LOGINالفصل 2
الطريق الذي لا يعود لم يكن الباب قد أغلق خلفهم تمامًا حين أدركت نور أن شيئًا تغير. لم يعد هناك صوت للريح. ولا رائحة للصحراء. ولا حتى ذلك الإحساس المعروف بالهواء البارد الذي يسبق الفجر. كانوا في مكان آخر. مكان لا يشبه أي مكان عرفته من قبل. وقفت نور في منتصف الممر، ويدها ما تزال ممسكة بيد إياد. لم تكن تعرف كم مر من الوقت منذ دخلوا. ثوانٍ؟ دقائق؟ ساعات؟ لم تكن هناك طريقة لمعرفة ذلك. لم يكن في المكان ضوء مصدره واضح، ومع ذلك كان كل شيء ظاهرًا. الجدران. الأرض. الأبواب. والنقوش التي تمتد على الجانبين إلى مسافة لا تستطيع العين الوصول إليها. قال إياد بصوت منخفض: "إحنا دخلنا." لم تجبه نور. كانت تنظر خلفها. لم يعد هناك باب. فقط جدار حجري أسود. وضعت يدها عليه. كان باردًا. باردًا بشكل غير طبيعي. قالت: "مفيش رجوع." جاء صوت ساهر من خلفهما: "ليس الآن." استدارت نور. كان ساهر يقف على بعد خطوات. وحيدًا. لم يكن يبدو عليه القلق. وكأن هذا المكان مألوف له. اقترب إياد منه. "أنت قلت إنك هتساعدنا." "سأفعل." "وإحنا دلوقتي فين؟" نظر ساهر إلى الممر. "في الطريق." "إلى الوادي؟" "لا." صمت لحظة. ثم قال: "إلى الشيء الذي يؤدي إلى الوادي." تدخل حور: "يعني إيه؟" نظر ساهر إليه. "يعني أن وادي الملوك الثاني لا يمكن الوصول إليه مباشرة." قال إياد: "إذن هنمشي فين؟" "في الذاكرة." ساد الصمت. قال إياد: "أنا بدأت أكره الكلمة دي." ابتسم ساهر. "وأنا بدأت أكرهها منذ آلاف السنين." تجمد حور. "آلاف السنين؟" نظر إليه ساهر. "ليس بالمعنى الذي تفكر فيه." "أمال؟" "ستعرف." قال إياد: "لا. إحنا مش هنمشي خطوة واحدة قبل ما نفهم." رفع ساهر عينيه إليه. "لو أردت أن تفهم كل شيء قبل أن تتحرك، فلن تتحرك أبدًا." "وده مش جواب." "لأنه ليس سؤالًا مناسبًا." اقتربت نور من الجدار. كانت هناك كتابة محفورة عليه. لم تكن تستطيع قراءتها في البداية. لكن حين لمستها بأطراف أصابعها، ظهرت الكلمات في ذهنها. قالت: "أنا أقدر أقرأها." نظر إليها الجميع. "مكتوب إيه؟" أغمضت عينيها. ثم قالت: "من هنا تبدأ الرحلة التي لا يعود منها أحد بالذاكرة نفسها." قال حور: "زي اللي كان مكتوب على الباب." هزت نور رأسها. "لا." "إيه الفرق؟" قالت: "الجملة دي مكتوبة هنا قبل الباب." نظر إياد إليها. "يعني؟" "يعني اللي كتبها كان عارف إن حد هيعدي." سأل إياد: "مين؟" لم تجب. لأنها كانت قد رأت شيئًا آخر. في أسفل الجدار، تحت الكتابة، كان هناك رسم صغير. امرأة. ورجل. وطفل. والطفل يحمل مفتاحًا. لكن المرأة... كانت تشبه نور. ليس فقط الملامح. بل نفس العينين. نفس العلامة الموجودة تحت أذنها. تراجعت. قالت: "إياد." اقترب منها. نظر إلى الرسم. ثم قال: "دي إنتِ." "أيوه." حور: "مين