من منظور عملي، تغيير تعريف 'اللغة العربية' يؤدي مباشرة إلى إعادة ترتيب تصنيفات اللهجات على أرض الواقع الاجتماعي والسياسي. عندما يُعاد تعريف اللغة بحسب معايير مثل القابلية للتفاهم المتبادل، التأثيرات التاريخية، أو المعايير الديموغرافية، فإن لهجات كانت تُعدّ فرعية قد تُعالَج كلغات مستقلة في النظم التعليمية والحقوق اللغوية.
هذا يؤثر على شيء ملموس: من يُدرّس في المدارس؟ بأي لهجة تُنتَج البرامج الإعلامية؟ ما هي اللهجات التي ستحصل على تمويل لتوثيقها؟ كما أن شركات التقنية والبحوث اللغوية ستعيد توجيه جهودها لبناء قواعد بيانات ومعالجات طبيعية للغات التي تُعتبر الآن مستقلة. في النهاية، التعريف ليس مجرد مسألة تصنيفية جامدة، بل أداة تتخذ قرارات تؤثر على الناس وهويتهم اليومية.
الحوار حول تعريف 'اللغة العربية' لا يبقى مجرد نقاش أكاديمي؛ له آثار على الاعتراف والهوية.
إذا قررنا توسيع أو تضييق التعريف، فتصنيفات اللهجات ستتبدل: بعضها قد يُصاب بانفصال رمزي يغيّر حماسة الناطقين للحفاظ عليه أو نقله للأجيال. أما عمليًا، فالتغيير يمكن أن يحسّن تمويل توثيق لهجات مهملة أو يخلق توترات عندما تُسحب لهجة من إطار 'العربية' إلى خانة مستقلة. في كل الأحوال، أتمنى أن تقود أي إعادة تعريف إلى نتائج تكون أكثر عدلاً واحترامًا لتنوع الناس الذين يحملون هذه اللهجات كسجل حي للتاريخ والثقافة.
صوتي يميل إلى الجانب التحليلي عندما أفكر في المعايير التي تُستخدم لتعريف 'اللغة العربية'، لأن تلك المعايير هي التي تحسم مصير اللهجات. اللغة تُعرّف أحيانًا جينيًا (نشأت من نفس الأصل)، أحيانًا بناءً على البنية النحوية والصوتية، وأحيانًا سياسياً وثقافياً. فإذا اعتُمد معيار القابلية للتفاهم المتبادل صار المقياس عمليًا وصعب التطبيق بسبب الاستمرارية اللهجية؛ فاللهجات تشكل طيفًا متواصلاً: مثال واضح هو الفجوة الكبيرة بين لهجة الرباط ولهجة صنعاء، لكن هناك نقاط وسطى تغطيها انتقالات لغوية.
أعجبني مثال المالطية التي انبثقت من العربية السيسيلية ثم انفصلت تاريخيًا وأصبحت لغة مستقلة بكتابة وسياق ثقافي مختلف؛ هذا يوضح أن تغيير التعريف يمكنه سحب بعض اللهجات نحو تصنيف 'لغات منفصلة' بينما يترك الأخرى كجزء من منظومة واحدة. عمليًا، هذا يعني إعادة كتابة كتب تاريخ اللغة، تعديل سياسات ترسيم الهوية، وإطلاق مشاريع توثيق قد تنقذ لهجات مهددة. صوتي هنا متفائل بحكمة التوازن بين الاعتراف العلمي والاعتبار الاجتماعي.
أحب التفكير في اللغة ككائن حي يتغير مع الزمن، وتعريف 'اللغة العربية' يشبه تحديد حدود حديقة واسعة فيها مئات الأنواع النباتية.
