مشاركة

الفصل الثاني

مؤلف: Hooligan
last update تاريخ النشر: 2026-08-22 02:55:53

عند الثانية والنصف بعد الظهر، عاد آدم إلى الفيلا بعد أن أنهى اجتماعاً قصيراً مع المقاول في المكتب المؤقت خارج السور. كانت الشمس قد مالت قليلاً، والضوء داخل الصالة صار أميل إلى الاصفرار. وجد ليّان جالسة على الدرجة الثالثة من السلم الخشبي، دفترها مفتوح على ركبتيها، وهي تقيس بشريط معدني المسافة بين الجدار والعمود الحجري.

لم ترفع رأسها فوراً حين دخل. انتظرت حتى انتهى من قياسها، ثم قالت دون أن تنظر إليه:

ـ الطابق العلوي أضيق مما يظهر في المخطط. الممر بين الغرفتين الجانبيتين لا يتجاوز متراً وعشرين سنتيمتراً.

ـ أعرف. هذا أحد أسباب تأخير الترميم السابق.

طوى شريط القياس ببطء، ووضعه داخل الحقيبة. نهضت. كانت قد خلعت حذاءها ووضعته بجانب السلم، تسير الآن بجوارب رفيعة لونها رمادي. لاحظ آدم ذلك، ثم صرف نظره فوراً إلى المخطط الذي يحمله.

ـ هل انتهيتِ من الغرف الثلاث؟

ـ بقيت غرفة الزاوية. الضوء فيها ضعيف جداً حتى في هذا الوقت.

سارا معاً إلى الطابق العلوي. الدرج يصرّ تحت أقدامهما صريراً خفيفاً متقطعاً. في الممر الضيق، اضطر آدم أن يتأخر خطوة خلفها. رائحة خفيفة من عطرها وصلت إليه — شيء نظيف، يشبه رائحة الكتان المغسول حديثاً — ثم اختفت حين ابتعدت.

غرفة الزاوية كانت أصغر الغرف. نافذتها الوحيدة تطل على الحديقة الخلفية المهملة، والستارة البيضاء القديمة ممزقة من أحد أطرافها. ليّان وقفت أمام النافذة، رفعت الستارة بأصابعها، ونظرت إلى الخارج لحظة طويلة.

ـ الحديقة تحتاج إلى إعادة زراعة كاملة — قالت بصوت هادئ.

ـ ليس من اختصاصي.

ابتسمت للمرة الأولى، ابتسامة صغيرة وسريعة اختفت قبل أن تكتمل.

ـ أعرف.

عادت إلى وسط الغرفة، وفتحت دفترها مجدداً. آدم وقف عند الباب، يتكئ بكتفه على الإطار الخشبي دون أن يدخل تماماً. راقبها وهي تكتب، رأسها مائل قليلاً، وشفاهها تتحرك أحياناً كأنها تهمس بالأرقام لنفسها.

بعد دقيقتين رفعت رأسها ونظرت إليه.

ـ هل يمكنك أن تمسك الطرف الآخر من الشريط؟ أحتاج إلى قياس طول الجدار بدقة.

اقترب. مدّت له طرف الشريط المعدني. أخذته أصابعه بحذر، متجنباً أن تلمس يده يدها. ثبت الطرف عند الزاوية، وهي سحبت الشريط حتى الطرف الآخر. الرقم ظهر بينهما في الهواء:

ـ أربعة أمتار وسبعة سنتيمترات — قالت.

كتب الرقم في دفتره الصغير الذي أخرجه من جيب قميصه. ثم أعاد الشريط إليها. هذه المرة لامست أصابعه أطراف أصابعها لجزء من الثانية. كلاهما سحب يده في اللحظة نفسها.

سكتا.

ليّان طوت الشريط ببطء أشد من اللازم، ووضعته في الحقيبة. آدم بقي واقفاً، ينظر إلى الشق الصغير في السقف فوق رأسها.

ـ هل لديكِ ملاحظات أخرى اليوم؟ — سأل أخيراً.

ـ لا. سأرسل لك الملخص مساءً.

ـ حسناً.

