ログインانحدرت الشمس من كبد السماء وهوت إلى الغرب، وجاء الليل بستارته السوداء ليغطي سماء تلك المدينة الصاخبة، في عملية تبادل روتينية منظمة، يتعجب لها الخلائق.
وكان آدم ينتظر هذا التبادل بفارغ الصبر والصمت أيضاً، إلّا أنّ الصمت كان مختلفاً هذه المرة .. ليس صمت نوم، بل صمت انتظار ثقيل، كأن المكان كله يحبس أنفاسه لشيء مجهول قادم. وفي تلك الأثناء كان قد انتهى من حمّامه الساخن، وقد كتم صوت هاتفه كي لا يشوش نوح على تفكيره، لم يكن قد قرر بعد الذهاب إلى الحفلة، كان رأسه مزحوماً بذكريات مؤلمة، فأنهى حمّامه على عجل، وخرج بعد أنّ لف المنشفة حول جسده، ووقف أمام المرآة، ينظر إلى نفسه وإلى جسده، وإلى قطرات الماء التي ما زالت عالقة على شعره الأسود الكثيف، أخذ يحدق في انعكاسه طويلاً، من دون أن يرمش له جفن، ثمّ ابتسم ابتسامة باهتة، قبل أن يرفع يده ويمسح وجهه ببطء، لم يكن هناك شيء جديد في ملامحه، لكن شيئاً ما بدا مختلفاً في تلك الليلة، لمعة غريبة في عينيه الداكنتين، وإشراق ملامحه الحادة المرهقة، وكأن كل تلك السنوات لم تمر قط، وكأنّه استرد رونقه مرة أخرى! أدار وجهه قليلاً يميناً ويساراً في تعجب، هل باستطاعة الحب أن يفعل كل تلك الأفاعيل في يوم وليلة؟ تساءل في تعجب وهو يزفر في كدر، كانت تلك الحقيقة التي لا يحب الاعتراف بها، لقد أحب تلك المرأة بكل ما فيه، حتى وإن فرقتهما الأيام .. توقف قليلاً أمام المرآة متحيراً، قلبه يريد الذهاب، وعقله يمنعه، حرب ضروس تدور بداخله، بينما يقف هو متفرجاً، ينتظر لحظة الإعلان عن الفائز! إلا أن تلك الحرب قد انتهت سريعاً بفوز قلبه، ووجد نفسه يتحرك بدون إرادة نحو غرفة الملابس بخطوات بطيئة، ثمّ فتح الدولاب على مصراعيه، أخذ وقتاً أطول من المعتاد في النظر إلى ملابسه، كأنّه لا يختار بدلة وحسب، بل يختار نسخة من نفسه الليلة، نعم كان مقتنعاً بذلك، أراد بشدة اختيار أفضل نسخة منه. تفكر قليلاً قبل أن يمد يده داخل الدولاب، ويخرج منه بدلة سوداء أنيقة، لا مبالغ فيها، لكنّها ستفرض حضوره بهدوء ومن دون بذخ. ارتداها ببطء، أغلق أزرار القميص الأبيض عدا أول زرّين، ثمّ وقف أمام المرآة مرة أخرى، وأخذ يتأمل قامته الطويلة، وبنيته المتناسقة، كان ممتناً لنفسه بأنّه لم يسمح للحزن بإبعاده عن صالات الرياضة، شاكراً عزيمته على ذلك المظهر الجذاب المناسب لرجل في منتصف الثلاثينات. تأمل جسده مراراً وتكراراً، كان مظهره يوحي بالثقة، إلا أنّها لم تكن كاملة، .. كان هناك شيء مختبئ خلفها؛ شيء يعجز عن إدراكه. عدّل ياقة سترته، ثم مدّ يده إلى درج صغير وأخرج ساعة ثمينة، قام بارتدائها، ثمّ رش عطره المفضل، ذاك الذي كانت تفضله صوفيا قديماً، تطلع مرا أخيرة قبل أن يطفئ الأضواء ويمسك هاتفه ومفاتيح السيارة ويتوجه نحو الباب، في تلك الأثناء رنّ هاتفه، لم يتردد في الإجابة، وقال: — نعم فجاء صوت نوح فورًا، دون مقدمات: — هل أنت جاهز؟ أخذ آدم نفسًا بطيئًا: — سأخرج الآن. صمت نوح لحظة، ثم قال بنبرة فيها شيء من الرضا: — لا تتأخر. أغلق آدم الهاتف دون رد، وكان أن يخرج، الا أنّه تذكر شيئاً مهماً، فعاد إلى غرفته مرة أخرى، وفتح الدرج من جديد، ثمّ أخرج الصورة الجماعية مرة أخرى، تجاوز الجميع، وكل تلك الوجوه، وتوقف عند وجه صوفيا، وأخذ يحفظ ملامحها جيداً، مضت سنوات طوال على لقائهما الأخير، ولولا تلك الصورة لنسى شكلها، خاف من الا يتعرف عليها الليلة، أخذ ينظر إلى ملامحها بتركيز، يغمض عينيه، كأنّه يحفظ الصورة بداخله كي لا تتبعثر من ذاكرته، ولولا خوفه من التأخر عليها، لما ترك الصورة من يده، أعادها إلى الدرج، ثمّ انطلق خارجاً بأقصى سرعته إلى الجراج، استقل سيارته، وانطلق بها في الطرقات المزدحمة، قاد السيارة في صمت، لا موسيقى، لا مكالمات، لا اهتمام بمن يصيحون به على سرعته المجنونة، لم يعر اهتماماً لكل هؤلاء، كان تركيزه منصباً على صوفيا .. صوفيا فقط. * * * بعد نصف ساعة من القيادة المتهورة، وصل أخيراً إلى المطعم، كان مكاناً راقياً، إضاءته دافئة من الخارج، والزجاج المُغطي للواجهة يعكس صوراً مشوشة للجمع القابع بداخله. أوقف السيارة، وجلس بداخلها للحظات من دون أن يفتح الباب أو يترجل منها، أخذ نفساً عميقاً، ثمّ قرر أخيراً النزول، فتح الباب وترجل من السيارة، فاصطدم الهواء الليلي به فوراً، فأنعش روحه وقوّى من عزيمته، وانطلق متوجهاً داخل المطعم. داخل المطعم كانت الأجواء مختلفة، ضحكات مجلجلة في كل مكان، وأصوات متداخلة لا تستطيع تمييزها من بعضها، وأسماء ووجوه قديمة عادت للحياة مرة أخرى في ذاكرته، ولم تتوقف تلك الضوضاء حتى لمحه صديق قديم وصاح باسمه عالياً "آدم!" توقفت الوجوه عن الحديث والضحك فور سماع اسمه، التفتوا إليه ثمّ بدأت الهمسات.. — آدم؟ — هل هذا هو؟ — لم يتغير كثيرًا… كانوا جميعاً ينظرون إليه، كأنّه شخص ميت، وخرج من قبره! اقترب نوح منه بسرعة، ضمّه إليه بقوة في سعادة، وابتسامته الواسعة لا تبرح وجهه وقال: — أخيرًا. ثم ابتعد ينظر إليه: — كنت أعلم أنك ستأتي. لكن آدم لم يرد عليه، وجاءت سارة من خلفه. لاحظ أنّها لم تختلف كثيراً، الا أنّ الحمل قد أكسبها بعض الوزن الزائد، كانت ملامحها أكثر هدوءً ونضجاً، وابتسامتها الدافئة لم تختلف كثيراً عن أيام الجامعة. رحبّت به في حفاوة وسعادة حقيقية، وقالت بابتسامة خفيفة: — لم أصدق أنك ستأتي فعلًا. فابتسم آدم بهدوء وقال: — مرحبًا سارة. فضحكت وقالت: — تغيرت كثيرًا. لكنه لم يجب، وفي تلك اللحظة كانت الوجوه قد بدأت في التجمع من حوله، وامتلأت الأجواء بالأسئلة، والضحكات والذكريات، وآدم عالق في المنتصف، يستمع إليهم بنصف قلب، ويجاريهم في أحاديثهم، والنصف الآخر كان يبحث. كانت عيناه تتحركان ببطء في المكان، تدوران في كل الاتجاهات، كان يفتش بين الوجوه عن وجهها. لاحظ نوح ما يحدث، فاقترب منه قليلاً وسأله هامساً: — ماذا تفعل؟ لم يرد آدم فورًا، أخذ يدقق النظر في كل مكان، حتى استسلم أخيراً وانحنى يسأله بصوت منخفض: — هل الجميع هنا؟ ابتسم نوح وقال: — تقريبًا. لحظة صمت ثقيلة مرت بينهما، قبل أن يُضيف: — إلا شخص واحد كنت تتوقعه، أليس كذلك؟ صمت آدم، لكن نظراته كانت كافية. تنهد نوح في يأس وقال: — لم تأتِ. تجمدت ملامح آدم من الصدمة، ثمّ سرعان ما تبدلت إلى الغضب والحزن، وقال معاتباً: — قلت إنها ستأتي. رد نوح بسرعة مدافعاً عن نفسه: — لم أقل ذلك. نحن فقط أرسلنا الدعوة. ثم أكمل حديثه قائلاً: — كنا نظن أنها ستأتي… مثل الباقين. غضب جامح اجتاح صدر آدم من خدعة صديقه، وقال له معاتباً: — لماذا أخبرتني إذًا؟ تردد نوح في الاجابة، لكن آدم ضغط عليه للاعتراف، فأخبره وقال: — لأنني كنت أعلم أنك ستأتي فقط إذا ظننت أنها قد تكون هنا. ثم أضاف نوح بصوت أخفض: — وأنت فعلًا لم تتغير في هذا الشيء. رفع آدم عينيه ببطء. وتابع صديقه حديثه بنبرة أثقل: — لكنك نسيت شيئًا مهمًا يا آدم… توقف للحظة، أخذ نفساً عميقاً ثم قال الجملة التي سقطت في الهواء كحجر ثقيل: — أن صوفيا متزوجة.ظل آدم واقفًا مكانه وممسكاً بذراع مايا، وعيناه لا تفارقان الباب، بينما ظل صوت هارون يتردد من الخارج:—مايا هل أنتِ بالداخل؟نظرت إليه مايا بذعر، ثم همست بصوت منخفض:—لا تنطق بكلمة.فرفع آدم حاجبه وقال لها في تحدي:—لماذا؟ هل تخافين على مشاعره إن وجد رجل آخر في منزلك في تلك الساعة؟تأففت مايا من عناده، وهي تهمس له في غضب:—أنا لن أسمح لك بهدم حياتي يا آدم.كانت نظراتها غاضبة، للدرجة التي جعلت آدم صامتاً، واكتفى بالنظر إليها، بينما أشارت إليه بيد ثابتة نحو الممر المؤدي إلى الغرف.—اختبئ، حالًا!.رفع حاجبه ساخرًا، لكنه أدرك أن ظهور هارون سيكشف كل شيء، فتراجع ببطء إلى داخل الممر، واختفى عن الأنظار.حينها تنفست مايا بعمق، ثم عدلت ثيابها وشعرها بسرعة، ومسحت آثار توترها عن وجهها قدر استطاعتها، قبل أن تتجه إلى الباب وتفتحه، فتحة صغيرة بالكاد تكفي لرؤية هارون.كان هارون يقف أمامها وفي يده هاتفها، وقد ابتسم ابتسامة خفيفة وقال لها:—لقد نسيتِ هذا في سيارتي.نظرت إلى الهاتف، ثم إليه، وقالت وهي تحاول إخفاء ارتباكها:—شكرًا لك، لم أنتبه له حقاً.وفي اللحظة التالية مدت يدها لت
ارتجفت أنفاس مايا، وتجمدت في مكانها وهي تحدق في آدم غير مصدقة ما تراه، وتساءلت كيف دخل شقتها؟ أما هو فقد لاحظ صدمتها، وظل جالساً على الكرسي بكل هدوء كأنه يجلس على عرشه، او أنه صاحب البيت، يحدق بها بملامح ثابتة، وكانت حقيبة يدها لا تزال ملقاة على الأرض حيث سقطت من يدها قبل لحظات.لم تنتبه مايا لحقيبتها، كانت تفكر فيما ستفعله معه، وكيف تتخلص منه، وحين استجمعت شجاعتها أخيراً للتحدث، خرج صوتها مرتجفًا رغم محاولتها إخفاء ذلك:—كيف .. كيف دخلت إلى هنا؟ابتسم آدم ابتسامة خافتة، وقال بهدوء أثار غضبها أكثر:—هل هكذا ترحبين بي في منزلك بعد عامين من افتراقنا؟