التقطت عدستي أمس مشهد غروب الشمس خلف الأزقة الترابية لتلك المدينة القديمة، وكانت الألوان الذهبية تنساب على الجدران الطينية وكأنها لوحة زيتية.
ما يميز التصوير هناك هو طريقة تفاعل الضوء مع المواد الطبيعية، خاصة قبل الغروب بساعة. كل زقاق يقدم إطارًا جديدًا، وكل باب خشبي قديم يحكي قصة عمرها قرون.
بالنسبة للمصورين الذين يهتمون بالتفاصيل، ستجد نقوشًا جصية دقيقة في المساجد القديمة، وأسواقًا مزدحمة بالحرفيين. أحمل معي دائمًا عدسة واسعة لالتقاط اتساع الصحراء خلف الجدران.
إذا كنت تخطط لرحلة تصوير، أنصح بقضاء يومين على الأقل هناك، لأن الإضاءة تتغير باستمرار وكل زاوية تمنحك مفاجأة بصرية جديدة.
من أكثر ما أثار فضولي في موضوع المدن القديمة بالصحراء هو تلك الطبقات المدفونة تحت الرمال التي لا تظهر للعيان. تخيل لو أنك تمشي فوق كثبان الربع الخالي، وتعلم أن تحت قدميك بقايا حضارات كاملة لم تكتشف بعد. أتذكر حين شاهدت وثائقيًا عن 'مدينة النحاس' المفقودة في صحراء اليمن، حيث تحدث البدو عن رؤية أبراج تلمع تحت أشعة الشمس قبل أن تبتلعها العواصف الرملية.
الأمر المذهل أن بعض هذه المواقع لا تذكرها كتب التاريخ الرسمية، لكن القصص الشفوية تتناقلها الأجيال. مثلًا، سمعت من أحد المرشدين السياحيين في الأردن عن كهف سري تحت البتراء يحتوي على نقوش لم تُترجم بعد. العلم الحديث بدأ يستخدم تقنيات الرادار المخترق للأرض ليكشف عن غرف دفن كاملة تحت الرمال، ومع ذلك لا تزال أغلب هذه الأسرار محفوظة بصبر. أعتقد أن يومًا ما سنفاجأ بمدينة بأكملها تخرج من تحت كثبان الربع الخالي، تمامًا مثلما خرجت 'أوباري' من أساطير الطوارق.
تدور أحداث فيلم 'Indiana Jones and the Last Crusade' حول رحلة البحث عن الكأس المقدسة، وفي أحد المشاهد الأيقونية يصل إنديانا إلى 'البتراء' في الأردن. تلك المدينة النب健康的 في الصحراء، بواجهتها المنحوتة في الصخر الوردي، صورت كمدخل لمعبد الكأس. أتذكر أول مرة شاهدت هذا المشهد وأنا مراهق، شعرت وكأنني أزور مكاناً أسطورياً حقيقياً.
أيضاً فيلم 'The Mummy' (1999) استخدم المدينة القديمة 'أوبار'، المعروفة بمدينة حمورابي المفقودة في صحاري مصر. تلك المدينة الخيالية بنيت من خلال دمج تأثيرات رقمية مع مواقع تصوير حقيقية، مما خلق جواً غامضاً وساحراً.
بالنسبة لي، هذه الأفلام تجعلني أشعر بالحنين لاستكشاف الأماكن التاريخية، خاصة عندما أرى كيف تتحول الصحراء إلى مسرح للمغامرات.
أعشق الروايات اللي تخليني أحس إن الصحراء كائن حي، مش مجرد خلفية. في رواية 'الصحراء القديمة' مثلاً، المكانة العظيمة ترجع لجوهرها كرمز للصبر والتحدي. كل مرة أقرأها، أحس إن الرمال دي شهدت على رحلة البطل الداخلية، تمامًا زي ما الواحد يتوه في صحراء نفسه. بالنسبة لي، السر هو إن الصحراء بتمثل الفكرة القائلة إن أعظم الثمين يحتاج لوقت طويل ليكتشف. مثلاً، في الفصل اللي الزمن يتغير مع حركة الرمال، حسيت إنها بتعلمنا إن القيمة مش في الحصول السريع، لكن في الانتظار والتحمل. وحتى الشخصيات بتتفاعل معاها كحاجز وفي نفس الوقت كملاذ، ده يخليني أفكر في كل صحراء أثرت في حياتي. الصحرا هنا مش مجرد مكان؛ هي اختبار للولاء والمعنى الحقيقي للوجود. كل ما أتأمل في الأوصاف اللي بتصف الليالي المقمرة تحت نجوم الصحرا، أتذكر إن السر هو في العلاقة بين الإنسان والطبيعة اللي بتعليمنا التواضع. هل جربت تشوف فيلم أو لعبة مستوحى من نفس الفكرة؟ أحيانًا بتلاقي تشابها في 'Dune' مثلاً، رغم إن النبرة مختلفة.
