LOGINغادر آدم المطعم بخطوات سريعة ومتوترة، غير عابئ بالأصوات التي نادته خلفه، ولا بمحاولات نوح الأخيرة لإيقافه. كان صدره يضيق أكثر مع كل ثانية تمر في ذلك المكان، حاول نوح إيقافه، الا أن آدم توعده إن لحق به، فعاد نوح أدراجه داخل المطعم، وانطلق هو خارجه، وهو يردد جملة واحدة كاد ينساها "صوفيا متزوجة."
تلك الجملة وحدها كانت كافية لتحويل تلك الليلة إلى كارثة لا يحتملها عقله. خرج إلى موقف السيارات، والهواء الليلي البارد يصفع وجهه، لكنه لم يشعر به. كان الغضب يشتعل داخله بصورة أعنف من أن يطفئها هواء العالم كله، فتح باب سيارته بعنف، واستقلها سريعًا، ثم أغلق الباب خلفه بقوة جعلت الزجاج يهتز قليلًا. جلس على المقعد من دون أي حركة، أطبق كفّيه على المقود، وأخذ نفسًا طويلًا، محاولًا السيطرة على اضطرابه، لكن عقله كان قد انفلت بالفعل. عاد إليه صوت نوح من جديد "صوفيا متزوجة." ضحك بسخرية مريرة، ثم أدار وجهه نحو النافذة...متزوجة؟ كيف مرت السنوات أصلًا بهذه السرعة؟ وكيف له أن ينسى تلك الحقيقة المرة؟ أغمض عينيه للحظة…وهنا، شردت أفكاره بعيداً إلى ذكرى يبغضها قلبه، وتمزقه تمزيقاً، .. عادت إليه ذكرياته من دون مقاومة، وتذكر تلك الليلة قبل سبع سنوات. كانت السماء تمطر بغزارة، والبرد يضرب المدينة بعنف، وارتجت مصاريع النوافذ بفعل الرياح، حين دوى جرس باب شقة آدم بشكل متواصل ومجنون. وصُفع بابه بطرقات عنيفة، فهبّ آدم من على سريره في هلع، واتجه نحو الباب منزعجاً، فتح الباب بعصبية وكاد يلعن ويسب، إلّا أنه تجمد فور رؤيته لصوفيا. كانت تقف أمامه بأنفاس متقطعة، وشعرها الأسود الطويل مبتل بالكامل، يلتصق بوجهها ورقبتها، بينما كانت عيناها الحمراوان تمتلئان بالذعر. — صوفيا؟! قالها في تعجب، بينما هي قد ارتمت في أحضانه وأخذت تبكي، فأدخلها بسرعة قبل أن يراها أحد، وأغلق الباب خلفهما في خوف. أخذ يهدّئ من روعها، ويطمئنها، ثمّ جلب لها منشفة لتجفف شعرها المبلول، وأعد لها كوب كاكاو دافئ،... مد الكوب نحوها، فالتقطته بيديها المرتجفتين من البرد، وأخذت تحتسيه بنهم لتُدفئ من برودة جسدها. كان آدم يجلس إلى جوارها، ويراقبها وهي تشرب الكاكاو، وما ان انتهت حتى سألها والخوف يطفر من عينيه — ما الذي حدث؟ لم تجبه فورًا، كانت ترتجف بشدة، تبكي، تشهق من كثرة البكاء، فاقترب منها بسرعة، واحتضن يدها بين يديه وسألها في هلع — لماذا تبكين؟ رفعت عينيها إليه أخيرًا، وحين تحدثت، خرج صوتها مهتزًا وضعيفًا: — أبي يريد تزويجي. تجمدت ملامحه، سكت سكتة طويلة، انعقد لسانه من الصدمة، فلم يجد ما يقوله، بينما تابعت هي بصعوبة: — لقد اتفقوا على كل شيء يا آدم، ولم يهتموا لرأيي .. فلم أتحمل فكرة أن أكون زوجة رجل غيرك، فهربت ساد الصمت للحظات، لم يكن يتوقع هذا الخبر ..أبدًا. كان يحدق في وجه صوفيا الجميل، الذي أسره منذ لقائهما الأول في الجامعة، كان الكل يعرف أن آدم لصوفيا وصوفيا لآدم، لا يستطيع تخيلها زوجة لرجل غيره، نعم .. هي له، الكل يعرف ذلك، لكن ما باله الآن يعجز عن صوغ إجابته، ما باله لا ينطق ويطالبها بالزواج!؟ طال صمته كثيراً، فاقتربت منه صوفيا أكثر، شددت قبضتها على كفه بكلتا يديها، وقالت بصوت مرتعش: — تزوجني يا آدم .. أنا لك وأنت لي، ولن يمنعنا أحد عن تحقيق ذلك. بهت وجهه وشحب لونه عند سماع كلماتها الأخيرة، شعر وكأن الأرض انسحبت من تحته، لم يكن يتوقع أن تطلب منه ذلك، حدّق فيها طويلًا دون رد، نظر إلى عينيها الواسعتين العسليتين، كان بإمكانه رؤية خوفها بوضوح، كانت خائفة فعلًا، مرتبكة، وضعيفة بصورة لم يرها بها من قبل. طال صمته، فحثته صوفيا على الكلام وقالت: _ ما بالك لا تجيب؟ فاستفاق أخيراً من أفكاره المتدفقة، وقال وهو يهرب بعينيه بعيداً: — هل تدركين ما تقولينه؟ هزّت رأسها بسرعة: — نعم. ثم أضافت بانكسار: — أنا لا أريد غيرك. أغمض آدم عينيه للحظة، كان قلبه يصرخ بالموافقة، أراد بشدة اختطافها وعقد قرانه عليها، والعيش معها سنوات عمره الطويلة، لكنه لم يقدر على إطاعة قلبه هذه المرة .. كان يرى ما هو أبعد من تلك اللحظات السعيدة، كان يرى غضب عائلتها، والحرب التي ستشتعل، كان يرى انهيار كل شيء .. والحب الذي سيتحول بمرور الأيام إلى كره، لذلك زفر بضيق وهو يبعد يديها عنه ببطء تغيّرت ملامح صوفيا فوراً، لم تفهم ما يفعله، أو ربما فهمت لكنها أنكرت، وانتظرت منه تبريراً .. وظل الجو بينهما متوتراً للحظات معدودة قبل أن ينطق ويقول لها بصوت منخفض: — لا أستطيع. حدّقت فيه غير مصدقة، تقافزت الاسئلة داخل رأسها كالفشار، لكنها اكتفت بسؤال واحد: — ماذا؟ تنهد بصعوبة وهو يتحدث، ولا يزال غير قادراً على رف رأسه: — الهروب ليس حلًا يا صوفيا. اتسعت عيناها بصدمة وسألت في سخرية: — إذًا ماذا أفعل؟ أعود إليهم؟ لم يجب .. كان حقاً لا يملك إجابة ولا حلاً، فلمّا طال صمته، صرخت فيه لأول مرة منذ تعارفهما: — قل شيئًا! رفع عينيه إليها أخيرًا ببطء وخجل وقال بصوت خافت: — هذا الزواج لن ينجح يا صوفيا بدت كأنها تلقت صفعة، وقالت مستفهمة: — لأنني خائفة؟ لأنني أتيت إليك؟ قال بسرعة: — لأننا لسنا وحدنا في هذه الحياة! هبّت واقفة من على الأريكة في غضب، نظر في عينيها، وكان الألم فيهما أسوأ من أي شيء رآه يومًا. قالت بصوت مرتجف: — وأنا التي ظننت… أنك ستحارب لأجلي. ضحكت، وكان ضحكها مشوباً بالدموع، كانت حالتها سيئة، فأراد أن يقترب منها، أن يضمها، أن يقول لها أنه يحبها أكثر من نفسه. لكنه لم يفعل، ظل جالساً مكانه، وكان هذا أسوأ قرار اتخذه في حياته. فهو لم يدرك أنّها كانت تنتظره، تترجاه من داخلها أن يطمئنها، أن يخبره أنّه يمزح معها، لكن لم يحدث أي من هذا، فأدركت أخيراً أنّه صادق في كل ما قاله، فأخذت حقيبتها بسرعة، واتجهت نحو الباب. ثم توقفت قبل أن تغادر، واستدارت نحوه ببطء، والدموع تغرق وجهها، ثم قالت بكبرياء أنثى مجروحة: — ستندم يا آدم. ثم خرجت من باب شقته، واختفت... إلى الأبد. * * * فتح آدم عينيه فجأة، وعاد إلى الحاضر بعنف، كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، وكأن