Compartilhar

الفصل الثاني

last update Data de publicação: 2026-09-25 09:26:36

*الفصل الثاني*

بدأت نورا تتمتم بتعويذة قديمة تعلّمتها من والدها قبل موته، تعويذة مخصصة لكسر السحر الأسود، وشعرت بحرارة تسري في يديها تمتزج بوهج بنفسجي غريب ينبعث من جسد زين. كان السحر الساري في عروقه قويًّا، أقوى من أي لعنة رأتها من قبل، وشعرت أن جزءًا منها يقاوم، وكأن من صنع هذه اللعنة أرادها أن تكون دائمة لا تُكسر بسهولة. أحسّت بدوار خفيف يتسلل إلى رأسها، لكنها عضّت على شفتها وواصلت.

تذكرت في تلك اللحظة تحذيرًا قديمًا سمعته من والدها وهي طفلة، أن كل لعنة تحمل بصمة صانعها، وأن كسرها الكامل يتطلب معرفة تلك البصمة بدقة، لا مجرد قوة خام. أدركت أن اللعنة التي تصارعها الآن أعقد بكثير مما بدت عليه في البداية، منسوجة بعناية شخص يفهم السحر الأسود فهمًا عميقًا، لا هاويًا يعبث بقوى لا يفهمها. مع ذلك، واصلت الغناء بصوت خافت متقطع، كلمات قديمة توارثتها عبر أجيال من الساحرات قبلها، تشعر بكل مقطع منها يشقّ طريقه عبر جسد زين كأنه خيط رفيع يحاول أن يفكّ عقدة محكمة.

عملت طوال الليل، بينما كانت الندبة تتراجع ببطء شديد، وتفقد بريقها القاتم شيئًا فشيئًا. مرّت الساعات ببطء موجع، وكانت نورا تسمع أحيانًا أنينًا خافتًا يتسلل من بين شفتي زين المطبقتين، فتزيد من تركيزها وتضاعف قوة التعويذة رغم الإرهاق المتصاعد في ذراعيها. مرة واحدة، اهتز جسد زين بعنف مفاجئ، وكاد الوهج البنفسجي أن يتحول إلى لون أحمر ناري صارخ، فأمسكت نورا بكتفيه بكلتا يديها، وأنشدت تعويذتها بصوت أعلى، خوفًا من أن تفلت اللعنة من قبضتها في اللحظة الأخيرة. شعرت بحرارة تكاد تحرق راحتيها، لكنها لم تتراجع، وكأن إرادتها وحدها أصبحت الجدار الأخير بين البلدة وكارثة محققة.

في إحدى اللحظات، حين بلغ التعب ذروته، شعرت نورا برغبة عارمة في التوقف، في أن تترك هذا الرجل الغريب لمصيره وتعود إلى حياتها الهادئة التي بنتها بصعوبة بالغة. لكن صورة والدها، وهو يرقد على الأرض محترقًا في ليلة الحريق الأخيرة، عادت إلى ذهنها فجأة، وتذكرت كم تمنّت لو أن أحدًا مدّ يده لمساعدته حين احتاج. دفعتها هذه الذكرى إلى مضاعفة جهدها، وكأنها تكفّر بإنقاذ زين عن عجزها القديم عن إنقاذ من أحبّته.

حين هدأ الاضطراب أخيرًا، جلست نورا تلهث، تنظر إلى السماء التي بدأت تتلون بخيوط برتقالية خافتة تباشر الفجر، وشعرت بتعب يخترق عظامها لم تعرفه منذ ليالي طردها الأولى من العشيرة. نظرت إلى وجه الرجل الغريب النائم أمامها، وتساءلت في سرها كم من الأقدار قادته إلى باب ورشتها بالتحديد، في هذه الليلة بالذات، وكأن شيئًا أكبر منهما كان يحيك هذا اللقاء منذ زمن بعيد.

تفحصت وجهه في ضوء الفجر الزاحف، فلاحظت أن ملامحه، رغم قسوتها الظاهرة، تحمل خطوطًا من التعب المزمن، كخطوط رجل لم يسمح لنفسه بالراحة منذ سنوات طويلة. تذكرت كلمات والدها القديمة عن أن الوجوه لا تكذب أبدًا، مهما حاول أصحابها إخفاء حقيقتهم خلف الصرامة أو الغضب. مدّت يدها بحذر، وأزاحت خصلة شعر داكنة سقطت على جبينه، حركة عفوية لم تفكر فيها كثيرًا، ثم سحبت يدها بسرعة حين أدركت ما فعلته، وشعرت بوجنتيها تحمرّان رغم أنه لا يزال فاقدًا للوعي ولا يمكنه رؤيتها.

