LOGIN.
أريد أن أكون إلى جانبها. هز مالك رأسه. ــ ستكون سعيدة برؤيتك. لكنها ما زالت ضعيفة. ابتسمت أروى ابتسامة باهتة. ثم قالت: ــ لا تخبرها بقرار خروجي. نظر إليها باستغراب. ــ لماذا؟ أجابت وهي تنظر إلى الورقة بين يديها: ــ أريد أن أفاجئها. أريد أن تراني أمامها... لا أن تسمع الخبر فقط. ابتسم مالك لأول مرة منذ بداية الحديث. وقال: ــ أظن أنها ستكون أجمل مفاجأة يمكن أن تتلقاها. انتهى وقت الزيارة. وقفت أروى ببطء. كانت ما تزال تضم الورقة إلى صدرها. وكأنها تخشى أن تُنتزع منها. قال مالك قبل أن تغادر: ــ شهر واحد فقط... وسأكون في انتظارك خارج هذه الأبواب. نظرت إليه أروى. ثم قالت بهدوء: ــ شكرًا... على كل شيء. لم تجب بكلمات كثيرة. لكن مالك فهم... أن تلك الكلمتين حملتا امتنان ثلاث سنوات كاملة. عادت أروى إلى الزنزانة. كانت خطواتها أبطأ من المعتاد. فتحت الحارسة الباب. ودخلت. رفعت هناء رأسها فورًا. ثم قالت مبتسمة: ــ تأخرتِ اليوم. هل أطال الأستاذ مالك الحديث؟ لم تجب أروى. بقيت واقفة عند الباب. تنظر إلى صديقتيها. اقتربت منها سلمى. وقالت بقلق: ــ أروى... هل حدث شيء؟ ابتسمت أروى. ابتسامة صغيرة... لكنها كانت مختلفة. ابتسامة لم ترها هناء على وجهها منذ سنوات. ثم قالت بصوت هادئ: ــ بعد شهر... سأغادر هذا المكان. ساد الصمت داخل الزنزانة. حدقت هناء فيها وكأنها لم تسمع جيدًا. أما سلمى... فاتسعت عيناها من شدة المفاجأة. ثم صاحت هناء بفرح: ــ ماذا؟ حقًا؟ أومأت أروى برأسها. وفي اللحظة التالية... احتضنتها هناء بقوة. ولحقت بها سلمى. امتزجت الدموع بالابتسامات. ولأول مرة منذ زمن طويل... شعرت أروى أن بابًا كان مغلقًا في حياتها. مر أسبوع... ولم يبق على موعد الإفراج عن أروى سوى ثلاثة أسابيع. لم تعد الأيام تمر عليها كما كانت من قبل. فبعد سنوات كانت تتمنى أن ينتهي اليوم سريعًا... أصبحت تخشى أن تنقضي الأيام بهذه السرعة. كانت تشعر أن بابًا جديدًا سيفتح أمامها... لكنها لا تعرف ماذا ينتظرها خلفه. في صباح ذلك اليوم... استدعتها إحدى الحارسات. ابتسمت هناء وقالت وهي تنظر إليها: ــ أظن أن الأستاذ مالك سبقنا إليك اليوم. ابتسمت أروى ابتسامة خفيفة. ثم غادرت الزنزانة. دخلت غرفة الزيارة. كان مالك ينتظرها. نهض فور أن رآها. جلسا في صمت للحظات. ثم قال مالك: ــ بقي وقت قصير. أومأت أروى برأسها. ــ نعم... لم أعد أصدق أنني سأخرج فعلًا. ابتسم مالك. ثم أخرج دفترًا صغيرًا من حقيبته. وقال: ــ لهذا السبب جئت اليوم. رفعت أروى حاجبيها باستغراب. ــ ماذا تقصد؟ ــ علينا أن نبدأ بالتفكير فيما بعد الإفراج. ساد الصمت. ثم أضاف: ــ أين ستعيشين؟ خفضت أروى بصرها قليلًا. كانت تعلم أن هذا السؤال سيأتي. لكنها لم تكن تملك جوابًا جاهزًا. قال مالك بهدوء: ــ كنت أفكر... ربما تبقين في منزل عمك. رفعت أروى رأسها بسرعة. وهزت رأسها بالنفي. ــ لا. استغرب مالك. ــ لماذا؟ أخذت نفسًا عميقًا. ثم قالت: ــ لأن ذلك المنزل... قد ينقذ حياة زوجة عمي. ظل مالك ينظر إليها بصمت. فأكملت: ــ علاجها طويل... ولا أحد يعلم متى ستتعافى. والمستقبل مجهول. إذا اضطررت لبيع المنزل... فبعه. ولا تفكر بي. قال مالك بسرعة: ــ لكنه حقك أيضًا. ابتسمت أروى ابتسامة هادئة. ــ حقي الحقيقي... أن تستعيد صحتها. أما البيت... فليس سوى جدران. ظل مالك صامتًا لعدة ثوان. ثم قال: ــ وإذا بيع المنزل... أين ستذهبين؟ نظرت إليه أروى بثبات. ثم قالت: ــ لدي بعض المال. استغرب. ــ أي مال؟ ــ المال الذي ادخرته من عملي داخل السجن. لن يكفيني طويلًا... لكنه يكفيني لأبدأ. ثم نظرت إليه مباشرة. وقالت: ــ أريد منك خدمة. ابتسم مالك. ــ قولي. ــ ابحث لي عن غرفة صغيرة للإيجار... في حي بسيط. ساد الصمت. ثم قال: ــ غرفة فقط؟ أومأت برأسها. ــ نعم. بعد ثلاث سنوات في زنزانة... لن أطلب أكثر من غرفة أستطيع أن أغلق بابها... وأفتحها بإرادتي. شعر مالك بغصة في حلقه. لكنه أخفاها بابتسامة هادئة. ثم قال: ــ حسنًا... سأبدأ البحث من الغد. وسأختار مكانًا يليق ببداية جديدة... لا بنهاية قديمة. ابتسمت أروى لأول مرة منذ بداية الزيارة. وقالت: ــ شكرًا يا أستاذ مالك... لأنك ما زلت تقف إلى جانبي. نظر إليها مالك طويلًا. ثم قال: ــ هذا أقل ما يمكنني فعله.ــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را
استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل
وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها
لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق
بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن
أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.







