اللحظة التي لا أنساها من تاريخ الشطرنج مرتبطة مباشرة ببوبى فيشر.
أستطيع أن أقول بثقة أن أعلى تصنيف فيدرالي حققه كان في عام 1972، وتحديدًا في قوائم يوليو 1972، عندما وصل تصنيفه إلى 2785 نقطة إيلو. هذا الرقم لم يكن مجرد رقم على ورقة بالنسبة لي؛ كان دليلاً على سيطرة لاعب واحد على المشهد حين فاز بالبطولة العالمية ضد سباسكي وأصبح أيقونة حقيقية.
ما أحب تذكره هو السياق: كان العالم كله يتابع سلسلة مباريات 1972، وتصاعد الاهتمام جعله لحظة تحول في الشطرنج الحديث. بالنسبة لي، ذلك القِمم يعكس تركيزه وروح التحدي التي امتلكها، وهو شيء ما زال يثير الإعجاب حتى اليوم.
أتذكر جيدًا قصة بوبي فيشر كدراما حقيقية أكثر منها مجرد سطر في كتب التاريخ؛ القصة ليست بسيطة 'تخلى عن الجنسية' بل سلسلة أحداث قانونية وسياسية. فيشر تعرض لملاحقة من السلطات الأمريكية بعد مباراته الشهيرة عام 1992 في يوغوسلافيا، وتمت إدانته فعليًا في عيون النظام الأمريكي لانتهاكه العقوبات، وبالتالي أُلغِي جواز سفره الأمريكي لاحقًا. خلال احتجازه في طوكيو عام 2004 كان وضعه مأساويًا؛ هنا تدخلت أيسلندا ومنحته الجنسية فعلاً في 2005 وأصدرته جواز سفر آيسلندي سمح له بالقدوم إلى ريكيافيك حيث عاش حتى وفاته عام 2008.
لا أستطيع القول إن الأمر كان تنازلاً رسمياً عن الجنسية الأمريكية بالمفهوم القانوني التقليدي؛ إلغاء جواز السفر وسحب وثائق السفر يختلف عن إجراءات التخلي الرسمي عن المواطنة. المصادر الموثوقة تشير إلى أنه نال جنسية أيسلندية وعاش كمواطن آيسلندي، لكن وضع فقدان أو بقاء جنسيته الأمريكية يبقى موضوعًا تقنيًا يعتمد على سجلات وزارة العدل والهجرة الأمريكية، وليس مجرد إعلان عام. في النهاية، أراه انتصارًا لأيسلندا على صعيد إنساني وسياسي وأنها منحت رجلاً مطاردًا ملاذًا أخيرًا.
كنتُ متلهفًا لرؤية كيف سيُجسّد هوس العبقري والطابع التراجيدي لحياة رجل شطرنج في قالب سينمائي، و'Pawn Sacrifice' فعلاً اختار بوبى فيشر كمحور رئيسي.
الفيلم يركّز بشدة على مباراة العالم الشهيرة عام 1972 في ريكيافيك بين بوبى فيشر وبوريس سباسكى، ويركّز أكثر على الضغوط النفسية والسياسية التي أحاطت بالمواجهة خلال أوج الحرب الباردة. توبى ماجواير يؤدي دور فيشر بطريقة مكثفة، والمخرج إدوارد زويك يرسم صورة إنسانية لِمُخترع بعض الحركات الجنونية على الرقعة، بينما يصوّر أيضاً علامات الجنون والبارانويا التي طاردت فيشر.
ما عجبتني هو أن الفيلم لا يعتبر وثائقياً حرفياً؛ هناك تبسيط وتكثيف لأحداث وأشخاص حتى يسهل تتبّع القصة عاطفياً للمشاهد العادي. لكن إن أردت سرداً كاملاً لحياة فيشر المعقّدة بما فيها سنواته اللاحقة والجدالات الكبيرة حوله، فستحتاج إلى مصادر إضافية. شخصياً خرجت من العرض مشتاقاً لأفتح سجلات مباريات أخرى وأطالع سيرته لأفهم الفاصل بين الحقيقة والخيال السينمائي.
فوز بوبي فيشر على بوريس سباسكي في تلك المباراة كان فعلاً حدثاً تاريخياً: نعم، فيشر أصبح بطل العالم للشطرنج عام 1972 بعد التغلب على سباسكي في أيسلندا. المباراة لم تكن مجرد سلسلة نقلات على الرقعة، بل كانت مُثقلة بالتوتر السياسي والإعلامي، وكانت تُقصد بها نهاية هيمنة السوفييت على اللقب لعقود. النتيجة النهائية كانت حاسمة لصالحه، وهو حسم اللقب وأصبح اسمه مرادفاً للعب الفردي العبقري والجنون المنهجي في آن واحد.