جلست تراقبه في صمت، وتذكرت فجأة أنها لا تعرف عنه شيئًا حقيقيًا سوى اسمه ولقب قيادته. كل ما تملكه هو انطباع أول تشكّل في ظلام ليلة واحدة، انطباع رجل يعاني بصمت أكثر مما يظهر، ويخفي خلف هيبته الجسدية جرحًا لا يقل عمقًا عن جروحها هي. تساءلت إن كانت ستندم على قرارها بمساعدته حين تشرق الشمس بالكامل وتعود الحياة إلى طبيعتها المعتادة، أم أن هذه الليلة ستظل نقطة تحول لا رجعة فيها في مسار حياتها الهادئة.

نهضت أخيرًا، وفتحت نافذة الورشة الصغيرة لتدخل نسمة الصباح الباردة، محاولة أن تطرد عنها ثقل الليلة الطويلة. راقبت الشارع الخالي في هذه الساعة المبكرة، وتذكرت أنها بحاجة إلى إخفاء أي أثر لهذه الليلة قبل أن يبدأ الزبائن المعتادون بالمرور.

تنهدت بصوت خافت وهي تراقب أنفاسه المتقطعة تهدأ شيئًا فشيئًا مع اقتراب الفجر، وشعرت بثقل جفنيها يزداد كلما طال انتظارها. قاومت رغبتها في الإغفاء، خشية أن يستيقظ فجأة بينما هي غافلة عنه، فأخذت تعدّ أنفاسها ببطء، محاولة أن تبقي عقلها يقظًا بأي وسيلة، حتى ولو كان ذلك يعني إعادة ترتيب أدواتها للمرة الثالثة في نفس الليلة. جمعت الأدوات المتناثرة، وطوت البطانية التي وضعتها تحت رأس زين بعناية، ثم جلست من جديد بجانبه، تنتظر أن تفتح عيناه، وقلبها يخفق بتوتر لم تفهم مصدره بعد. حتى أشرقت الشمس، ووجدت نورا نفسها منهكة تمامًا، يداها ترتجفان من الإجهاد، جالسة على الأرض بجانب رجل ضخم لا تزال أنفاسه متقطعة، لكنه على الأقل حيّ، بلا أذى حقيقي، ولم يتحول إلى وحش يدمّر البلدة الهادئة النائمة من حولهما.

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل الثامن

    *الفصل الثامن*"أخبرني عن أخيك." قالت فجأة، محاولة أن تلهيه عن الألم بشيء آخر.جمد زين للحظة، وكأن السؤال فاجأه أكثر من أي شيء آخر، وارتخت قبضته قليلًا عن رأسه. "لماذا تسألين عن هذا الآن؟""لأنني أظن أن الألم الذي يوقظ اللعنة ليس ألمًا جسديًا فقط." أجابت بهدوء، وصوتها يحمل نبرة حانية لم تستخدمها من قبل معه. "بل ألمًا قديمًا لم تسمح لنفسك يومًا بالتعبير عنه."نظر إليها زين طويلًا، وبدا وكأنه يخوض صراعًا داخليًا بين رغبته في الصمت المعتاد وحاجة دفينة للحديث لأول مرة منذ سنوات. "كان ياسر أصغر مني بعشر سنوات. كان مرحًا، يحب الحياة، لم يكن يحمل قسوتي ولا حذري. في ليلة واحدة، هاجمتنا مجموعة من الساحرات المنبوذات، أو هكذا ظننا يومها. قاتلنا، لكنه سقط أمام عيني، ولم أستطع إنقاذه."توقف للحظة، وقد بدت أنفاسه أكثر ثقلًا، ويداه ترتجفان بشكل ملحوظ. "منذ ذلك اليوم، أقسمت ألا أثق بساحرة مرة أخرى. حتى ظهرتِ أنتِ، وأنقذتِ حياتي رغم أنكِ لم تكوني مضطرة لذلك."شعرت نورا بقلبها ينقبض تعاطفًا، لكنها لاحظت شيئًا آخر في كلامه لم يستوقفها من قبل بهذا الوضوح. "قلت إنكم ظننتم يومها أنهن ساحرات منبوذات. أليس ه