الطفل؟" لم تجب نور. لأنها كانت تعرف. لم يكن حور. ولم يكن طفلًا غريبًا. كان طفلًا آخر. طفلًا كانت قد رأته في حلمها. طفلًا يقف بجوارها أمام باب. طفلًا قالت له شيئًا قبل أن تنساه. قال إياد: "نور، إيه اللي فاكرة؟" وضعت يدها على رأسها. "مش كاملة." "حاولي." "كان فيه طفل." "مين؟" "مش عارفة." ساهر قال: "لا تحاولي الآن." التفتت إليه. "ليه؟" "لأن الذاكرة هنا ليست مجرد ذاكرة." "أمال إيه؟" "مفتاح." --- بدأوا السير. كان الممر طويلًا. طويلًا إلى درجة أن نور فقدت الإحساس بالمسافة. لم يكن هناك صوت سوى خطواتهم. في البداية حاول إياد أن يحسب الخطوات. مئة. مئتان. ثلاثمئة. ثم توقف. قال حور: "إيه؟" "مفيش." "كنت بتعد." "بطلت." "ليه؟" "لأننا عدينا نفس الحجر ثلاث مرات." نظر الجميع إلى الأرض. كان هناك حجر صغير أسود على شكل مثلث. قال حور: "مستحيل." إياد: "شوف بنفسك." تقدم حور. ثم عاد. ثم مر من النقطة نفسها. كان الحجر موجودًا. قال: "إحنا بنلف." ساهر: "نعم." إياد: "وأنت ساكت ليه؟" "لأن الطريق يريدكم أن تكتشفوا ذلك." "الطريق مش كائن." "في هذا المكان، كل شيء يمكن أن يكون كائنًا." قال إياد: "أنا مش هتقبل الكلام ده." ابتسم ساهر. "ستتعود." --- جلست نور على حجر. أغلقت عينيها. قال إياد: "تعبانة؟" "لا." "إذن؟" "بحاول أفتكر." "إيه؟" "الطفل." اقترب منها. "ماتضغطیش على نفسك." فتحت عينيها. "أنا لازم أعرف." "هتعرفي." "ولو معرفتش؟" "هنعيش من غير ما نعرف." ابتسمت بحزن. "إنت كنت بتقول كده في الجزء الأول." ضحك. "لأنها كانت نصيحة كويسة." "وما نفعتش." "فعلاً." ثم جلس بجوارها. قال: "بس المرة دي أنا مش هسيبك تدخلي جوه دماغك لوحدك." نظرت إليه. "إنت مش هتقدر تدخل." "هقدر أبقى هنا." "وده كفاية." --- ظهر ساهر أمامهما. قال: "قبل أن نكمل، يجب أن تعرفوا قاعدة." قال إياد: "قول." "لا تصدقوا أي شيء ترونه." حور: "حتى لو كان واضحًا؟" "خصوصًا إذا كان واضحًا." نور: "وليه؟" "لأن المكان لا يعرض الماضي." "أمال؟" "يعرض ما يعتقد عقلك أنه الماضي." سأل إياد: "يعني ممكن نشوف حاجة ما حصلتش؟" "نعم." "وممكن نشوف حاجة حصلت فعلًا؟" "نعم." "إذن نعرف إزاي؟" نظر ساهر إلى نور. "بعض الذكريات تترك أثرًا." "إيه الأثر؟" "الألم." صمتت نور. قال ساهر: "الحقيقة لا تأتي دائمًا بصورة واضحة." ثم أضاف: "أحيانًا تأتي في صورة شيء لا تريد تذكره." --- واصلوا السير. بعد فترة، ظهر أمامهم باب. لم يكن كبيرًا. كان بابًا خشبيًا بسيطًا. قال إياد: "ده هو؟" ساهر: "لا." "طيب نفتحه؟" "لا." قال حور: "ليه؟" "لأنه ليس لنا." اقتربت نور. كان الباب مألوفًا. أكثر من أي شيء آخر. مدت يدها. توقفت. قالت: "ده باب بيتنا القديم." لم يتحرك أحد. قال إياد: "إنتِ متأكدة؟" "أيوه." "بيتكم