Compartilhar

رفيقة التنين المنبوذة
رفيقة التنين المنبوذة
Autor: أية محمد حلمي

الفصل الأول

last update Data de publicação: 2026-09-25 09:26:17

*الفصل الأول*

مالت السماء فوق بلدة "رمال الغروب" إلى الرمادي الكابي حين أوصدت نورا سليم باب ورشتها الحديدي بحركة معتادة، ونفضت عن راحتيها بقايا الزيت الأسود الذي التصق بقفازيها الجلديين طوال النهار. كانت رائحة الوقود الممزوجة بغبار الطريق قد تشبّعت في شعرها الداكن المربوط بإحكام خلف رأسها، وبدت آثار الإرهاق على وجهها الحادّ الملامح، إرهاق رجل عمل لا إرهاق امرأة تنتظر مساءً هادئًا.

لم تكن الورشة سوى حظيرة قديمة على أطراف البلدة، بجدران صفيح صدئة وسقف يئنّ كلما هبّت الريح، حوّلتها بيديها إلى مكان تُصلح فيه محركات الدراجات النارية، وتُخفي فيه سرًّا لا يعرفه أحد من سكان هذا المكان الهادئ الصغير. رتّبت أدواتها على الرفّ الخشبي بحركة آلية، مفتاح إنجليزي بجانب زوج من الكماشات، وقطعة قماش زيتية طواها بعناية غريبة تشبه طقسًا دينيًّا صغيرًا تمارسه كل مساء لتذكّر نفسها أن حياتها ما زالت تحت السيطرة.

كانت البلدة تنام باكرًا، ولم يكن هناك سوى إضاءة خافتة تتسرب من نوافذ بعض المنازل البعيدة، ونباح كلب وحيد يقطع الصمت بين الحين والآخر. أحبت نورا هذا الهدوء رغم كل شيء؛ فبعد سنوات من الترحال الدائم، وجدت في سكون "رمال الغروب" نوعًا من العلاج البطيء لجروح لم تندمل بعد، وإن كانت لا تستطيع أن تسمّي هذا المكان "بيتًا" بالمعنى الكامل للكلمة، طالما ظلت تخفي جزءًا كبيرًا من حقيقتها عن كل من حولها.

منذ أن طُردت من عشيرتها قبل ثلاث سنوات، لم تعد نورا تنطق كلمة "ساحرة" بصوت مسموع. كانت التهمة يومها واضحة في نظر الجميع: حريق غامض التهم منزل عشيرتها في ليلة واحدة، وأودى بحياة والدها، ولم يجد أحد تفسيرًا سوى أن نورا، الفتاة التي وُلدت بقوة نارية استثنائية، هي من أشعلت اللهب بيديها. لم يسألها أحد عن الحقيقة، ولم يمهلها أحد فرصة للدفاع عن نفسها. طردوها في ليلة باردة، وتركوها تسير وحدها في الظلام، حتى استقرت أخيرًا هنا، حيث تعلّمت أن تُخفي قفازيها الجلديين في كل وقت، لتكتم بهما الوهج الأحمر الخافت الذي يتسلل إلى أطراف أصابعها كلما اضطرب قلبها.

تجاوزت الساعة التاسعة مساءً، وقد أنهت للتوّ إصلاح دراجة زبون قديم اعتاد أن يترك لها مقابلًا سخيًّا لقاء صمتها عن أسئلة لا تُسأل. كانت تعرف أهل البلدة واحدًا واحدًا، تعرف عاداتهم وأوقات مرورهم، وتعرف بالضبط متى يجب أن تُغلق الورشة كي لا تلفت نظر أحد. كانت حياتها أشبه بلعبة توازن دقيقة، خطوة خاطئة واحدة كفيلة بأن تكشف حقيقتها، وتُعيد صيادي الساحرات إلى أثرها من جديد.

كانت قد تعلّمت هذا الحذر بالطريقة الصعبة. في الأشهر الأولى من نفيها، حاولت الاستقرار في مدينة أكبر، ظنًّا منها أن الزحام سيكون درعًا يحميها، لكنها اكتشفت سريعًا أن العيون هناك أكثر، والأسئلة أكثر إلحاحًا، وأن رائحة سحرها، مهما حاولت كتمها، كانت تتسرب أحيانًا حين يضطرب قلبها بشدة. انتقلت بعدها من بلدة إلى أخرى، تحمل حقيبتها القديمة ودفتر والدها، حتى استقرت أخيرًا في "رمال الغروب"، حيث الناس مشغولون بحياتهم البسيطة، ولا وقت لديهم لملاحظة امرأة تخفي يديها خلف قفازين جلديين طوال العام.

