Share

الجَهَم(حيث لا ترحم القلوب، ولاتجف الدماء)
الجَهَم(حيث لا ترحم القلوب، ولاتجف الدماء)
Author: ريتا رضا

تمهيد

last update publish date: 2026-09-19 23:44:34

​"يقولون إن الصحراء لا تذكر أسماء قتلاها، لكنها لا تنسى أبداً أثر الدم الأول."

​لم تكن نيران الحرب بين آل هَزّام وآل ذُهْل شرارةً أُشعلت بالأمس، بل كانت جمراً يتوهج تحت رماد قرن كامل من الثأر والذبح. كانت أرضاً تُسقى بالسيف، وسماءً لا تمطر إلا غضباً.

​في تلك البقعة السوداء من العالم، حيث تُقاس هيبة الرجال بعدد الرؤوس التي يقطعونها، وُلد "الجَهْم"—مُهاب. رجلٌ أُفرغت منه الرحمة كغمد أُسلَّ منه السيف، حتى صار وجهه كليلةٍ لا نجم فيها، وقلبه حجراً لا ينبض. كان يرى في السيف حلاً وحيداً لكل شيء، وفي قبيلة آل ذُهْل دناسةً يجب محوها عن وجه التراب.

​لكن الأقدار لا تُحاك في ميادين القتال وحدها.

​ففي المعبد العتيق المنزوي خلف أودية الرماد، كانت عَفْراء تنسج سحرها المحرم. لم تكن مجرد امرأة ترتجف عند سماع صهيل الخيل، بل كانت كاهنة الدماء الأخيرة؛ تملك من الأسرار ما هو أشدّ فتكاً من ألف حديد.

​ليلة اكتمال القمر المدمّى، حين التقت شفرة الجَهْم بروح الكاهنة، لم تسقط قطرة الدم على الأرض... بل سقطت في نسيج القدر، لتربط الموت بالحياة، والهوس بالانتقام.

​هناك، حيث لا ترحم القلوب... ولا تجف الدماء.

كانت السماء فوق ديار آل ذُهْل تنزف حمرةً داكنة، كأن القمر نفسه يخشى الهبوط في صحراء الرماد. الريح تتأوه بين الشقوق، محمّلة برائحة الحطب المحترق وصراخ الرعب البعيد.

​في قلب المعبد العتيق، المقطوع في جوف الجبل، كانت عَفْراء تقف حافية القدمين أمام المذبح الحجري. أسطوانة من الحجر الأسود الملطخ بنقوش قديمة لا تفهمها إلا سلالة الكاهنات. كانت أطراف ثوبها الأسود ممزقة، وعيناها الرماديتان ثابتتان على الباب المصفّح بالحديد الذي بدأ يتداعى تحت ضربات حاسمة ومُتتالية.

​"طَقْ.. طَقْ.. بَام!"

​كل ضربة كانت ترجّ جدران المعبد، وتُسقط الحصى من السقف كالمطر. لم تكن خائفة من الموت، بل كانت تنتظر السيف الذي وُعدت به في النبوءة.

​وفجأة... تحطم الباب الخشبي العتيق وتناثرت شظاياه في الهواء!

​دخل الدخان أولاً، وتلاه الظل.

​رجلٌ يمتد ظله على الأرض كالمرض الساري. يحمل في يده يميناً سيفاً ينزف دماً طرياً، وفي يساره خنجراً عريضاً. كان يرتدي درعاً جلدياً أسود متآكلاً من أثر المعارك، وجسده مشدود كوتر قوسٍ مستعد للإطلاق.

​رفع رأسه، فظهر وجهه تحت ضوء المشاعل.

​كان مُهاب—"الجَهْم".

​وجهٌ نحتته الحروب بلا أي ملمح للرحمة. فكٌّ عريض مشدود، ندبة غائرة تمتد من جبهته حتى محاذاة أذنه، وعينان حادتان كعينَي صقرٍ لا يرى في الخصم إلا جثة مؤجلة. لم يكن يبدو كبشر، بل كان كأنه مجسد من غضب الصحراء.

​خطا خطوة واحدة نحو المذبح، وصوته يخرج كحفيف خنجر يُسحب من جفنه:

​ "أهذه آخر كاهنات آل ذُهْل؟ تفوح منكِ رائحة البخور... ورائحة الموت."

​لم تتحرك عفراء إنشاً واحداً. رفعت رأسها بكبرياء، وثبتت نظراتها في عينيه الباردتين، وقالت بصوت خفيض ولكنه يرنّ في أركان المعبد الفسيح:

​ "تأخرت يا ابن هزّام... المذبح كان ينتظرك، والدم لم يعد يحتمل الصبر."

