أفكر في شخصية 'شينجي إيكاري' من سلسلة 'Neon Genesis Evangelion'.
طوكيو-3 كانت من المفترض أن تكون ملاذًا آمنًا للبشرية بعد الكارثة، لكنها تحولت إلى ساحة معركة نفسية له. المدينة الضخمة ذات المباني القابلة للطي جعلته يشعر بالتفاهة، خصوصًا عندما فرض عليه والده قيادة الوحش العملاق. كل مرة كان يخرج فيها لمواجهة الأنجيل، كنت أشعر أن المدينة تبتلعه أكثر.
وما زاد الطين بلة أن السكان المحليين كانوا ينظرون إليه كأداة وليس كطفل مراهق. المشهد الذي يقف فيه على سطح المدرسة بينما الأضواء الاصطناعية تخفت في الأفق كان قمة الخذلان. المدينة لم تمنحه أي دفء إنساني، بل جعلته مجرد ترس في آلة حرب.
أعتقد أن هذا هو السبب في أن 'Shinji' يبقى عالقًا في ذهني - لأنه يمثل شخصًا وُضع في قلب عالم مليء بالإمكانيات لكنه تحول إلى سجن بارد.
أعترف أنني عندما شاهدت فيلم 'المدينة والخذلان' لأول مرة، خرجت من قاعة السينما وأنا أشعر بمزيج غريب من الإعجاب والحيرة. هذا الفيلم بالتأكيد ليس من النوع الذي يتركك غير مبال، بل يزرع في رأسك بذور أسئلة لا تنتهي، وهذه هي بالضبط نقطة الجدل الرئيسية بين النقاد.
السبب الأول الذي أراه هو الطريقة التي يتعامل بها الفيلم مع مفهوم 'المدينة' نفسها. لا يصورها كخلفية جميلة أو مجرد مكان للأحداث، بل يجعلها كياناً حياً له شخصيته المستقلة، أحياناً تتعاطف معه وأحياناً تشعر بالخيانة منه. بعض النقاد رأوا في هذا تجسيداً عبقرياً للعلاقة المعقدة بين الإنسان والمكان، بينما اعتبره آخرون مبالغة درامية لا تخدم القصة. أنا شخصياً أميل إلى الرأي الأول، لأن الفيلم نجح في جعلني أشعر بالمدينة كما لو كانت شخصية رئيسية تمر بتحولاتها الخاصة.
الخلاف الثاني يدور حول مفهوم 'الخذلان' نفسه. هل هو خذلان المدينة لسكانها، أم خذلان السكان لبعضهم البعض، أم خذلان الذات؟ الفيلم يترك هذه التساؤلات مفتوحة دون إجابات واضحة، وهذا أثار حفيظة النقاد الذين يفضلون الحبكة التقليدية ذات النهايات المغلقة. لكن في المقابل، هناك نقاد آخرون أشادوا بهذا الغموض، معتبرين أنه يعكس تعقيد الحياة الواقعية حيث لا توجد إجابات سهلة. أتذكر أنني بعد مشاهدته جلست مع أصدقائي لساعات نتناقش حول تفسير كل مشهد، وهذا دليل على أن الفيلم حقق ما يسعى إليه أي عمل فني جيد: إثارة الحوار.
من الناحية التقنية، أثارت طريقة التصوير والتحرير جدلاً واسعاً. الاستخدام المكثف للقطات الطويلة والكاميرا المهتزة في مشاهد معينة أربك بعض المشاهدين، بينما رأى آخرون أنها أضفت واقعية وصدقاً على المشاعر. بالنسبة لي، مشهد المطاردة في السوق القديم كان تحفة سينمائية بكل ما تعنيه الكلمة، لكني أفهم تماماً من قال إنه شعر بالدوار أثناء مشاهدته. هذا الانقسام في الرأي يعكس ببساطة اختلاف الأذواق والخلفيات السينمائية.
في النهاية، أعتقد أن الجدل حول 'المدينة والخذلان' هو دليل على قوته وليس ضعفه. الأفلام التي تتركك غير مبال هي التي تستحق النسيان، أما تلك التي تثير فيك مشاعر متضاربة وتدفعك للتفكير، فهي التي تبقى عالقة في الذاكرة. ربما يكون هذا الفيلم مثالياً للذين يحبون السينما التي تتحدى التوقعات وتكسر القوالب النمطية، وقد يكون مزعجاً لمن يبحثون عن هروب بسيط من الواقع. لكن في كل الأحوال، لا يمكن إنكار أنه ترك بصمة واضحة في المشهد السينمائي العربي.
