LOGINتجمدت أصابع ليلى وتوقفت عن قلب الصفحات، والتفتت نحو الخادمة بسرعة وسألت غير مصدقة:—ماذا؟فأعادت الخادمة الكلام على مسامعها مرة أخرى:—السيد آدم لقد وصل منذ دقائق.في تلك اللحظة نهضت ليلى من فوق السرير بلهفة وهي تسأل في عدم تصديق لما تسمعه:—آدم هنا؟ هل رأيته فعلا؟فأومأت الخادمة برأسها وهي تقول:—أجل يا سيدتي، لقد رأيته بأمّ عيني.بدت الصدمة واضحة فوق وجهها، ما زالت غير مصدقة أنه حقاً قد جاء إلى القصر، ثمّ سرعان ما أدركت أنه جاء من أجل ابنهما، فاتسعت ابتسامتها على وجهها، وتحولت الصدمة إلى فرحة ولهفة واشتياق إليه، ورغم أنها حاولت إخفاء فرحتها عن عيون الخادمة، لكنها لم تستطع، وفضحتها ملامحها، فأسرعت وأشارت للخادمة:—حسناً يمكنك الانصراف الآن.فهزّت الخادمة رأسها، وغادرت الغرفة بسرعة ملبيةً أوامر سيدتها، وما إن تأكدت ليلى من خروج الخادمة، حتى توجهت بسرعة ومباشرة نحو خزانتها الكبيرة الممتلئة بالملابس والفساتين القيّمة.بدأت تبحث بين الفساتين عن قطعة تحرك المشاعر الراكدة في قلب زوجها، حتى وقع اختيارها على فستان أسود أنيق يبرز جمال قوامها ورشاقتها.ارتدته بسرعة، وبعدها جلست
غادر آدم القصر بوجه جامد، بعد دقائق قليلة من تلك المكالمة التي تلقاها، واضطر إلى ترك صوفيا لبعض الوقت .استقل السيارة، وقد قرر أن يقودها بنفسه هذه المرة، رغم كل التوتر الذي يحمله بداخله، فكانت زيارة قصر العائلة آخر ما كان ينقصه في تلك الفترة العصيبة التي يمر بها.كان الطريق طويلًا، لكن ما أثقل الرحلة حقًا لم يكن المسافة، بل الوجهة، ضرب المقود مرتين على هذا الحظ السيء الذي يعيده كل مرة إلى هناك، رغم محاولاته المستمرة لتجنبه قدر استطاعته، فهذا المكان بالنسبة إليه يحمل قدراً كبيراً من الذكريات الثقيلة ما يكفي لخنق أي راحة أو سلام بداخله.شد قبضته فوق المقود وهو يتذكر آخر مرة اضطر فيها للمبيت هناك، وبدا خائفاً من تكراره مجدداً، فهو غير مستعد لرؤية ليلى بعد.ومع ذلك، كان مضطرًا للذهاب إلى هناك، لأن المكالمة التي وصلته لم تكن من أحد الحراس العاديين، بل من المربية الخاصة بابنه، الذي عينها بنفسه، وقد أخبرته أن الصغير تعرض لحادث أثناء اللعب، وأن ساقه قد تعرضت لكسر استدعى وضع الجبس عليها لفترة من الوقت.منذ سماعه الخبر لم يفكر في أي شيء آخر، وانطلق مسرعاً خارج القصر، تاركاً كل شيء خلفه، حت
انطبقت شفاه آدم على شفتيها في قبلة هادئة، لم تكن قبلة اندفاع أو تحدٍ، ولم تكن محاولة لإثبات أي شيء، ولا رغبة في الانتصار في معركة بينهما، كانت قبلة اشتياق، اشتياق وحنين طالا لسنوات ..تجمدت صوفيا في البداية، واتسعت عيناها من الصدمة، وشعرت بأن عقلها قد توقف عن العمل للحظة قصيرة، إذ أنها لم تتوقع تلك القبلة المفاجئة ..