LOGINقبل أن يصبح شارع رقم 17 مكانًا يتجنّب أهل المدينة الاقتراب منه ليلًا، كان مجرد شارع عادي تعبره السيارات كل يوم؛ تسلكه الطالبات في طريقهن إلى المدارس، ويعود عبره العمال إلى منازلهم بعد انتهاء ساعات العمل.
وقبل أن تحمل الصحف صورة واحدة للمحل المحترق، كانت هناك أربع فتيات يعشن في تلك المدينة الصغيرة، ولكل واحدة منهن عالم كامل لا يعرفه أحد لكنّ يجتمعن كثيرًا لكنهن لم يكنّ متشابهات. حتى أحلامهن كانت تسير في اتجاهات مختلفة، كانت الأولى في السابعة عشرة من عمرها، الأكبر بين شقيقتين، والأكثر هدوءاً بين الفتيات الأربع؛ اسمها إليانا. كانت طويلة نسبيّاً بالنسبة إلى عمرها، ذات شعر بني طويل ينسدل غالباً على ظهرها، وعينين صافيتين تمنحان وجهها سكينة يصعب تفسيرها. لم تكن من النوع الذي يبحث عن الاهتمام، ومع ذلك كان من الصعب على من يراها أن يتجاهل حضورها المتميز. كانت جميلة بطريقة بسيطة؛ جمال لا يحتاج إلى زينة مبالغ فيها، ولا إلى كلمات كثيرة حتى يلفت الأنظار لكن أكثر ما ميّز إليانا لم يكن ملامحها. بل عقلها. في المدرسة، كانت من الطالبات المتفوقات. تحفظ دروسها بسرعة، وتلتقط التفاصيل التي يغفل عنها الآخرون، وتطرح أحيانًا أسئلة تجعل بعض معلميها يتوقفون لحظات قبل أن يجيبوا. غير أن عالمها الحقيقي لم يكن محصورًا بين الكتب والامتحانات، فمنذ طفولتها، كان للحيوانات مكان خاص في قلبها. كانت تعرف أسماء الأغنام واحدةً تلو الأخرى، وتلاحظ أيّها مريض، وأيّها يحتاج إلى الطعام، وأيّها يخاف من الأصوات المرتفعة. كانت تميّز تغير سلوكها قبل أن ينتبه إليه أفراد عائلتها، وتستطيع أن تقضي ساعات طويلة إلى جوارها دون أن تشعر بالملل. وفي بعض الصباحات، كانت تستيقظ قبل الجميع، ترتدي ملابس العمل البسيطة، وتخرج لمساعدة عائلتها في رعاية الأغنام. هناك، بين الحظائر ورائحة القش وصوت الحيوانات، كانت تجد راحة لا تمنحها إياها أي غرفة دراسة. بعيدة عن ضجيج المدرسة، وضغط الدرجات، والأسئلة التي لا تنتهي حول المستقبل. لم تكن إليانا تعرف بدقة ماذا تريد أن تصبح حين تكبر، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد:لن تتخلى عن الأشياء التي تحبها، مهما تغيّر شكل حياتها. أما شقيقتها الصغرى، فكانت نقيضها تقريبًا كانت في الثالثة عشرة من عمرها. اسمها كلوي إذا كانت إليانا تشبه نافذة مفتوحة على صباح هادئ، فإن كلوي كانت أشبه بعاصفة صغيرة لا تعرف كيف تمرّ دون أن تترك خلفها ضجيجًا. لم تكن قادرة على البقاء صامتة طويلًا، ولا على رؤية شقيقتها الكبرى منشغلة بشيء دون أن تبحث عن طريقة لإزعاجها. كانت تدخل غرفة إليانا دون أن تطرق الباب، تستعير فرشاة شعرها ثم تنكر أنها أخذتها، أو تجلس إلى جوارها أثناء الدراسة وتبدأ بطرح أسئلة لا علاقة لها بالدرس. وأحياناً، عندما تكون إليانا غارقة في القراءة، كانت كلوي تقترب منها ببطء وتناديها باسمها، فتجيبها شقيقتها دون أن ترفع عينيها عن الكتاب: "ماذا؟"