الذكرى سحبت الهواء من رئتيه. مرر يده على وجهه بتوتر، ثمّ تذكر أنّه لم يتحرك بسيارته أصلًا، وأنّه ما زال واقفًا في موقف المطعم منذ خروجه. فضحك بمرارة، ثمّ تحولت ضحكاته إلى بكاء، عشر سنوات .. وما زالت تلك الليلة تطارده كأنها حدثت بالأمس، لقد كانت محقة، لقد تجرع الندم في كؤوس فاخرة كل ليلة، ولمدة عشر سنوات.. مسح دموعه بمنديل، قبل أن يمسك المقود بقوة، ويهمّ أخيرًا بتشغيل السيارة، إلا أن صوت ارتطام عنيف أوقفه عن تشغيل المحرك، واهتزت سيارته بقوة. فصاح بصوت عال: _ ما الذي يحدث؟ والتفت بسرعة إلى الخلف، والغضب ينفجر بداخله كبركان ثائر، فتح الباب بعنف، وترجل من السيارة وهو يصرخ: — هل أنت أعمى؟! كانت سيارة صغيرة قد اصطدمت بمؤخرة سيارته الفاخرة. اقترب منها بعصبية شديدة، بينما كان السائق يحاول فتح الباب بتوتر، لكن قبل أن يتحدث، فُتح باب المقعد الآخر ببطء، وترجلت منه امرأة. استقرت نظراته الغضوب عليها، وقبل أن ينفلت لسانه عليها، توقفت الكلمات في حلق آدم فجأة. حدّق آدم فيها غير مصدقاً، كانت نحيلة بصورة لافتة، وشعرها قصير يصل إلى أسفل أذنيها بالكاد، ووجهها شاحب بشكل مرعب. لكن أكثر ما صدمة، كانت الكدمة الزرقاء الواضحة أسفل عينها، وكذلك آثار الضرب الممتدة قرب رقبتها، بدت وكأنها خرجت للتو من معركة. اقتربت منه بخطوات غير ثابتة، وقالت بصوت متعب: — نحن آسفون… لم .. ااه لكنها توقفت فجأة عن الحديث، وأخذت تترنح يميناً ويساراً عقد آدم حاجبيه: — هل أنتِ بخير؟ رفعت عينيها إليه بصعوبة، وللحظة قصيرة جدًا…شعر أن قلبه قد توقف. كانت هناك ملامح في تلك المرأة يعرفها، صحيح أنّها بعيدة… متغيرة… منهكة، لكنها مألوفة بشكل ما .. فتح عينيه على اتساعهما بصدمة وصاح غير مصدقاً: — أنتِ… لكن قبل أن ينطق اسمها، انطفأت عيناها فجأة، وسقط جسدها مباشرة نحوه، فالتقطها آدم بسرعة بين ذراعيه، قبل أن ترتطم بالأرض.اندفع آدم إلى داخل الغرفة فور سماعه صراخها، فتجمد مكانه للحظة، من هول ما رأى ..كانت صوفيا جالسة فوق السرير، أنفاسها تتلاحق بعنف، وشعرها القصير مبعثر حول وجهها، بينما هي كانت تصرخ بصورة هستيرية وهي تدفع كل شيء يقترب منها، ألق بكوب الماء الموضوع إلى جانبها، كما ألقت بالهاتف من يدها، فارتطم بالحائط وتحطم إلى قطع متساقطة على الأرض، بينما كانت هي تشد الغطاء الأبيض بعنف وتردد بصوت مرتجف:—لماذا ... لماذا لا يتركني.اقترب منها آدم بسرعة:—صوفيا… اهدئي.لكنها انتفضت فور سماع صوته، ورفعت عينيها إليه أخيرًا.تجمدت للحظة، وكانت تلك المرة الأولى التي تراه بوضوح بعد كل تلك السنوات.دققت في ملامحه، فاتسعت عيناها بصدمة، ثم تحول وجهها فجأة إلى اشمئزاز وغضب في الوقت نفسه.—أنت!خرجت الكلمة منها كأنها اتهام، فاقترب خطوة أخرى منها، محاولًا تهدئتها:—اهدئي أولًا… أنتِ في المستشفى.لكنها هزت رأسها بعنف وصرخت في وجهه:—هذا ليس من شأنك .. ابتعد عني.حاولت النزول من فوق السرير بسرعة، لكن جسدها الواهن خانها، فترنحت بقوة وكادت تسقط، إلا أن آدم التقطها سريعًا قبل ارتطامها بالأرض، صرخت فور ملا