إذا وسعنا التعريف ليشمل كل ما انبثق تاريخيًا من العربية الكلاسيكية، فإن الكثير من اللهجات المحلية ستظل تُعتبر لهجات داخل أسرة لغوية واحدة، لكن التصنيف يصبح أكثر مرونة: بعض الفروع تُعامل كلغات مستقلة بحكم التطور الصوتي والمفرداتي المتباين، وبعضها يبقى تحت مظلة 'اللغة العربية' لأسباب ثقافية وتربوية. وبهذا تتبدل الخرائط اللغوية؛ اللهجات المغاربية مثلاً قد تُصنف كمجموعة أقرب إلى بعضها منها إلى اللهجات الشامية أو الخليجية.
التغيير في التعريف لا يغيّر ما يتحدثه الناس، لكنه يغيّر منطق السياسات اللغوية والمناهج التعليمية وكيف تُبنى الموارد الإعلامية والرقمية. هذا يجعل النقاش عمليًا وحيويًّا: هل نريد تعريفًا يراعي التاريخ والسلاسة النصية، أم تعريفًا يخدم الاعتراف بالهوية واللهجات المحلية؟ بالنسبة لي، الاختيار بينهما يعكس قيمنا تجاه التنوع والهوية أكثر من كونه قرارًا صرفًا علميًا.
2026-01-24 01:48:29
16
すべての回答を見る
コードをスキャンしてアプリをダウンロード
関連書籍
صار ابني ينادي أباه: الألفا
إيكو
0
812
المقدمة
منذ علمت أن قريني الألفا بروس لم يبرأ قلبه من قرينته السابقة فيونا ولا من صغيرها، أخذت أعلّم ابننا أن يناديه "الألفا بروس".
فلما أُصيب ابننا بالحمى ذات ليلة، واستدعت فيونا قريني في جوف الليل، وضعت كفي على جبين صغيري المتقد نارًا، وقلت له أن يقول: "وداعًا أيها الألفا".
ولما أخلف وعده في عيد ميلاد ابننا، وكان قد عاهده أن يحضره، لأن فيونا اتصلت به باكية تشكو أن ابنها لا أب له، لم أرفع بصري إليه. إنما جعلت ابننا يعتذر للضيوف قائلًا: "إن الألفا لديه شأن مهم يقضيه".
وكان ابننا يتردد طويلًا كلما نطق بها.
إلى أن أدرك بروس أخيرًا كم خذلنا وكم قصر في حقنا.
فاقترح أن نلتقط صورة عائلية.
لكن في الاستوديو، اتصلت فيونا مرة أخرى، وهي تنتحب.
قالت: "بروس! أيمكنك أن تأتي وتمثل دور أبي توني؟ إن الأطفال في الروضة يسخرون منه لأنه بلا أب..."
ظهر على وجه بروس شعور بالذنب. وكان يهم أن يجثو على ركبتيه ليشرح الأمر لابننا.
غير أن ابننا هذه المرة لم يحتج إلى إشارة مني. لوّح بيده فحسب.
قال: "لا بأس، أيها الألفا بروس. اذهب وكن مع صغيرك الآخر. أنا وأمي نكفي للصورة العائلية".
"يا آنسة هالة، هل أنت متأكدة من رغبتك في تغيير اسمك؟ بمجرد تغييره، سيتعين عليك تعديل شهاداتك، وأوراقك الرسمية، وجواز سفرك."
هالة طارق أومأت برأسها وقالت: "أنا متأكدة."
حاول الموظف إقناعها: "تغيير الاسم بالنسبة للبالغين أمر معقد للغاية، ثم إن اسمك الأصلي جميل أيضا. ألا ترغبين في إعادة النظر؟"
"لن أغير رأيي."
وقعت هالة طارق على استمارة الموافقة على تغيير الاسم قائلة: "أرجو منك إتمام الإجراءات."
"حسنا، الاسم الذي تريدين التغيير إليه هو… رحيل، صحيح؟"
"نعم."
رحيل... أي الرحيل إلى البعيد.