، فتبتسم كلوي ببراءة مصطنعة وتقول: "لا شيء"، ثم تستدير وتغادر، وهي تعلم أن شقيقتها ستغضب، لكنها كانت تستمتع بانتزاع ابتسامة منها حتى لو اضطرت إزعاجها أولاً.»أما حلمها، فلم يكن يشبه حلم إليانا إطلاقًا. كانت كلوي تريد أن تصبح عارضة أزياء لم تكن ترى حلمها غريبًا أو بعيد المنال. كانت تقف أمام المرآة، ترفع ذقنها قليلًا، وتخطو ببطء عبر الغرفة، متخيلة منصة مضاءة تمتد أمامها، وعدسات كاميرات تلاحق حركتها، وصحفيين ينادون اسمها من بين الحشود كانت تؤمن بأنها ستصبح مشهورة يومًا ما، وكانت إليانا تسخر منها بين الحين والآخر. — أنتِ لا تستطيعين حتى المشي في خط مستقيم دون أن تصطدمي بشيء. فتجيب كلوي بثقة لا تتناسب مع عمرها:— العارضات لا يركضن أصلًا. ثم تنفجران بالضحك ضحكات بسيطة، عابرة، لم تكن أيٌّ منهما تعرف أنها ستتحول يومًا إلى ذكريات مؤلمة، يستعيدها أفراد عائلتهما بصعوبة، كأنهم يحاولون الإمساك بشيء لم يعد موجودًا. أما الفتاة الثالثة، فكانت في السابعة عشرة من عمرها أيضًا اسمها ماريان. كانت صديقة إليانا المقربة، وأكثر من مجرد زميلة لها في المدرسة. كانتا تعرفان أسرار بعضهما، وتتحدثان لساعات عن كل شيء؛ عن الدروس، والعائلة، والمستقبل، وحتى الأمور الصغيرة التي لا تستحق الذكر لكنها تصبح مهمة حين تُقال للشخص المناسب كانتا تذهبان إلى المدرسة معًا، وتعودان معًا كلما سمحت الظروف، وتجد كل واحدة منهما في الأخرى مساحة آمنة لا تحتاج فيها إلى التظاهر بأنها شخص مختلف. كانت ماريان هادئة هي الأخرى، لكنها أكثر حساسية من إليانا، إذا قال لها أحدهم كلمة قاسية، كانت ترفع رأسها وتتصرف وكأنها لم تتأثر، ثم تحمل تلك الكلمة معها طوال اليوم، تعيدها في ذهنها مرات عديدة، وتبحث عن معنى ربما لم يقصده صاحبها أصلًا. ومع ذلك، كان لديها شغف واحد يطغى على كل ما عداه، الركض كانت تحب الشعور الذي يسبق انطلاقها في المضمار؛ تلك اللحظة التي تتوتر فيها عضلات ساقيها، ويصبح جسدها مستعدًا للحركة، قبل أن تنطلق كأنها تحاول اللحاق بشيء لا يراه أحد سواها. وحين تبدأ بالركض، كان العالم من حولها يتراجع تدريجيًا تختفي الأصوات، وتبتعد الوجوه، ولا يبقى سوى إيقاع خطواتها، وانتظام أنفاسها، والمسافة التي لم تقطعها بعد. لم تكن ماريان الأولى دائمًا في الدراسة. كانت إليانا تتفوق عليها بسهولة في بعض المواد، وكانت ماريان تعترف بذلك دون غيرة. — أنتِ أذكى مني. كانت تقولها ببساطة، فتجيب إليانا:" وأنتِ تركضين أسرع مني.فتبتسم ماريان وترد:" إذن، كل واحدة منا تملك شيئًا." وربما كان ذلك تحديدًا ما جعل صداقتهما متينة لم تحاولا أن تكون إحداهما نسخة عن الأخرى، ولم تشعرا بأن اختلافهما تهديد لعلاقتهما. كانت ماريان تحلم بالمشاركة في مسابقات أكبر، بالوقوف على مضامير لا تعرفها بعد، وبأن يسمع الناس اسمها يومًا ما بسبب شيء تحبه حقًا، الركض. لم تكن تريد الشهرة لمجرد أن تُرى، بل لأنها أرادت أن تثبت لنفسها أنها قادرة على الوصول إلى مكان أبعد مما يتوقعه الآخرون. أما شقيقتها الصغرى، فكانت في الرابعة عشرة من عمرها اسمها لورا وكان عالمها