مشاركة

الفصل الثالث

مؤلف: Hooligan
last update تاريخ النشر: 2026-08-22 02:56:16

في الليلة نفسها، الساعة الحادية عشرة إلا ربعاً، فتح آدم حاسوبه على طاولة المكتب في شقته. الشقة هادئة، الإضاءة خافتة، والنافذة تطل على مبنى مقابل مظلم. وصلته رسالة من ليّان فهد في تمام التاسعة والنصف. العنوان كان بسيطاً: «ملخص قياسات اليوم – فيلا الراجحي».

فتح المرفق.

كانت الصفحات مرتبة بدقة: قياسات، ملاحظات قصيرة، واقتراحات أولية لتوزيع الإضاءة في غرفة الزاوية. في نهاية الصفحة الثانية، جملة واحدة لم تكن تقنية تماماً:

«الغرفة تحتاج إلى ضوء طبيعي أكثر مما يسمح به الوضع الحالي للنافذة. أقترح دراسة توسيع بسيط إذا كان الهيكل يسمح».

قرأ الجملة مرتين. ثم أغلق الملف، وفتحه مجدداً بعد دقيقة. لم يكن هناك ما يستدعي الرد الفوري، لكنه كتب رسالة قصيرة:

«استلمت الملخص. سأراجع الهيكل غداً صباحاً مع المهندس الإنشائي. شكراً على الدقة».

أرسلها، ثم ظلّ ينظر إلى الشاشة حتى اختفى مؤشر الإرسال. بعد ربع ساعة وصلت إجابة قصيرة:

«حسناً. صباح الخير مسبقاً».

ابتسم دون أن يلاحظ. ثم محا الابتسامة فوراً، وأغلق الحاسوب.

في اليوم التالي وصل إلى الفيلا قبل الثامنة. العمال لم يكونوا قد حضروا بعد. المكان فارغ تماماً، والصباح لا يزال بارداً. فتح الباب بالمفتاح الاحتياطي، ودخل. صعد مباشرة إلى غرفة الزاوية. الشريط المعدني الذي تركته بالأمس كان لا يزال في جيبه. أخرجه ووضعه على حافة النافذة حيث وجدته أول مرة.

وقف أمام النافذة ينظر إلى الحديقة المهملة. الأعشاب طويلة، وشجرة ليمون قديمة في الزاوية تبدو كأنها لم تُقلَّم منذ سنوات. تذكر جملتها: «الحديقة تحتاج إلى إعادة زراعة كاملة». لم يكن من اختصاصه، كما قال، لكن الفكرة ظلت عالقة.

سمع صوت الباب الخارجي يُفتح في الأسفل. خطوات خفيفة على الدرج. عرفها قبل أن تظهر.

دخلت ليّان الغرفة وهي تحمل كوباً ورقياً من القهوة، وحقيبتها على كتفها. توقفت حين رأته.

ـ صباح الخير. لم أتوقع أن تكون مبكراً إلى هذا الحد.

ـ جئت لأفحص الهيكل قبل وصول المقاول.

مدّت له الكوب الثاني الذي كانت تحمله.

ـ أحضرت واحداً إضافياً. لم أكن أعرف إن كنت تشرب القهوة أم لا.

أخذ الكوب. أصابعه لامست الكرتون الدافئ، وشعرت بحرارة خفيفة تنتقل إلى راحة يده.

ـ أشربها. شكراً.

وقفا يشربان في صمت. البخار يصعد بين وجوههما ثم يتلاشى. ليّان نظرت إلى الشريط المعدني على حافة النافذة.

ـ تركته بالأمس.

ـ وجدته. أعدته إلى مكانه.

ابتسامة صغيرة ظهرت في زاوية فمها ثم اختفت. اقتربت من النافذة، وضعت كوبها على الحافة بجانب الشريط، ورفعت الستارة الممزقة مرة أخرى.

ـ هل راجعت الهيكل؟

ـ ليس بعد. المهندس الإنشائي سيصل خلال ساعة.

أومأت. ثم قالت وهي لا تزال تنظر إلى الخارج:

ـ المكان يبدو مختلفاً في الصباح الباكر. أقل ثقلاً.

آدم لم يرد فوراً. شرب رشفة من القهوة، وكانت أقوى مما اعتاد. وضع الكوب بجانب كوبها.

