أحيانًا أحس بأن الصفحات في 'روايات العزف على أوتار' تعمل كأنها لحن طويل يهمس في أذنك—لكن لن أبدأ بهذه العبارة العادية، سأقول إن أول ما يجذبني هو الإيقاع الداخلي للنص.
أحب كيف تُبنى المشاهد كجسور موسيقية: تؤدي شخصية لحنًا، ثم تدخل شخصية أخرى بتنغيم مضاد، وتتصاعد التوترات حتى تصل إلى الذروة التي تشعرني وكأنها كورال حميم. اللغة تميل إلى الحسية؛ الوصف ليس مجرد منظر بل صوت، لمس، وذاكرة. أجد نفسي أتمشى في شوارع الرواية وكأني أسمع وترًا يهتز، وهذا يخلق اتصالًا عاطفيًا مباشرًا بيني وبين الشخصيات، حتى أبكي على صفحات لا تحتوي سوى على حوار بسيط.
بالإضافة لذلك، هناك مسألة البنية والوقت: سرد ينساب أحيانًا ببطء مُؤلم وأحيانًا يقفز كما لو أن العازف قرَّر تغيير الإيقاع فجأة، وهذا يرضي شهيتي الأدبية. في النهاية، أحبها لأنها تُذكرني بأن الكلمات يمكن أن تكون موسيقى، وأن قراءة قصة هي ممارسة استماع، وهذا ما يجعلني أعود لها مرارًا ونستمتع بكل عزف جديد.
أحببت الطريقة التي تُبنى بها عوالم 'العزف على الأوتار'، ولهذا أفضّل أن أقرأ السلسلة حسب ترتيب صدورها الأصلي.
السبب بسيط: الكاتب يطوّر أسلوبه ويقدّم تلميحات ومفاجآت تتكدّس مع الوقت، وقراءتك للكتب كما نُشرت تحفظ الإيقاع الدرامي الذي أراده. ابدأ بالجزء الأول ثم تابع التتابع الرئيسي (الجزء الثاني، الثالث...) قبل أن تنتقل إلى القصص القصيرة أو الروايات الجانبية. بهذه الطريقة تشعر بالتصاعد الطبيعي للأحداث وتستمتع بلحظات الكشف كما حدثت لأول مرة.
بعد الانتهاء من الثلاثية أو السلسلة الأساسية، عد إلى الروايات الجانبية أو المجلدات التي تغوص في خلفيات الشخصيات؛ قراءتها بعدها تمنحك منظوراً أوسع وتحوّل مشاهد معينة إلى لحظات أكثر ثراءً. أما إن كانت هناك طبعة معدّلة أو نصوص مضافة لاحقاً، فأنصح بقراءتها بعد النسخة الأصلية حتى لا تُفسد مفاجآتها. بهذا الترتيب أحسست بالارتباط بالشخصيات أكثر وتضاعفت متعة الاكتشاف.
ألاحظ في 'العزف على أوتار' طريقة فريدة لنسج الموسيقى داخل نسيج السرد. تتعامل الكاتبة مع الصوت ليس كمجرد خلفية بل كشخصية حقيقية؛ الأوتار تصبح وسيلة للتعبير عن المشاعر، واللحن يتحول إلى مرآة لذاكرة الأبطال. تُستخدم أوصاف حسية دقيقة للأنغام، بحيث أحيانًا أشعر بأنني أسمع النغمات أمامي وليس أنني أقرأ عنها.
بالإضافة إلى ذلك، تتكرر صور وعبارات معينة كالـ'وتر المرتجف' أو 'الصمت الذي يسبق الانفجار الصوتي' لتخلق لِحَناً موضوعيًّا في النص؛ هذه التكرارات تعمل كـleitmotif أدبي يربط فصولًا متفرقة ويقوّي الإحساس بالتماسك. البنية نفسها تشبه قطعة موسيقية مقسمة إلى حركات: افتتاحية تمهيدية، ذروة تصاعدية، وانحدار نحو خاتمة مطمئنة أو مفتوحة. هذا التقسيم يعطي القارئ إحساسًا بالإيقاع والزمن، ويجعل كل فصل يشعر وكأن له نبضة خاصة به. النهاية التي تترك بعض الأوتار معلقة تظل في ذهني كصدى طويل، وهذا ما أقدّره كثيرًا.
العلاقة بين الصورة والكلمة تبدو هنا وكأنها رقصة، والمخرج استغل هذا الإحساس بذكاء واضح عندما اقتبس مشاهد من 'عزف علا اوتار'.
لاحظت أن كل مشهد مقتبس لا يُعرض كنسخة حرفية من النص، بل كمقطع صوتي وبصري: الكاميرا تُقارب الوجوه أثناء قراءة السطور، ثم تنتقل بسلاسة إلى اليدين وهي تعزف أو تقلب صفحات الكتاب. هذا التنقل الدقيق بين النص والعزف جعل النص الأدبي ينبض كأنّه لحن، وليس مجرد حوار مكتوب على الشاشة.
ما سهل عليّ الاندماج هو استخدام الإضاءة واللون لتفريق طبقات الذاكرة عن الواقع؛ الذكريات تظهر بألوان دافئة وانسيابية حركة أبطأ، بينما اللحظات الواقعية أكثر حدة وقصيرة. في النهاية شعرت أن المخرج لم يقرأ الرواية فقط، بل استمع إليها وصنع منها تجربة سينمائية خاصة بي.