تسجيل الدخولأغلق مالك باب الغرفة خلفه. وبقي واقفًا في منتصفها. نظر حوله مرة أخرى. كانت الجدران مطلية بلون أبيض باهت. وفي إحدى الزوايا ظهرت آثار قديمة علقتها السنوات. أما الأرضية... فكانت بسيطة لكنها نظيفة. اقترب من النافذة. فتحها. فدخل نسيم خفيف إلى الغرفة. سمع أصوات الأطفال يلعبون في الشارع. وصوت بائع متجول ينادي على بضاعته. ثم لمح امرأة تقف أمام المنزل المقابل تسقي بعض النباتات. ابتسم في هدوء. وقال في نفسه: "حي بسيط... لكن يبدو أنه حي هادئ." كان يعلم... أن أروى لا تحتاج إلى الرفاهية. بل إلى مكان تشعر فيه بالأمان. مكان تستطيع أن تبدأ فيه حياتها دون أن تخشى الماضي. أغلق النافذة. ثم خرج من الغرفة. وقبل أن يغادر المبنى... التفت نحو صاحب المنزل. وسأله: ــ منذ متى وهذه الغرفة معروضة للإيجار؟ أجاب الرجل: ــ منذ شهرين تقريبًا. سكنها شاب كان يعمل في المدينة. ثم انتقل إلى مدينة أخرى. ومنذ ذلك اليوم وهي فارغة. هز مالك رأسه. ثم سأله: ــ هل الجيران هنا هادئون؟ ابتسم الرجل. ــ أغلبهم عائلات بسيطة. يعرف بعضهم بعضًا منذ سنوات. لا مشاكل تذكر. تنفس مالك براحة. ثم صافحه.
ساد الصمت بينهما للحظات. لم يكن صمتًا ثقيلًا... بل كان صمت شخصين يحاولان رسم ملامح مستقبل لا يعرفان عنه شيئًا. قطع مالك الصمت قائلًا: ــ وهل فكرتِ... في العمل؟ أجابت أروى دون تردد: ــ كثيرًا. ــ وما الذي تنوين فعله؟ ابتسمت ابتسامة خافتة. ثم قالت: ــ أي عمل شريف. لا يهم إن كان بسيطًا أو متعبًا. المهم أن أكسب قوت يومي بيدي. قال مالك: ــ الأمر لن يكون سهلًا. أنت تعلمين أن... توقفت كلماته قبل أن يكملها. لكن أروى فهمت ما يريد قوله. فقالت بهدوء: ــ أعلم. أعلم أن كثيرين سيرفضون توظيف فتاة خرجت من السجن. وأعلم أن الناس لا يسألون عن الحقيقة... بل يكتفون بما يسمعونه. لكنني لن أستسلم. سأبحث. وإن أُغلق باب... سأطرق بابًا آخر. تنهد مالك. ثم قال: ــ وإذا احتجتِ إلى المال... فلا تترددي في إخباري. ابتسمت أروى. وهزت رأسها برفق. ــ سأطلب مساعدتك إذا عجزت... لكن دعني أحاول أولًا. أريد أن أعرف... هل ما زلت قادرة على الوقوف وحدي؟ نظر إليها مالك بإعجاب. ثم قال: ــ كنت أعلم أنك سترفضين. ابتسمت أروى وقالت: ــ ليس رفضًا. لكني أريد أن أبدأ حياتي بجهدي. لقد تحملت عني
. أريد أن أكون إلى جانبها. هز مالك رأسه. ــ ستكون سعيدة برؤيتك. لكنها ما زالت ضعيفة. ابتسمت أروى ابتسامة باهتة. ثم قالت: ــ لا تخبرها بقرار خروجي. نظر إليها باستغراب. ــ لماذا؟ أجابت وهي تنظر إلى الورقة بين يديها: ــ أريد أن أفاجئها. أريد أن تراني أمامها... لا أن تسمع الخبر فقط. ابتسم مالك لأول مرة منذ بداية الحديث. وقال: ــ أظن أنها ستكون أجمل مفاجأة يمكن أن تتلقاها. انتهى وقت الزيارة. وقفت أروى ببطء. كانت ما تزال تضم الورقة إلى صدرها. وكأنها تخشى أن تُنتزع منها. قال مالك قبل أن تغادر: ــ شهر واحد فقط... وسأكون في انتظارك خارج هذه الأبواب. نظرت إليه أروى. ثم قالت بهدوء: ــ شكرًا... على كل شيء. لم تجب بكلمات كثيرة. لكن مالك فهم... أن تلك الكلمتين حملتا امتنان ثلاث سنوات كاملة. عادت أروى إلى الزنزانة. كانت خطواتها أبطأ من المعتاد. فتحت الحارسة الباب. ودخلت. رفعت هناء رأسها فورًا. ثم قالت مبتسمة: ــ تأخرتِ اليوم. هل أطال الأستاذ مالك الحديث؟ لم تجب أروى. بقيت واقفة عند الباب. تنظر إلى صديقتيها. اقتربت منها سلمى. وقالت بقلق: ــ أروى... هل حدث