فين؟" "في القاهرة." "إحنا في مكان تحت الأرض." "عارفة." "إذن ده مش باب حقيقي." قال ساهر: "ربما." نور لمست المقبض. فتح الباب. --- كانت غرفة طفولتها. بالضبط. السرير الصغير. الستارة الزرقاء. الدولاب. الكتب. حتى اللعبة القديمة الموجودة فوق الطاولة. دخلت نور. قال إياد: "نور، استني." لكنها لم تسمعه. اقتربت من السرير. رأت نفسها طفلة نائمة. تجمدت. ثم رأت أمها تدخل الغرفة. كانت تبكي. جلست بجوار الطفلة. مررت يدها على شعرها. وقالت: "سامحيني." رفعت نور يدها إلى فمها. "دي حصلت." قال إياد: "إزاي عرفتي؟" "لأني فاكرة." الأم قالت: "لما تكبري، يمكن تكرهيني." ثم ظهر رجل عند الباب. كان ساهر. قال: "لازم نمشي." قالت الأم: "هي مش جاهزة." "لو فضلت، مش هتكون في أمان." "هي بنتي." "وأنا عارف." ثم أضاف: "لكنهم وصلوا." سألت الأم: "مين؟" لم يجب. فجأة تغيرت الصورة. ظهر رجال عند الباب. صوت طرق. ثم صراخ. ثم أم نور وهي تحتضن ابنتها. قالت: "انسي." ثم وضعت يدها على جبين الطفلة. "انسِي كل حاجة." --- صرخت نور. سقطت على الأرض. أمسك بها إياد. "نور!" كانت تبكي. "ماما كانت عارفة." قال إياد: "عارفة إيه؟" "إنهم جايين." "مين؟" "مش عارفة." ثم نظرت إلى ساهر. "إنت كنت هناك." قال: "نعم." "إنت أخذتني." "نعم." "إلى أبيدوس." "نعم." "ليه؟" لم يجب. صرخت: "ليه؟!" قال بهدوء: "لأنكِ كنتِ آخر شخص يستطيع رؤية الطريق." --- حور كان ينظر إلى المشهد بصدمة. قال: "إنت كنت تعرفها من زمان." ساهر: "نعم." "وأنا؟" "أنت لم تكن موجودًا بعد." "إذن ليه المفتاح اختارني؟" "لأنك ولدت بعد إغلاق الوادي." "إيه علاقتي بيه؟" ساهر نظر إليه طويلًا. "أنت ابن آخر حارس." صمت حور. "أبي؟" "نعم." "لكنه مات." "لم يمت." سقطت الكلمات كحجر. قال حور: "إنت بتقول إيه؟" "والدك حي." --- تقدم حور نحوه. "فين؟" "داخل الوادي." "من إمتى؟" "منذ سبعة عشر عامًا." "ليه؟" "لأنه اختار أن يبقى." "إذن هو الحارس؟" "كان." "وكان إيه؟" قال ساهر: "كان الرجل الذي أغلق الباب خلف نور." تجمدت نور. قالت: "أبو حور هو اللي قفل الباب؟" "نعم." حور: "ليه؟" ساهر: "لأنه كان يعرف أن خروجك من الوادي لن يكون كافيًا." "يعني؟" "كان يجب أن ينسى أحد." --- نظر حور إلى نور. "إنتِ نسيتي." قالت: "أيوه." "إذن أبي دفع الثمن." لم تجبه. قال ساهر: "ليس هو فقط." ثم نظر إلى إياد. "والد إياد أيضًا." --- رفع إياد رأسه. "أبويا؟" "كان جزءًا من الحراس." "مستحيل." "كان يعرف عن الملف 201." "كان بيحقق." "كان يحاول إخفاء الحقيقة." "ليه؟" "لأنه عرف أن الكشف عنها سيعيد فتح الوادي." --- أخرج إياد من جيبه الورقة القديمة. "إذن هو اللي كتب الرسالة." ساهر: "نعم." "وليه كتب لا تسمحوا لنور أن تتذكر ليلة السابع من نوفمبر؟" "لأن