​انقض "الجَهْم" نحوها بسرعة كالبرق، يده الضخمة امتدت كالقيد لتقبض على عنقها وتثبتها على المذبح الحجري!

اعتصرت أصابعه الضخمة عنقها، حتى شعرت بكأن عظام حنجرتها ستتحطم تحت وطأة قوته. كان نَفَسُه الحار الملوث برائحة البارود والدم يلفح وجهها، وعيناه السوداوان كليلة جهمة تطوقانها بلا رمشة واحدة.

​ضغط الجَهْم أكثر، وجسده الضخم يكبسها فوق الحجر البارد، يسأل بنبرة خالية من أي انفعال:

​"أين كتاب العهد القديم؟ تحدثي قبل أن أقطع هذا العنق الغض وألقي بجثتك للكلاب."

​رغم اختناق أنفاسها، ابتسمت عفراء ابتسامة شاحبة تسخر من الموت نفسه. أمالت رأسها قليلاً، ويدها اليسرى الخفية -التي كانت تتوارى تحت طيات ثوبها الأسود- تحركت بسكون الأفعى.

​كانت تمسك بـ "خنجر الجَهَم"؛ خنجر عظمي عتيق، نصله مصقول من سنّ كائن انقرض منذ قرون، ومسموم بسحر الدماء المحرّم.

​بهمسة لم تكن متقطعة رغم حشرجة الخنق، قالت:

​ "الكتاب... مكتوبٌ في دمي يا ابن هزّام!"

​في تلك اللحظة الحاسمة، وبحركة خاطفة لم يتوقعها قائدٌ باشر مئات المعارك، غرزت عفراء الخنجر العظمي مباشرة في كف يده التي تخنقها!

​لم يصدر عن الجَهْم صراخ، بل زمجرة حادة كزمجرة سبع جريح. تراجع خطوة إلى الخلف بفعل المفاجأة، يتأمل الخنجر المنغرس في يده والدم الفوار الذي بدأ ينسكب منه.

​لكن عفراء لم تكتفِ بذلك...

​سحبت الخنجر بسرعة إعجازية من يده المدماة، وبلا تردد، شقت به راحة يدها هي الأخرى طولياً!

​ارتفعت دماء الاثنين في الهواء—دمُ قسوة القاتل، ودمُ سحر الكاهنة.

​انهمرت القطرات الممتزجة فوق المذبح الحجري الأسود، وفي تلك اللحظة بالذات، اشتعلت النقوش المظلمة المحفورة على الحجر بوهج أحمر قاني كالجمر المتوهج!

​انتفض المعبد بأسره. اهتزت الأرض تحت أقدامهما، والريح التي كانت تصرخ بالخارج دخلت عبر الفتحات كأنياب تنهق في الظلام.

​قبض الجَهْم على يده المدماة، ولأول مرة في حياته... شعر بشيء لم يعرفه من قبل.

​لم يكن ألم الجرح هو ما يعصره، بل كان شللاً مباغتاً يخترق صدره! ضربة قلبٍ ليست ضربته، ووجع حارق ينبض في قفصه الصدري بالتزامن تماماً مع نداء الوجع في عينَي عفراء!

​وقف صامتاً، يتنفس بصعوبة، ونظراته الشرسة تصطدم بنظراتها المجهدة.

​قالت هي وهي تسقط على ركبتيها أمام المذبح، وشعرها الأسود ينسدل حول وجهها الشاحب:

​ "الآن... اكتمل العهد. ألمي هو ألمك، ونبضي هو بقاؤك. إن قطعت عنقي يا 'جَهْم'... سقط رأسك معي في نفس الهاوية!"

​خطا مُهاب نحوها خطوة ثقيلة، وسيفه يرتجف في يده لأول مرة، ليس خوفاً... بل لأن جسده بدأ يحارب نسيج هذا الرباط المظلم الذي كبّلهما معاً في ثانية واحدة.

كانت رائحة الدخان لا تزال تعبق في أرجاء المكان، بينما وقف مُهاب فوق رأسها كالطود الشامخ. خفقت أنفاسه الثقيلة، وكل ذرة في جسده كانت تصرخ بالرفض لهذا السحر الذي يجري في عروقه. حاول رفع سيفه، فشعر بضغطٍ رهيب على صدره، وكأن خنجراً غُرِسَ في قلبه بالتزامن مع توجع عفراء القابعة عند قدميه.

​تطلع إليها بعينين تشتعلان غضباً، صوته خرج هذه المرة كأنما يُطحن بين حجارة:

 "سحرٌ أسود... حيلة رخيصة من كاهنة عاجزة."

