خافتة، والنافذة تطل على مبنى مقابل مظلم. وصلته رسالة من ليّان فهد في تمام التاسعة والنصف. العنوان كان بسيطاً: «ملخص قياسات اليوم – فيلا الراجحي».فتح المرفق.كانت الصفحات مرتبة بدقة: قياسات، ملاحظات قصيرة، واقتراحات أولية لتوزيع الإضاءة في غرفة الزاوية. في نهاية الصفحة الثانية، جملة واحدة لم تكن تقنية تماماً:«الغرفة تحتاج إلى ضوء طبيعي أكثر مما يسمح به الوضع الحالي للنافذة. أقترح دراسة توسيع بسيط إذا كان الهيكل يسمح».قرأ الجملة مرتين. ثم أغلق الملف، وفتحه مجدداً بعد دقيقة. لم يكن هناك ما يستدعي الرد الفوري، لكنه كتب رسالة قصيرة:«استلمت الملخص. سأراجع الهيكل غداً صباحاً مع المهندس الإنشائي. شكراً على الدقة».أرسلها، ثم ظلّ ينظر إلى الشاشة حتى اختفى مؤشر الإرسال. بعد ربع ساعة وصلت إجابة قصيرة:«حسناً. صباح الخير مسبقاً».ابتسم دون أن يلاحظ. ثم محا الابتسامة فوراً، وأغلق الحاسوب.في اليوم التالي وصل إلى الفيلا قبل الثامنة. العمال لم يكونوا قد حضروا بعد. المكان فارغ تماماً، وال
last updateآخر تحديث : 2026-08-22
اقرأ المزيد

الفصل 5: الشريط على الحافة

في الصباح التالي كانت السماء مغطاة بغيوم رمادية خفيفة لا تبدو مستعجلة على الرحيل. الهواء بارد نسبياً، ورائحة الرطوبة تختلط بغبار الحجر القديم منذ اللحظة التي فتحت فيها ليّان باب الفيلا. وصلت متأخرة ربع ساعة عن موعدها المعتاد، ليس لأن شيئاً أخرها حقاً، بل لأن خطواتها في الطريق كانت أبطأ مما ينبغي، وكأن جزءاً منها كان يؤخر الوصول عمداً.صعدت الدرج الخشبي برفق. كل درجة كانت تصرّ صريراً مألوفاً الآن، صريراً حفظته أذناها في الأيام القليلة الماضية. عند باب غرفة الزاوية توقفت لحظة قبل أن تدخل. كانت تعرف أنه سيكون هناك. لم تكن بحاجة إلى أن تسمعه أو تراه؛ المكان نفسه كان يفصح عن حضوره بهدوء ثقيل.دخلَت.كان يقف عند النافذة، ظهره إليها، ينظر إلى الحديقة المهملة. الشريط المعدني كان مستلقياً على الحافة الخشبية في المكان نفسه الذي تركه فيه بالأمس. لم يتحرك حين سمعت خطواتها، فقط قال بصوت منخفض دون أن يلتفت:ـ صباح الخير.ـ صباح الخير.اقتربت ببطء. وضعت حقيبتها على الأرض بجانب الجدار، ثم تقدمت نحو النافذة. التقطت الشريط المعدني بأطراف أصابعها، طوته مرة واحدة بعناية، وأدخلته في جيب معطفها الخفيف دون
last updateآخر تحديث : 2026-08-22
اقرأ المزيد

الفصل 6: الدرجات الثلاث

بعد الظهر بساعة تقريباً نزل آدم إلى الطابق السفلي. كان الصوت الخافت للمنشار اليدوي يصل إليه من جهة الدرج، مختلطاً برائحة الخشب المنشور حديثاً. وجد ليّان واقفة إلى جانب النجار، تشير إلى إحدى الدرجات المتآكلة بإصبعها، وهي تتحدث بصوت هادئ واضح. النجار، رجل في أواخر الأربعين يرتدي مريلة قماشية قديمة، كان يومئ برأسه ويشرح لها الفرق بين الخشب الأصلي والخشب الجديد الذي يمكن أن يُستخدم للتعويض.حين رآها آدم توقف خطوة قبل أن يصل إليهما. كانت قد خلعت معطفها وعلقته على درابزين الدرج، وبدت في بلوزتها البيضاء أكثر رشاقة مما تبدو حين تكون مغطاة. شعرها ما زال مربوطاً إلى الخلف، لكن خصلة صغيرة أفلتت وسقطت على جانب عنقها. لم تصلحها.اقترب.ـ كيف الحال هنا؟التفتت إليه. لم تبدُ متفاجئة.ـ الدرجات الثلاث الوسطى متآكلة من الأطراف أكثر مما ظهر في الصور الأولية. النجار يقترح استبدالها بالكامل، وأنا أحاول إقناعه بالإبقاء على الجزء الداخلي الأصلي وملء الأطراف فقط.النجار رفع يديه كأنّه يستسلم مسبقاً.ـ يا أستاذة، الخشب القديم هش. إذا ضغطنا عليه كثيراً قد ينكسر لاحقاً تحت الاستخدام.آدم انحنى ليفحص الدرجة الو
last updateآخر تحديث : 2026-08-22
اقرأ المزيد