وبينما كانت تُدير المفتاح في القفل، سمعت هدير محرك دراجة نارية يقترب بسرعة هائلة، ثم يتوقف فجأة أمام الورشة بصرير إطارات حاد يمزّق سكون الشارع. استدارت نورا بحذر، ويدها تتحرك تلقائيًا نحو الجيب الخفي في سترتها، حيث تُخبّئ دائمًا كيسًا صغيرًا من الملح المبارَك، آخر خط دفاع تملكه ساحرة منبوذة لا تثق بأحد. شدّت قبضتها على الكيس، وحبست أنفاسها، بينما كانت عيناها تراقبان الظل الضخم المتقدم عبر الضباب الخفيف.

لكنها ما إن رأت الرجل ينزل عن الدراجة حتى تجمّد الملح في قبضتها.

كان رجلًا ضخم البنية، طويلًا حتى يكاد رأسه يلامس إطار الباب، يرتدي سترة جلدية سوداء عليها رمز نادٍ للدراجات النارية: جمجمة محاطة برماد متطاير، وتحتها عبارة "أبناء الرماد". لكن ما استوقف نظرها حقًّا لم يكن مظهره، بل رائحة احتراق خفيفة تنبعث منه، ووهج غريب يتراقص تحت جلد رقبته، كأن شيئًا بداخله يحاول أن يشق طريقه إلى الخارج. لاحظت أن يديه ترتجفان، وأن عرقًا باردًا يبلل جبينه رغم برودة الليل.

ترنّح الرجل خطوة، ثم سقط على ركبتيه أمامها بصوت اصطدام مكتوم خفّف منه التراب الرطب.

"أحتاج… إلى ساحرة." قالها بصوت أجش متقطع، وهو يمسك جانبه الأيسر حيث بدت ندبة سوداء تمتد من كتفه إلى صدره، تنبض بلون بنفسجي شاحب وكأنها كائن حيّ.

تراجعت نورا خطوة، وقلبها يخفق بعنف يكاد يُسمع. "أنت مخطئ. لا توجد ساحرات هنا. اذهب إلى المستشفى إن كنت مريضًا."

رفع الرجل رأسه، ونظر إليها بعينين ذهبيتين حادتين، لم ترَ نورا مثلهما من قبل إلا في كتب عشيرتها القديمة، الكتب التي تحدثت عن تنانين متخفية بين البشر. كانت حدقتاه تتقلصان وتتسعان بشكل غير طبيعي، كأن نارًا خفية تتلاعب بهما من الداخل.

"أعرف ما أنتِ." قالها بصعوبة. "أشمّ رائحة السحر فيكِ منذ اقتربت من هذه البلدة. أرجوكِ… اللعنة تنتشر في جسدي، وإن لم تتوقفي، سأتحول، وسأقتل كل من في هذه البلدة."

شعرت نورا بالخوف يتسلل إلى صدرها، لكن معه شيء آخر أعمق: فضول قديم لم تشعر به منذ سنوات، فضول العالِمة التي وُلدت لتفهم السحر لا لتخفيه فحسب. اقتربت خطوة حذرة، ثم أخرى، حتى وقفت أمامه ونظرت إلى الندبة النابضة على كتفه، متجنبة أن تلمسها مباشرة.

"هذه ليست لعنة عادية." همست وهي تتفحصها دون أن تلمسها، وأنفها يلتقط رائحة الكبريت الممزوجة بشيء أشبه بالرماد المحترق. "هذا سحر أسود قديم، صُمم خصيصًا ليوقظ التنين بالقوة، ويجعل صاحبه يفقد السيطرة."

"إذن يمكنكِ إبطالها؟" سأل، وقد بدت في صوته للمرة الأولى نبرة أقرب إلى التوسل.

تراجعت نورا خطوتين، مستعيدة حذرها فجأة، وقد شدّت أصابعها حول كيس الملح مجددًا. "لن أنقذ رجلاً قضى عمره يطارد أمثالي." قالتها بحدة، متذكرة قصص صيادي الساحرات الذين يتنكرون أحيانًا في هيئة أعضاء نوادٍ لا تثير الشبهة. "من يدريني أنك لست فخًّا؟ ربما تريدني أن أستخدم سحري أمامك لتُبلغ عني لاحقًا."