شعرت بحرارة أنفاسه القريبة منها، كما شعرت بارتفاع حرارة جسدها، ولهيب وجنتيها يرتفع، لم تستطع الحركة، شعرت بخدر يسري في جسدها، فهي لا تنكر أنها أرادت ذلك منذ زمن، وأنا اشتاقت لطعم شفتيه المميز، وها هي تقف أخيراً بين ذراعيه.بينما كان آدم متفاجئاً مما فعله، قبلها بلا إرادة منه، توقع منها في البداية أن تدفعه بعيداً، أن تصرخ في وجهه وترفضه، لكنها لم تفعل أي ذلك، ظلت واقفة بين ذراعيه مستسلمة لقبلته، فأغمض عينيه وقبلها بعمق أكثر..وفي تلك اللحظة انهارت مقاومتها، وأغمضت عينيها هي الأخرى.وشعرت بشعور دافئ يجتاح صدرها، في تلك اللحظة أدركت أنها تعبت من الركض والهروب، وتعبت من المقاومةفما كان منها الا أن بادلته القبلة أيضاً، تفاجئ آدم في البداية، لكنه سرعان ما تماسك واستمر في
ظل آدم واقفًا في مكانه لثوانٍ بعد أن غادرت والدته القصر، تابع سيارتها بعينيه حتى اختفت خلف البوابة الحديدية الضخمة، ثم أطلق زفرة طويلة وهو يمرر يده فوق وجهه في إرهاق، فدائماً ما كانت زيارتها تترك بداخله شعورًا خانقًا وأثراً سيئاً عليهأغمض عينيه للحظة وهو يتذكر حديث والدته عن ليلى، تلك المرأة التي تورط بها، وذلك الزواج اللعين، وعن ابنه الذي بدأ يشعر بالتقصير تجاهه .. زفر في حنق وهو ينظر إلى إصبعه الخالي من خاتم زواجه، ثم فجأة تذكر شيئًا آخر ..صوفيا!رفع رأسه فجأة، لقد تركها داخل المكتب ونسيها، استدار على الفور واتجه نحو المكتب بخطوات سريعة، وما إن وصل إلى الباب، حتى أخرج المفتاح من جيبه وفتح الباب، وحين دخل وألقى نظرة على صوفيا، فوجدها تقف أمام النافذة، تعطيه ظهرها وعيناها معلقتان بالخارج، على الطريق الذي غادرت منه والدته منذ دقائق.لم تستدر نحوه حين دلف إلى المكتب، وكأنه غير موجود، كانت تتصنع القوة والكبرياء، لكن كتفيها المرتجفَين والمتهدلين كانا كافيين ليخبراه بأنها كانت تبكي منذ قليل.أغلق الباب من خلفه بهدوء، ثم اقترب منها ببطء وهو ينادي عليها:—صوفيا...لكنها لم تلتفت إلي
تجمد آدم في مكانه للحظات بعد أن أنهى المكالمة، أما صوفيا فكانت ما تزال تراقبه في حيرة، وقد لاحظت ذلك التوتر المفاجئ الذي ظهر على وجهه فور سماعه اسم الزائر.فهي لم تره هكذا من قبل، كان آدم دائماً الرجل الهادئ الذي يسيطر على المواقف مهما كانت صعبة، لكن هذه المرة بدا لها مختلفاً، راقبته وهو يغلق الهاتف ويضعه في جيبه بسرعة، ويقول لها في ارتباك:—ابقي هنا ولا تخرجي.قطبت حاجبيها في تعجب وسألته في استنكار:—ماذا؟كان آدم غير مبالياً باستنكارها، فقال مكرراً وهو يقترب من باب المكتب:—ابقي في المكتب ولا تخرجي منه مهما حدث.ازدادت دهشة صوفيا وسألته:—لماذا؟حينها غضب آدم، فهو لم يكن في وضع يسمح له بالنقاش ولا العناد، فقال بصوت حاد تملأه العصبية وهو يفتح الباب:—لأنني أقول ذلك.غضبت صوفيا من طريقته، فعقدت ذراعيها أمام صدرها، ووقفت في مواجهته مباشرة.—هذا ليس جواباً.تنهد آدم بضيق واضح وقال في توسل:—صوفيا... ليس الآن.لكنها لم تتراجع، فهذه طبيعتها، وسألت في إصرار:—من القادم؟فصاح بها في غضب:—صوفيا! هذا ليس الوقت المناسب لتلك الأسئلة.لكن صوفيا لم تهتم بكلامه، وأكملت