الفصل 7: بعد أن يهدأ المكان

في الساعة السادسة مساءً كان معظم العمال قد غادروا. الفيلا عادت إلى هدوئها الثقيل المعتاد، ذلك الهدوء الذي يبدو وكأنه كان ينتظر رحيل الأصوات ليعلن عن نفسه من جديد. آدم بقي في غرفة الزاوية يراجع المخططات على جهازه اللوحي، جالساً على الحافة الخشبية للنافذة، والضوء الخارجي يميل بسرعة نحو الرمادي الداكن.وصلت الرسالة في السادسة والربع. «النسخة المحدثة من المخططات – نافذة غرفة الزاوية + تعديلات الدرج». فتح الملف. كانت التعديلات دقيقة وواضحة، مرسومة بخطها الهادئ نفسه الذي صارت عيناه تتعرفان عليه من النظرة الأولى. في هامش الصفحة الأخيرة جملة قصيرة:«أضفت اقتراحاً اختيارياً للإضاءة الجانبية على الدرج. يمكن تجاهله إذا بدا زائداً».ابتسم دون أن يلاحظ. كتب رداً مختصراً:«استلمت. الاقتراح غير زائد. سأراجعه الليلة».أرسل، ثم ظلّ ينظر إلى الشاشة. بعد دقيقتين ظهرت علامة «تمت القراءة». لم تأتِ إجابة فورية. أعاد الجهاز إلى الحافة، ونظر من النافذة إلى الحديقة التي كانت تغرق تدريجياً في العتمة. شجرة الليمون صارت مجرد شكل داكن، أغصانها السفلية الخضراء لم تعد مرئية.سمع صوت باب في الأسفل يُفتح ويُغلق. خطوا
last updateآخر تحديث : 2026-08-22
اقرأ المزيد

الفصل 8: ما بعد الضوء الأصفر

في الصباح التالي وصلت ليّان إلى الفيلا في السابعة والنصف، قبل الموعد الذي اتفقا عليه بثلاثين دقيقة. لم تكن قد خططت لذلك بوعي. ببساطة استيقظت باكراً، وجلست على حافة السرير وقتاً أطول من المعتاد، ثم وجدت نفسها في السيارة تتجه إلى الزقاق الحجري قبل أن يكتمل ضوء النهار.الفيلا كانت لا تزال مغلقة. لا أصوات عمال، ولا شاحنات، ولا حركة. الهواء بارد ونظيف، ورائحة الثرى الرطب بعد ليل هادئ تملأ المكان. أخرجت المفتاح الاحتياطي الذي أعطاها إياه المقاول في اليوم الأول، وفتحت الباب برفق. الصالة الكبيرة استقبلتها بظلالها الرمادية وصمتها المعتاد. صعدت الدرج بخطوات خفيفة، كأنها تخشى أن توقظ شيئاً نائماً داخل الجدران.غرفة الزاوية كانت فارغة. المصباح الأصفر المؤقت ما زال معلقاً في مكانه، مطفأ الآن. اقتربت من النافذة. الحافة الخشبية باردة تحت أصابعها. نظرت إلى الحديقة؛ شجرة الليمون بدت أوضح في ضوء الصباح الباكر، والأغصان السفلية تحتفظ بخضرتها العنيدة. تذكرت الضوء الأصفر الذي رأته في المرآة الخلفية الليلة الماضية، وعرفت أنه بقي هنا بعد أن غادرت. لم تسأل نفسها لماذا بقي، لأن الإجابة كانت ستفتح باباً لم تكن
last updateآخر تحديث : 2026-08-22
اقرأ المزيد