أرى أن النقاد غالباً ما يصورون المدينة كمساحة واعدة تتحول تدريجياً إلى مصدر خيبة. في روايات مثل 'موسم الهجرة إلى الشمال' مثلاً، تصبح المدينة الأوروبية مكاناً للاغتراب والخذلان العاطفي. لكن الأمر لا يتعلق فقط بالجغرافيا، بل بكيفية تحول الأحلام الفردية إلى كوابيس جماعية.
في الأنمي مثل 'نيون جينيسيس إيفانجيليون'، طوكيو الجديدة ليست مجرد موقع، بل مرآة للصدمات النفسية. هناك شيء مؤثر في تصوير النقاد للمدينة ككيان يعد بالانتماء ثم يخذل. أتذكر عندما تحولت شوارع المدينة في فيلم 'Brazil' إلى متاهة بيروقراطية خانقة. هذا النوع من التحليل يجعلني أتساءل: هل المدينة هي التي تخذلنا، أم أن توقعاتنا هي السبب؟
فكرة مثيرة جدًا للاهتمام! في رواية 'المدينة والخذلان'، أحببت كيف أن الحدود بين الحقيقي والمتخيل تصبح ضبابية بشكل متعمد. المؤلف بنى عالمًا خياليًا بامتياز، لكنه استلهم الكثير من المشاعر والمواقف الإنسانية الحقيقية التي نعيشها جميعًا.
لما كنت أقرأ الرواية، شعرت أن شخصياتها تحمل أبعادًا نفسية معقدة جدًا، وكأنهم أشخاص حقيقيون ألتقيهم في حياتي اليومية. مثلاً، مشاعر الخذلان التي تعاني منها الشخصية الرئيسية - هذه المشاعر لا يحتاج المرء إلى خيال ليفهمها! كلنا مررنا بلحظات شعرنا فيها أن المدينة التي نحبها تخذلنا، أو أن الناس من حولنا لا يفهموننا.
من جهة أخرى، بعض الأحداث في الرواية غريبة جدًا لدرجة أنها لا يمكن أن تكون حقيقية. مثلاً، مشهد الحديقة التي تتحول إلى متاهة كل ليلة - هذا خيال محض. لكنه خيال يحمل رسالة عميقة عن كيف نضيع في متاهات أفكارنا ومشاعرنا.
المؤلف نجح في المزج بين الواقع والخيال بطريقة سحرية. هو لم يكتب سيرة ذاتية ولا تقريرًا واقعيًا، بل استخدم الخيال كأداة لاستكشاف حقائق إنسانية أعمق. الشخصيات التي تبدو حقيقية جدًا هي في الحقيقة إبداع خيالي، لكنها تستند إلى ملاحظات دقيقة عن الطبيعة البشرية.
في النهاية، أعتقد أن جمال هذه الرواية يكمن بالضبط في هذا التمويه المتعمد. لا نعرف أبدًا ما إذا كانت الأحداث مأخوذة من حياة المؤلف الحقيقية أم أنها مجرد خيال، وهذا يجعل التجربة أكثر إثارة. كل قارئ يجد فيها جزءًا من حقيقته الخاصة
أعتقد أن اختيار المدينة كخلفية للخذلان في الروايات ليس مصادفة أبدًا. المدن في الأدب تمثل غالبًا وعودًا زائفة - تخيل ناطحات السحاب اللامعة التي تخفي وراءها أزقة مظلمة وقلوبًا وحيدة.
الكاتب يستخدم المدينة كمرآة تعكس التناقض بين ما نطمح إليه وما نصل إليه فعليًا. في رواية 'The Great Gatsby' مثلًا، نيويورك تبهرك بأضوائها لكنها في النهاية تبتلع أحلامك. أنا شخصيًا أحب كيف أن الكُتاب يجعلون من الشوارع المزدحمة مكانًا مثاليًا لتسليط الضوء على العزلة - فأنت محاط بملايين البشر لكن لا أحد يهتم بمعاناتك.
بالنسبة لي، هذا الاختيار ذكي جدًا لأن الخذلان في المدينة يبدو أكثر قسوة - أنت في قلب الحياة لكنك تشعر وكأنك خارجها تمامًا. الكاتب يخلق هذا التباين ليجعل القارئ يتساءل: هل المدينة هي من تخذلنا، أم أننا من نضع توقعات خيالية عليها؟
أوه، سؤال جميل! خلينا نرجع شوي للوراء ونتذكر الأيام الحلوة. كتاب 'المدينة والخذلان' أو 'The City and Its Uncertain Walls'، القصة بدأت كرواية خفيفة أو ما تسمى بـ 'light novel'، والمؤلف سوزوكي كوجي أطلق أول فصولها على منصة 'شوسيتسوكا ني نارو' حوالي سنة 2015. هذا الوقت كان بداية صعود الكتاب على الساحة، حيث الناس بدأوا يلاحظون أسلوبه الشاعري الحزين وطريقته الفريدة في رسم المشاعر. أنا شخصياً أتذكر لما صادفت أول فصولها بالصدفة وأنا أتصفح أقاصيص أخرى، والمشهد الأول شدني بطريقة غريبة، زي الشعور بالوحدة اللي تحسها وأنت تمشي في شارع مهجور بعد المطر.
