Share

الفصل 45

Author: فتيحة
last update publish date: 2026-07-26 07:56:09

عامٌ سرق ما تبقى

مر عام...

لكنه لم يكن عامًا عاديًا.

في السجن...

لا تُقاس السنوات بعدد الأيام.

بل بما تنتزعه من الإنسان.

هناك...

يمر الوقت ببطء شديد.

لكن عندما ينظر المرء إلى الوراء...

يكتشف أن الزمن سرق منه أشياءً كثيرة دون أن يشعر.

مر عام على وفاة أسامة الحازمي.

عام كامل...

لم تخرج فيه أروى من أسوار السجن إلا في أحلامها.

وعام آخر...

لم تسمع فيه كلمة "عمي" إلا داخل قلبها.

كانت ترددها أحيانًا...

ثم تتذكر أنه لن يجيبها مرة أخرى.

تغيرت أروى كثيرًا.

لم تعد تلك الفتاة التي كانت تحاول أن ترسم ابتسامة رغم الألم.

اختفت ابتسامتها شيئًا فشيئًا.

وأصبح الصمت رفيقها الدائم.

كانت تستيقظ قبل الجميع.

ترتب فراشها.

ثم تتجه إلى الورشة.

تؤدي عملها بإتقان.

وتعود إلى زنزانتها.

دون أن تتحدث إلا قليلًا.

حتى ضحكتها...

التي كانت هناء تبذل جهدًا لتعيدها إلى وجهها...

اختفت.

وصارت شيئًا من الماضي.

كانت هناء تراقبها كل يوم.

وفي إحدى الليالي...

جلست بجوارها وقالت برفق:

ــ أتذكرين كيف كنت تغضبين عندما أخيط الثوب بطريقة خاطئة؟

رفعت أروى رأسها.

ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لم تدم أكثر من لحظة.

وقالت:

ــ أذكر.

قالت هناء مبتسمة:

ــ كنتِ تتحدثين كثيرًا.

أما الآن...

فأصبحتِ تنافسين الجدران في صمتها.

نظرت أروى إلى الأرض.

وقالت بهدوء:

ــ بعض الأحزان...

تعلم الإنسان الصمت.

لم تجد هناء ما تقوله.

فاكتفت بوضع يدها فوق يد أروى.

خارج السجن...

لم تكن الحياة أرحم.

فبعد أشهر من وفاة أسامة...

بدأت نوال، زوجة أسامة، تذبل يومًا بعد يوم.

لم تعد تخرج من المنزل.

ولا تكاد تتناول الطعام.

كانت تجلس ساعات طويلة...

تنظر إلى كرسي أسامة الفارغ.

وكأنها تنتظر أن يعود ويفتح الباب في أي لحظة.

لكن الباب...

ظل مغلقًا.

وفي أحد الأيام...

تعرضت نوال لجلطة دماغية.

نُقلت على إثرها إلى المستشفى.

وبقيت طريحة الفراش.

لم تمت...

لكنها فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على الحركة والكلام.

أصبح العلاج طويلًا.

ومكلفًا.

وكان مالك...

هو الوحيد الذي يتابع حالتها.

في البداية...

استُخدمت مدخرات أسامة.

ثم بيعت سيارته.

وبعدها...

اضطر مالك إلى بيع قطعة الأرض الصغيرة التي كان أسامة يحتفظ بها منذ سنوات.

لكن تكاليف العلاج...

لم تتوقف.

وكانت ترتفع يومًا بعد يوم.

كلما باع مالك شيئًا...

كان يشعر وكأنه يمحو أثرًا جديدًا من حياة أسامة.

لكنه لم يكن يملك خيارًا آخر.

فإنقاذ حياة نوال...

كان أهم من أي مال.

ــ أما أروى...

فكانت تعرف كل ذلك.

ــ كان مالك يخبرها بكل شيء أثناء زياراته.

وفي كل مرة...

كانت تسأله السؤال نفسه:

ــ كيف حال زوجة عمي؟

فيجيبها بصراحة.

ــ دون أن يخفي عنها شيئًا.

وفي إحدى الزيارات...

قال لها بصوت هادئ:

ــ اضطررت هذا الأسبوع إلى بيع سيارة عمك.

ــ أغمضت أروى عينيها.

ثم قالت:

ــ افعل كل ما يلزم.

ــ لا تدع المال يكون سببًا في توقف علاجها.

أجاب مالك:

ــ لا تقلقي...

سأفعل كل ما أستطيع.

ــ رفعت رأسها.

وقالت بثبات:

ــ البيت...

ــ والسيارة...

والأرض...

ـ كلها أشياء.

أما الإنسان...

فلا يمكن تعويضه.

نظر إليها مالك طويلًا.

ثم أدرك...

أن تلك الفتاة التي كانت تبكي عند كل خبر سيئ...

ــ لم تعد موجودة.

ــ لقد صنع منها الألم...

ــ امرأة أكثر هدوءًا...

ــ وأشد صلابة.

لكن خلف ذلك الهدوء...

كان قلبها...

ــ ينزف بصمت.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 94

    ــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 93

    استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 92

    وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 91

    لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 90

    بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 89

    أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status