​انحنى بكبرياء جريح، وبقبضة واحدة من يده غير المصابة، جُرَّت عفراء من شعرها الأسود الطويل لتقف قسراً على قدميها. أوهنتها طقوس الدم، لكن عينيها الرماديتين ظلتا تحدقان فيه بتحدٍّ صارخ.

​اقترب من أذنها حتى لامست أنفاسه الحارقة بشرتها الباردة:

​ "تظنين أنكِ كَبّلتِني؟ ستكتشفين يا ابنَةَ ذُهْل أن الموت كان أرحم بكِ من هذا العهد. سأجعل من كل لحظة تتنفسين فيها عذاباً... وأول درسٍ لكِ: لن تموتي سريعاً."

​انتزع قطعة قماش من ثوبه، وربط بها جرح كفه بقسوة، ليُشعرها بنفس الألم الحاد في يدها؛ فتأوهت بصوت مكتوم وهي تضغط على شفتيها حتى أدمتهما.

​سحبها خلفه كالأسيرة عبر حطام المعبد، متجهاً نحو الخارج حيث ينتظره رجاله.

​في الخارج، كانت ألسنة النيران تلتهم بيوت آل ذُهْل، والجثث متناثرة فوق الرمال. كان جنود آل هزّام يقفون بين الدماء، وحين رأوا قائدهم يخرج يجرّ الكاهنة خلفه، ارتفعت صيحات النصر.

​تقدم نائبه ويده اليمنى "جَسّار"، وهو يتأمل الكاهنة بنظرات مريبة وسيفه يقطر دماً:

​ "أيها القائد! هل هذه هي الساحرة التي تسببت في مقتل أفراد طلائعنا؟ دعني أقطع رأسها ونعلقه على أسوار المخيم لتكون عبرة!"

​استلّ جسّار سيفه ولَوّح به نحو عنق عفراء...

​لكن قبل أن يقترب النصل من جِيدها، امتدت يد الجَهْم بلمح البصر، وضربت معصم جسّار بقوة جعلت السيف يسقط رنّاناً على الحصى!

​ذهل جسّار وتراجع خطوة للخلف، وتساءل الجنود بذهول.

​التفت مُهاب إلى نائبه بنظرة مرعبة تجمد الدماء في العروق، وقال بصوت حازم قاطع:

​"من يمسّ هذه المرأة بضرَر... فسيفه سيكلم رقَبَتَهُ هو. هذه الجارية ملكي أنا وحدي... ولا أحد يلمس أملاك الجَهْم."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الجَهَم(حيث لا ترحم القلوب، ولاتجف الدماء)    🩸 الفصل الحادي عشر: ظِلاَلُ الإِمْبَرَاطُورِيَّةِ وَسَاعَةُ الصِّفْر

    انبثق الفجر الأحمر من خلف صخور "جبال الرماد" كجرحٍ سحيق يقطر دماً في خاصرة السماء. كان المطر القاسي ينهمر برداءة، يغسل الجدران الفولاذية لـ "حصن الصخيرة" ويحول التراب عند أقدام الأسوار إلى وحلٍ داكن يتصاعد منه بخارٌ بارد. لم يكن هذا الصباح أشبه بسوابقه؛ فقد خيمت على الحصن هيبةٌ ثقيلة تُشبه الصمت الذي يسبق العواصف الكاسرة.​في داخل جناح العرش العتيق، كان لهيب الموقد الحجري قد تحول إلى جمراتٍ عقيقية متوهجة تخبو ببطء.​استيقظ مُهاب "الجَهْم" قبل تسلل أول شعاعٍ للنور. كان يجلس على طرف الفراش المغطى بفراء الذئاب، بجسده الملتئم بندوب الحروب والقتال. كان ينظر ببطء ورصانة إلى عَفْراء الممتدة بجانبه، والتي كانت تسبح في نومٍ عميق وشفيف؛ شعرها الفاحم ينثال كالشلال الأسود على كتفها العاري، وبشرتها الخمرية تتوهج بدفء الحميمية التي انصهرت فيها أجسادهما في الليلة الماضية.​مد "الجَهْم" كفه العريضة القاسية، وتلمس بسبابته خط انحناءة ظهرها الناعم برفقٍ نادر لا يتناسب مع طبيعته الشرسة. في تلك اللحظة الخاطفة، شعر عبر "عهد الدم" ببطء أنفاسها ورقة نبضها؛ لم يعد يشعر بالرباط كقيدٍ سحري يكبله، بل كدرعٍ روحان