وكانت أروى تمارس حياتها داخل السجن كما اعتادت خلال السنوات الثلاث الماضية. تستيقظ مع بزوغ الفجر. ترتب فراشها. تتجه إلى ورشة العمل. ثم تعود إلى زنزانتها مع نهاية اليوم. لم تعد تنتظر شيئًا. ولم تعد تحلم بشيء. كانت تعيش يومها... ثم تتركه يرحل كما رحلت الأيام التي سبقته. في ذلك الصباح... توقفت إحدى الحارسات أمام باب الزنزانة. ونادت بصوت هادئ: ــ أروى الحازمي. رفعت أروى رأسها. ــ نعم؟ ــ لديك زيارة. تبادلت النظرات مع هناء. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. وقالت: ــ لا بد أنه مالك. بعد دقائق... دخلت غرفة الزيارات. كان مالك يجلس في مكانه المعتاد. لكن شيئًا فيه بدا مختلفًا. لم تكن ملامحه مثقلة بالحزن كما اعتادت. بل كان هناك هدوء... وشيء يشبه الراحة. جلست أمامه. وظلت تنظر إليه لثوانٍ. ثم قالت: ــ هناك شيء تغير. رفع مالك حاجبيه مبتسمًا. ــ ماذا تقصدين؟ أجابته وهي تراقب وجهه: ــ منذ سنوات... وأنت تأتي إلي بالوجه نفسه. أما اليوم... فكأن لديك خبرًا تخفيه. ابتسم مالك. ابتسامة حقيقية... لم ترها أروى على وجهه منذ وفاة أسامة. شعرت بأن قلبها بدأ يخفق بسرعة. وقالت: ــ
ثلاث سنوات... وبصيص أمل مرت ثلاث سنوات... ثلاث سنوات كاملة منذ أُغلقت أبواب السجن خلف أروى الحازمي. ثلاث سنوات... كانت كافية لتغير ملامح إنسانة بأكملها. لم يعد الزمن يعني لها شيئًا. لم تعد تعد الأيام كما كانت في البداية. فقد أدركت أن الانتظار... لا يجعل الوقت يمر أسرع. كانت أروى تقف في ورشة العمل. تخيط قطعة قماش بهدوء. تحرك الإبرة بخبرة اكتسبتها خلال السنوات الماضية. لم تعد السجينة الجديدة التي ترتبك من أبسط الأمور. بل أصبحت من أكثر السجينات انضباطًا. وكانت تساعد كل سجينة جديدة تدخل الورشة. دون أن تنتظر شكرًا من أحد. همست إحدى السجينات الجديدات لهناء: ــ أهي دائمًا هكذا؟ ابتسمت هناء بحزن. وقالت: ــ لا... لم تكن هكذا يوم عرفتها. كانت تبتسم كثيرًا. وتضحك من قلبها. وتتشاجر معي على أتفه الأسباب. ثم نظرت إلى أروى. وأضافت: ــ لكن الحياة... تستطيع أن تغير الإنسان أكثر مما نتخيل. رفعت أروى رأسها. ابتسمت ابتسامة خفيفة لهناء. ثم عادت إلى عملها. كانت قد سمعت كل شيء. لكنها لم تعلق. أما خارج السجن... فكانت نوال الحازمي لا تزال تتلقى العلاج. تحسنت حالتها قليلًا.
عامٌ سرق ما تبقى مر عام... لكنه لم يكن عامًا عاديًا. في السجن... لا تُقاس السنوات بعدد الأيام. بل بما تنتزعه من الإنسان. هناك... يمر الوقت ببطء شديد. لكن عندما ينظر المرء إلى الوراء... يكتشف أن الزمن سرق منه أشياءً كثيرة دون أن يشعر. مر عام على وفاة أسامة الحازمي. عام كامل... لم تخرج فيه أروى من أسوار السجن إلا في أحلامها. وعام آخر... لم تسمع فيه كلمة "عمي" إلا داخل قلبها. كانت ترددها أحيانًا... ثم تتذكر أنه لن يجيبها مرة أخرى. تغيرت أروى كثيرًا. لم تعد تلك الفتاة التي كانت تحاول أن ترسم ابتسامة رغم الألم. اختفت ابتسامتها شيئًا فشيئًا. وأصبح الصمت رفيقها الدائم. كانت تستيقظ قبل الجميع. ترتب فراشها. ثم تتجه إلى الورشة. تؤدي عملها بإتقان. وتعود إلى زنزانتها. دون أن تتحدث إلا قليلًا. حتى ضحكتها... التي كانت هناء تبذل جهدًا لتعيدها إلى وجهها... اختفت. وصارت شيئًا من الماضي. كانت هناء تراقبها كل يوم. وفي إحدى الليالي... جلست بجوارها وقالت برفق: ــ أتذكرين كيف كنت تغضبين عندما أخيط الثوب بطريقة خاطئة؟ رفعت أروى رأسها. ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لم تدم أكثر







