ANMELDENلم تستطع الاقتراب.
ظلت تنظر إليه من بعيد. وعيناها تمتلئان بالدموع. اقترب منها مالك. وقال بصوت هادئ: ــ خذي وقتك. لن يجبرك أحد. أخذت نفسًا عميقًا. ثم تقدمت ببطء شديد. كل خطوة... كانت أصعب من التي قبلها. حتى وقفت أمام عمها. مدت يدها المرتجفة. ولمست طرف الغطاء برفق. ثم همست بصوت اختنق بالبكاء: ــ عمي... لقد عدت... لكن ليس كما كنت أتمنى. أخفضت رأسها. وانهمرت دموعها فوق يديها. ثم قالت: ــ سامحني... كنت أحلم أن يكون أول لقاء بيننا بعد خروجي من السجن... أن أعود إلى البيت... وأراك تنتظرني عند الباب... لكنني اليوم... أودعك بدلًا من أن أعود إليك. ساد صمت ثقيل. ولم يُسمع في المكان... إلا صوت بكائها المكتوم شعرت أروى بانقباض شديد في صدرها. أصبحت أنفاسها متسارعة. وتجمدت يداها. نزل الجميع من السيارة. وقفت أروى مكانها للحظات... وكأن قدميها ترفضان التقدم. ثم بدأت تمشي ببطء. خطوة... تلو الأخرى. حتى وصلت إلى المكان الذي وُضع فيه النعش. توقفت. بقيت أروى واقفة... تحدق في وجه عمها للمرة الأخيرة. كان يبدو هادئًا. هادئًا على نحوٍ لم تعهده فيه من قبل. مدت يدها المرتجفة. ولامست يده برفق. كانت باردة. تراجعت أناملها سريعًا. ثم عادت تمسكها مرة أخرى. وكأنها ترفض أن يكون ذلك الوداع الأخير. انحنت قليلًا. وقالت بصوت خافت يكاد لا يُسمع: ــ أتذكر يا عمي... حين كنت صغيرة... كنت أخاف من الظلام. فكنت تقول لي... "لا تخافي يا أروى... أنا هنا." ارتجف صوتها. وأخذت دموعها تتساقط بلا توقف. ــ واليوم... من سيقولها لي؟ من سيقول لي إنه هنا؟ وضعت جبينها برفق على طرف النعش. وأغمضت عينيها. ثم همست: ــ لقد وفيت بوعدك معي دائمًا... أما أنا... فلم أستطع أن أوفي لك بشيء. سامحني... إن كنت سببت لك يومًا حزنًا. وسامحني... لأن آخر ما حملته منك... كان التعب والخوف عليّ. كانت زوجة أسامة تجلس غير بعيدة. وجهها شاحب. وعيناها متورمتان من كثرة البكاء. ما إن وقعت عيناها على أروى... حتى انفجرت بالبكاء من جديد. نهضت بصعوبة. واتجهت نحوها. احتضنتها بقوة. وكأنها تحتضن آخر ما بقي من أسامة. قالت وهي تبكي: ــ يا ابنتي... لقد كان يذكرك كل يوم. كل يوم... لم يمر يوم واحد... إلا وتحدث عنك. أجهشت أروى بالبكاء. وأحكمت عناقها. وقالت: ــ كنت أريد أن أخرج... وأعيش معكما من جديد. كنت أعد الأيام... حتى أعود إلى البيت. قالت زوجة عمها وهي تمسح دموعها: ــ كان يقول دائمًا... "عندما تعود أروى... لن أدعها تشعر أنها فقدت والديها." غطت أروى وجهها بيديها. ولم تعد قادرة على الوقوف. جلست على الأرض وهي تبكي بحرقة. كانت تشعر... أنها فقدت والدها للمرة الثانية. انتظر الجميع بصمت. لم يقترب أحد منهما. تركوهما تعيشان تلك اللحظات. حتى تقدمت إحدى الحارسات بهدوء. وقالت بصوت منخفض: ــ أروى... لقد انتهى الوقت. رفعت أروى رأسها ببطء. ونظرت إلى عمها مرة أخيرة. ثم تقدمت نحوه. وضعت يدها على النعش. وهمست: ــ وداعًا يا عمي... لن أنسى ما فعلته من أجلي... وسأظل أدعو لك... ما حييت. ثم أغلقت عينيها... وسحبت يدها ببطء. شعرت في تلك اللحظة... وكأنها تنتزع جزءًا من قلبها. أمسكت الحارسة بذراعها برفق. وسارت معها نحو السيارة. أما أروى... فكانت تلتفت بين الحين والآخر. تنظر إلى النعش... حتى اختفى عن ناظريها. عندها فقط... أدركت أن آخر خيط كان يربطها بحياتها القديمة... قد انقطع. ركبت السيارة دون أن تنطق بكلمة. وانطلقت عائدة إلى السجن. لكن أروى التي كانت تجلس داخلها... لم تعد هي أروى التي خرجت منها قبل ساعات. لقد تركت خلفها... ليس عمها فقط... بل آخر شعور بالأمان كانت تتمسك به.