تلك الليلة لم تنتهِ." قالت نور: "إيه معنى الكلام ده؟" ساهر: "الليلة التي تتذكرينها ليست ذكرى." "أمال؟" "بوابة." --- بدأت الغرفة تتغير. الجدران اختفت. ظهر ممر آخر. في نهايته سبعة أبواب. حور قال: "إحنا لازم نتحرك." لكن ساهر لم يتحرك. قال: "الاختيار الأول بدأ." إياد: "أي اختيار؟" "من سيدخل الباب الأول؟" نظروا إلى بعضهم. قالت نور: "أنا." إياد: "لا." "لازم." "مش لوحدك." ساهر: "يمكنكما الدخول." ثم أضاف: "لكن الباب الأول لا يسمح إلا لشخص واحد." --- كان الباب الأول يحمل رقم: 108. نور اقتربت. وضعت يدها على المقبض. قال إياد: "لو حصل أي حاجة..." نظرت إليه. "هتسمعني." "إزاي؟" "مش عارفة." ابتسمت. "بس هتسمعني." ثم فتحت الباب. --- لم تدخل إلى غرفة. دخلت إلى يوم. كان الصباح. كانت طفلة. كانت في سيارة. بجوار والدها. وأمها في المقعد الأمامي. وكان ساهر يقود. نور الطفلة كانت تنظر من النافذة. قالت: "إحنا رايحين فين؟" أبوها قال: "مكان لازم تشوفيه." "ليه؟" "علشان تفتكري." الأم التفتت إليه. "هي صغيرة." "لكنها الوحيدة." سأل ساهر: "هل هي مستعدة؟" الأب: "مش هنكون مستعدين أبدًا." --- تغير المشهد. وصلوا إلى أبيدوس. لكنها لم تكن أبيدوس التي تعرفها نور. كانت الأرض مغطاة بالماء. والسماء مظلمة رغم أن الوقت نهار. كانت هناك سبع مشاعل. ورجلون يقفون حول دائرة حجرية. وعندما نزلت نور الطفلة، بدأ الجميع في الصمت. قال رجل: "هي وصلت." ثم اقترب منها. "هل تعرفين لماذا أنتِ هنا؟" هزت رأسها. "لأشوف حاجة." ضحك. "أكثر من ذلك." ثم أشار إلى الأرض. انفتحت دائرة. ظهر باب. نور الكبيرة كانت تراقب. كانت تعرف هذا الباب. باب 201. لكن هذه المرة... كان مفتوحًا. --- خرج من الباب ضوء. ثم ظهر طفل. نفس الطفل الذي رأته في الرسم. اقترب من نور الطفلة. كان في عمرها تقريبًا. قال: "أنتِ نور؟" أومأت. قال: "أنا آدم." توقفت نور الكبيرة. آدم. الاسم الذي ذكره إياد في نهاية الجزء الأول. الطفل الذي ظنت أن قصته انتهت. لكن آدم كان هنا. قبل كل شيء. قالت نور: "آدم..." التفتت الطفلة. ثم قال آدم: "المكتبة قالت إنك هتيجي." سألت نور: "المكتبة كانت موجودة؟" ضحك الطفل. "هي دايمًا موجودة." --- دخل آدم ونور الطفلة الباب. تبعتهما نور الكبيرة دون أن يشعر بها أحد. كانت القاعة واسعة. في المنتصف كتاب. ليس كتابًا أسود. ولا ذهبيًا. كان أبيض. فتحه آدم. ظهرت صفحة. عليها أسماء. نور. إياد. حور. ساهر. ثم اسم آخر. اسم لم تعرفه نور. سليم. توقف المشهد. سمعت نور صوتًا خلفها. "الآن فهمتِ." استدارت. كان والدها. لكنه لم يكن كما تتذكره. كان أكبر سنًا. ومتعبًا. قال: "أبوك كان واحدًا من الحراس." "إنت؟" "نعم." "ليه خبيت عني؟" "لأنك لو عرفتي، كنتِ هتبحثي." "وأنا بحثت." "لأنهم