أتذكر كيف تغيّرت صورة الشطرنج لدى الناس بعد ذلك: الشطرنج تحوّل إلى مادة تلفزيونية وتغطية صحفية عالمية، وصار الناس يتابعون التحليلات وكأنها مباريات رياضية كبرى. بالنسبة لي، فوز فيشر لم يكن مجرد لقب، بل لحظة ثقافية ربطت لعبة الذكاء بالصراع الدولي، وأثبت أن شخصية واحدة قادرة على قلب موازين رياضة فكرية بأكملها.
تخيل مشهداً من أسلوب لعب صافٍ وواضح: هذا تقريبًا ما كان عليه بوبي فيشر في افتتاحياته عندما يكون لونه الأبيض. في معظم مبارياته عالية المستوى كان يلجأ إلى خطوة جندي الملك 1.e4 بشكل شبه اعتيادي، لأن هذا الإفتتاح يمنحه خطوطاً مفتوحة للصراع التكتيكي والسيطرة على المركز.
لم يكن فيشر يلتزم بنسق واحد فقط داخل عائلة 1.e4؛ أكثر ما أحبّه هو الانتقال إلى معارك عبر 'الروى لوبيز' (Ruy Lopez) أو إلى الألعاب المفتوحة التي تتطلب حساً حسابياً ممتازاً. ومع ذلك كانت هناك استثناءات قليلة طوال مسيرته؛ أحيانًا يغير إلى 1.c4 أو 1.Nf3 لتفادي تحضيرات خصمه أو لاتباع خطة معينة.
أعتز بمتابعة مبارياته لأن التزامه بـ1.e4 لم يكن ضعراً أو عادة عابرة، بل كان قراراً تكتيكياً ونفسيًا: فتحات واضحة، لعبٌ مباشر، وتحضير نظري عميق. تلك الرغبة في المواجهة المباشرة هي ما جعل افتتاحية جندي الملك تحفة مناسبة لأسلوبه.
لا أستطيع نسيان شعور التشويق الذي اجتاحني عندما قرأت نتيجة المباراة: نعم، بوبى فيشر هزم بوريس سباسكي في مباراة العالم عام 1972 في ريكيافيك. كانت النتيجة النهائية 12.5 مقابل 8.5 لصالح فيشر، بعد 21 لعبة — فاز فيشر بسبع ألعاب، بينما فاز سباسكي بثلاث، وتعادلا في إحدى عشرة لعبة. هذه المعركة لم تكن مجرد تبادل قطع على الرقعة، بل كانت مواجهة ثقافية وسياسية في قلب الحرب الباردة، وما جعلها أكثر درامية هو سلوك فيشر المتمرد واشتراطاته حول الكاميرات والحضور، وحتى ما حدث مع اللعبة الثانية التي خسرها بالهجوم عندما تخلف عن الحضور.
أتذكر كيف بدت الخسارة بالنسبة للاتحاد السوفيتي وكأنها نهاية حقبة؛ فقد أنهى فيشر أمداً طويلاً من سيطرة السوفييت على لقب العالم. لكن أكثر ما يعلق في الذاكرة هو جودة بعض المباريات، خصوصاً أسلوب فيشر الحاد والمتحكم، والذي أظهر أن التحضير النفسي والتكتيكي معاً يمكن أن يقلبا موازين القوة. على الصعيد الشخصي، شعرت حينها بأن المباراة أعادت الشغف إلى الشطرنج في الغرب وجعلت الملايين يتابعون لعبة كانت تبدو دنيوية قبل ذلك.
في الخلاصة، النصر كان حقيقياً وتاريخياً: فيشر أصبح بطل العالم وأنشأ إرثاً مثيراً للجدل كما أنه جعل الشطرنج مادة للسرد السينمائي والكتابي التي نواصل العودة إليها حتى اليوم.
أستطيع أن أضع قائمة بالأسماء التي أرى أنها كانت بوصلةً لذوق علاء بشير.
أعتقد أن الأدب العربي الكلاسيكي والمعاصر لعب دوراً محورياً: أسماء مثل نجيب محفوظ ومحمود درويش بدت دائماً قريبة من حسه السردي وشاعريته في التعبير. كما أظن أن كتابات 'أحلام مستغانمي' أو أعمال التوثيق الاجتماعي والسياسي أعطته نمطاً من الاهتمام بالذات الجماعية والتاريخية.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال تأثير السينما العربية؛ مخرجون أمثال يوسف شاهين من المرجح أنهم صقلوا نظرته البصرية والسردية. وأخيراً، المؤثرون الرقميون وصناع المحتوى الثقافي والأدبي في العقد الأخير أعطوه لغة معاصرة للتواصل مع جمهوره. هذه التركيبة — كلاسيكيات أدبية، موسيقى وسينما مؤثرة، ومنصات رقمية حديثة — أراها تشكل البنية التي بنى عليها علاء توازنه الذهني والفني.