ضحك الرجل ضحكة جافة مؤلمة رغم الوجع الذي يعتصره، ضحكة قصيرة انتهت بسعال متقطع. "لو أردت أذيتكِ يا ساحرة، لفعلت ذلك منذ اللحظة التي وطئت فيها قدماي هذه البلدة. أنا لا أطارد الساحرات، أنا أتجنبهن. لكن الليلة، ليس لديّ خيار آخر."

نظرت إليه نورا طويلًا، تحاول أن تقرأ صدقه من زيفه في تعابير وجهه المشدود بالألم. كانت سنوات النفي قد علّمتها ألا تثق بأحد، لكن شيئًا في نظرته، يشبه الألم الصادق، جعلها تتردد. تذكرت وجه والدها وهو يعلّمها أولى تعويذات الشفاء حين كانت طفلة، وكيف كان يكرر أن السحر النبيل لا يُقاس بمن يستحقه، بل بمن يحتاجه أكثر. نظرت إلى السماء للحظة، كأنها تستأذن روحه في قرار قد يقلب حياتها رأسًا على عقب، ثم عادت بنظرها إليه.

"من أنت؟" سألته أخيرًا.

"زين كِنان." أجاب وهو يحاول النهوض، لكن جسده خانه فسقط مجددًا، وارتطمت يداه بالتراب بصوت أجش. "قائد نادي أبناء الرماد."

اتسعت عينا نورا قليلًا. سمعت باسم هذا النادي من قبل، نادٍ غامض يُقال إن أعضاءه ليسوا بشرًا عاديين، لكنها لم تتخيل يومًا أنها ستقف أمام قائده وهو يتوسل إليها أن تنقذ حياته على تراب ورشتها الصدئ.

"وإن رفضتُ؟" سألت بصوت أكثر هدوءًا.

نظر إليها زين بعينين ذهبيتين بدأتا تفقدان لونهما الطبيعي، وتتحولان إلى لون ناري محمرّ خطير، وتصاعد من حوله بخار خفيف كأن جلده بدأ يحترق من الداخل. "إن رفضتِ، سأتحول هنا، في هذا المكان، وسأدمّر كل ما حولي، بما في ذلك أنتِ وورشتكِ هذه."

كانت تلك الكلمات كافية لتقنع نورا أن الخطر حقيقي. أخرجت قفازيها ببطء، وكشفت عن يدين نحيلتين تلمع أطراف أصابعهما بوهج أحمر خافت، ارتجفت للحظة أمام الهواء البارد الذي لامس بشرتها العارية لأول مرة منذ أشهر.

"لن أفعل هذا مجانًا." قالت وهي تقترب أخيرًا، تضع يدها فوق الندبة النابضة، فشعرت بسخونة مفاجئة تسري في راحتها. "إن أنقذتك الليلة، فستدين لي، وسأطلب ثمن ذلك حين أحتاجه."

"اتفقنا." همس زين بصوت متهالك، قبل أن يفقد وعيه بين يديها، وارتخى جسده الثقيل عليها فجأة حتى كادت تسقط تحت وزنه.

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل الثامن

    *الفصل الثامن*"أخبرني عن أخيك." قالت فجأة، محاولة أن تلهيه عن الألم بشيء آخر.جمد زين للحظة، وكأن السؤال فاجأه أكثر من أي شيء آخر، وارتخت قبضته قليلًا عن رأسه. "لماذا تسألين عن هذا الآن؟""لأنني أظن أن الألم الذي يوقظ اللعنة ليس ألمًا جسديًا فقط." أجابت بهدوء، وصوتها يحمل نبرة حانية لم تستخدمها من قبل معه. "بل ألمًا قديمًا لم تسمح لنفسك يومًا بالتعبير عنه."نظر إليها زين طويلًا، وبدا وكأنه يخوض صراعًا داخليًا بين رغبته في الصمت المعتاد وحاجة دفينة للحديث لأول مرة منذ سنوات. "كان ياسر أصغر مني بعشر سنوات. كان مرحًا، يحب الحياة، لم يكن يحمل قسوتي ولا حذري. في ليلة واحدة، هاجمتنا مجموعة من الساحرات المنبوذات، أو هكذا ظننا يومها. قاتلنا، لكنه سقط أمام عيني، ولم أستطع إنقاذه."توقف للحظة، وقد بدت أنفاسه أكثر ثقلًا، ويداه ترتجفان بشكل ملحوظ. "منذ ذلك اليوم، أقسمت ألا أثق بساحرة مرة أخرى. حتى ظهرتِ أنتِ، وأنقذتِ حياتي رغم أنكِ لم تكوني مضطرة لذلك."شعرت نورا بقلبها ينقبض تعاطفًا، لكنها لاحظت شيئًا آخر في كلامه لم يستوقفها من قبل بهذا الوضوح. "قلت إنكم ظننتم يومها أنهن ساحرات منبوذات. أليس ه