لم يتحرك أي منهما نحو الباب فوراً. الغرفة كانت هادئة جداً، حتى صوت العمال في الطابق السفلي بدا بعيداً كأنّه يأتي من مكان آخر. ليّان نظرت إلى الساعة في معصمها، ثم إلى النافذة مرة أخرى.

ـ الجو هنا يختلف عن الخارج — قالت فجأة.

ـ كيف؟

ـ أهدأ. أو ربما أثقل.

آدم لم يجب. كان يعرف ما تقصده، لكنه لم يكن مستعداً أن يعترف بذلك بصوت مسموع. بدلاً من ذلك قال:

ـ سأتأكد من أن الإضاءة المؤقتة تُركّب غداً في هذه الغرفة.

أومأت. ثم انحنت لالتقاط حقيبتها. حين استقامت، كانت المسافة بينهما أقل من متر. نظراتها ارتفعت إلى عينيه للحظة، ثم انخفضت إلى ياقة قميصه، ثم ابتعدت تماماً.

ـ إلى الغد إذاً — قالت.

ـ إلى الغد.

خرجت قبله. سمع خطواتها وهي تنزل الدرج، ثم صوت الحذاء وهي ترتديه عند القاعدة. بعد قليل أغلق الباب الخارجي بهدوء.

آدم بقي في غرفة الزاوية دقيقة إضافية. نظر إلى المكان الذي كانت تقف فيه أمام النافذة، ثم إلى الشريط المعدني الذي تركته على الحافة بالخطأ. التقطه، طواه، ووضعه في جيبه.

في الخارج، جلست ليّان في سيارتها دون أن تدير المحرك فوراً. فتحت دفترها على الصفحة الأخيرة، ونظرت إلى الرقم الذي كتبته: أربعة أمتار وسبعة سنتيمترات. بجانب الرقم، كانت قد رسمت خطاً صغيراً مائلاً دون أن تنتبه.

أغلقت الدفتر، وضعت رأسها على المقود للحظة، ثم رفعت رأسها وأدارت المفتاح.

الشمس كانت منخفضة الآن، والظلّ الذي تمدد من سور الفيلا وصل إلى منتصف الزقاق.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • ظلّ في غرفة بيضاء   الفصل 11: الجدران البيضاء

    في اليوم التالي وصلت ليّان تحمل كيساً ورقياً كبيراً من متجر الأقمشة. وضعت الكيس على الطاولة الخشبية في الصالة السفلية، وأخرجت منه ثلاث عينات من القماش السميك بلون بيج فاتح ورمادي دافئ وأوف وايت. فرشتها الواحد إلى جانب الآخر تحت الضوء القادم من الباب الجانبي.آدم كان يراجع مع النجار التفاصيل الأخيرة للدرج حين رآها. اعتذر من الرجل واقترب. وقف ينظر إلى العينات دون أن يلمسها في البداية.ـ اخترتِ الثلاثة؟ـ نعم. لم أستطع أن أقرر وحدي. الضوء هنا مختلف عن ضوء المتجر.أخذ العينة الأولى بين أصابعه، قلبها، لمس سُمكها، ثم رفعها قليلاً باتجاه الضوء. كرر الحركة مع العينتين الأخريين. ليّان راقبته بهدوء. كانت تلاحظ كيف تتحرك يداه بعناية، وكيف يضيّق عينيه قليلاً حين يركز على ملمس القماش.ـ البيج الفاتح الأنسب ـ قال أخيراً. ـ يحجب جيداً دون أن يُدخل على الغرفة برودة الرمادي، ودون أن يكون الأوف وايت فاتحاً أكثر من اللازم في الليل.ـ كنت أميل إليه أيضاً.ابتسما معاً ابتسامة صغيرة متفاهمة، ثم أعادت هي العينتين الأخريين إلى الكيس وتركت عينة البيج على الطاولة. كتب آدم ملاحظة سريعة في دفتره عن المقاسات المط

