LOGINانجلت عاصفة الليل، وأشرقت شمسٌ باردة شاحبة فوق "حصن الصخيرة". لم تعد مياه المطر تغسل الجدران الفولاذية، بل اختلطت بالدماء الداكنة التي جفت على حواشي الصخور. كان الهواء ينبض برائحة البارود والرماد المحترق، لكن الدفء الحقيقي كان يشع من داخل جناح العرش، حيث استعاد مُهاب "الجَهْم" عافيته وقوته البطشية بتأثير الدم الكاهني والاعتراف الذي أذاب جبال الجليد بين قلبين طالما تحاربا.كان "الجَهْم" يقف مشدود القامة أمام النافذة القوسية الشاهقة، يرتدي درعه الفولاذي الثقيل الذي طُهِّر من آثار الرمح المسموم. اختفت ألوان الشحوب عن وجهه، وحل محلها بريقُ افتراسٍ عتيد في عينيه العقيقيتين.وعلى مسافة خطواتٍ قليلة، كانت عَفْراء تقف أمام الطاولة الخشبية، تشدّ حزام خنجرها العظمي حول خصرها. لم تعد هناك مسافاتٌ أو خجل؛ كان الارتياح الساحر والكبرياء المتبادل يلفان حضورها. النظر بينهما أصبح حديثاً شاملاً، وكل حركة يحس بها الآخر في عروقه عبر عهد الدم الذي بات يسري كأنهارٍ من النور والحرارة.التفت إليها مُهاب، وخطا نحوها برصانة. مد يده العريضة، وأمسك بكفها المضمخة بضمادة النسيج الرفيع حيث جرحت يدها لسقيه بدمها.
حولت "المتاهة الحجرية" إلى مسلخٍ من الفولاذ والجمر!انطبق فكّ الفخ على طليعة "الإمبراطورية القرمزية"؛ تدحرجت الصخور الصوانية العملاقة بفعل ضربات "مِقْمَعَة" طَلاَل الموت لتقطع طريق العودة، بينما تفجرت أرجاء المتاهة بسحر الدم الناري الذي أطلقته عَفْراء. علق خمسة آلاف فارس بدروعهم الثقيلة وسط ممر ضيق لا يسع جادّين، فصارت صرخاتهم تتصاعد في السماء المظلمة كأنها استغاثة مذبوحين في قاع الجحيم!في قلب الملحمة، كان مُهاب "الجَهْم" يصول ويجول كملك الموت. سيفه العريض يزن الهواء بضرباتٍ كاسحة تطير لها الخوذ والرؤوس. وبجانبه كانت عَفْراء تقاتل كالشبح الساطع؛ خنجرها العظمي يقطر دماً ناصعاً، وكلما تحركت خطوة دعمها "الجَهْم" بظهره الفولاذي ليشكلا معاً رقصة حربٍ لا تُرد.لكن الجينرال "مِقْدَاد" لم يكن صيداً سهلاً.من فوق رابية سحرية مرتفعة، كان يربض ثلاثة من "سحرة النار الكارماتية"، يحملون خناجر مسنمة ومطلية بـ "سُّمِّ الرماد المظلم"—وهو سُّمٌّ أثري أُعدّ خصيصاً لتعفين الدماء وإلغاء مفعول الشفاء السحري!في أوج اشتعال المعركة، لمح العرّاف طَارِق أحد السحرة يوجه رمحاً مسموماً ومشتعلاً بالسم الأسود
انبثق الفجر الأحمر من خلف صخور "جبال الرماد" كجرحٍ سحيق يقطر دماً في خاصرة السماء. كان المطر القاسي ينهمر برداءة، يغسل الجدران الفولاذية لـ "حصن الصخيرة" ويحول التراب عند أقدام الأسوار إلى وحلٍ داكن يتصاعد منه بخارٌ بارد. لم يكن هذا الصباح أشبه بسوابقه؛ فقد خيمت على الحصن هيبةٌ ثقيلة تُشبه الصمت الذي يسبق العواصف الكاسرة.في داخل جناح العرش العتيق، كان لهيب الموقد الحجري قد تحول إلى جمراتٍ عقيقية متوهجة تخبو ببطء.استيقظ مُهاب "الجَهْم" قبل تسلل أول شعاعٍ للنور. كان يجلس على طرف الفراش المغطى بفراء الذئاب، بجسده الملتئم بندوب الحروب والقتال. كان ينظر ببطء ورصانة إلى عَفْراء الممتدة بجانبه، والتي كانت تسبح في نومٍ عميق وشفيف؛ شعرها الفاحم ينثال كالشلال الأسود على كتفها العاري، وبشرتها الخمرية تتوهج بدفء الحميمية التي انصهرت فيها أجسادهما في الليلة الماضية.مد "الجَهْم" كفه العريضة القاسية، وتلمس بسبابته خط انحناءة ظهرها الناعم برفقٍ نادر لا يتناسب مع طبيعته الشرسة. في تلك اللحظة الخاطفة، شعر عبر "عهد الدم" ببطء أنفاسها ورقة نبضها؛ لم يعد يشعر بالرباط كقيدٍ سحري يكبله، بل كدرعٍ روحان