أغمضت عينيها في غضب، وقالت في شيء من الحدة: —سألتك، كيف دخلت إلى هنا؟في تلك اللحظة، ثبت آدم نظره عليها في صمت، وظل ينظر إليها طويلًا ليزيد من ارتباكها، قبل أن يجيب ببرود أخيراً بكلمات أشعلت غضبها أكثر وأكثر:—أستطيع الدخول إلى أي مكان أريده.وبالفعل اشتعل الغضب داخلها بشدة، حتى أنها صاحت به:—اخرج من شقتي حالًا.إلا أنه لم يتحرك قيد أنملة من مكانه، بل نظر في عينيها بتحد وسألها في استفزاز:—وإن رفضت؟حينها انحن أرضاً و
ظلّت السيارة متوقفة على جانب الطريق لبضع دقائق، بينما خيّم الصمت بين هارون ومايا لثوانٍ طويلة.كان هارون يراقبها بصمت، أما هي فكانت تنظر عبر النافذة، تتظاهر بالهدوء، بينما كانت أصابعها تقبض على حقيبة يدها بقوة من فرط التوتر، لم تجبه على اسئلته السابقة والتزمت الصمت، حينها نظر إليها في يأس وتنهد باستسلام، ثم قال بنبرة هادئة:—حسناً سأطرح عليك السؤال لآخر مرة يا مايا... وأتمنى أن تجيبيني هذه المرة.التفتت إليه ببطء، لكنها لم تجب، ولم تعلق، وأما هو فقد ثبت عينيه عليها وقال:—هل كنتِ تعرفين السيد آدم قبل اليوم؟لم يتغير تعبير وجهها، لكنها أخيراً، فتحت فمها ونطقت:—لا.ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم سألها مرة أخرى:—متأكدة؟رفعت حاجبها وقالت بنبرة امتزج فيها الضيق بالسخرية:—هل هذا استجواب أم تحقيق؟هز رأسه نفيًا وقال:—لا هذا ولا ذاك.ثم أضاف بهدوء:—لكنني المدير التنفيذي للشركة، ومن واجبي أن أتأكد أن أي أمر شخصي لن ينعكس على العمل أو يسبب ضررًا للشركة.ظلت تحدق فيه للحظات، ثم قالت بثبات:—لا تقلق، لن يحدث شيء يمس الشركة.لم يجبها، ظل ينظر إليها وكأنه يحاول أن يجد في عي
كانت ما تزال مايا مصدومة من خبر انفصاله، بينما ساد الصمت الحرج على الطاولة، لذلك تدخل نوح لينقذ السهرة، وقال:—أعتقد أننا ابتعدنا كثيرًا عن حديث العمل.ثمّ أخذ يتحدث مع هارون عن العمل بشكل مركز، ويحاول إقحام صديقه في الحديث رغماً عنه، لأن نظراته إلى مايا أصبحت واضحة وملحوظة، لكن آدم كان يجيب باقتضاب كلما تحدث إليه نوح، وما زالت عيناه معلقتان على مايا التي كانت تشعر بالحرج من نظرات آدم المثبتة عليها. وكلماته الأخيرة تتردد في رأسها بلا توقف.ظلت تحدق في طبقها لثوانٍ، ثم رفعت رأسها وقالت باعتذار هادئ:—أستأذن منكم للحظة.أومأ هارون برأسه، بينما لم يرفع آدم عينيه عنها، واكتفى بمراقبتها وهي تغادر الطاولة، سارت بخطوات متزنة حتى وصلت إلى الحمّام، وما إن أغلقت الباب خلفها، حتى أطلقت زفرة طويلة كانت تحبسها داخل صدرها.وقفت أمام المرآة تحدق في انعكاسها، بينما راحت الأسئلة تتزاحم في رأسها: كيف انفصل عن ليلى؟لقد فعلت ليلى المستحيل كي تحافظ على زواجهما، ودفعت ثمناً باهظاً حتى تختفي هي من حياة آدم، دفعتها إلى الرحيل، وأعطتها المال لتبدأ حياة جديدة، فقط حتى يبقى زواجها من آدم قائمًا.إذن.