تسللت خيوط الفجر الأولى بهدوء عبر نافذة الغرفة البيضاء، وانعكست فوق الأجهزة الطبية المحيطة بالسرير، بينما كانت صوفيا لا تزال غارقة في ذلك الشعور الثقيل الذي لا يشبه النوم ولا يشبه الاستيقاظ! واقعة في المنتصف بينهما.تحركت أصابعها ببطء فوق الغطاء الأبيض، ثم انقبض حاجباها بألم، كان رأسها يؤلمها بصورة قاسية، وجسدها كله منهكًا كأنّه خاض حربًا طويلة خاسرة.حاولت فتح عينيها، لكنها أغمضتهما فورًا بتأوه ضعيف حين ضرب الضوء عينيها المتعبتين. لحظات معدودة قبل أن تستوعب وضعها، وتتساءل: أين هي؟وما الذي حدث؟ عصرت عقلها في محاولة منها للتذكر، لكن الصور داخل رأسها كانت مشوشة ومبعثرة، هروب وطريق مظلم، خوف، ثم حادث السيارة الأخير، ثمّ ظلام، لم تستطع تذكر ما حدث بعد ذلك، وكانت الصور في عقلها ضبابية، فلا تتذكر وجوهاً ولا أصواتاً.لحظات معدودة ثمّ فتحت عينيها أخيرًا ببطء، وبدأت تنظر حولها بإرهاق، لتجد نفسها داخل غرفة مستشفى، وأجهزة المراقبة تحيطها من كل جانب.كان حلقها جاف، فابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت النهوض قليلًا، لكن الألم اجتاح جسدها فورًا، فأطلقت أنينًا خافتًا وسقطت مجددًا فوق الوسادة من د
سقط جسدها بين ذراعيه فاقدًا للوعي، لكن آدم لم يشعر بثقلها أبدًا.على العكس…شعر في تلك اللحظة وكأن العالم كله قد أصبح بين يديه.ثبت نظره على وجهها بصدمة، فتلك المرأة المنهكة… الشاحبة… المكسورة… والواقعة بين يديه ... كانت صوفيا.لكن كيف؟ وماذا حدث لها؟ وكيف تحولت إلى هذه الصورة التي بالكاد تشبه الفتاة التي كانت تُضيء المكان بمجرد دخولها؟حدّق فيها أكثر، وكأن عقله يرفض هيئتها الجديدة،حتى وهي فاقدة للوعي… ما زالت ملامحها مألوفة لقلبه بصورة موجعة.تلك الرموش الطويلة...ذلك الأنف الصغير... حتى ارتجافة أنفاسها الضعيفة… يعرفها، شعر بغضب يعتصر صدره بعنف، وخوف حقيقي بدأ يتسلل داخله.—صوفيا…؟خرج اسمها من بين شفتيه بصوت خافت ومضطرب، يناديها علّها تستجيب له وتستيقظ، لكنها لم تتحرك، فازداد توتراً وخوفاً عليها.رفع رأسه سريعًا نحو الرجل الذي كان يقود السيارة التي خرجت منها، وصاح فيه بغضب:—ماذا حدث لها؟!ارتبك الرجل واضطرب وهو يرد بسرعة، نافياً عن نفسه أي اتهامات:—أنا… أنا مجرد سائق يا سيدي، أقسم إنني لا أعرف، طلبت مني السيدة أن أوصلها فقط لهذا العنوان، ثم ...لم يستمع آدم إلى بقية
غادر آدم المطعم بخطوات سريعة ومتوترة، غير عابئ بالأصوات التي نادته خلفه، ولا بمحاولات نوح الأخيرة لإيقافه. كان صدره يضيق أكثر مع كل ثانية تمر في ذلك المكان، حاول نوح إيقافه، الا أن آدم توعده إن لحق به، فعاد نوح أدراجه داخل المطعم، وانطلق هو خارجه، وهو يردد جملة واحدة كاد ينساها "صوفيا متزوجة."تلك الجملة وحدها كانت كافية لتحويل تلك الليلة إلى كارثة لا يحتملها عقله.