أشياء لا يعرفها الآخرون لم تكن الأيام التالية سهلة على أروى. رغم أنها استطاعت الحصول على المال الذي تحتاجه لعلاج نوال، إلا أن الاتفاق الذي وقعته مع رائد ظل حاضرًا في ذهنها. خمسة أوامر. لم تكن تعرف ما هي. ولا متى سيطلب منها تنفيذها. كل ما تعرفه أنها وافقت لأنها لم تكن تملك خيارًا آخر. ومع ذلك... كلما تذكرت أن نوال حصلت على ما تحتاجه، شعرت بشيء من الراحة. كان ذلك أهم شيء بالنسبة إليها. --- في صباح اليوم التالي، ذهبت أروى إلى المستشفى. أنهت الإجراءات المطلوبة، وسددت المبلغ الذي كان عليها دفعه. وقفت أمام موظفة الحسابات، تراجع الإيصال بين يديها. ــ هل هذا كل شيء؟ ــ نعم، هذا المبلغ يغطي الدفعة المطلوبة حاليًا. أغمضت أروى عينيها للحظة. شعرت براحة كبيرة. أخيرًا... لم تعد تفكر في كيفية تدبير المال. على الأقل في الوقت الحالي. أخذت الإيصال. وشكرت الموظفة. ثم توجهت إلى غرفة نوال. كانت نوال مستلقية على سريرها. ابتسمت عندما رأتها. ــ أروى! اقتربت منها وجلست بجانبها. ــ كيف تشعرين اليوم؟ ــ أفضل. ثم نظرت إليها بحنان. ــ وأنتِ؟ ابتسمت أروى. ــ أنا بخير. لم تخبرها ع
أما رائد... فبقي في مكتبه. كان يعلم أن الخطأ لا يستحق خمسة أشهر. كان يعلم أن خسارة الشركة محدودة. وكان يعلم أيضًا... أن أروى لم تتعمد ما حدث. لكن هذا لم يكن ما يريده. هو لم يكن يعاقبها على التقرير. كان يعاقبها على شيء آخر. على هبة. على السنوات الثلاث التي عاشها وهو يحمل ألم فقدها. وعلى السنتين اللتين خرجت أروى قبلهما من السجن. نظر إلى الملف أمامه. ثم قال ببرود: ــ سنتان لم تقضيهما هناك... وأنا سأجعلك تدفعين ثمنهما هنا. لكنه عندما تذكر وجهها وهي تقول: "أرجوك..." ساد الصمت في المكتب. لثوانٍ قليلة... شعر بوخزة من الذنب. لكنه تجاهلها. وأعاد فتح ملفه. لم يكن مستعدًا للتراجع. أما أروى... فلم تكن تعرف أن الخطأ الذي ارتكبته بسبب إرهاقها وضغط العمل لم يكن سوى بداية لأشهر ستصبح فيها حياتها أكثر صعوبةمرّت الأسابيع التالية ببطء.كانت أروى قد اعتادت على نصف راتبها.أو حاولت أن تعتاد عليه على الأقل.أصبحت تحسب كل درهم قبل أن تنفقه.تتخلى عن أشياء كانت تعتبرها بسيطة.وتبحث دائمًا عن الأرخص.لكنها لم تندم على شيء.فطالما استطاعت الاستمرار في عملها...وطالما بقيت قادرة على م
مرّت عدة أيام منذ ذلك الصباح...لكن أروى لم تستطع أن تنسى ما حدث في الممر.كلما رأت رائد من بعيد...كانت تتوتر دون إرادة منها.لم تكن تعرف سبب غضبه.ولم تكن تعرف لماذا اقترب منها بتلك الطريقة.لكن جسدها كان يتذكر.تتذكر يده وهي تمسك بذراعها.وتتذكر ظهرها عندما اصطدم بالحائط.وتتذكر نظراته الغاضبة.لذلك...كانت تتجنب النظر إليه قدر الإمكان.---في ذلك اليوم، كان العمل أكثر ضغطًا من المعتاد.تراكمت الملفات فوق مكتب أروى.ملف بعد آخر.وتقرير بعد آخر.كلما انتهت من مجموعة، وصلت أخرى.كانت ليان تساعدها قدر استطاعتها، لكن حجم العمل كان أكبر من المعتاد.ــ أروى، هل انتهيتِ من التقرير؟رفعت رأسها بسرعة.ــ تقريبًا.ــ الأستاذ خالد يحتاجه قبل الظهر.ــ سأحاول إنهاءه الآن.عادت إلى الحاسوب.كانت عيناها تؤلمانها من كثرة التركيز.شربت القليل من الماء.ثم واصلت العمل.لم تنتبه إلى خطأ صغير في إحدى الأرقام.رقم واحد فقط...لكنه غيّر نتيجة الحساب النهائي.راجعته مرة.ثم أرسلته.وما إن ضغطت على زر الإرسال...حتى انتقلت إلى الملف التالي.كانت تظن أن كل شيء انتهى.لكنها لم تكن تعلم...أن ذلك الخطأ الصغ