ـ الضوء يأتي من جهة الشرق أولاً. لهذا تبدو الغرفة أوضح الآن.

التفتت إليه. عيناها بدتا أقل تعباً من الأمس، أو ربما كان الضوء هو السبب. نظرت إلى يده التي لا تزال تمسك بالكوب، ثم رفعت نظرها إلى وجهه.

ـ هل تسكن بعيداً عن هنا؟

السؤال فاجأه قليلاً. لم يكن متوقعاً في هذا السياق.

ـ في الجانب الآخر من المدينة. نصف ساعة تقريباً إذا لم يكن الزحام شديداً.

ـ أنا أقرب. عشر دقائق.

سكتا مجدداً. هذه المرة لم يكن الصمت ثقيلاً كما في الأمس، لكنه لم يكن خفيفاً أيضاً. كان معلقاً بينهما مثل الغبار الذي يتحرك في الشريط الضوئي.

من الأسفل جاء صوت شاحنة صغيرة تتوقف، ثم أصوات عمال. كُسر الهدوء.

ليّان أخذت كوبها.

ـ سأنزل لأتأكد من وصول المواد التي طلبتها أمس.

ـ حسناً.

خرجت. سمع خطواتها وهي تنزل، ثم صوتها وهي ترحب بأحد العمال بصوت أوضح قليلاً مما استخدمته معه.

آدم بقي عند النافذة. نظر إلى الكوبين الفارغين تقريباً، جنباً إلى جنب، وإلى الشريط المعدني بينهما. بعد لحظة مدّ يده وأعاد الشريط إلى جيبه مرة أخرى.

في الأسفل، ليّان وقفت خلف الشاحنة تتحدث مع المورد. كانت تكتب في دفترها، ورأسها مائل بالطريقة نفسها التي لاحظها بالأمس. حين رفعت رأسها بالصدفة نحو نافذة غرفة الزاوية، وجدته لا يزال يقف هناك. أبعدت نظرها فوراً، وعادت إلى الحديث مع الرجل.

آدم تراجع خطوة إلى داخل الغرفة، بعيداً عن الضوء.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • ظلّ في غرفة بيضاء   الفصل 11: الجدران البيضاء

    في اليوم التالي وصلت ليّان تحمل كيساً ورقياً كبيراً من متجر الأقمشة. وضعت الكيس على الطاولة الخشبية في الصالة السفلية، وأخرجت منه ثلاث عينات من القماش السميك بلون بيج فاتح ورمادي دافئ وأوف وايت. فرشتها الواحد إلى جانب الآخر تحت الضوء القادم من الباب الجانبي.آدم كان يراجع مع النجار التفاصيل الأخيرة للدرج حين رآها. اعتذر من الرجل واقترب. وقف ينظر إلى العينات دون أن يلمسها في البداية.ـ اخترتِ الثلاثة؟ـ نعم. لم أستطع أن أقرر وحدي. الضوء هنا مختلف عن ضوء المتجر.أخذ العينة الأولى بين أصابعه، قلبها، لمس سُمكها، ثم رفعها قليلاً باتجاه الضوء. كرر الحركة مع العينتين الأخريين. ليّان راقبته بهدوء. كانت تلاحظ كيف تتحرك يداه بعناية، وكيف يضيّق عينيه قليلاً حين يركز على ملمس القماش.ـ البيج الفاتح الأنسب ـ قال أخيراً. ـ يحجب جيداً دون أن يُدخل على الغرفة برودة الرمادي، ودون أن يكون الأوف وايت فاتحاً أكثر من اللازم في الليل.ـ كنت أميل إليه أيضاً.ابتسما معاً ابتسامة صغيرة متفاهمة، ثم أعادت هي العينتين الأخريين إلى الكيس وتركت عينة البيج على الطاولة. كتب آدم ملاحظة سريعة في دفتره عن المقاسات المط