أرادوا ذلك." "مين؟" نظر إلى الكتاب. "أولئك الذين كتبوا أسماءكم." --- اقتربت نور. "مين سليم؟" تغير وجه والدها. "لا تنطقي الاسم." "ليه؟" "لأن الاسم نفسه مفتاح." "سليم مين؟" لم يجب. فجأة بدأت القاعة تهتز. قال آدم الطفل: "لازم نمشي." والد نور: "خدوها." ظهرت أمها. أمسكت بيد نور. قالت: "سامحيني." ثم وضعت يدها على جبينها. "انسِي." --- صرخت نور الكبيرة: "لا!" ركضت نحوها. لكن يدها مرت خلال المشهد. ثم كل شيء تحول إلى ظلام. --- فتحت عينيها. كانت على الأرض. إياد بجوارها. حور يقف بعيدًا. ساهر أمام الباب. قال إياد: "إنتِ رجعتي." نظرت إليه. "آدم كان هنا." "مين آدم؟" "الطفل." "أي طفل؟" "اللي شوفته." قال ساهر: "الآن تعرفين اسمه." "هو حي؟" ساهر: "كان." "يعني؟" "لا أعرف." --- نهضت نور. كانت تشعر بثقل في رأسها. لكن شيئًا تغير. كانت تذكر أكثر. قالت: "في اسم." إياد: "إيه؟" "سليم." تغير وجه ساهر. قال: "لا." "إنت تعرفه." "لا تذكريه." "ليه؟" "لأنك لا تعرفين ماذا يعني." "إذن قولي." "ليس الآن." قال إياد: "إحنا مش هنخبي حاجة تاني." نظر إليه ساهر. "لو عرفت، لن تستطيع العودة." قال إياد: "إحنا أصلًا مش عارفين نرجع." --- ظهر صوت من نهاية الممر. ضحكة. ثم صوت رجل: "أخيرًا قلت اسمي." تجمد ساهر. قال: "سليم." ظهر رجل في الظلام. لم يكن كبيرًا. كان في منتصف الأربعينيات. وجهه هادئ. وفي يده كتاب أبيض. قال: "كنت أظن أنكم ستحتاجون وقتًا أطول." إياد رفع سلاحه. سليم ابتسم. "ما زلت تستخدمه." قال إياد: "إنت تعرفني؟" "أعرف والدك." "إذن أنت كنت معاه." "أكثر مما تتخيل." قالت نور: "وأنا؟" نظر إليها. "أنتِ السبب الذي بدأ كل شيء." --- تقدم سليم. "منذ سنوات، كان والدك ووالد إياد يحاولان إغلاق الوادي." قال إياد: "وإنت؟" "كنت أحاول فتحه." "ليه؟" "لأنهم كانوا يخفون الحقيقة." قالت نور: "أي حقيقة؟" رفع الكتاب. "الحقيقة التي لا تريد المكتبة أن تعرفوها." "وهي؟" فتح الكتاب. كانت الصفحة الأولى تحمل رسمًا لطفل. ثم امرأة. ثم رجل. ثم مدينة. قال: "أن وادي الملوك الثاني لم يكن أول وادٍ." تجمدت نور. "إيه؟" ابتسم. "كان هناك وادي قبله." حور: "وادي الملوك الثالث؟" ضحك سليم. "لا." ثم نظر إلى نور. وقال: "وادي البداية." --- انطفأت كل المشاعل. وفي الظلام، ظهر صوت الجرس. دقة واحدة. ثم ثانية. ثم ثالثة. ثم ظهرت على الجدار كتابة جديدة: 202 وتحتها: "إذا أردتم الوصول إلى وادي الملوك الثاني، عليكم أولًا أن تجدوا وادي البداية." ثم ظهرت جملة أخيرة: "ولا أحد يعرف أين بدأ." اشتعلت المشاعل فجأة. لكن سليم لم يكن موجودًا. اختفى. وبقي الكتاب الأبيض على الأرض. ركض حور نحوه. رفعه. فتح الصفحة الأخيرة. كان هناك سطر واحد: "الحارس الجديد ليس حور." نظر