في نهاية المطاف، أنا مقتنع إن الصحراء القديمة في الرواية مش مجرد ديكور، لكنها شخصية رئيسية بتحدد مصير الأحداث. حتى الحوارات اللي بتدور جواها بتكشف عن طبقات من المعاني إحنا كقراء بنستفيد منها. لو قارنتها باماكن تانية في الأدب، نادرًا ما تلاقي مكان بنفس القوة الرمزية. الصحراء بتخلينا نراجع أولوياتنا، وده سبب انطباعي العميق بيها. مش مجرد رواية، دي رحلة نفسية.
لقد أنهيت 'الصحراء القديمة' قبل بضعة أيام فقط، وما زلت أفكر في النهاية بتأثر كبير.
النهاية التي اختارها الكاتب كانت صادمة ومؤثرة في نفس الوقت، حيث يصل البطل إلى اللوحة الغامضة التي طالما بحث عنها في قلب الصحراء. بدلاً من أن يجد كنزًا أو قوة عظمى، يكتشف أن اللوحة تعكس روحه الحقيقية، وتظهر له ذكرياته المؤلمة التي كان يحاول الهروب منها.
بالنسبة لي، هذا التطور كان مذهلاً لأنه قلب توقعاتي رأسًا على عقب. ظننت أن القصة ستكون عن مغامرة تقليدية لاستعادة شيء مادي، لكنها تحولت إلى رحلة نفسية عميقة. البطل يدرك في النهاية أن الصحراء القديمة ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي كناية عن صحراء الروح التي نعيشها جميعًا عندما نفقد الاتصال مع أنفسنا.
أعتقد أن القيمة الحقيقية للنهاية تكمن في رسالتها: أحيانًا ما نبحث عنه في الخارج هو موجود بداخلنا من البداية. كان يمكن أن تكون النهاية سعيدة أو مأساوية، لكن الكاتب اختار نهاية حكيمة ومؤثرة، جعلتني أجلس لساعات أفكر في معانيها.
لطالما شغفت بالبحث عن مواقع التصوير التي تظهر في أفلام الخيال العلمي، ولما شفت فيلم 'Dune' الجديد، حسيت إنه لازم أعرف وين صورت تلك المشاهد المهيبة للصحراء القديمة. بعد ما شريت شاي وفتحت قوقل ماب، اكتشفت إنه معظم المشاهد صُوّرت في وادي رم بالأردن، وهو مكان حقيقي يخلّيك تحس إنك على كوكب تاني. الصخور الحمرا والكثبان اللي تموج بالرياح، شي يخطف العقل.
أنا زرت وادي رم من سنتين تقريباً، وصدقني، الطبيعة هناك أروع من أي تأثيرات بصرية. الجو في الليل يكون ساحر، والنجوم قريبة لدرجة إنك تحس إنك تقدر تلمسها. في أحد المشاهد اللي يتجول فيها 'بول أترايدس' بين الجبال، كنت أتذكر إنني كنت واقف في نفس المكان، والنسيم البارد يهب على وجهي. هالتجربة الخيالية خلّتني أقدر العمل اللي سواه المخرج دنيس فيلنوف، لأنه استخدم مواقع حقيقية عشان يعطي الفيلم طابع واقعي جداً.
بس مو بس فيلم 'Dune' هو اللي استفاد من وادي رم، حتى 'المريخي' و 'لورنس العرب' صورت هناك. اللي يخليني أتأكد من صحة هالمعلومات إنه كل ما شفت فيلم يتضمن مشاهد صحراوية، أبدأ أبحث عن مكان التصوير. واكتشفت إنه المغرب وناميبيا كمان استخدموا في تصوير 'The Dark Tower' و 'Mad Max: Fury Road'. التصوير في مناطق صحراوية حقيقية يضيف عمق وإحساس بالفدائية، وما أقدر أقول غير إنه السينما عالمية فعلاً.