رواية تخاريف هي حكاية رمزية أحداثها خيالية تحكي قصّة بطل سافر عبر الزمن ليخطّ تجربة فريدة من نوعها، عايشها الغريب بحضوره داخل أمكنة كثيرة ومع شخصيات مختلفة. يحادثها ويجادلها لعلّه يظفر بإجابة تريح باله، فقد تجده محاورا الإنسان المجنون، والعاقل، وأحيانا للحيوان وأحايين للجماد، ولشخصيات خيالية على هيئة هواتف. سافر فالتقى بذاته في أثواب شتّى. هدفه الوصول إلى ديار الغناء أين يقيم أبويه في رقدتهما الأخيرة ليرحل في محطات مضنية ومتعبة حتى يصل الجولة الأخيرة فيستفيق على وقع دبيب ضيف غريب معلوم ليجد نفسه في ذات المكان وفي زمن تزحزح قليلا
هى لى ان كنت أتنفس او حتى غادرت روحى جسدى هى لى انا وحدى سأخذها معى لعالمى الجديد ولن اسمح له ولغيره بأخذها حُكم عليها جحيم عشقى فهى من جعلتني متيم لذا فلتحترق بنارى
تدور أحداث القصة حول "زين"، الشاب العربي الذي حباه الله بوسامة وجاذبية لا تُقاوم، لكنه يفتقر تماماً للمال والشهادات، مما يدفعه لخوض مغامرة الهجرة غير الشرعية عبر البحر ليصل إلى السواحل الإيطالية.
بمجرد وصوله، يصطدم "زين" بالواقع المرير: فهو لا يملك أوراقاً رسمية، ولا مأوى، ولا يتقن كلمة واحدة من اللغة الإيطالية أو الإنجليزية، مما يوقعه في سلسلة لا تنتهي من المفارقات الكوميدية الصارخة؛
رغم معاناته مع "حاجز اللغة" والاختلافات الثقافية الهائلة، تصبح وسامته الفائقة وطيبته العفوية هما "جواز سفره" السري. يجد زين نفسه محاطاً بفيض من الفتيات الجميلات اللواتي يحاولن مساعدته، والتقرب منه، وتعليمه اللغة
في ليلة ذكرى زواجنا السادسة، تجنبت قبلة زوجي راشد الوكيل الحارقة، بينما أحمر خجلًا، دفعته ليأخذ الواقي الذكري من درج الطاولة بجانب السرير.
خبأت داخله مفاجأة... أظهر اختبار الحمل أنني حامل.
كنت أتخيل كيف ستكون ابتسامته عندما يعلم بالأمر.
لكن عندما كان يمد يده إلى الدرج، رن هاتفه.
جاء صوت صديقه المقرب ربيع شحاته من الهاتف، قال بالألمانية:
"سيد راشد، كيف كانت ليلة أمس؟ هل كانت الأريكة الجديدة التي أنتجتها شركتنا جيدة؟"
ضحك راشد برفق، وأجابه بالألمانية أيضًا:
"خاصية التدليك رائعة، وفرت عليّ عناء تدليك ظهر سندس."
كان ما يزال يمسك بي بقوة بين ذراعيه، كانت نظراته وكأنها تخترقني، لكنها ترى شخصًا آخر.
"هذا الأمر نحن فقط نعرفه، إن اكتشفت زوجتي أنني دخلت في علاقة مع أختها، فسينتهي أمري."
شعرت وكأن قلبي قد طُعن.
هما لا يعلمان أنني درست اللغة الألمانية كمادة فرعية في الجامعة، لذلك، فهمت كل كلمة.
أجبرت نفسي على الثبات، لكن يديّ الملتفتين حول عنقه، ارتجفتا قليلًا.
تلك اللحظة، حسمت أمري أخيرًا، سأستعد لقبول دعوة مشروع الأبحاث الدولي.
بعد ثلاثة أيام، سأختفي تمامًا من عالم راشد.