الجميع إلى بعضهم. ثم ظهرت كلمة ثانية: "الحارس هو نور." تجمدت نور. قال إياد: "مستحيل." لكن ساهر لم ينطق. وكان صمته هو الإجابة الأكثر رعبًا. رفعت نور عينيها إليه. "إنت كنت عارف." قال ساهر: "منذ البداية." "ليه؟" "لأنكِ لم تكوني ضيفة في هذه الحكاية." اقترب منها. "كنتِ الحارسة الأولى." ثم أشار إلى الكتاب. "وكل ما حدث في حياتك منذ طفولتك..." توقف. "كان محاولة لاستعادة شيء فقدته." قالت نور: "إيه؟" نظر إليها. وقال: "ذاكرتك الحقيقية." وفي اللحظة نفسها... انفتح الباب رقم 109 وحده. وخرج منه صوت طفلة. صوت نور. يقول: "أنا لسه مستنياكي." نظرت نور إلى إياد. ثم إلى حور. ثم إلى الباب. وفهمت أن الرحلة لم تبدأ عندما دخلوا وادي الملوك الثاني. بل بدأت قبل أن تعرف حتى أنها كانت موجودة. خطت خطوة نحو الباب. لكن إياد أمسك يدها. قال: "المرة دي مش هتدخلي لوحدك." ابتسمت. "أنا عارفة." ثم فتحا الباب معًا. وفي اللحظة التي دخلا فيها، أُغلق الباب خلفهما. أما حور وساهر، فبقيا في الممر. قال حور: "إيه اللي هيحصل دلوقتي؟" نظر ساهر إلى الباب. وقال: "الآن ستبدأ نور في تذكر حياتها الأولى." ثم أضاف: "وإذا تذكرتها كلها..." صمت. سأله حور: "إيه؟" أجاب ساهر: "قد لا تريد أن تعود إلى حياتها الحالية." ثم انطفأ آخر مصباح. وفي الظلام، سمعوا صوتًا بعيدًا: "مرحبًا بعودتك يا نور." وكان الصوت... صوت نور نفسها.الفصل 180اليوم السابعنور: "اليوم السابع بدأ؟"إياد: "ده معناه إيه؟"والد نور: "معناه إن الوقت انتهى."يونس: "وقت إيه؟"زاهر: "وقت النظام."آدم: "ولا وقتنا إحنا؟"زاهر: "حسب اختياركم."نور: "أنا مش فاهمة."الرجل النائم: "بل بدأتِ تفهمين."نور: "أنت كنت آدم الأول."الرجل النائم: "نعم."إياد: "إذن كل اللي حصل كان بسببك."الرجل النائم: "بسببي وبسببكم."نور: "أنا لا أقبل أن تحملني مسؤولية شيء لم أتذكره."الرجل النائم: "الذاكرة لا تعفي أحدًا."والد نور: "أنت تكذب عليها."الرجل النائم: "وأنت كذبت عليها أكثر."نور: "كفاية."ثم تقدمت نحو الباب صفر.والد نور: "نور، لا."نور: "أنت قلت إننا ما خرجناش من المملكة."والد نور: "نعم."نور: "إذن لو فتحت الباب..."زاهر: "ستخرجين."نور: "إلى أين؟"زاهر: "إلى العالم الحقيقي."تجمد إياد.إياد: "العالم الحقيقي موجود؟"زاهر: "نعم."يونس: "وإحنا فين؟"زاهر: "في ذاكرة آدم الأول."آدم: "يعني أنا عايش داخل ذاكرته؟"زاهر: "جزء منك."آدم: "ونور؟"زاهر: "جزء منها أيضًا."نور: "وإياد؟"زاهر: "هو الاستثناء."إياد: "ليه؟"زاهر: "لأنك دخلت الذاكرة من الخارج."نور: "إ
