في ليلة لم تفرّق بين الواقع والحلم، امتلكتني جملة واحدة وقررت أن كل ما بعدها يجب أن ينبني حولها. أتذكر بوضوح رائحة القهوة المائلة للمرارة والضوء الخافت من نافذة المطبخ؛ كان ما تلا ذلك شريطًا من ذكريات متنافرة: خبر قرأته قبل أيام، صورة قديمة لشارع مهجور، وعبارة سمعها أحدهم من طفل صغير. بدأتُ بكتابة ما بدا كجملة افتتاحية لِـ'فاتحة الكتاب' دون أن أدرك أنها ستكون مفتاحًا لكل شخصياتي وصداعها ومفاجآتها.
لم تكن الفكرة نابعة من لحظة إلهام صافية بقدر ما كانت نتيجة تراكم تفاصيل صغيرة؛ ذلك الصوت في الطرف الآخر من الهاتف، ورؤية رجل يجلس وحيدًا في محطة قطار، ثم تذكُرٌ لشيء لم يُقال لصديق قديم. في اللحظة التي ربطتُ فيها كل هذه الصور بكلمة أو بتراكيب قصيرة، تغيرت الفكرة من مشهد متفرّد إلى عالم كامل.
بعد ذلك بدأت المرحلة الحقيقية: التساؤل المتكرر عن النغمة والوتيرة — هل تُدخل القارئ مباشرة في الحدث أم تهمس له بأخبار الماضي؟ هل تكون الفاتحة برعشة أم بمطالبة؟ وكل تعديل كان كفتح باب صغير للاحتمالات. هذا ما أحبّه في كتابة الفتحات؛ أنها فرصة لصياغة وعد، وعد تقرأه العين ثم تقرره الصفحة التالية. النهاية؟ تركتُها مفتوحة قليلاً، لكي يشعر القارئ أنه دخل منذ الجملة الأولى ودعني أرافقه بخطى بطيئة لكنها ثابتة.
سأعترف بأنني أتحمس عندما أقرأ مقدمات الكتب لأنها تكشف نية الكاتب بوضوح في كثير من الأحيان.
أرى أن المؤلفين غير المتشابهين يتعاملون مع ذكر مميزات الكتاب في المقدمة بطرق مختلفة: في الكتب العلمية والعملية عادةً يذكر الكاتب بوضوح ما الذي سيقدمه الكتاب، ما الأسئلة التي يجيب عنها، ومن هو القارئ المستهدف، وحتى كيفية استخدام الفصول. هذه المقدمات تعمل كخريطة للقراء وتختصر الوقت للمشتاقين لفائدة محددة.
أما في الروايات والخيال، فالمقدمة نادرًا ما تجرد مميزات بصورة صريحة؛ هنا المؤلف يفضل خلق مزاج أو تمهيد لعالم العمل أكثر من تعداد الفوائد. ومع ذلك، قد يتضمن الكاتب جملة أو اثنتين عن ثيمات العمل أو الدافع وراء كتابته، وهي شكل من أشكال «تمييز» الكتاب لكنه أقل عملية وأكثر جاذبية.
من تجربتي، عندما أجد مقدمة تذكر مميزات الكتاب بوضوح أشعر بأنني أمام عمل منظّم ومتحفز لخدمة القارئ، بينما المقدمة الشاعرية تثير فضولي لكنها لا تكفي لتوقع الفائدة العملية. في كل الأحوال، قراءة المقدمة تعطي مؤشرًا مهمًا قبل الالتزام بوقت أطول مع الكتاب.