  • الجَهَم(حيث لا ترحم القلوب، ولاتجف الدماء)    🩸 الفصل العاشر: ظِلاَلُ الرَّغْبَةِ وَالدَّم

    كانت الليلة تسري برودةً ووحشة في قاعة العرش الخاصة داخل "حصن الصخيرة". خفتت طبول الحرب في الصحن الأسفل، وغرق الحصن المنيع في صمتٍ ثقيل إلا من حفيف الرياح الأثيرية التي تنوح بين الصخور، وصوت طقطقة الخشب المحترق في الموقد الحجري الضخم الذي كان يرسل ظلالاً قرمزية دافئة على الجدران العارية.​توارى الخوف والفرسان، وبقيت القاعة حكراً على جسدين ربطهما القدر برباطٍ أعمق من الموت نفسه.​كان مُهاب "الجَهْم" قد خلع درعه الفولاذي الثقيل وعباءته الصوفية. يقف أمام الموقد بسرواله الجلدي وقميصه الكتان المفتوح عند الصدر، مبرزاً العضلات المفتولة والندوب الشائرة التي رسمت على جسده خريطة معارك لا تنتهي. كان يمسك بقطعة قماشٍ يمسح بها نصل سيفه العريض ببطء ورصانة، لكن تركيزه لم يكن على الصلب البارد... بل كان معلقاً بالحضور المشتعل الذي يملأ أركان الغرفة.​على الطرف الآخر، عند حوض الماء الدافئ المعطر بأوراق الشيح والرماد، كانت عَفْراء تقف أمام المرآة النحاسية. فكت عقدة ردائها الكاهني الأسود، ليتساقط الثوب الرطب ببطء وثبات سالباً ظلال الكتفين، ويكشف عن بشرتها الخمرية الصافية ونعومة جسدها الممشوق الذي تعالت عل

  • الجَهَم(حيث لا ترحم القلوب، ولاتجف الدماء)    ​🩸 الفصل التاسع: عرشٌ فوق الحطام

    كان الليل يلقي بسدوله الثقيلة فوق "حصن الصخيرة"، الحصن العتيد الذي بات يتوسط جبال الرماد كعملاقٍ من الصخر الفولاذي الشاخص نحو السماء. لم تكن الرياح التي تهب عبر الممرات الصخرية سوى صدى لمعارك صامتة لم تُخمد نيرانها بعد. على الرغم من انقضاء أيامٍ على انجلاء غبار معركة "صحراء الرماد المالح" وسحق فرسان "عشيرة السِّباع"، إلا أن رائحة الدم المحترق والرماد المالح كانت لا تزال تعلَق بأسوار الحصن، وتُذكّر الجميع بأن الملك الذي يُبنى على جثث الأعداء يحتاج إلى حراسةٍ لا تنام.​في أعلى برجٍ من أبراج الحصن الشاهقة، كان مُهاب "الجَهْم" يقف شاهقاً، مستنداً بكفيه القويتين على الشرفة الحجرية. كان يرتدي عباءته الصوفية السوداء المبطنة بجلد الفهد، وتحتها درعه الفولاذي الذي يحمل ندوب السيوف والحروب القديمة. كانت عيناه النافذتان كالصلب البارد تسبران غور الوادي المظلم الممتد تحت قدميه. لم يكن يرى الحصن مجرد ملاذٍ حربي، بل كان يراه النواة الأولى لشيءٍ أعظم وأخطر... «سلطنة الدم الأسود».​تحرك الجَهْم ببطء، ويده اليسرى تلامس مقبض سيفه الضخم. كان يتنفس بإيقاعٍ منتظم، لكنه كان يشعر بتلك النبضة الخفية التي تسري

  • الجَهَم(حيث لا ترحم القلوب، ولاتجف الدماء)    8

    ​«مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ بَتْرَ العَهْدِ الَّذِي كُتِبَ بِالدَّمِ... يَنْسَى أَنَّ السيُوفَ تَنْكَسِرُ عَلَى أَعْتَابِ القُلُوبِ الَّتِي تَعَلَّمَتْ كَيْفَ تُقَاتِلُ المَوْتَ مَعًا!» دوت طبول الحرب في ساحة حصن الصخيرة، واشتعلت المشاعل فوق الأسوار العالية لتضيء ليل جبال الرماد الداجي. ​كانت الخطط تُحاك في قاعة العرش الحجري. انطرحت خريطة المنطقة الجلدية فوق المائدة، وحولها يقف "الجَهْم"، عَفْراء، وطَلاَل الموت، بينما كان العرّاف طَارِق يذرع القاعة جيئة وذهاباً، ينقر بأصابعه المشوهة على عوده العظمي. ​أشار طَلاَل بيده الضخمة نحو ممر ضيق على الخريطة يُدعى "مخنق الموتى"، وقال بصوته الجهوري: ​— "عشرة آلاف فارس لا يستطيعون التحرك في الجبال بكامل قوتهم... سيضطر 'الصَّمْصَام' لتقسيم جيشه والتسلل عبر هذا المخنق الضيق. إن حاصرناهم هناك، أكلناهم لقماً سهلة!" ​ردت عَفْراء بصوتٍ هادئ وعينين تتوهجان بالدهاء الكاهني: ​— "الصَّمْصَام ليس أحمقاً يا أخي... هو يعرف أننا نتوقع منه دخول المخنق. لذلك سيرسل طليعة من فرسانه للتضحية بهم، بينما يلتف هو بجيشه الرئيسي عبر 'صحراء الرماد المالح' لضرب