الفصل 179الباب صفرنور: "أنت تعرف مكان الباب صفر؟"الصوت: "نعم."إياد: "إزاي طفل لسه ما اتولدش يعرف مكان باب ما حدش قدر يوصله؟"الصوت: "لأنه ليس بابًا."نور: "أبي قال كده."الصوت: "أبيكِ كان يخاف منه."نور: "أنت تعرف أبي؟"الصوت: "أعرفه."والد نور: "لا تستمعي إليه."نور: "ليه؟"والد نور: "لأن الصوت الذي تسمعينه ليس الطفل وحده."إياد: "إيه اللي معاه؟"والد نور: "ذاكرة."يونس: "ذاكرة مين؟"والد نور: "كل من دخل الباب صفر."زاهر: "لا."والد نور: "ماذا؟"زاهر: "ليست كل الذكريات."نور: "إذن ماذا؟"زاهر: "الذكرى الأولى فقط."ساد الصمت.آدم: "يعني ذكرى آدم الأول؟"زاهر: "جزء منها."نور: "والباقي؟"زاهر: "داخل الباب."إياد: "إذن لازم نروح له."والد نور: "لا."إياد: "ليه؟"والد نور: "لأن الباب صفر لا يقود إلى مكان."نور: "يقود إلى ماذا؟"والد نور: "إلى السبب."نور: "سبب إيه؟"والد نور: "سبب وجود المملكة."يونس: "والسبب هو؟"والد نور: "الخوف."آدم: "خوف مين؟"والد نور: "أول إنسان خاف أن يُنسى."نور: "آدم الأول؟"والد نور: "لا."إياد: "إذن مين؟"والد نور: "الإنسان الأول الذي دخل النظام."زاهر: "
الفصل 178أخو الملك الصامتنور: "أخو الملك الصامت؟"إياد: "مستحيل."يونس: "أبي كان له أخ؟"والد نور: "..."آدم: "أنت تعرفه."والد نور: "نعم."نور: "ليه ساكت؟"والد نور: "لأنني كنت أتمنى ألا يظهر أبدًا."إياد: "إذن هو حقيقي."والد نور: "نعم."يونس: "مين هو؟"والد نور: "اسمه زاهر."نور: "زاهر؟"والد نور: "كان أخي الأكبر."آدم: "أكبر منك؟"والد نور: "بثلاث سنوات."إياد: "ولماذا لم نسمع عنه من قبل؟"والد نور: "لأنه مات."نور: "لكنه واقف أمامنا."والد نور: "هذا ليس زاهر الذي عرفته."زاهر: "بل أنا."ارتجف صوت المكان.زاهر: "أنا أخوك."والد نور: "أنت مات."زاهر: "الجسد مات."يونس: "والذاكرة؟"زاهر: "لم تمت."آدم: "إذن أنت مثل آدم الأول."زاهر: "لا."آدم: "إيه الفرق؟"زاهر: "آدم الأول كان طفلًا حُفظ اسمه."ثم نظر إلى والد نور."أما أنا فحُفظت حياتي."نور: "بواسطة مين؟"زاهر: "بواسطة أبي."والد نور: "لا تذكره."زاهر: "لماذا؟"والد نور: "لأنك تعرف ماذا فعل."زاهر: "وأنت تعرف ماذا فعلت أنت."إياد: "واضح إن في قصة أكبر."نور: "عايزة أسمعها."والد نور: "نور..."نور: "لا."ثم تقدمت خطوة."أنا تعبت
الفصل 177آدم الأولنور: "آدم الأول؟"إياد: "يعني إيه آدم الأول؟"والد نور: "يعني إن الاسم ده ما كانش مجرد اسم."آدم: "أنا مش فاهم."يونس: "ولا أنا."والد نور: "قبل ما يولد يونس، وقبل ما تبدأ المملكة دورتها الأخيرة، كان هناك طفل واحد..."نور: "ابني؟"والد نور: "نعم."نور: "آدم؟"والد نور: "ليس هذا آدم."آدم: "إذن مين؟"والد نور: "الطفل الأول."إياد: "فين الطفل ده؟"والد نور: "مات."نور: "إنت قلت إن الطفل اللي في بطني كان لازم يموت."والد نور: "لأن النظام كان يريد أن يعيد نفس اللحظة."نور: "أي لحظة؟"والد نور: "لحظة ولادة الطفل الأول."يونس: "وأنا؟"والد نور: "أنت كنت البديل."