أريد فقط تقريرًا كاملًا. ــ حاضر. أخذ المدير الملف وغادر. لم تمر ساعات كثيرة... حتى بدأ الأمر. كانت أروى منهمكة في عملها عندما جاءها الأستاذ خالد. وضع أمامها مجموعة من الملفات. قال: ــ أروى، أحتاج منك إنهاء هذه قبل نهاية الدوام. نظرت إلى الكمية. ثم رفعت رأسها. ــ كلها اليوم؟ ــ للأسف. هناك ضغط في القسم. أومأت. ــ حسنًا. ابتسم خالد. ــ أعتمد عليك. بدأت العمل. لم تسأل لماذا ازدادت المهام فجأة. فهي اعتادت أن تثبت نفسها. لكنها لم تكن تعلم... أن بعض تلك المهام لم تأتِ مصادفة. --- مرّت الأيام. وفي كل يوم... كانت أروى تحصل على عمل أكثر. ملفات إضافية. مراجعات. تقارير عاجلة. مهام كان يمكن توزيعها على أكثر من موظف. ومع ذلك... لم تشتكِ. كانت تعود إلى غرفتها في المساء متعبة. تخلع حذاءها. وتجلس على طرف السرير. ثم تنظر إلى يديها. أحيانًا كانت تشعر أنها لم تعد تملك طاقة حتى لتغيير ملابسها. لكنها كانت تتذكر نوال. فتنهض. تحضر شيئًا بسيطًا لتأكله. ثم تراجع حساباتها. تقتطع مصاريف الإيجار. مصاريف الطعام. المواصلات.
ثم أضافت بسرعة: ــ ربما أحتاج فقط إلى بعض القهوة. ابتسمت ليان. ــ هذه أول مرة أراكِ تدافعين عن القهوة. ضحكت أروى بخفة. لكن ضحكتها لم تكن طبيعية. كانت مجرد محاولة لإخفاء الارتباك. ــ سأعود إلى مكتبي. أومأت ليان. ــ حسنًا، لكن إذا شعرتِ بأي تعب أخبريني. ــ سأفعل. استدارت أروى... ومشت. لكن خطواتها كانت أبطأ من المعتاد. --- جلست أمام مكتبها. فتحت الحاسوب. ظهرت الملفات أمامها. حدقت في الشاشة. ثم وضعت أصابعها على لوحة المفاتيح. كتبت سطرًا. ثم توقفت. حاولت أن تركز. لكن عقلها عاد إليها من جديد. يد رائد وهي تقبض على ذراعها. دفعه لها. صوته. نظراته. والسؤال الذي لم تفهمه حتى الآن: "لماذا أنتِ هنا؟" رفعت يدها إلى كتفها مرة أخرى. همست: ــ ماذا كان يقصد؟ هل أخطأت في شيء؟ هل هناك مشكلة في عملي؟ لكنها لم تجد أي تفسير. كانت تتعامل معه مثل أي مدير. احترمته. أنجزت ما طُلب منها. لم تتجاوز حدودها. فلماذا يعاملها وكأنها ارتكبت في حقه جريمة؟ أخفضت عينيها. ثم حاولت طرد الأفكار من رأسها. فتحت أحد الملفات. وأجبرت نفسها عل
ارتجف صوت أروى. ــ أستاذ رائد... أنا... لا أفهم... بقي ينظر إليها. كأن كلماتها لم تصل إليه. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة. وقبضتاه ما زالتا تضغطان على كتفيها. كل ما كان يراه أمامه... لم يكن أروى. بل وجه هبة. ضحكتها. وابتسامتها. وذلك اليوم... اليوم الذي انتهى فيه كل شيء. اشتدت قبضته دون أن يشعر. فشهقت أروى من الألم. وحاولت أن تتراجع... لكن الحائط كان خلفها. لم يكن أمامها أي مهرب. كانت المرة الأولى منذ خروجها من السجن... التي تشعر فيها بذلك العجز. نظرت إلى عينيه. لم ترَ فيهما الكراهية فقط... بل شيئًا آخر. وجعًا... كأن هذا الرجل يحمل جرحًا قديمًا لا يتوقف عن النزيف. لكنها... لم تعرف سببه. ولا لماذا كانت هي أمامه. --- في تلك اللحظة... وقعت عين رائد على وجهها. لم يرَ تحديًا. ولا شماتة. ولا ابتسامة مستفزة. رأى امرأة شاحبة. مرتبكة. ترفع رأسها بصعوبة بسبب فارق الطول بينهما. وعيناها... كانتا مليئتين بالخوف. خوف حقيقي. ساد صمت ثقيل. ثم... نظر إلى يديه. كانت أصابعه ما تزال تقبض على كتفيها بقوة. اتسعت عيناه قليلًا. وكأنه استيقظ فجأة من كابوس. تركها فورً