  • ظلّ في غرفة بيضاء   الفصل 10: الستارة الثقيلة

    في الليلة نفسها، بعد أن عادت ليّان إلى شقتها، لم تُشعل إلا مصباحاً واحداً في زاوية غرفة المعيشة. الشقة صغيرة ومرتبة بدقة، الجدران بيضاء، والأثاث قليل وأنيق بخطوط بسيطة. على الطاولة المنخفضة كان هناك كوب شاي لم يُشرب منه إلا نصفه، ودفتر مفتوح على صفحة فارغة.جلست على الأرض مستندة إلى الأريكة، وفتحت حاسوبها. أرسلت له التحديث الصغير على مخطط الإضاءة كما وعدت، ثم ظلت تنظر إلى الشاشة بعد أن ظهر إشعار «تم الإرسال». لم تغلق الجهاز. انتظرت.بعد اثنتين وعشرين دقيقة وصل الرد:«استلمت. التعديل يحل مشكلة الظل على الدرجات الوسطى. شكراً.
هل وصلتِ بأمان؟»قرأت الجملة الأخيرة مرتين. السؤال لم يكن ضرورياً من الناحية المهنية، لكنه كان هناك. كتبت:«وصلت. وأنت؟»«وصلت منذ ساعة. الشقة هادئة كالعادة».ابتسمت رغم نفسها، ثم محَت الابتسامة فوراً كعادة قديمة. كتبت مرة أخرى:«الستارة الثقيلة التي تحدثنا عنها… سأبحث عن قماش مناسب غداً. شيء يحجب الضوء جيداً دون أن يُثقل المكان».«فكرة جيدة. المكان صار مفتوحاً أكثر مما كان».أغلقت الحاسوب بعد ذلك. لم ترد على الجملة الأخيرة. قامت، وأطفأت المصباح، ووقفت في العتمة أم

  • ظلّ في غرفة بيضاء   الفصل 9: الفتحة الجديدة

    العمل في توسيع النافذة استغرق معظم اليوم. بحلول الظهيرة كانت الفتحة قد اتسعت بالمقدار المتفق عليه، والإطار الخشبي القديم أُزيل بالكامل، والحجر المحيط به بدا مكشوفاً وخشناً تحت ضوء الشمس المباشر. الغرفة تغيّرت. الهواء صار يدخل بقوة أكبر، وحركة الغبار في الفضاء صارت أسرع، والصوت القادم من الحديقة أوضح مما كان في أي يوم سابق.ليّان وقفت طويلاً أمام الفتحة الجديدة بعد أن توقف العمال عن العمل لاستراحة الغداء. كانت يداها في جيبي معطفها، وعيناها تتنقلان بين الحديقة والجدار الذي صار الآن أكثر انفتاحاً على الخارج. شعرت أن الغرفة فقدت شيئاً من خصوصيتها السابقة، ذلك الإحساس بالانغلاق الدافئ الذي كان يحيط بهما حين كانا يجلسان على الحافة القديمة. الآن صارت المساحة مكشوفة أكثر، والحدود بين الداخل والخارج أقل وضوحاً.آدم عاد من حديث قصير مع المقاول في الأسفل فوجدها كذلك. اقترب ببطء، ووقف إلى جانبها دون أن يتكلم فوراً. الريح كانت تلعب بخصلة الشعر التي أفلتت من ربطتها مرة أخرى، وهو راقبها وهي تعيدها إلى مكانها خلف أذنها للمرة الثالثة خلال دقائق.ـ الفتحة أكبر مما بدت في المخطط ـ قالت أخيراً.ـ قليلاً.

  • ظلّ في غرفة بيضاء   الفصل 8: ما بعد الضوء الأصفر

    في الصباح التالي وصلت ليّان إلى الفيلا في السابعة والنصف، قبل الموعد الذي اتفقا عليه بثلاثين دقيقة. لم تكن قد خططت لذلك بوعي. ببساطة استيقظت باكراً، وجلست على حافة السرير وقتاً أطول من المعتاد، ثم وجدت نفسها في السيارة تتجه إلى الزقاق الحجري قبل أن يكتمل ضوء النهار.الفيلا كانت لا تزال مغلقة. لا أصوات عمال، ولا شاحنات، ولا حركة. الهواء بارد ونظيف، ورائحة الثرى الرطب بعد ليل هادئ تملأ المكان. أخرجت المفتاح الاحتياطي الذي أعطاها إياه المقاول في اليوم الأول، وفتحت الباب برفق. الصالة الكبيرة استقبلتها بظلالها الرمادية وصمتها المعتاد. صعدت الدرج بخطوات خفيفة، كأنها تخشى أن توقظ شيئاً نائماً داخل الجدران.غرفة الزاوية كانت فارغة. المصباح الأصفر المؤقت ما زال معلقاً في مكانه، مطفأ الآن. اقتربت من النافذة. الحافة الخشبية باردة تحت أصابعها. نظرت إلى الحديقة؛ شجرة الليمون بدت أوضح في ضوء الصباح الباكر، والأغصان السفلية تحتفظ بخضرتها العنيدة. تذكرت الضوء الأصفر الذي رأته في المرآة الخلفية الليلة الماضية، وعرفت أنه بقي هنا بعد أن غادرت. لم تسأل نفسها لماذا بقي، لأن الإجابة كانت ستفتح باباً لم تكن