بخصوص الشهرة، المدينة والخذلان ما انطلقت بشكل مفاجئ ولا في يوم وليلة. بالعكس، الأخ سوزوكي بنى عالمه كلمة كلمة، وفصول درامية متصاعدة. حوالي 2017-2018، لما وصلت الفصول إلى نقاط تحول درامية ضخمة، بدأت الضجة تنتشر في مجتمعات القراءة اليابانية والعالمية. المنتديات زي ريديت ومجموعات الترجمة على تويتر بدأوا يشاركون مقتطفات مؤثرة، وانتشرت موجة من التحليلات النفسية للشخصيات. اللي ميز هذه الفترة هو كيف الرواية ما كانت مجرد قصة، بل أشبه برحلة داخل الذاكرة والخذلان اليومي اللي نعيشه كلنا.
بعد نجاح الطبعة الورقية الأولى في 2020، الموضوع أخذ منعطفاً أكبر. ترجمات غير رسمية بدأت تظهر بلغات متعددة، والجماهير العربية أيضاً وجدوا فيها مرآة لتناقضات الحياة العصرية. الستايل الأدبي المميز بين الواقعي والسريالي خلّى ناس كتير يقرنونها بأعمال لموراكامي، لكن سوزوكي له بصمة خاصة. بالنسبة لي، ما بين 2021 و2023، صارت الرواية عنواناً ثابتاً في قوائم التوصيات لمن يحبون الأدب النفسي الممزوج بالغموض. لو تسألني متى بدأت شهرتها بالضبط، أقول إنها مثل النار اللي تشتعل ببطء تحت الرماد، لين انفجرت وأضاءت السماء بأكملها. اليوم، أي مناقشة عن أدب الخذلان والعزلة في اليابان ما تكتمل دون ذكر هذا العمل، وأتوقع أثرها سيبقى لسنوات قادمة.
لاحظت في فيلم 'Her' كيف أن المدينة الفسيحة المليئة بالأضواء والناس تعمق شعور البطل بالخذلان.
المخرج سبايك جونز استخدم لقطات واسعة من شوارع لوس أنجلوس المزدحمة، لكنه صوّر البطل وهو يمشي وحيداً بين الحشود. التباين بين حركة المدينة الصاخبة ووقفته المتجمدة جعل خذلانه ملموساً.
ثم هناك الإضاءة الخافتة في شقته التي تطل على ناطحات السحاب. الأضواء البعيدة الخارجة عن متناوله تعكس حلمه الذي تلاشى. حتى صوت القطارات البعيدة كان يبدو كأنين خذلان يمتد عبر المدينة.
صراحة، فكرة صور المدينة كخلفية للخذلان في المانغا أو الروايات المصورة تلامس شيئًا عميقًا عندي. في 'Tokyo Ghoul' مثلًا، أتذكر مشهد كانكي في شوارع طوكيو المزدحمة بعد خيانة صديقه—المدينة اللامعة بناطحات السحاب والإعلانات النيون تحولت فجأة إلى قفص من العزلة. الإضاءة الباردة والمساحات الفارغة بين الزحام تعكس تمامًا الفراغ اللي شعر فيه.
في 'Your Lie in April'، المشاهد اللي كان كوسي يركض فيها عبر الجسور تحت المطر، والخلفية الحضرية الرمادية تعزز إحساسه بالفقدان بعد فراق كاوري. أظن أن الفنانين هنا متعمدين يربطون بين صخب المدينة وبرودة القلوب—كلما ازدحمت الشوارع، زاد شعور الشخصية بالوحدة. حتى في فيلم 'A Silent Voice'، الخلفيات الحضرية مثل محطات القطار المزدحمة تُستخدم لتسليط الضوء على صراع إيشيدا مع الندم.
الجميل في هذي التقنية أنها تخلي المشاهد يشعر وكأنه يعيش جو الخذلان بشكل واقعي، المدينة مش مجرد ديكور، بل مرآة للروح المكسورة.