تسجيل الدخول
كانت الفيلا تقف في نهاية الزقاق كأنّها تنتظر منذ زمن طويل أن يُفتح بابها مجدداً. جدرانها الخارجية بلون الحجر الرملي الباهت، والنوافذ العالية مغلقة بستائر بيضاء قديمة تهتز قليلاً مع كل نسمة. في الداخل، رائحة الغبار المختلط برائحة الخشب المعالج حديثاً، وأصوات عمال بعيدة تأتي من الطابق العلوي كهمس متقطع.
آدم راشد وقف في وسط الصالة الكبيرة، يمسك بمخطط مطبوع على ورقة سميكة، ينظر إلى الجدار الشرقي الذي كان يجب أن يُعاد بناؤه جزئياً. الساعة تقترب من العاشرة صباحاً، والشمس تدخل من النافذة الجانبية في شريط ضيق يسقط على الأرضية الخشبية فيرسم مستطيلاً باهتاً. كان يرتدي قميصاً أبيض بأكمام مطوية حتى المرفقين، وسراويل رمادية داكنة، وحذاءً أسود نظيفاً رغم الغبار. شعره القصير مرتب، وملامحه هادئة إلى درجة تبدو شبه فارغة. سمع خطوات خفيفة خلفه، ثم صوت امرأة يقول: ـ صباح الخير. أنا ليّان فهد. التفت ببطء. كانت تقف على بعد خطوات، تحمل حقيبة جلدية بنية فاتحة، وملفاً أسود تحت ذراعها. طولها متوسط، شعرها الأسود مربوط إلى الخلف بطريقة بسيطة تُظهر جبينها، وترتدي بلوزة بيضاء وبنطالاً أسود. لم تكن تبتسم، لكن عينيها كانتا واسعتين ومباشرتين. مدّ يده دون أن يقترب أكثر مما ينبغي. ـ آدم راشد. مهندس المشروع. صافحته. كانت يدها باردة قليلاً، والضغط خفيفاً وقصيراً. أبعد يده فوراً ووضعها في جيبه. ـ سررت بلقائك ـ قالت، ونظرت حوله إلى الصالة. ـ المكان أكبر مما بدا في الصور. ـ نعم. السقف يحتاج إلى دعم إضافي في الزاوية الشمالية. والخشب في الدرج أصلي، لكن بعضه متآكل. أومأت برأسها، وفتحت الملف الذي كانت تحمله. أخرجت صوراً مطبوعة وملاحظات مكتوبة بخط صغير منظم. اقتربت من الطاولة الخشبية القديمة التي وُضعت في الوسط كطاولة عمل مؤقتة، ووضعت الأوراق فوقها. آدم راقب حركتها من طرف عينه. كانت أصابعها طويلة، وتتوقف لبرهة قبل أن تقلب الصفحة، كأنّها تتأكد من شيء. حين رفعت رأسها ونظرت إليه مرة أخرى، لاحظ أن عينيها لونهما بني غامق، وفيهما شيء من التعب الخفي الذي لا يظهر في الصوت. ـ هل راجعتِ المخططات التي أرسلتها الأسبوع الماضي؟ ـ سأل. ـ راجعتها. لديّ ملاحظات على توزيع الإضاءة في الصالة وعلى نوع الخشب المقترح للأرضية في غرفة المعيشة. أفضّل أن نحافظ على الطابع الأصلي قدر الإمكان. ـ هذا ما أريده أيضاً. سكتا لحظة. الصوت الوحيد كان طرق مطرقة بعيدة من الطابق العلوي، ثم صمت. نظر آدم إلى المخطط مجدداً، لكنها كانت لا تزال واقفة أمام الطاولة، تنتظر شيئاً أو تفكر في شيء. ليّان لاحظت طريقة وقوفه. كان مستقيم الظهر، لكن كتفيه تبدوان مشدودتين قليلاً، كأنّه يحمل وزناً غير مرئي. حين يتكلم، صوته منخفض ومنضبط، لا يرتفع ولا ينخفض كثيراً. نظرت إلى يديه وهما تمسكان الورقة: أظافر قصيرة ونظيفة، ولا خاتم في أي إصبع. ـ هل نبدأ من الصالة أم من الطابق العلوي؟ ـ سألت. ـ الصالة أولاً. الضوء أفضل هنا الآن. سارا معاً نحو الجدار الشرقي. كانت المسافة بينهما مترين تقريباً، كافية لأن لا تلمس يد أحدهما يد الآخر بالصدفة. آدم شرح لها المشكلة في الجدار بصوت هادئ، مشيراً بيده دون أن يقترب. ليّان كانت تستمع، وأحياناً تكتب ملاحظة سريعة في دفترها الصغير. حين انحنت قليلاً لتفحص الشقوق في الحجر، سقطت خصلة شعر من ربطتها ولم تصلحها فوراً. آدم لاحظ ذلك. لاحظ أيضاً أن ساعة يدها كانت بسيطة، وأنها تتنفس ببطء، كأنّها تتعمد تهدئة شيء داخلها. بعد عشر دقائق، توقفا عند النافذة الكبيرة. الشمس كانت أعلى الآن، والضوء يملأ المكان أكثر. ليّان وضعت يدها على حافة النافذة، ثم سحبتها بسرعة كأنّ السطح كان بارداً أكثر مما توقعت. ـ الفيلا فارغة منذ متى؟ ـ سألت دون أن تنظر إليه. ـ سبع سنوات تقريباً. العائلة قررت أخيراً ترميمها لتكون بيت ضيافة. أومأت. ثم قالت بصوت أهدأ: ـ المكان يشعر بالبرد رغم الشمس. لم يرد آدم فوراً. نظر إلى الشريط الضوئي على الأرض، ثم قال: ـ الجدران سميكة. تحتفظ بالبرودة. سكتا مجدداً. هذه المرة كان الصمت أثقل قليلاً. ليّان فتحت ملفها مرة أخرى دون حاجة حقيقية، وآدم عاد إلى النظر في المخطط الذي يحمله، رغم أنه كان يعرفه عن ظهر قلب. من الطابق العلوي جاء صوت عامل ينادي على زميله. كسر الصوت اللحظة. ليّان أغلقت الملف وقالت: ـ سأحتاج إلى قياس الغرف العلوية بعد الظهر، إذا كان ذلك مناسباً. ـ مناسب. سأكون هنا حتى الخامسة. نظرت إليه لحظة أطول هذه المرة. لم تبتسم، لكنه شعر أنها كانت تزن شيئاً في داخلها. ثم أبعدت نظرها وقالت: ـ حسناً. إلى الظهر إذاً. ابتعدت نحو الباب الذي يؤدي إلى الدرج. خطواتها كانت هادئة، وحقيبتها تتأرجح قليلاً مع حركتها. آدم بقي مكانه، يسمع صوت خطواتها وهي تصعد، ثم تختفي. عاد إلى الطاولة، وضع المخطط فوقها، ووقف ينظر إلى النافذة. الضوء كان لا يزال يسقط على الأرض في المستطيل نفسه، لكن الغبار الذي يتحرك داخله بدا أكثر وضوحاً الآن. في الطابق العلوي، ليّان توقفت في الممر الضيق، وضعت يدها على الحائط البارد للحظة، ثم سحبتها. فتحت دفترها وكتبت جملة قصيرة لم تكن متعلقة بالقياسات: «صوته هادئ أكثر مما ينبغي». أغلقت الدفتر، وتنفست بعمق، ومشت نحو الغرفة الأولى.في اليوم التالي وصلت ليّان تحمل كيساً ورقياً كبيراً من متجر الأقمشة. وضعت الكيس على الطاولة الخشبية في الصالة السفلية، وأخرجت منه ثلاث عينات من القماش السميك بلون بيج فاتح ورمادي دافئ وأوف وايت. فرشتها الواحد إلى جانب الآخر تحت الضوء القادم من الباب الجانبي.آدم كان يراجع مع النجار التفاصيل الأخيرة للدرج حين رآها. اعتذر من الرجل واقترب. وقف ينظر إلى العينات دون أن يلمسها في البداية.ـ اخترتِ الثلاثة؟ـ نعم. لم أستطع أن أقرر وحدي. الضوء هنا مختلف عن ضوء المتجر.