كانت الليلة تسري برودةً ووحشة في قاعة العرش الخاصة داخل "حصن الصخيرة". خفتت طبول الحرب في الصحن الأسفل، وغرق الحصن المنيع في صمتٍ ثقيل إلا من حفيف الرياح الأثيرية التي تنوح بين الصخور، وصوت طقطقة الخشب المحترق في الموقد الحجري الضخم الذي كان يرسل ظلالاً قرمزية دافئة على الجدران العارية.توارى الخوف والفرسان، وبقيت القاعة حكراً على جسدين ربطهما القدر برباطٍ أعمق من الموت نفسه.كان مُهاب "الجَهْم" قد خلع درعه الفولاذي الثقيل وعباءته الصوفية. يقف أمام الموقد بسرواله الجلدي وقميصه الكتان المفتوح عند الصدر، مبرزاً العضلات المفتولة والندوب الشائرة التي رسمت على جسده خريطة معارك لا تنتهي. كان يمسك بقطعة قماشٍ يمسح بها نصل سيفه العريض ببطء ورصانة، لكن تركيزه لم يكن على الصلب البارد... بل كان معلقاً بالحضور المشتعل الذي يملأ أركان الغرفة.على الطرف الآخر، عند حوض الماء الدافئ المعطر بأوراق الشيح والرماد، كانت عَفْراء تقف أمام المرآة النحاسية. فكت عقدة ردائها الكاهني الأسود، ليتساقط الثوب الرطب ببطء وثبات سالباً ظلال الكتفين، ويكشف عن بشرتها الخمرية الصافية ونعومة جسدها الممشوق الذي تعالت عل
كان الليل يلقي بسدوله الثقيلة فوق "حصن الصخيرة"، الحصن العتيد الذي بات يتوسط جبال الرماد كعملاقٍ من الصخر الفولاذي الشاخص نحو السماء. لم تكن الرياح التي تهب عبر الممرات الصخرية سوى صدى لمعارك صامتة لم تُخمد نيرانها بعد. على الرغم من انقضاء أيامٍ على انجلاء غبار معركة "صحراء الرماد المالح" وسحق فرسان "عشيرة السِّباع"، إلا أن رائحة الدم المحترق والرماد المالح كانت لا تزال تعلَق بأسوار الحصن، وتُذكّر الجميع بأن الملك الذي يُبنى على جثث الأعداء يحتاج إلى حراسةٍ لا تنام.في أعلى برجٍ من أبراج الحصن الشاهقة، كان مُهاب "الجَهْم" يقف شاهقاً، مستنداً بكفيه القويتين على الشرفة الحجرية. كان يرتدي عباءته الصوفية السوداء المبطنة بجلد الفهد، وتحتها درعه الفولاذي الذي يحمل ندوب السيوف والحروب القديمة. كانت عيناه النافذتان كالصلب البارد تسبران غور الوادي المظلم الممتد تحت قدميه. لم يكن يرى الحصن مجرد ملاذٍ حربي، بل كان يراه النواة الأولى لشيءٍ أعظم وأخطر... «سلطنة الدم الأسود».تحرك الجَهْم ببطء، ويده اليسرى تلامس مقبض سيفه الضخم. كان يتنفس بإيقاعٍ منتظم، لكنه كان يشعر بتلك النبضة الخفية التي تسري
«مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ بَتْرَ العَهْدِ الَّذِي كُتِبَ بِالدَّمِ... يَنْسَى أَنَّ السيُوفَ تَنْكَسِرُ عَلَى أَعْتَابِ القُلُوبِ الَّتِي تَعَلَّمَتْ كَيْفَ تُقَاتِلُ المَوْتَ مَعًا!» دوت طبول الحرب في ساحة حصن الصخيرة، واشتعلت المشاعل فوق الأسوار العالية لتضيء ليل جبال الرماد الداجي. كانت الخطط تُحاك في قاعة العرش الحجري. انطرحت خريطة المنطقة الجلدية فوق المائدة، وحولها يقف "الجَهْم"، عَفْراء، وطَلاَل الموت، بينما كان العرّاف طَارِق يذرع القاعة جيئة وذهاباً، ينقر بأصابعه المشوهة على عوده العظمي. أشار طَلاَل بيده الضخمة نحو ممر ضيق على الخريطة يُدعى "مخنق الموتى"، وقال بصوته الجهوري: — "عشرة آلاف فارس لا يستطيعون التحرك في الجبال بكامل قوتهم... سيضطر 'الصَّمْصَام' لتقسيم جيشه والتسلل عبر هذا المخنق الضيق. إن حاصرناهم هناك، أكلناهم لقماً سهلة!" ردت عَفْراء بصوتٍ هادئ وعينين تتوهجان بالدهاء الكاهني: — "الصَّمْصَام ليس أحمقاً يا أخي... هو يعرف أننا نتوقع منه دخول المخنق. لذلك سيرسل طليعة من فرسانه للتضحية بهم، بينما يلتف هو بجيشه الرئيسي عبر 'صحراء الرماد المالح' لضرب