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل السابع

    *الفصل السابع*في الأيام التالية، بدأت نورا تتأقلم ببطء مع الحياة في مخبأ أبناء الرماد، رغم أن الحذر لم يفارقها لحظة. كانت تقضي معظم وقتها في غرفتها، تدرس دفتر والدها القديم بحثًا عن تعويذة قادرة على كسر لعنة زين نهائيًا، بينما كان أفراد النادي ينظرون إليها بمزيج من الفضول والريبة، باستثناء امرأة واحدة، شابة تُدعى "سلمى"، بدت أكثر ودًّا من البقية، بشعرها البنيّ القصير وابتسامتها التلقائية التي لم تحمل أي أثر للحذر الذي رأته نورا في وجوه الآخرين."لا تأخذي الأمر على محمل شخصي." قالت سلمى وهي تجلس بجانب نورا في الفناء الخلفي، تحمل كوبين من الشاي الساخن يتصاعد منهما بخار خفيف في هواء الصباح البارد. "لم يعتد أحد هنا على وجود ساحرة بينهم. خاصة بعد ما حدث لأخي زين."رفعت نورا حاجبها باستغراب، وتوقفت يدها في منتصف الطريق نحو كوب الشاي. "أخوه؟ ظننت أن زين وحيد."هزت سلمى رأسها بحزن، ونظرت إلى الأفق بعيدًا وكأنها تستحضر صورة لا تزال حية في ذاكرتها. "كان لديه أخ أصغر، يُدعى ياسر. كان أقرب الناس إلى قلبه. قُتل قبل خمس سنوات في هجوم غامض، وقيل يومها إن ساحرة هي من فعلتها. منذ ذلك اليوم، تغيّر زين

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل السادس

    *الفصل السادس*بمجرد أن دخلا، شعرت نورا بعشرات العيون تتجه نحوها فجأة، وبدأت أصوات المحادثات تخفت واحدة تلو الأخرى حتى ساد صمت ثقيل في المكان الواسع. كان المكان مليئًا برجال ونساء يرتدون سترات جلدية مماثلة لسترة زين، وقد بدا على وجوه بعضهم استغراب واضح، بل عداء صريح، حين رأوا امرأة غريبة تدخل مخبأهم برفقة قائدهم."من هذه؟" سأل رجل ضخم بشعر أشيب، تقدم نحوهما بحذر واضح، ونظراته تتنقل بين وجه نورا ويديها المخفيتين خلف القفازين."ساحرة أنقذت حياتي البارحة." أجاب زين بحزم، دون تردد. "ستبقى تحت حمايتنا حتى تكسر اللعنة نهائيًا. أي شخص يؤذيها، يؤذيني."تبادل الرجال والنساء نظرات متوترة، همست بعضهم لبعض، لكن أحدًا منهم لم يجرؤ على الاعتراض علنًا أمام قائدهم. أدركت نورا حينها حجم السلطة التي يتمتع بها زين بين أفراد ناديه، وشعرت للحظة بأمان غريب، رغم كل الحذر الذي لا يزال يملأ صدرها.الرجل ذو الشعر الأشيب، الذي عرفت نورا لاحقًا أنه يُدعى "كريم"، أحد أقدم أفراد النادي وأكثرهم تشددًا في رفض التقارب مع الساحرات، وقف يتفحصها بعينين ضيقتين، وذراعان معقودتان على صدره الواسع. "زين، هذا تهور لا يشبهك. إ

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل الخامس

    *الفصل الخامس*وجدت زين هناك، واقفًا بجانب دراجته السوداء، ينتظر بصبر رغم أن الظلام بدأ يخيّم على المكان، ولاحظت أنه غيّر سترته إلى واحدة أنظف، وكأنه اهتم بمظهره لهذا اللقاء. حين رآها قادمة، لم يبتسم، لكن شيئًا في عينيه الذهبيتين خفّ توتره."جئتِ." قالها بصوت هادئ."لم آتِ ثقة بك." أجابت نورا بحذر وهي تقترب. "جئت لأنني لا أملك خيارًا آخر أفضل. لكن اعلم أنني سأراقب كل خطوة تخطوها، وإن شعرت بأي خديعة، فلن أتردد في الدفاع عن نفسي."هزّ زين رأسه موافقًا. "هذا حقك. اركبي خلفي، فالطريق إلى مخبأ النادي طويل، ولا يمكن قطعه سيرًا على الأقدام."نظرت نورا إلى الدراجة الضخمة، ثم إلى زين، وسألته بفضول عابر قبل أن تركب: "هل هي آمنة على الأقل؟ لا أريد أن أموت في حادث تافه بعد كل ما مررت به الليلة." ضحك زين ضحكة قصيرة، أول ضحكة سمعتها منه، وأجاب: "أعدك أنها أكثر أمانًا من أي شيء آخر واجهتِه الليلة." هزّت نورا رأسها بابتسامة خفيفة، شعرت للمرة الأولى منذ لقائهما أن جوًّا من الدعابة بدأ يخفف من ثقل الموقف.ترددت نورا للحظة أمام الدراجة الضخمة، لم تعتد يومًا أن تثق بجسد رجل غريب قريبًا منها هكذا، لكنها ت