  • ظلّ في غرفة بيضاء   الفصل 7: بعد أن يهدأ المكان

    في الساعة السادسة مساءً كان معظم العمال قد غادروا. الفيلا عادت إلى هدوئها الثقيل المعتاد، ذلك الهدوء الذي يبدو وكأنه كان ينتظر رحيل الأصوات ليعلن عن نفسه من جديد. آدم بقي في غرفة الزاوية يراجع المخططات على جهازه اللوحي، جالساً على الحافة الخشبية للنافذة، والضوء الخارجي يميل بسرعة نحو الرمادي الداكن.وصلت الرسالة في السادسة والربع. «النسخة المحدثة من المخططات – نافذة غرفة الزاوية + تعديلات الدرج». فتح الملف. كانت التعديلات دقيقة وواضحة، مرسومة بخطها الهادئ نفسه الذي صارت عيناه تتعرفان عليه من النظرة الأولى. في هامش الصفحة الأخيرة جملة قصيرة:«أضفت اقتراحاً اختيارياً للإضاءة الجانبية على الدرج. يمكن تجاهله إذا بدا زائداً».ابتسم دون أن يلاحظ. كتب رداً مختصراً:«استلمت. الاقتراح غير زائد. سأراجعه الليلة».أرسل، ثم ظلّ ينظر إلى الشاشة. بعد دقيقتين ظهرت علامة «تمت القراءة». لم تأتِ إجابة فورية. أعاد الجهاز إلى الحافة، ونظر من النافذة إلى الحديقة التي كانت تغرق تدريجياً في العتمة. شجرة الليمون صارت مجرد شكل داكن، أغصانها السفلية الخضراء لم تعد مرئية.سمع صوت باب في الأسفل يُفتح ويُغلق. خطوا

  • ظلّ في غرفة بيضاء   الفصل 6: الدرجات الثلاث

    بعد الظهر بساعة تقريباً نزل آدم إلى الطابق السفلي. كان الصوت الخافت للمنشار اليدوي يصل إليه من جهة الدرج، مختلطاً برائحة الخشب المنشور حديثاً. وجد ليّان واقفة إلى جانب النجار، تشير إلى إحدى الدرجات المتآكلة بإصبعها، وهي تتحدث بصوت هادئ واضح. النجار، رجل في أواخر الأربعين يرتدي مريلة قماشية قديمة، كان يومئ برأسه ويشرح لها الفرق بين الخشب الأصلي والخشب الجديد الذي يمكن أن يُستخدم للتعويض.حين رآها آدم توقف خطوة قبل أن يصل إليهما. كانت قد خلعت معطفها وعلقته على درابزين الدرج، وبدت في بلوزتها البيضاء أكثر رشاقة مما تبدو حين تكون مغطاة. شعرها ما زال مربوطاً إلى الخلف، لكن خصلة صغيرة أفلتت وسقطت على جانب عنقها. لم تصلحها.اقترب.ـ كيف الحال هنا؟التفتت إليه. لم تبدُ متفاجئة.ـ الدرجات الثلاث الوسطى متآكلة من الأطراف أكثر مما ظهر في الصور الأولية. النجار يقترح استبدالها بالكامل، وأنا أحاول إقناعه بالإبقاء على الجزء الداخلي الأصلي وملء الأطراف فقط.النجار رفع يديه كأنّه يستسلم مسبقاً.ـ يا أستاذة، الخشب القديم هش. إذا ضغطنا عليه كثيراً قد ينكسر لاحقاً تحت الاستخدام.آدم انحنى ليفحص الدرجة الو

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status