مختلفًا تمامًا عن عالم ماريان كانت تحب الغناء. تغني أثناء ترتيب غرفتها، وتغني وهي تمشط شعرها، وتطلق مقاطع قصيرة من الأغاني حتى في اللحظات التي لا يكون فيها أحد مستعدًا للاستماع إليها. وأحيانًا، كانت تغني دون أن تدرك أن أحدًا يقف خلف الباب. كانت تقف أمام المرآة، تمسك فرشاة شعرها كما لو كانت ميكروفونًا، وتغمض عينيها، ثم تتخيل جمهورًا كاملًا أمامها؛ أضواء ساطعة، ومسرحًا واسعًا، وأصواتًا تهتف باسمها. كانت تريد أن تصبح مغنية مشهورة، وكان حلمها أكبر من عمرها، وأوسع من حدود المدينة الصغيرة التي نشأت فيها. كانت تتخيل صورتها منشورة في الصحف، واسمها مطبوعًا على الملصقات، والناس يرددون أغانيها في الشوارع وكانت ماريان تضحك عليها أحيانًا. — تعلّمي أولًا كيف تغنين دون أن يسمعك الجيران. فتجيب لورا دون أن تفقد ثقتها:— سيكون الجيران أول جمهور لي. ثم ترفع فرشاة الشعر مجددًا، وتتابع الغناء وكأنها تلقت للتو تصفيقًا حارًا. كانت الفتيات الأربع مختلفات. إليانا، التي أرادت مستقبلًا يليق بعقلها وحبها للحياة، كلوي، التي حلمت بالأضواء والمنصات وعالم الأزياء ماريان، التي أرادت السباقات والمضامير. ولورا، التي رأت في الغناء طريقًا إلى الشهرة. أربع شخصيات، وأربع رغبات، وأربع طرق مختلفة للنظر إلى الحياة، لكنهن كنّ يجتمعن حول شيء واحد الصداقة. في تلك السنوات، لم يكن أي شيء يبدو خطيرًا، كانت المدينة صغيرة، والناس يعرفون بعضهم بعضًا، والأمهات يعتقدن أن بناتهن يعشن في مكان آمن، والفتيات أنفسهن كنّ يتعاملن مع المستقبل باعتباره مساحة واسعة تنتظرهن، لا شيئًا يمكن أن يُغلق فجأة أمام وجوههن. كنّ يضحكن على أمور تافهة، ويتشاجرن حول تفاصيل صغيرة، ويتبادلن الأسرار، ويتحدثن عن أحلامهن كما لو أن الوقت ملك أيديهن. لم يكن أحد يعرف أن ليلة ستأتي يومًا، ليلة لن تسرق منهن أحلامهن فحسب، بل ستترك خلفها فراغًا لا تستطيع السنوات أن تملأه. وفي مكان ما، بعيدًا عن أعينهن، كان شخص ما يعيش حياته بصورة طبيعية. شخص لم تعرف الفتيات الأربع اسمه بعد. لكن اسمه سيصبح، بعد سنوات، جزءًا من واحد من أكثر الملفات غموضًا في تاريخ المدينة، أما الآن، فلم يكنّ سوى أربع فتيات، يضحكن، يتشاجرن. يحْلمن، ويؤمنّ أن أمامهن وقتًا طويلًا لتحقيق كل شيء.عاد جون إلى مركز الشرطة بعد أن أنهى حديثه مع العائلتين، كان الليل قد انقضى تقريبًا، وبدأ ضوء الصباح الباهت يتسلل عبر نوافذ المركز، يرسم خطوطًا شاحبة على الأرضية والمكاتب. لكن بالنسبة إلى جون، لم يكن الليل قد انتهى. جلس خلف مكتبه دون أن يخلع معطفه، وضع ملف الفتيات أمامه، ثم أخرج الصور التي التقطها فريق الأدلة الجنائية من مسرح الجريمة، ورتبها أمامه واحدة تلو الأخرى، صورة للواجهة، صورة للصالة، صورة للمخزن، ثم صور للضحايا، توقفت عيناه عند كل صورة لثوانٍ طويلة. لم يكن المشهد يفارقه، أربع فتيات، ثلاث في الصالة، واحدة في المخزن. إطلاق نار، ثم حريق، رفع إحدى الصور بين أصابعه، بدأ عقله يعيد ترتيب الأحداث من البداية، كيف دخل القاتل؟ هل دخل وحده؟، هل كانت الفتيات الأربع موجودات في المحل في الوقت نفسه؟، كيف استطاع السيطرة عليهن؟، أعاد الصورة إلى سطح المكتب. كانت هناك نقطة لم يستطع تجاوزها بسهولة. أربع ضحايا، حتى لو كنّ صغيرات السن، فإن السيطرة على أربع فتيات في الوقت نفسه ليست أمرًا بسيطًا، خصوصًا إذا حاولن المقاومة، قال جون بصوت خافت:— إلا إذا فاجأهن.ظل ينظر إلى الصورة، ثم أضاف:— أو