أجد الأمر ممتعًا عندما أبدأ بربط لهجة ما بقصة المكان الذي جاءت منه؛ بالنسبة لي اختلاف اللهجات ليس مجرد أصوات وكلمات بل تاريخ متحرك.
أرى أن علماء اللغة يفسرون هذا التنوع عبر عدة طبقات: أولها التاريخية، فالهجرات وطبائع الاستيطان تركت بصمات صوتية ونحوية مختلفة — مثل أثر البربرية في شمال أفريقيا أو تأثير السريانية في بعض مناطق الشام. ثانيًا هناك التأثيرات الاجتماعية: الطبقات الحضارية والبدوية، والتمييز بين المدن والريف، كلها تُشكّل تنوعًا لغويًا يتبدى في النطق والمفردات وأساليب الكلام.
ثالثًا، لا ننسى عوامل الاتصال والاقتراب اللغوي: التجارة، الاستعمار، والتعليم، والإعلام تعمل كقوى توحيد أو تفريق. علماء اللهجات يستخدمون خرائط إيزوغلوصيس لتتبع خطوط الفروق، ويقيسون المُشابَهة بين لهجتين عبر قواعد صوتية ونحوية ووجود مفردات مشتركة. أعود دائمًا لأتفكر في كيف يجعلني هذا التنوّع أحب لغتنا، لأن كل لهجة تخبئ قصصًا محلية لا تظهر في النصوص الرسمية.
أتابع هذا الشيء بشغف — اللغة مثل شخص مسافر دائمًا، تاكل وتتبنى أشكالًا جديدة من الكلام.
في العديد من اللهجات العربية ألاحظ كلمات إنجليزية لم تصل مباشرة من اللغة الإنجليزية فقط، بل هي في الأصل كلمات عربية دخلت اللغات الأوروبية ثم عادت لنا بصيغ جديدة. خذ مثلًا 'قهوة' التي صارت بالإنجليزية 'coffee' وبعدها عاد تأثير شكل أجنبي في لهجاتنا على شكل 'كافيه' للدلالة على المقهى العصري، أو 'سكر' الذي صار في الإنجليزية 'sugar' ثم نسمعها أحيانًا بشكل نطق مختلف في محادثات مختلطة. هذه الدائرة اللغوية شائعة لأن التجارة والسياسة والثقافة أخذت الكلمات وغيّرت أصواتها ثم أعيدت إلى مجتمعاتنا عبر الاستعمار والإعلام.
النتيجة أن بعض اللهجات تستخدم صيغ إنجليزية من أصل عربي بصوت غربي أو مختلط، وأحيانًا نفضّل كلمة مستوردة لأنها تحمل طابع عصري أو وظيفي مختلف. أحب هذا التغيير؛ يخلق عندي إحساسًا بأن لغتنا حية وتتأثر بكل ما حولها.
أتصور الخريطة اللغوية في الذهن مثل شبكة متحركة، حيث تتفاعل اللهجات مع الفصحى في مشاهد يومية متنوعة. عندما أفكر كعاشق للغة، أركز أولًا على مفهوم الازدواج الوظيفي: الفصحى تُستخدم في الكتابة الرسمية والإعلام والمحاضرات، بينما تتوزع اللهجات في الحديث اليومي والفضاءات الحميمة. هذا الاختلاط لا يعني أن الفصحى ثابتة؛ بل تتعرض لتأثيرات صوتية ونحوية ومعجمية ناجمة عن بسط استخدامات اللهجات في مواقف عامة ووسائط جديدة.
ألاحظ أن علماء اللغة يفسّرون التأثير بأدوات محددة: التشابك (code-switching) حيث يتحوّل المتحدث بين الفصحى واللهجة داخل الجملة، والتداخُل (interference) عندما تدخل أنماط تركيبية أو نطقية من اللهجة إلى نص فصيح، وعمليات الانتشار اللغوي (diffusion) التي تنقل مفردات أو أشكال نحو الفصحى عبر الإعلام أو الكتابة غير الرسمية. أيضًا هناك عامل المكانة: سمعة بعض اللهجات تؤثر على قبول عناصرها داخل الفصحى في سياقات بعينها.