أخذ العينة الأولى بين أصابعه، قلبها، لمس سُمكها، ثم رفعها قليلاً باتجاه الضوء. كرر الحركة مع العينتين الأخريين. ليّان راقبته بهدوء. كانت تلاحظ كيف تتحرك يداه بعناية، وكيف يضيّق عينيه قليلاً حين يركز على ملمس القماش.ـ البيج الفاتح الأنسب ـ قال أخيراً. ـ يحجب جيداً دون أن يُدخل على الغرفة برودة الرمادي، ودون أن يكون الأوف وايت فاتحاً أكثر من اللازم في الليل.ـ كنت أميل إليه أيضاً.ابتسما معاً ابتسامة صغيرة متفاهمة، ثم أعادت هي العينتين الأخريين إلى الكيس وتركت عينة البيج على الطاولة. كتب آدم ملاحظة سريعة في دفتره عن المقاسات المط
في الليلة نفسها، بعد أن عادت ليّان إلى شقتها، لم تُشعل إلا مصباحاً واحداً في زاوية غرفة المعيشة. الشقة صغيرة ومرتبة بدقة، الجدران بيضاء، والأثاث قليل وأنيق بخطوط بسيطة. على الطاولة المنخفضة كان هناك كوب شاي لم يُشرب منه إلا نصفه، ودفتر مفتوح على صفحة فارغة.جلست على الأرض مستندة إلى الأريكة، وفتحت حاسوبها. أرسلت له التحديث الصغير على مخطط الإضاءة كما وعدت، ثم ظلت تنظر إلى الشاشة بعد أن ظهر إشعار «تم الإرسال». لم تغلق الجهاز. انتظرت.بعد اثنتين وعشرين دقيقة وصل الرد:«استلمت. التعديل يحل مشكلة الظل على الدرجات الوسطى. شكراً. هل وصلتِ بأمان؟»قرأت الجملة الأخيرة مرتين. السؤال لم يكن ضرورياً من الناحية المهنية، لكنه كان هناك. كتبت:«وصلت. وأنت؟»«وصلت منذ ساعة. الشقة هادئة كالعادة».ابتسمت رغم نفسها، ثم محَت الابتسامة فوراً كعادة قديمة. كتبت مرة أخرى:«الستارة الثقيلة التي تحدثنا عنها… سأبحث عن قماش مناسب غداً. شيء يحجب الضوء جيداً دون أن يُثقل المكان».«فكرة جيدة. المكان صار مفتوحاً أكثر مما كان».أغلقت الحاسوب بعد ذلك. لم ترد على الجملة الأخيرة. قامت، وأطفأت المصباح، ووقفت في العتمة أم
العمل في توسيع النافذة استغرق معظم اليوم. بحلول الظهيرة كانت الفتحة قد اتسعت بالمقدار المتفق عليه، والإطار الخشبي القديم أُزيل بالكامل، والحجر المحيط به بدا مكشوفاً وخشناً تحت ضوء الشمس المباشر. الغرفة تغيّرت. الهواء صار يدخل بقوة أكبر، وحركة الغبار في الفضاء صارت أسرع، والصوت القادم من الحديقة أوضح مما كان في أي يوم سابق.ليّان وقفت طويلاً أمام الفتحة الجديدة بعد أن توقف العمال عن العمل لاستراحة الغداء. كانت يداها في جيبي معطفها، وعيناها تتنقلان بين الحديقة والجدار الذي صار الآن أكثر انفتاحاً على الخارج. شعرت أن الغرفة فقدت شيئاً من خصوصيتها السابقة، ذلك الإحساس بالانغلاق الدافئ الذي كان يحيط بهما حين كانا يجلسان على الحافة القديمة. الآن صارت المساحة مكشوفة أكثر، والحدود بين الداخل والخارج أقل وضوحاً.آدم عاد من حديث قصير مع المقاول في الأسفل فوجدها كذلك. اقترب ببطء، ووقف إلى جانبها دون أن يتكلم فوراً. الريح كانت تلعب بخصلة الشعر التي أفلتت من ربطتها مرة أخرى، وهو راقبها وهي تعيدها إلى مكانها خلف أذنها للمرة الثالثة خلال دقائق.ـ الفتحة أكبر مما بدت في المخطط ـ قالت أخيراً.ـ قليلاً.