  • ظلّ في غرفة بيضاء   الفصل 10: الستارة الثقيلة

    في الليلة نفسها، بعد أن عادت ليّان إلى شقتها، لم تُشعل إلا مصباحاً واحداً في زاوية غرفة المعيشة. الشقة صغيرة ومرتبة بدقة، الجدران بيضاء، والأثاث قليل وأنيق بخطوط بسيطة. على الطاولة المنخفضة كان هناك كوب شاي لم يُشرب منه إلا نصفه، ودفتر مفتوح على صفحة فارغة.جلست على الأرض مستندة إلى الأريكة، وفتحت حاسوبها. أرسلت له التحديث الصغير على مخطط الإضاءة كما وعدت، ثم ظلت تنظر إلى الشاشة بعد أن ظهر إشعار «تم الإرسال». لم تغلق الجهاز. انتظرت.بعد اثنتين وعشرين دقيقة وصل الرد:«استلمت. التعديل يحل مشكلة الظل على الدرجات الوسطى. شكراً.
هل وصلتِ بأمان؟»قرأت الجملة الأخيرة مرتين. السؤال لم يكن ضرورياً من الناحية المهنية، لكنه كان هناك. كتبت:«وصلت. وأنت؟»«وصلت منذ ساعة. الشقة هادئة كالعادة».ابتسمت رغم نفسها، ثم محَت الابتسامة فوراً كعادة قديمة. كتبت مرة أخرى:«الستارة الثقيلة التي تحدثنا عنها… سأبحث عن قماش مناسب غداً. شيء يحجب الضوء جيداً دون أن يُثقل المكان».«فكرة جيدة. المكان صار مفتوحاً أكثر مما كان».أغلقت الحاسوب بعد ذلك. لم ترد على الجملة الأخيرة. قامت، وأطفأت المصباح، ووقفت في العتمة أم

  • ظلّ في غرفة بيضاء   الفصل 9: الفتحة الجديدة

    العمل في توسيع النافذة استغرق معظم اليوم. بحلول الظهيرة كانت الفتحة قد اتسعت بالمقدار المتفق عليه، والإطار الخشبي القديم أُزيل بالكامل، والحجر المحيط به بدا مكشوفاً وخشناً تحت ضوء الشمس المباشر. الغرفة تغيّرت. الهواء صار يدخل بقوة أكبر، وحركة الغبار في الفضاء صارت أسرع، والصوت القادم من الحديقة أوضح مما كان في أي يوم سابق.ليّان وقفت طويلاً أمام الفتحة الجديدة بعد أن توقف العمال عن العمل لاستراحة الغداء. كانت يداها في جيبي معطفها، وعيناها تتنقلان بين الحديقة والجدار الذي صار الآن أكثر انفتاحاً على الخارج. شعرت أن الغرفة فقدت شيئاً من خصوصيتها السابقة، ذلك الإحساس بالانغلاق الدافئ الذي كان يحيط بهما حين كانا يجلسان على الحافة القديمة. الآن صارت المساحة مكشوفة أكثر، والحدود بين الداخل والخارج أقل وضوحاً.آدم عاد من حديث قصير مع المقاول في الأسفل فوجدها كذلك. اقترب ببطء، ووقف إلى جانبها دون أن يتكلم فوراً. الريح كانت تلعب بخصلة الشعر التي أفلتت من ربطتها مرة أخرى، وهو راقبها وهي تعيدها إلى مكانها خلف أذنها للمرة الثالثة خلال دقائق.ـ الفتحة أكبر مما بدت في المخطط ـ قالت أخيراً.ـ قليلاً.

  • ظلّ في غرفة بيضاء   الفصل 8: ما بعد الضوء الأصفر

    في الصباح التالي وصلت ليّان إلى الفيلا في السابعة والنصف، قبل الموعد الذي اتفقا عليه بثلاثين دقيقة. لم تكن قد خططت لذلك بوعي. ببساطة استيقظت باكراً، وجلست على حافة السرير وقتاً أطول من المعتاد، ثم وجدت نفسها في السيارة تتجه إلى الزقاق الحجري قبل أن يكتمل ضوء النهار.الفيلا كانت لا تزال مغلقة. لا أصوات عمال، ولا شاحنات، ولا حركة. الهواء بارد ونظيف، ورائحة الثرى الرطب بعد ليل هادئ تملأ المكان. أخرجت المفتاح الاحتياطي الذي أعطاها إياه المقاول في اليوم الأول، وفتحت الباب برفق. الصالة الكبيرة استقبلتها بظلالها الرمادية وصمتها المعتاد. صعدت الدرج بخطوات خفيفة، كأنها تخشى أن توقظ شيئاً نائماً داخل الجدران.غرفة الزاوية كانت فارغة. المصباح الأصفر المؤقت ما زال معلقاً في مكانه، مطفأ الآن. اقتربت من النافذة. الحافة الخشبية باردة تحت أصابعها. نظرت إلى الحديقة؛ شجرة الليمون بدت أوضح في ضوء الصباح الباكر، والأغصان السفلية تحتفظ بخضرتها العنيدة. تذكرت الضوء الأصفر الذي رأته في المرآة الخلفية الليلة الماضية، وعرفت أنه بقي هنا بعد أن غادرت. لم تسأل نفسها لماذا بقي، لأن الإجابة كانت ستفتح باباً لم تكن