ما أجده مشوّقًا هو أن هذا التفاعل ليس دائمًا هبوطًا للفصحى؛ في بعض الأحيان ينتج عنه تجديد لغوي—حيوية في المصطلحات، تبسيط تراكيب، وظهور أنماط كتابة جديدة على الإنترنت. علماء وصف اللغة يلاحظون التغيرات بموضوعية، بينما المهتمون بالتعليم واللغة يميلون للمحافظة. في النهاية، العلاقة ديناميكية ومتبادلة، وتكشف عن كيف تتأقلم الفصحى مع واقع ناطقي متغير دون أن تفقد مكانتها كمرجع موحد.
أحب تتبع كيف تتغير الحركات عندما أتنقّل بين لهجة وأخرى؛ هذا الموضوع دائماً يشغل بالي لما أستمع لمحادثات الناس في المقهى أو في القطار.
القواعد الصوتية (phonological rules) بالتأكيد تفسّر جزءاً كبيراً من اختلاف حروف العلة: هي توضح كيف ولماذا يتحول صوت إلى صوت آخر في سياقات معينة — مثلاً إضعاف أو حذف الحركات القصيرة، أو رفع/خفض درجة العلة تحت تأثير الحروف المجاورة. لكن القواعد ليست كل شيء؛ التاريخ الصوتي يلعب دوراً مهماً عبر تغيّر أصوات تدريجي ينتشر بقوة أو ببطء عبر الكلمات (processes مثل chain shifts أو lexical diffusion).
أيضاً هناك عامل فيزيائي ووظيفي: بعض التغيّرات ناجمة عن نبرة الكلام واللزوجة الصوتية، وبعضها عن الهوية الاجتماعية أو الاقتداء بلهجة معيّنة. النتيجة أنني أراه مزيجاً من قاعدة صوتية منظمة وتاريخ وانتشار اجتماعي، وكل اللهجات تختزل هذا المزيج بطرق مختلفة تُظهر تنوّعاً رائعاً في العالم اللغوي.
خوضي في كتب النحو القديمة جعلني أرى العربية ككائن حيّ يتنفس بتغيرات تاريخية واضحة.
في بدايات التعريف، كان التركيز على ما يُسمّى «اللغة» بمعنى اللسان الأصلي للقبائل، ونُقل الاهتمام إلى تأصيل ما هو فصيح بالاستناد إلى كلام العرب العاربة والشعر الجاهلي ثم إلى ما ورد في 'القرآن الكريم' والأحاديث. علماء النحو والصرف في القرنين الهجريين الأول والثاني — مثل سيبويه والخليل — عرّفوا العربية بوصفها نظاماً قواعدياً مع تركيز كبير على الإعراب والصيغ الصرفية والجذور الثلاثية.
مع العصور الوسطى اعتمد التعريف معيار الأصالة والقياس على «لغة السلف»، بينما العصر الحديث شهد انقلاباً وصفياً: اللغويون بدأوا يعرّفون العربية بوصفها مجموعة من اللهجات أُطرِفت حول مستوى فصيح معياري. اليوم تعريف اللغة العربية يتضمن بعدين: تاريخي-أصولي ووظيفي-اجتماعي، مع تقبل أن اللغة ليست موحدة تاماً بل مجموعة من المتغيرات المعيارية والمحلية.