في الصباح التالي وصلت ليّان إلى الفيلا في السابعة والنصف، قبل الموعد الذي اتفقا عليه بثلاثين دقيقة. لم تكن قد خططت لذلك بوعي. ببساطة استيقظت باكراً، وجلست على حافة السرير وقتاً أطول من المعتاد، ثم وجدت نفسها في السيارة تتجه إلى الزقاق الحجري قبل أن يكتمل ضوء النهار.الفيلا كانت لا تزال مغلقة. لا أصوات عمال، ولا شاحنات، ولا حركة. الهواء بارد ونظيف، ورائحة الثرى الرطب بعد ليل هادئ تملأ المكان. أخرجت المفتاح الاحتياطي الذي أعطاها إياه المقاول في اليوم الأول، وفتحت الباب برفق. الصالة الكبيرة استقبلتها بظلالها الرمادية وصمتها المعتاد. صعدت الدرج بخطوات خفيفة، كأنها تخشى أن توقظ شيئاً نائماً داخل الجدران.غرفة الزاوية كانت فارغة. المصباح الأصفر المؤقت ما زال معلقاً في مكانه، مطفأ الآن. اقتربت من النافذة. الحافة الخشبية باردة تحت أصابعها. نظرت إلى الحديقة؛ شجرة الليمون بدت أوضح في ضوء الصباح الباكر، والأغصان السفلية تحتفظ بخضرتها العنيدة. تذكرت الضوء الأصفر الذي رأته في المرآة الخلفية الليلة الماضية، وعرفت أنه بقي هنا بعد أن غادرت. لم تسأل نفسها لماذا بقي، لأن الإجابة كانت ستفتح باباً لم تكن
في الساعة السادسة مساءً كان معظم العمال قد غادروا. الفيلا عادت إلى هدوئها الثقيل المعتاد، ذلك الهدوء الذي يبدو وكأنه كان ينتظر رحيل الأصوات ليعلن عن نفسه من جديد. آدم بقي في غرفة الزاوية يراجع المخططات على جهازه اللوحي، جالساً على الحافة الخشبية للنافذة، والضوء الخارجي يميل بسرعة نحو الرمادي الداكن.وصلت الرسالة في السادسة والربع. «النسخة المحدثة من المخططات – نافذة غرفة الزاوية + تعديلات الدرج». فتح الملف. كانت التعديلات دقيقة وواضحة، مرسومة بخطها الهادئ نفسه الذي صارت عيناه تتعرفان عليه من النظرة الأولى. في هامش الصفحة الأخيرة جملة قصيرة:«أضفت اقتراحاً اختيارياً للإضاءة الجانبية على الدرج. يمكن تجاهله إذا بدا زائداً».ابتسم دون أن يلاحظ. كتب رداً مختصراً:«استلمت. الاقتراح غير زائد. سأراجعه الليلة».أرسل، ثم ظلّ ينظر إلى الشاشة. بعد دقيقتين ظهرت علامة «تمت القراءة». لم تأتِ إجابة فورية. أعاد الجهاز إلى الحافة، ونظر من النافذة إلى الحديقة التي كانت تغرق تدريجياً في العتمة. شجرة الليمون صارت مجرد شكل داكن، أغصانها السفلية الخضراء لم تعد مرئية.سمع صوت باب في الأسفل يُفتح ويُغلق. خطوا
بعد الظهر بساعة تقريباً نزل آدم إلى الطابق السفلي. كان الصوت الخافت للمنشار اليدوي يصل إليه من جهة الدرج، مختلطاً برائحة الخشب المنشور حديثاً. وجد ليّان واقفة إلى جانب النجار، تشير إلى إحدى الدرجات المتآكلة بإصبعها، وهي تتحدث بصوت هادئ واضح. النجار، رجل في أواخر الأربعين يرتدي مريلة قماشية قديمة، كان يومئ برأسه ويشرح لها الفرق بين الخشب الأصلي والخشب الجديد الذي يمكن أن يُستخدم للتعويض.حين رآها آدم توقف خطوة قبل أن يصل إليهما. كانت قد خلعت معطفها وعلقته على درابزين الدرج، وبدت في بلوزتها البيضاء أكثر رشاقة مما تبدو حين تكون مغطاة. شعرها ما زال مربوطاً إلى الخلف، لكن خصلة صغيرة أفلتت وسقطت على جانب عنقها. لم تصلحها.اقترب.ـ كيف الحال هنا؟التفتت إليه. لم تبدُ متفاجئة.ـ الدرجات الثلاث الوسطى متآكلة من الأطراف أكثر مما ظهر في الصور الأولية. النجار يقترح استبدالها بالكامل، وأنا أحاول إقناعه بالإبقاء على الجزء الداخلي الأصلي وملء الأطراف فقط.النجار رفع يديه كأنّه يستسلم مسبقاً.ـ يا أستاذة، الخشب القديم هش. إذا ضغطنا عليه كثيراً قد ينكسر لاحقاً تحت الاستخدام.آدم انحنى ليفحص الدرجة الو