  • الجَهَم(حيث لا ترحم القلوب، ولاتجف الدماء)    7

    فإن 'عهد الجَهَم' سيصل إلى ذروته: إما أن يُفك الرباط وتعودا غريبين كما كنتما... أو تتحد أرواحكما إلى الأبد في جسدٍ وسيفٍ واحد!"​تلاقت أعين مُهاب وعَفْراء. في تلك اللحظة الخاطفة، أحسا بشيء أعمق من الخوف؛ كأن الساعات القليلة التي قضاها معاً في الدم والحروب قد نسجت بينهما رابطاً يتجاوز طقس السحر وحقد القبيلتين.​قال مُهاب بنبرة خفيضة، وعيناه النافذتان تصطدمان بحدقتيها الرماديتين:​"أتخافين من عودة حريتكِ يا كاهنة؟ أن ترجعي كما كنتِ... بلا الجَهْم في صدركِ؟"​ردت عفراء وهي تضع كفها على صدره المدمى فوق موضع النبض المشترك، وقالت بصوت يقطر شجاعةً وسوداوية:​ "أنا لم أعد أعرف من أكون بدون هذا الألم يا ابن هَزّام... الحرية التي تبعدني عن نَبْضِك، هي مجرد سجنٍ آخر أرفض لدخوله!"​​دخلوا إلى قاعة المحراب العظمى. كانت الجدران مغطاة بطلاسم حمراء تتوهج بالظلام، وفي المنتصف يربض "مذبح الأضحية"—حوضٌ حجري عملاق يمتلئ بدمٍ قديم لا يجف.​لكن المحراب لم يكن فارغاً!​يقف خلف المذبح شيخان طاعنان في السن يرتديان مسوحاً سوداء، ويمسكان بـ "شعال كاهنات آل ذُهْل" و**"تمائم آل هَزّام"**. هما شيوخ الظلام الذين ح

  • الجَهَم(حيث لا ترحم القلوب، ولاتجف الدماء)    6

    ​تداخل صليل الحديد مع صخيب الرياح المحملة بالرماد.​ارتدّ الجَسَدان للوراء خطوتين. كان طَلاَل يحمل قوة غاشمة وعاطفة أعمى يُحرّكها الحقد والنخوة الثائرة، لكن مُهاب وعَفْراء كانا يقاتلان بيقين سحري أعمق؛ يرى كل منهما حركة الآخر في ذهنه قبل أن تحسبها جوارحه!​انقض طَلاَل مجدداً بضربة جانبية متوحشة تستهدف خصر مُهاب.​في تلك الوهلة، استشعرت عَفْراء مسار الهجوم عبر نبض الحميّ المتبادل في صدرها! بدون تفكير، اندفعت كالسهم وغرست خنجرها العظمي في حلقة الدرع المتمفصلة تحت إبط أخاها طَلاَل!​ "آغغغ!"​صرخ طَلاَل بألمٍ مفاجئ، وتشتت تركيزه لجزء من الثانية! كانت كافية لـ "الجَهْم"؛ استغل الثغرة ووجه ركلة حارقة ومباشرة إلى صدر طَلاَل، أطارت به متدحرجاً على حجارة الوادي المسنونة!​صدمة ذهول أخرست مئات الفرسان من آل ذُهْل المقنعين بالظلال! قائدهم الذي لا يُقهر يترجل على الأرض أمام عيني كاهنتهم وخصمهم الأزلي!​رفع طَلاَل رأسه والدم يقطر من فمه، ينظر إلى أخته بعينين متقدتين بجنون الخيبة والغضب، وقال بصوت حشرج بالدماء:​ "تغرسين نصلكِ في جسد أخيكِ... من أجل هذا الغريب الذي استعبدكِ؟"​وقفت عَفْراء بينه وب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status