في الفندق قبل ساعة ..وقف آدم أمام النافذة الزجاجية العريضة في جناحه بالفندق، وقد انعكست أضواء المدينة على الزجاج أمامه، بينما كان شارد الذهن، لا يرى من المدينة الممتدة من أمامه شيئاً، إلا فقط وجهها.كان متأكدًا أنها صوفيا، لكنه لم يستطع فهم كيف أصبحت "مايا".خرج من شروده على صوت باب الغرفة وهو يُفتح، كان نوح، أنهى مكالمة هاتفية للتو، ثم ألقى هاتفه فوق الأريكة وقال:—لم يحصل رجالي على شيء بعد، يبدو أن الأمر سيستغرق بعض الوقت.لم يجبه آدم، فتنهد نوح وهو ينظر إليه.—لن تحل المشكلة وأنت واقف أمام النافذة.ثم سرعان ما أضاف:—هيا، لنتناول العشاء.أدار آدم رأسه نحوه، ثم أخذ سترته في هدوء وقال:—حسناً، لنذهب.وبعد نحو نصف ساعة، توقفت سيارتهما أمام أحد أشهر مطاعم المدينة الفاخرة، ترجل الاثنان من السيارة واتجها إلى الداخل.وما إن تجاوز آدم المدخل بخطوات بطيئة، حتى توقف في مكانه وتجمد للحظات بسبب ما رآه.كان هارون يجلس إلى إحدى الطاولات القريبة من الواجهة الزجاجية، بينما كانت مايا تجلس أمامه، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة وهي تستمع إلى حديثه.قطب حاجبيه وضاقت عيناه من ذلك ا
في الشركة ...جلس هارون خلف مكتبه بعد انفضاض الاجتماع، وألقى بنظرة أخيرة على العقود الموقعة أمامه، قبل أن يزيحها جانبًا في هدوء، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة وخفيفة وسعيدة بإتمام تلك الصفقة الرابحة.لكن ذهنه لم يكن مشغولاً بالصفقة فقط، بل أيضاً بما حدث أثناء الصفقة، أخذ يتذكر ما حدث عند استقبال وفد أورورا؛ ارتباك مايا المفاجئ، سقوط الملف من بين يديها، ادعاؤها المرض، ثم اختفاؤها في المرحاض قبل بدء الاجتماع بدقائق، والأغرب من ذلك كله، توترها وارتباكها حين التقت وجهاً لوجه مع آدم، والطريقة التي صاح بها الأخير باسم صوفيا، وكيف كان متأكداً من ذلك.تنهد بهدوء، ثم ضغط زر الهاتف الداخلي محدثاً مساعده:—أحضر لي الملف الوظيفي للآنسة مايا.لم تمض دقائق حتى وضع السكرتير الملف أمامه وانصرف.فتحه هارون بهدوء، وأخذ يقلب صفحاته صفحة تلو الأخرى.مر سريعاً على اسمها، وتاريخ تعيينها منذ عامين، لكنه توقف عند الوظائف السابقة واسماء الشركات القديمة التي عملت بها، كلها كانت أسماء بشركات مغمورة لم يسمع عنها من قبل، والمعلومات التي تشملها كانت مقتضبة قطب حاجبيه قليلًا، للمرة الأولى يلاحظ أن ال
تسللت خيوط الفجر الأولى بهدوء عبر نافذة الغرفة البيضاء، وانعكست فوق الأجهزة الطبية المحيطة بالسرير، بينما كانت صوفيا لا تزال غارقة في ذلك الشعور الثقيل الذي لا يشبه النوم ولا يشبه الاستيقاظ! واقعة في المنتصف بينهما.تحركت أصابعها ببطء فوق الغطاء الأبيض، ثم انقبض حاجباها بألم، كان رأسها يؤلمها بصور
سقط جسدها بين ذراعيه فاقدًا للوعي، لكن آدم لم يشعر بثقلها أبدًا.على العكس…شعر في تلك اللحظة وكأن العالم كله قد أصبح بين يديه.ثبت نظره على وجهها بصدمة، فتلك المرأة المنهكة… الشاحبة… المكسورة… والواقعة بين يديه ... كانت صوفيا.لكن كيف؟ وماذا حدث لها؟ وكيف تحولت إلى هذه الصورة التي بالكاد تشبه ال
غادر آدم المطعم بخطوات سريعة ومتوترة، غير عابئ بالأصوات التي نادته خلفه، ولا بمحاولات نوح الأخيرة لإيقافه. كان صدره يضيق أكثر مع كل ثانية تمر في ذلك المكان، حاول نوح إيقافه، الا أن آدم توعده إن لحق به، فعاد نوح أدراجه داخل المطعم، وانطلق هو خارجه، وهو يردد جملة واحدة كاد ينساها "صوفيا متزوجة."تلك
كان آدم نائمًا في سلام، حين اخترق رنين الهاتف الصمت الثقيل في غرفته. تململ في. فراشه وتقلّب بانزعاج، قبل أن يرفع الوسادة فوق رأسه كأنه يحاول إيقاف الصوت، لكنه استمر بإصرار مزعج لا ينقطع. تأفف لهذا الازعاج، وزفر حانقاً، وقد ومدّ يده إلى الهاتف دون أن يفتح عينيه بالكامل، ثم أجاب بصوتٍ خشن تشوبه بحّة