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل السابع

    *الفصل السابع*في الأيام التالية، بدأت نورا تتأقلم ببطء مع الحياة في مخبأ أبناء الرماد، رغم أن الحذر لم يفارقها لحظة. كانت تقضي معظم وقتها في غرفتها، تدرس دفتر والدها القديم بحثًا عن تعويذة قادرة على كسر لعنة زين نهائيًا، بينما كان أفراد النادي ينظرون إليها بمزيج من الفضول والريبة، باستثناء امرأة واحدة، شابة تُدعى "سلمى"، بدت أكثر ودًّا من البقية، بشعرها البنيّ القصير وابتسامتها التلقائية التي لم تحمل أي أثر للحذر الذي رأته نورا في وجوه الآخرين."لا تأخذي الأمر على محمل شخصي." قالت سلمى وهي تجلس بجانب نورا في الفناء الخلفي، تحمل كوبين من الشاي الساخن يتصاعد منهما بخار خفيف في هواء الصباح البارد. "لم يعتد أحد هنا على وجود ساحرة بينهم. خاصة بعد ما حدث لأخي زين."رفعت نورا حاجبها باستغراب، وتوقفت يدها في منتصف الطريق نحو كوب الشاي. "أخوه؟ ظننت أن زين وحيد."هزت سلمى رأسها بحزن، ونظرت إلى الأفق بعيدًا وكأنها تستحضر صورة لا تزال حية في ذاكرتها. "كان لديه أخ أصغر، يُدعى ياسر. كان أقرب الناس إلى قلبه. قُتل قبل خمس سنوات في هجوم غامض، وقيل يومها إن ساحرة هي من فعلتها. منذ ذلك اليوم، تغيّر زين

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل السادس

    *الفصل السادس*بمجرد أن دخلا، شعرت نورا بعشرات العيون تتجه نحوها فجأة، وبدأت أصوات المحادثات تخفت واحدة تلو الأخرى حتى ساد صمت ثقيل في المكان الواسع. كان المكان مليئًا برجال ونساء يرتدون سترات جلدية مماثلة لسترة زين، وقد بدا على وجوه بعضهم استغراب واضح، بل عداء صريح، حين رأوا امرأة غريبة تدخل مخبأهم برفقة قائدهم."من هذه؟" سأل رجل ضخم بشعر أشيب، تقدم نحوهما بحذر واضح، ونظراته تتنقل بين وجه نورا ويديها المخفيتين خلف القفازين."ساحرة أنقذت حياتي البارحة." أجاب زين بحزم، دون تردد. "ستبقى تحت حمايتنا حتى تكسر اللعنة نهائيًا. أي شخص يؤذيها، يؤذيني."تبادل الرجال والنساء نظرات متوترة، همست بعضهم لبعض، لكن أحدًا منهم لم يجرؤ على الاعتراض علنًا أمام قائدهم. أدركت نورا حينها حجم السلطة التي يتمتع بها زين بين أفراد ناديه، وشعرت للحظة بأمان غريب، رغم كل الحذر الذي لا يزال يملأ صدرها.الرجل ذو الشعر الأشيب، الذي عرفت نورا لاحقًا أنه يُدعى "كريم"، أحد أقدم أفراد النادي وأكثرهم تشددًا في رفض التقارب مع الساحرات، وقف يتفحصها بعينين ضيقتين، وذراعان معقودتان على صدره الواسع. "زين، هذا تهور لا يشبهك. إ