لاحظتُ في كثير من محادثاتي مع أصدقاء مهتمين باللغة أن السؤال عن وجود كلمات من اللهجات في المعاجم العربية يعود إلى خلط بين نوعي المعجم والهدف من إنشائه. أنا بطبيعتي أميل إلى التدقيق: المعاجم التقليدية مثل 'لسان العرب' و'المعجم الوسيط' تركز عادة على الكلمات الموثقة في النصوص الفصحى—الكلاسيكية أو المعاصرة—ولذلك لا تضم اللهجات اليومية إلا إذا ظهرت في كتابات أدبية أو سجلات تاريخية أو تحولت إلى مفردات مستخدمة على نطاق واسع تصل إلى مستوى الاستخدام الفصيح.
لكن هذا لا يعني غياب أي أثر للهجات. في معاجم حديثة وموسوعات لغوية تُعطي ملاحظات عن الاستعمال العام وتذكر صيغًا محلية أو مشتقات ناشئة من اللهجات، خصوصًا عندما تنتشر عبر الإعلام أو الإنترنت. أيضاً ثمة معاجم متخصصة أو دراسات جامعية تُعنى بلهجة محددة—تجمع مفردات محلية وتشرحها بجذورها واستخدامها، وهذه مفيدة جداً لفهم التنوع اللغوي.
ما يجعل الصورة أكثر ثراءً اليوم هو وجود مشاريع رقمية ومجموعات بيانات لغوية على الإنترنت، حيث يتم توثيق كلمات عامية وشائعة ونشر شروحات عنها بسرعة. لذلك، إن كنت تبحث عن كلمة مستخدمة باللهجة، فالأفضل أن تفحص معجماً عاماً أولاً ثم تتجه إلى معجم لهجات أو مصادر إلكترونية متخصصة؛ ستجد أن الظاهرة موجودة لكن درجتها تختلف باختلاف نوع المعجم وغايته.
عندما أفكر في تعريف اللغة العربية كقيمة علمية وثقافية، أرى تأثيره العميق على مناهج تعليم الأطفال من النواحي العملية والانفعالية.
كثيرًا ما ألاحظ أن تحديد ما نعنيه بـ'اللغة العربية' — هل نعني الفصحى الكلاسيكية، الفصحى الحديثة، أم العاميات المحلية؟ — يوجه كل قرار من اختيار الكتب إلى طريقة التدريس. إذا اعتمد المنهج تعريفًا مركّزًا على القواعد والصرف والنحو، يتحول التركيز إلى دروس تقليدية وتمارين كتابة وكثرة تقييمات القواعد أكثر من حب القراءة والتعبير. أما لو شمل التعريف العاميات والقدرة على التواصل اليومي، فالمناهج تتجه لاستخدام نصوص أقرب إلى بيئة الطفل، وحكايات، وألعاب لغوية تشجّع النطق والفهم.
هذا الاختيار يؤثر أيضًا على الهوية: مناهج تُعزّز الفصحى تقوي الانتماء الثقافي للأعمال الأدبية مثل 'ألف ليلة وليلة'، بينما مناهج مرنة تزيد ثقة الأطفال بتعبيرهم يوميًا. بناء مفردات، طرق قياس التعلّم، ودعم المعلمين يتغير تبعًا للتعريف. بالنسبة لي، أفضل تعريفًا متعدّد الطبقات يسمح للأطفال بتعلّم الفصحى بوصفها أداة للتفكير والقراءة، وفي الوقت نفسه يحترم لغتهم اليومية كجسر للتعلّم الحقيقي.
لاحظت فرقًا كبيرًا بين القراءة في كتب النحو وسماع الكلام اليومي، وهذا فرق يشرح كثيرًا لماذا الناس لا يشعرون بضرورة إظهار علامات الإعراب في اللهجات.
في الفصحى الكلاسيكية كان وضع 'الأسماء الخمسة' واضحًا: عند الرفع تأخذ واوًا (مثال: 'أبو محمدُ حاضرٌ' أو بصيغة مختصرة نقول 'أبو محمدُ'), وعند النصب تأخذ ألفًا ('رأيت أبا محمدَ')، وفي الجر تصير ياءً ('مررت بأبي محمدٍ'). هذا الوصف النحوي يخدم الكتابة والقراءة الفصيحتين. لكن في الكلام العامي نادرًا ما تسمع الفرق الصوتي بين هذه الحالات لأن معظم اللهجات أسقطت حركات الإعراب.