  • ظلّ في غرفة بيضاء   الفصل 7: بعد أن يهدأ المكان

    في الساعة السادسة مساءً كان معظم العمال قد غادروا. الفيلا عادت إلى هدوئها الثقيل المعتاد، ذلك الهدوء الذي يبدو وكأنه كان ينتظر رحيل الأصوات ليعلن عن نفسه من جديد. آدم بقي في غرفة الزاوية يراجع المخططات على جهازه اللوحي، جالساً على الحافة الخشبية للنافذة، والضوء الخارجي يميل بسرعة نحو الرمادي الداكن.وصلت الرسالة في السادسة والربع. «النسخة المحدثة من المخططات – نافذة غرفة الزاوية + تعديلات الدرج». فتح الملف. كانت التعديلات دقيقة وواضحة، مرسومة بخطها الهادئ نفسه الذي صارت عيناه تتعرفان عليه من النظرة الأولى. في هامش الصفحة الأخيرة جملة قصيرة:«أضفت اقتراحاً اختيارياً للإضاءة الجانبية على الدرج. يمكن تجاهله إذا بدا زائداً».ابتسم دون أن يلاحظ. كتب رداً مختصراً:«استلمت. الاقتراح غير زائد. سأراجعه الليلة».أرسل، ثم ظلّ ينظر إلى الشاشة. بعد دقيقتين ظهرت علامة «تمت القراءة». لم تأتِ إجابة فورية. أعاد الجهاز إلى الحافة، ونظر من النافذة إلى الحديقة التي كانت تغرق تدريجياً في العتمة. شجرة الليمون صارت مجرد شكل داكن، أغصانها السفلية الخضراء لم تعد مرئية.سمع صوت باب في الأسفل يُفتح ويُغلق. خطوا

  • ظلّ في غرفة بيضاء   الفصل 6: الدرجات الثلاث

    بعد الظهر بساعة تقريباً نزل آدم إلى الطابق السفلي. كان الصوت الخافت للمنشار اليدوي يصل إليه من جهة الدرج، مختلطاً برائحة الخشب المنشور حديثاً. وجد ليّان واقفة إلى جانب النجار، تشير إلى إحدى الدرجات المتآكلة بإصبعها، وهي تتحدث بصوت هادئ واضح. النجار، رجل في أواخر الأربعين يرتدي مريلة قماشية قديمة، كان يومئ برأسه ويشرح لها الفرق بين الخشب الأصلي والخشب الجديد الذي يمكن أن يُستخدم للتعويض.حين رآها آدم توقف خطوة قبل أن يصل إليهما. كانت قد خلعت معطفها وعلقته على درابزين الدرج، وبدت في بلوزتها البيضاء أكثر رشاقة مما تبدو حين تكون مغطاة. شعرها ما زال مربوطاً إلى الخلف، لكن خصلة صغيرة أفلتت وسقطت على جانب عنقها. لم تصلحها.اقترب.ـ كيف الحال هنا؟التفتت إليه. لم تبدُ متفاجئة.ـ الدرجات الثلاث الوسطى متآكلة من الأطراف أكثر مما ظهر في الصور الأولية. النجار يقترح استبدالها بالكامل، وأنا أحاول إقناعه بالإبقاء على الجزء الداخلي الأصلي وملء الأطراف فقط.النجار رفع يديه كأنّه يستسلم مسبقاً.ـ يا أستاذة، الخشب القديم هش. إذا ضغطنا عليه كثيراً قد ينكسر لاحقاً تحت الاستخدام.آدم انحنى ليفحص الدرجة الو

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status