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل الخامس

    *الفصل الخامس*وجدت زين هناك، واقفًا بجانب دراجته السوداء، ينتظر بصبر رغم أن الظلام بدأ يخيّم على المكان، ولاحظت أنه غيّر سترته إلى واحدة أنظف، وكأنه اهتم بمظهره لهذا اللقاء. حين رآها قادمة، لم يبتسم، لكن شيئًا في عينيه الذهبيتين خفّ توتره."جئتِ." قالها بصوت هادئ."لم آتِ ثقة بك." أجابت نورا بحذر وهي تقترب. "جئت لأنني لا أملك خيارًا آخر أفضل. لكن اعلم أنني سأراقب كل خطوة تخطوها، وإن شعرت بأي خديعة، فلن أتردد في الدفاع عن نفسي."هزّ زين رأسه موافقًا. "هذا حقك. اركبي خلفي، فالطريق إلى مخبأ النادي طويل، ولا يمكن قطعه سيرًا على الأقدام."نظرت نورا إلى الدراجة الضخمة، ثم إلى زين، وسألته بفضول عابر قبل أن تركب: "هل هي آمنة على الأقل؟ لا أريد أن أموت في حادث تافه بعد كل ما مررت به الليلة." ضحك زين ضحكة قصيرة، أول ضحكة سمعتها منه، وأجاب: "أعدك أنها أكثر أمانًا من أي شيء آخر واجهتِه الليلة." هزّت نورا رأسها بابتسامة خفيفة، شعرت للمرة الأولى منذ لقائهما أن جوًّا من الدعابة بدأ يخفف من ثقل الموقف.ترددت نورا للحظة أمام الدراجة الضخمة، لم تعتد يومًا أن تثق بجسد رجل غريب قريبًا منها هكذا، لكنها ت

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل الرابع

    *الفصل الرابع*وقفت نورا وحدها وسط ورشتها بعد أن غادر، تنظر إلى يديها اللتين لا تزالان تلمعان بوهج أحمر خافت، وتتساءل إن كانت هذه الليلة بداية خطر جديد، أم بداية شيء لم تجرؤ يومًا على تخيله. أغلقت النافذة، ثم فتحت درجًا صغيرًا أخرجت منه دفتر والدها الجلدي القديم، وقلّبت صفحاته بحثًا عن أي ذكر للعنات السوداء التي تُصنع خصيصًا لإيقاظ التنانين بالقوة. لم تجد شيئًا واضحًا، لكن يقينها بأن الأمر أكبر من مجرد مصادفة بدأ يترسخ في داخلها، فطوت الدفتر وضمّته إلى صدرها كأنها تحتمي به من مجهول يقترب.جلست على حافة نافذتها المطلة على الطريق الفارغ، تراقب بقايا آثار إطارات الدراجة التي طبعتها على التراب الرطب، وأخذت تعيد في ذهنها كل كلمة نطق بها زين، محاولة أن تفكك خطابه إلى ما هو صادق وما قد يكون خديعة محكمة. لم تكن قد اعتادت أن تمنح أحدًا هذا القدر من التفكير منذ سنوات طويلة، وأزعجها اكتشافها أن عقلها يعود إليه رغمًا عنها كلما حاولت أن تشغل نفسها بأمر آخر. في تلك اللحظة، شعرت بخوف من نوع مختلف، لا خوف من صياد يطاردها، بل خوف من قلب بدأ يتزحزح عن قسوته المعتادة دون استئذان منها.حاولت أن تشغل نفسه

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل الثالث

    *الفصل الثالث*فتح زين عينيه ببطء، ووجد نفسه في الورشة، ملفوفًا ببطانية قديمة تفوح منها رائحة الزيت والقهوة، والألم في كتفه قد خفّ كثيرًا وإن لم يختفِ تمامًا. أدار رأسه ببطء، فشعر بوخزة حادة في رقبته، ورأى نورا جالسة على كرسيّ بعيد، ذراعاها متشابكتان على صدرها، وعيناها المحمرتان من السهر لا تفارقانه."لم أستطع كسر اللعنة بالكامل." قالت بصوت متعب يخفت في نهاية الجملة. "أبطأتها فقط. من صنع هذه اللعنة يعرف ما يفعل. إن أردت التخلص منها نهائيًا، فستحتاج إلى وقت أطول، وسحر أقوى مما أملك هنا."جلس زين ببطء وهو يتحسس كتفه بدهشة، متفاجئًا من مدى الفرق بين الألم الذي عرفه ليلًا والراحة النسبية التي يشعر بها الآن. "لماذا فعلتِ هذا؟ كان بإمكانكِ أن تدعيني أموت، أو تتخلصي مني بسهولة وأنا في هذه الحالة."نظرت إليه نورا بجدية، وقد ارتفع صوتها قليلاً وكأنها تدافع عن قرار اتخذته مسبقًا أمام نفسها. "لأنني لست قاتلة، مهما ظن الناس بي. ولأنني أعرف كيف يبدو الظلم حين يُوجَّه إلى بريء، وأظن أن هذه اللعنة وُجّهت إليك ظلمًا أيضًا."ساد صمت قصير، تخلله فقط صوت صرير معدني خافت من إحدى الدراجات المعلّقة، حتى قا

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status