Share

الفصل 49

Author: فتيحة
last update publish date: 2026-07-30 00:17:42

ساد الصمت بينهما للحظات.

لم يكن صمتًا ثقيلًا...

بل كان صمت شخصين يحاولان رسم ملامح مستقبل لا يعرفان عنه شيئًا.

قطع مالك الصمت قائلًا:

ــ وهل فكرتِ... في العمل؟

أجابت أروى دون تردد:

ــ كثيرًا.

ــ وما الذي تنوين فعله؟

ابتسمت ابتسامة خافتة.

ثم قالت:

ــ أي عمل شريف.

لا يهم إن كان بسيطًا أو متعبًا.

المهم أن أكسب قوت يومي بيدي.

قال مالك:

ــ الأمر لن يكون سهلًا.

أنت تعلمين أن...

توقفت كلماته قبل أن يكملها.

لكن أروى فهمت ما يريد قوله.

فقالت بهدوء:

ــ أعلم.

أعلم أن كثيرين سيرفضون توظيف فتاة خرجت من السجن.

وأعلم أن الناس لا يسألون عن الحقيقة...

بل يكتفون بما يسمعونه.

لكنني لن أستسلم.

سأبحث.

وإن أُغلق باب...

سأطرق بابًا آخر.

تنهد مالك.

ثم قال:

ــ وإذا احتجتِ إلى المال...

فلا تترددي في إخباري.

ابتسمت أروى.

وهزت رأسها برفق.

ــ سأطلب مساعدتك إذا عجزت...

لكن دعني أحاول أولًا.

أريد أن أعرف...

هل ما زلت قادرة على الوقوف وحدي؟

نظر إليها مالك بإعجاب.

ثم قال:

ــ كنت أعلم أنك سترفضين.

ابتسمت أروى وقالت:

ــ ليس رفضًا.

لكني أريد أن أبدأ حياتي بجهدي.

لقد تحملت عني الكثير طوال السنوات الماضية.

وحان الوقت...

لأتحمل أنا مسؤوليتي.

رن جرس انتهاء الزيارة.

وقفت أروى بهدوء.

ثم قالت قبل أن تغادر:

ــ لا تنسَ...

أريد أن تكون الغرفة بسيطة.

ولا تنفق مالًا كثيرًا.

ابتسم مالك وقال مازحًا:

ــ وهل تسمحين لي على الأقل أن أختار حيًا آمنًا؟

ابتسمت أروى للمرة الأولى من قلبها.

وقالت:

ــ هذا أتركه لك.

خرجت أروى من غرفة الزيارة.

وكانت خطواتها هذه المرة أخف من كل مرة.

لم يعد يشغلها سؤال:

"متى سأخرج؟"

بل أصبح سؤالها:

"كيف سأبدأ من جديد؟"

أما مالك...

فبقي جالسًا بعد مغادرتها.

ينظر إلى الكرسي الفارغ أمامه.

ثم أخرج مفكرة صغيرة.

وكتب فيها عدة كلمات:

غرفة مناسبة.

إنهاء إجراءات الإفراج.

متابعة حالة نوال.

البحث عن فرصة عمل لأروى... دون أن تشعر أنها شفقة.

أغلق المفكرة.

ثم نهض وهو يتمتم:

ــ بقيت ثلاثة أسابيع فقط...

ويجب أن يكون كل شيء جاهزًا قبل أن تخطو أول خطوة خارج السجن.

ثم غادر المكان...

وقد حمل على عاتقه مسؤولية بداية حياة جديدة لفتاة، لم يبقَ لها من الماضي سوى الذكريات.

في صباح اليوم التالي...

خرج مالك من مكتبه مبكرًا.

لم يكن يحمل بين يديه ملفًا قانونيًا...

ولا موعدًا في المحكمة.

بل كان يحمل ورقة صغيرة...

كتب فيها عنوانًا واحدًا:

"البحث عن غرفة لأروى."

وضع الورقة في جيبه.

ثم ركب سيارته.

وأخذ يجوب شوارع المدينة.

---

كانت الغرفة الأولى...

ضيقة ورطبة.

يقع بابها في زقاق ضيق لا تكاد تدخله أشعة الشمس.

وقف مالك يتأمل المكان.

ثم هز رأسه بالنفي.

قال صاحب المنزل:

ــ الإيجار رخيص.

نظر إليه مالك.

ثم قال بأدب:

ــ ربما...

لكنه ليس المكان الذي أبحث عنه.

وغادر.

---

بعد ساعة...

وصل إلى حي آخر.

كان أكثر هدوءًا.

لكن الغرفة التي عُرضت عليه...

كان إيجارها مرتفعًا جدًا.

ابتسم مالك وهو يغلق الباب.

وقال في نفسه:

"أروى تريد أن تبدأ حياتها بمالها الخاص...

لن أختار مكانًا يستنزف مدخراتها منذ الشهر الأول."

---

استمر في البحث.

تنقل بين عدة أحياء.

حتى أوشك النهار على الانتهاء.

وفي طريق عودته...

لفت انتباهه إعلان صغير معلق على باب منزل قديم.

"غرفة للإيجار."

توقف.

وترجل من السيارة.

ثم طرق الباب.

---

فتح له رجل مسن.

رحب به.

وقاده إلى الطابق العلوي.

فتح الباب.

ودخل مالك.

ساد الصمت.

أخذ يتأمل المكان.

كانت الغرفة صغيرة.

لكنها نظيفة.

تدخلها أشعة الشمس من نافذة واسعة.

وفي زاويتها مطبخ صغير.

وبجوار الباب...

حمام متواضع.

لم تكن فاخرة.

لكنها كانت تبعث على الراحة.

ابتسم مالك دون أن يشعر.

وقال في نفسه:

"أعتقد...

أنها ستحب هذا المكان."

---

سأل صاحب المنزل:

ــ هل ستسكن أنت هنا؟

ابتسم مالك.

وأجاب:

ــ لا...

بل فتاة ستبدأ حياتها من جديد.

نظر إليه الرجل باستغراب.

لكنه لم يسأل شيئًا.

قال فقط:

ــ هي فتاة محترمة؟

أجاب مالك بثقة:

ــ أكثر مما تتخيل.

ابتسم الرجل.

ثم قال:

ــ إذًا...

الغرفة لها.

---

اتفقا على كل التفاصيل.

ودفع مالك مقدم الإيجار.

ثم أخذ المفتاح.

وقف للحظات...

يتأمله في يده.

وشعر أن هذا المفتاح...

سيكون بداية حياة جديدة لشخص انتظر الحرية سنوات طويلة.

رفع بصره نحو الغرفة مرة أخرى.

ثم قال بهدوء:

ــ بقي أن تصبح بيتًا...

لا مجرد غرفة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 94

    ــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 93

    استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 92

    وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 91

    لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 90

    بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 89

    أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status