يونس: "بديل لمين؟"والد نور: "للطفل الذي مات."آدم: "يبقى أنا إيه؟"والد نور: "أنت الاسم الذي نجا."إياد: "اشرح."والد نور: "عندما مات الطفل الأول، لم تستطع الذاكرة أن تتقبل موته."نور: "فحفظت اسمه."والد نور: "نعم."يونس: "وأبي استخدم الاسم."والد نور: "لم أستخدمه."يونس: "أمال؟"والد نور: "النظام استخدمني."نور: "يعني الملك الصامت لم يصنع العلامة؟"والد نور: "لا."إياد: "إذن مين صنعها؟"والد نور: "الطفل الأول."
الفصل 176الاختيار بين الأخ والابننور: "يونس..."يونس: "أنا هنا."نور: "السكين اللي كانت في إيدك..."يونس: "ما كانتش حقيقية."إياد: "لكنها ظهرت في الذكرى."يونس: "كل اللي شفناه كان جزءًا من الاختبار."آدم: "اختبار لإيه؟"والد نور: "لمعرفة من سيختار."نور: "إحنا اتقال لنا إن واحد لازم يموت."والد نور: "نعم."نور: "مين؟"والد نور: "لم يُحدد."إياد: "يعني ممكن يكون أي واحد فينا."والد نور: "بل يمكن أن يكون الاختيار بين شخصين تحبينهما أكثر من نفسك."نور: "أخي وابني."والد نور: "نعم."آدم: "أنا مش هخلي أمي تختار."نور: "آدم..."آدم: "ولا هخلي يونس يموت."يونس: "ولا أنا هسمح لك تموت."آدم: "إذن هنكسر الاختبار."إياد: "زي ما كسرت المفتاح."والد نور: "المفتاح لم يُكسر."آدم: "إيه؟"والد نور: "أنت فقط كسرت صورته القديمة."آدم: "يعني هو لسه موجود؟"والد نور: "في داخلك."آدم: "وده معناه إيه؟"والد نور: "أنك الآن تحمل مفتاحًا لا يستطيع أحد غيرك استخدامه."نور: "وأنت عرفت ده من إمتى؟"والد نور: "من اللحظة التي ظهرت فيها العلامة على صدرك."إياد: "وليه ما قلتش؟"والد نور: "لأنني كنت أتمنى أن أكون م
الفصل 175الأخ الذي محته الذاكرةتوقفت نور عن التنفس للحظات.لم تسمع شيئًا سوى آخر جملة قالها الرجل."أنا الابن الذي أخفاه أبوك عنك."كان واقفًا أمامها.وجهه يحمل شيئًا مألوفًا بطريقة مؤلمة.لم يكن يشبه والدها فقط.كانت هناك ملامح منه تعرفها نور دون أن تعرف كيف.شكل العينين.الابتسامة الخفيفة.حتى الطريقة التي يميل بها رأسه عندما ينظر إليها.شيء في داخلها قال لها إنه ليس غريبًا.قالت:"أنت كذاب."ابتسم الرجل."كنت أعرف أنك ستقولين ذلك.""أنا ما عنديش أخ.""كان عندك.""لا.""كان."اقترب خطوة."لكن والدك محاه."تراجعت نور.قال إياد:"ماذا تقصد بمحاه؟"أجاب الرجل:"لم يمحني من العالم."ثم نظر إلى نور."محاني من ذاكرتها."---رفع والد نور رأسه."لا."كان صوته مختلفًا.هذه المرة لم يكن صوت الملك الصامت.كان صوت أب خائف.التفتت نور إليه."أنت تعرفه."لم يجب."صح؟"ظل صامتًا.اقتربت منه."مين هو؟"قال:"نور...""مين؟""ارجعي.""أنا بسألك.""لا تقتربي منه."صرخت:"مين هو؟!"أغمض والدها عينيه.ثم قال:"ابنك."تجمدت."إيه؟"قال:"كان ابني."ثم نظر إلى الرجل."وكان أخاكِ."---شعر إياد أن الأرض