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل الرابع

    *الفصل الرابع*وقفت نورا وحدها وسط ورشتها بعد أن غادر، تنظر إلى يديها اللتين لا تزالان تلمعان بوهج أحمر خافت، وتتساءل إن كانت هذه الليلة بداية خطر جديد، أم بداية شيء لم تجرؤ يومًا على تخيله. أغلقت النافذة، ثم فتحت درجًا صغيرًا أخرجت منه دفتر والدها الجلدي القديم، وقلّبت صفحاته بحثًا عن أي ذكر للعنات السوداء التي تُصنع خصيصًا لإيقاظ التنانين بالقوة. لم تجد شيئًا واضحًا، لكن يقينها بأن الأمر أكبر من مجرد مصادفة بدأ يترسخ في داخلها، فطوت الدفتر وضمّته إلى صدرها كأنها تحتمي به من مجهول يقترب.جلست على حافة نافذتها المطلة على الطريق الفارغ، تراقب بقايا آثار إطارات الدراجة التي طبعتها على التراب الرطب، وأخذت تعيد في ذهنها كل كلمة نطق بها زين، محاولة أن تفكك خطابه إلى ما هو صادق وما قد يكون خديعة محكمة. لم تكن قد اعتادت أن تمنح أحدًا هذا القدر من التفكير منذ سنوات طويلة، وأزعجها اكتشافها أن عقلها يعود إليه رغمًا عنها كلما حاولت أن تشغل نفسها بأمر آخر. في تلك اللحظة، شعرت بخوف من نوع مختلف، لا خوف من صياد يطاردها، بل خوف من قلب بدأ يتزحزح عن قسوته المعتادة دون استئذان منها.حاولت أن تشغل نفسه

  • رفيقة التنين المنبوذة    الفصل الثالث

    *الفصل الثالث*فتح زين عينيه ببطء، ووجد نفسه في الورشة، ملفوفًا ببطانية قديمة تفوح منها رائحة الزيت والقهوة، والألم في كتفه قد خفّ كثيرًا وإن لم يختفِ تمامًا. أدار رأسه ببطء، فشعر بوخزة حادة في رقبته، ورأى نورا جالسة على كرسيّ بعيد، ذراعاها متشابكتان على صدرها، وعيناها المحمرتان من السهر لا تفارقانه."لم أستطع كسر اللعنة بالكامل." قالت بصوت متعب يخفت في نهاية الجملة. "أبطأتها فقط. من صنع هذه اللعنة يعرف ما يفعل. إن أردت التخلص منها نهائيًا، فستحتاج إلى وقت أطول، وسحر أقوى مما أملك هنا."جلس زين ببطء وهو يتحسس كتفه بدهشة، متفاجئًا من مدى الفرق بين الألم الذي عرفه ليلًا والراحة النسبية التي يشعر بها الآن. "لماذا فعلتِ هذا؟ كان بإمكانكِ أن تدعيني أموت، أو تتخلصي مني بسهولة وأنا في هذه الحالة."نظرت إليه نورا بجدية، وقد ارتفع صوتها قليلاً وكأنها تدافع عن قرار اتخذته مسبقًا أمام نفسها. "لأنني لست قاتلة، مهما ظن الناس بي. ولأنني أعرف كيف يبدو الظلم حين يُوجَّه إلى بريء، وأظن أن هذه اللعنة وُجّهت إليك ظلمًا أيضًا."ساد صمت قصير، تخلله فقط صوت صرير معدني خافت من إحدى الدراجات المعلّقة، حتى قا

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status