ظل آدم ينظر إليها بهدوء للحظات طويلة، مما زاد من توترها وقلقها، بينما بدأت عشرات الأفكار تتدفق إلى رأسها في اللحظة نفسها، هل أخبره نوح؟ أم هل اكتشف الحقيقة بنفسه؟شعرت ببرودة تسري في أطرافها، واضطربت أنفاسها دون إرادة منها، وقد لاحظ آدم ذلك، ذلك الرعب الذي غزا وجهها جعلت شكوكه تتزايد بداخله أكثر.أما صوفيا فكانت تحاول أن تستجمع أفكارها قبل أن ينهار كل شيء فوق رأسها، فابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مرتجف:—الأمر ليس كما تظن يا آدمقطب آدم حاجبيه وسأل باستنكار:—حقًا؟هزت رأسها بسرعة وقالت بانفعال:—أجل ..ظل آدم صامتًا ليحثها على الاسترسال، فأكملت بسرعة:—هناك أمور أنت لا تعرفها.قالت قولها هذا ثمّ اقتربت منه خطوة صغيرة وهي تقول بتوسل:—لذلك أرجوك لا تحكم عليّ بسرعة.الا أن ملامحه لم تتغير بعد هذا الكلام، وكأنها لم تقل شيئاً، أو كأنه لم يسمعها، وبقي ينظر إليها في صمت أربكها أكثر وأكثر، حتى تنهد أخيراً وقال:—أنا لا أحكم عليكِ.تنفست الصعداء للحظة، لكن قبل أن تشعر بالارتياح الكامل، أضاف:—لكنكِ ستجيبين عن سؤالي.شحب وجهها، وتوترت .. هي تكره الاسئلة الغامضة، وتخاف
كان كل شيء يتلاشى من حولهما، لم تنتبه لأي شيء سوي نظراتهما لبعضهما، وصوت أنفاسهما المتسارعة، ذلك الشعور أعادها عشر سنوات إلى الوراء، وكأنهما عادا إلى ما كانا عليه يومًا.حاول عقلها أن يأمرها بالابتعاد، لكن جسدها لم يستجب، ظلت ثابتة وهي ترى آدم يقترب من شفتيها، فأغمضت عينيها، واقتربت هي أيضاً منه،
ظل ينظر إليها للحظات طويلة في غضب لم يستطع كبته، قبل أن يقول لها:—لا .. لن تذهبي إلى أي مكان.رمشت عدة مرات في تعجب وهي تسأله:—ماذا؟فصاح بها آدم وصرخ فيها: —قلت لا .. لن ترحلي.ارتفع حاجباها في استنكار وقالت في عند:—أعتقد أن هذا القرار يخصني وحدي تنهد آدم في ضيق، وقد حاول الحفاظ ع
تجمدت صوفيا في مكانها للحظة، عند سماع اسم والدتها، رغم أنّ سؤال نازلي يبدو بسيطًا في ظاهره، إلا أنّه أصابها في موضع لم يلمسه أحد منذ سنوات، لقد ظنت أنها تجاوزت هذا السؤال وتخلصت منه، لكن ها هو الآن يعود إليها من جديد، ليبعثر ماضٍ قديم ظنّت أنّه دُفن!كررت نازلي سؤالها مرة أخرى: —لابد وأنكما على
عادت الذكريات إليها دفعة واحدة...تتدفق في رأسها المشاهد بلا توقف، فعادت إلى ذلك اليوم، إلى صباح مشرق امتلأت فيه الجامعة بالألوان والضحكات والوجوه السعيدة.يوم التخرج الذي انتظرته طيلة حياتها الجامعية، ذلك اليوم الذي ظنت صوفيا أنه سيكون أجمل أيام حياتها وأسعدها على الإطلاق.كانت الساحة الرئيسية