الفصل 9: الفتحة الجديدة

العمل في توسيع النافذة استغرق معظم اليوم. بحلول الظهيرة كانت الفتحة قد اتسعت بالمقدار المتفق عليه، والإطار الخشبي القديم أُزيل بالكامل، والحجر المحيط به بدا مكشوفاً وخشناً تحت ضوء الشمس المباشر. الغرفة تغيّرت. الهواء صار يدخل بقوة أكبر، وحركة الغبار في الفضاء صارت أسرع، والصوت القادم من الحديقة أوضح مما كان في أي يوم سابق.ليّان وقفت طويلاً أمام الفتحة الجديدة بعد أن توقف العمال عن العمل لاستراحة الغداء. كانت يداها في جيبي معطفها، وعيناها تتنقلان بين الحديقة والجدار الذي صار الآن أكثر انفتاحاً على الخارج. شعرت أن الغرفة فقدت شيئاً من خصوصيتها السابقة، ذلك الإحساس بالانغلاق الدافئ الذي كان يحيط بهما حين كانا يجلسان على الحافة القديمة. الآن صارت المساحة مكشوفة أكثر، والحدود بين الداخل والخارج أقل وضوحاً.آدم عاد من حديث قصير مع المقاول في الأسفل فوجدها كذلك. اقترب ببطء، ووقف إلى جانبها دون أن يتكلم فوراً. الريح كانت تلعب بخصلة الشعر التي أفلتت من ربطتها مرة أخرى، وهو راقبها وهي تعيدها إلى مكانها خلف أذنها للمرة الثالثة خلال دقائق.ـ الفتحة أكبر مما بدت في المخطط ـ قالت أخيراً.ـ قليلاً.
last updateآخر تحديث : 2026-08-22
اقرأ المزيد

الفصل 10: الستارة الثقيلة

في الليلة نفسها، بعد أن عادت ليّان إلى شقتها، لم تُشعل إلا مصباحاً واحداً في زاوية غرفة المعيشة. الشقة صغيرة ومرتبة بدقة، الجدران بيضاء، والأثاث قليل وأنيق بخطوط بسيطة. على الطاولة المنخفضة كان هناك كوب شاي لم يُشرب منه إلا نصفه، ودفتر مفتوح على صفحة فارغة.جلست على الأرض مستندة إلى الأريكة، وفتحت حاسوبها. أرسلت له التحديث الصغير على مخطط الإضاءة كما وعدت، ثم ظلت تنظر إلى الشاشة بعد أن ظهر إشعار «تم الإرسال». لم تغلق الجهاز. انتظرت.بعد اثنتين وعشرين دقيقة وصل الرد:«استلمت. التعديل يحل مشكلة الظل على الدرجات الوسطى. شكراً.
هل وصلتِ بأمان؟»قرأت الجملة الأخيرة مرتين. السؤال لم يكن ضرورياً من الناحية المهنية، لكنه كان هناك. كتبت:«وصلت. وأنت؟»«وصلت منذ ساعة. الشقة هادئة كالعادة».ابتسمت رغم نفسها، ثم محَت الابتسامة فوراً كعادة قديمة. كتبت مرة أخرى:«الستارة الثقيلة التي تحدثنا عنها… سأبحث عن قماش مناسب غداً. شيء يحجب الضوء جيداً دون أن يُثقل المكان».«فكرة جيدة. المكان صار مفتوحاً أكثر مما كان».أغلقت الحاسوب بعد ذلك. لم ترد على الجملة الأخيرة. قامت، وأطفأت المصباح، ووقفت في العتمة أم
last updateآخر تحديث : 2026-08-22
اقرأ المزيد

الفصل 11: الجدران البيضاء

في اليوم التالي وصلت ليّان تحمل كيساً ورقياً كبيراً من متجر الأقمشة. وضعت الكيس على الطاولة الخشبية في الصالة السفلية، وأخرجت منه ثلاث عينات من القماش السميك بلون بيج فاتح ورمادي دافئ وأوف وايت. فرشتها الواحد إلى جانب الآخر تحت الضوء القادم من الباب الجانبي.آدم كان يراجع مع النجار التفاصيل الأخيرة للدرج حين رآها. اعتذر من الرجل واقترب. وقف ينظر إلى العينات دون أن يلمسها في البداية.ـ اخترتِ الثلاثة؟ـ نعم. لم أستطع أن أقرر وحدي. الضوء هنا مختلف عن ضوء المتجر.أخذ العينة الأولى بين أصابعه، قلبها، لمس سُمكها، ثم رفعها قليلاً باتجاه الضوء. كرر الحركة مع العينتين الأخريين. ليّان راقبته بهدوء. كانت تلاحظ كيف تتحرك يداه بعناية، وكيف يضيّق عينيه قليلاً حين يركز على ملمس القماش.ـ البيج الفاتح الأنسب ـ قال أخيراً. ـ يحجب جيداً دون أن يُدخل على الغرفة برودة الرمادي، ودون أن يكون الأوف وايت فاتحاً أكثر من اللازم في الليل.ـ كنت أميل إليه أيضاً.ابتسما معاً ابتسامة صغيرة متفاهمة، ثم أعادت هي العينتين الأخريين إلى الكيس وتركت عينة البيج على الطاولة. كتب آدم ملاحظة سريعة في دفتره عن المقاسات المط
last updateآخر تحديث : 2026-08-22
اقرأ المزيد
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status