لهجات متعددة تبسّط النطق: في المحادثة المصرية أو الشامية غالبًا تسمع 'أبو محمد' بنفس الشكل بغض النظر عن موقعه في الجملة، وفي بعض المناطق تتحول الهمزة أو تختفي (مثلاً 'بو ناصر' في لهجات الخليج). النتيجة أن الإعراب يظل مفهوماً عبر ترتيب الكلمات وحروف الجر والسياق، لكنه لا يظهر كنطق مختلف كما في الفصحى.
مرّة أتخيل أن معجم مقاييس اللغة يشبه خريطة أدوات لعالم اللهجات؛ يساعدني على تحويل انطباعات غير محددة إلى أرقام ومقاييس قابلة للمقارنة. أستخدمه في البداية لجمع البيانات: أعد قوائم ميزات لغوية (أصوات معينة، أشكال صرفية، تراكيب نحوية، مفردات محلية) وأربط كلّ خاصية بمقياس قياس واضح، مثل نسبة الوجود في العينة أو مقياس إدراك المستمع (مثل قبول/رفض أو سلم 1–5). هذا يجعل الظاهرة اللهجية قابلة للتحليل الإحصائي، ويسمح بالمقارنة بين مناطق أو أجيال مختلفة.
بعد جمع القياسات، غالبًا ما أستعمل أدوات قياس صوتية مثل 'Praat' لالتقاط خصائص دقيقة (F0، مدة الحروف، VOT)، وأتابعها بطرق تصنيفية أو متدرجة. التحدّي الحقيقي هنا هو المعايرة: كيف نضمن أن مقياس القبول لدى مستمع من مدينة أ يقارن بصورة عادلة بمقياس مستمع من مدينة ب؟ لذلك أضبط المعجم عبر جلسات تجريبية واستعمال عينات معيارية، ثم أتحقق من موثوقية القيمين (inter-rater reliability). بهذه الطريقة يتحول المعجم إلى بروتوكول بحثي يمكن تكراره ونشر نتائجه بمعنى علمي ملموس.
الكتب القديمة تمنحني إحساسًا بعمر الكلمات، و'مختار الصحاح' بالتأكيد أحد تلك الكتب التي تمس جذور العربية لكنه ليس مرجعًا للهجات المعاصرة بحد ذاتها.
عندما أعود إليه أحب كيف يركز على المعاني في اللغة الفصحى والألفاظ المتداولة في النصوص الكلاسيكية، ويعطي أحيانًا قراءات قديمة أو ملاحظات على اختلاف الصياغة بين المصادر، وهذا مفيد لفهم أصل كلمة أو كيف تطور معناها عبر الزمن. لكنه لا يقدم وصفًا منهجيًا للاختلافات بين لهجة ولهجة مثلما يفعل معجم للهجات أو دراسة لغوية ميدانية.
أجد أنه مفيد عندما أحاول تتبُّع كلمة عامية إلى أصلها الفصيح أو تبيان لماذا يحمل لفظ ما معنى مختلفًا في بلدٍ عن آخر، لكنه يظل مرجعًا تاريخيًّا/نصيًّا أكثر من كونه قاموسًا للهجات. إذا كان هدفك تفسير تغييرات الأصوات أو المفردات بين بلاد المغرب ومصر والشام والخليج فأنت بحاجة إلى مراجع متخصصة أو أطلسات لهجاتية، أما 'مختار الصحاح' فسيعطيك الخلفية اللغوية والأصلية التي تشرح جزءًا من الصورة.
في النهاية، أحبه كأداة للتأصيل أكثر من كونه مرآة للهجات اليومية.