خرج إلى موقف السيارات، والهواء الليلي البارد يصفع وجهه، لكنه لم يشعر به. كان الغضب يشتعل داخله بصورة أعنف من أن يطفئها هواء العالم كله، فتح باب سيارته بعنف، واستقلها سريعًا، ثم أغلق الباب خلفه بقوة جعلت الزجاج يهتز قليلًا. جلس على المقعد من دون أي حركة، أطبق كفّيه على المقود، وأخذ نفسًا طويلًا، محاولًا السيطرة على اضطرابه، لكن عقله كان قد انفلت بالفعل. عاد إليه صوت نوح من جديد "صوفيا متزوجة."ضحك بسخرية مريرة، ثم أدار وجهه نحو النافذة...متزوجة؟ كيف مرت السنوات أصلًا بهذه السرعة؟ وكيف له أن ينسى تلك الحقيقة المرة؟أغمض عينيه للحظة…وهنا، شردت أفكاره بعيداً إلى ذكرى يبغضها قلبه، وتمزقه تمزيقاً، .. عادت إليه ذكرياته من دو
انحدرت الشمس من كبد السماء وهوت إلى الغرب، وجاء الليل بستارته السوداء ليغطي سماء تلك المدينة الصاخبة، في عملية تبادل روتينية منظمة، يتعجب لها الخلائق. وكان آدم ينتظر هذا التبادل بفارغ الصبر والصمت أيضاً، إلّا أنّ الصمت كان مختلفاً هذه المرة .. ليس صمت نوم، بل صمت انتظار ثقيل، كأن المكان كله يحبس أنفاسه لشيء مجهول قادم.وفي تلك الأثناء كان قد انتهى من حمّامه الساخن، وقد كتم صوت هاتفه كي لا يشوش نوح على تفكيره، لم يكن قد قرر بعد الذهاب إلى الحفلة، كان رأسه مزحوماً بذكريات مؤلمة، فأنهى حمّامه على عجل، وخرج بعد أنّ لف المنشفة حول جسده، ووقف أمام المرآة، ينظر إلى نفسه وإلى جسده، وإلى قطرات الماء التي ما زالت عالقة على شعره الأسود الكثيف، أخذ يحدق في انعكاسه طويلاً، من دون أن يرمش له جفن، ثمّ ابتسم ابتسامة باهتة، قبل أن يرفع يده ويمسح وجهه ببطء، لم يكن هناك شيء جديد في ملامحه، لكن شيئاً ما بدا مختلفاً في تلك الليلة، لمعة غريبة في عينيه الداكنتين، وإشراق ملامحه الحادة المرهقة، وكأن كل تلك السنوات لم تمر قط، وكأنّه استرد رونقه مرة أخرى! أدار وجهه قليلاً يميناً ويساراً في تعجب، هل باستطاع
كان آدم نائمًا في سلام، حين اخترق رنين الهاتف الصمت الثقيل في غرفته. تململ في. فراشه وتقلّب بانزعاج، قبل أن يرفع الوسادة فوق رأسه كأنه يحاول إيقاف الصوت، لكنه استمر بإصرار مزعج لا ينقطع. تأفف لهذا الازعاج، وزفر حانقاً، وقد ومدّ يده إلى الهاتف دون أن يفتح عينيه بالكامل، ثم أجاب بصوتٍ خشن تشوبه بحّة محببة من أثر النوم:—ماذا تريد يا نوح؟جاءه صوت نوح فورًا، حادًا وساخنًا كعادته:—أكنت نائمًا حتى الآن؟ حقًا يا آدم أنت غير معقولفتح آدم عينيه ببطء، وجلس على السرير، ثم مرر يده في شعره وقال بنبرة متحفظة:—تحدث بسرعة.ضحك نوح بسخرية اعتاد عليها:—أتحب أن أذكّرك أن الناس تبدأ يومها منذ ساعات، بينما أنت تعيش خارج الزمن؟قلّب آدم عينيه في ضيق:—هل اتصلت بي لتوبخني؟رد نوح مباشرة دون تردد:—اتصلت بك لأن الليلة حفلة تجمع دفعة الجامعة.توقف آدم للحظة عن الكلام، لم تتغير ملامحه لكن شيئاً بداخله قد تغير، حاول إخفاء مشاعره، وتحدث بصوت ثابت وقال:—لا شأن لي بذلك.قال قوله هذا وهو يتحرك من الفراش، والهاتف في يده، ثمّ بدأ في التحرك داخل الغرفة ، بخطوات بطيئة وثقيلة، كأنه لا يزال بين