لم تكن هناك جملة أخرى يمكن أن تخفف شيئًا، بعد أن أنهى جون إبلاغ العائلة، خرج من المنزل لم يتحدث كثيرًا في طريقه إلى السيارة، جلس خلف المقود، لكنه لم يشغل المحرك فورًا. ظل الملف على المقعد المجاور له أربع صفحات أربع فتيات وأسرتان فقدتا ابنتين، رفع عينيه إلى المنزل للمرة الأخيرة، ثم أدار المحرك، كان لا يزال أمامه منزل آخر. وصل جون إلى منزل عائلة ماريان ولورا بعد وقت قصير كانت الصدمة هناك قاسية بالقدر نفسه والد الفتاتين كان ينتظر أي خبر عنهما، لكن حين أخبره جون أن الشرطة عثرت عليهما في المحل، لم يستطع إخفاء انهياره. احتاجت والدتهما إلى بعض الوقت حتى تمكنت من الجلوس والاستماع. انتظر جون حتى هدأت قليلًا، ثم فتح دفتره.— هل كانت ماريان أو لورا تواجهان مشاكل مع أحد؟. هز الأب رأسه.— لا. — هل تشاجلتا مع شخص في الفترة الأخيرة؟ — ليس على حد علمي. — هل كان هناك شخص يراقبهما أو يضايقهما؟ — لا. انتقل جون إلى السؤال التالي.— وماذا عن المحل؟ خفض الأب عينيه.— كان حلمهما رفع جون نظره.— حلمهما؟ أجاب الأب:— نعم. كانتا سعيدتين جدًا به. ثم أخذ نفسًا عميقًا.— ماريان كانت تهتم بالحسابات والتنظيم،
لم تمر سوى ساعات قليلة على انتهاء الحريق، حتى بدأ مركز الشرطة يستعيد ضجيجه المعتاد، تحرك رجال الأدلة الجنائية بين المكاتب وموقع الجريمة، بينما وصلت التقارير الأولية تباعًا إلى قسم التحقيق. صور، ملاحظات، إفادات أولية، وأوراق تحمل تفاصيل لم تكن قد اكتملت بعد. جلس جون خلف مكتبه، وفتح دفتره الأسود على صفحة جديدة، كتب ببطء: أربع ضحايا ثلاث في الصالة، واحدة في المخزن. توقفت يده فوق الورقة، الأرقام كانت واضحة لكن الأسماء لم تكن موجودة بعد رفع رأسه عندما سمع طرقًا خفيفًا على الباب، دخل أحد ضباط فريقه، يحمل ملفًا ورقيًا سميكًا قال:— جون، حصلنا على معلومات عن الفتيات. أشار جون إلى الكرسي المقابل.— اجلس. جلس الضابط ووضع الملف أمامه، فتح جون الغلاف:' الأسماء؟. أخرج الضابط الورقة الأولى:" الأولى إليانا، سبعة عشر عامًا." قلب الصفحة: "الثانية ماريان، سبعة عشر عامًا." ثم انتقل إلى الورقة التالية:" الثالثة لورا، أربعة عشر عامًا."، توقفت يده عند الصفحة الأخيرة:' والرابعة كلوي، ثلاثة عشر عامًا." لم يقل جون شيئًا ظل ينظر إلى الأسماء الأربعة للحظات، إليانا، ماريان، لورا، كلوي، أربع فتيات لم تعد أس
كان الليل قد تجاوز منتصفه بوقت طويل عندما وصل فريق الطب الشرعي إلى مركز الشرطة، كان جون قد عاد من المحل قبل فترة قصيرة، لكنه لم يستطع إخراج المشهد من رأسه، أربع فتيات، ثلاث في الصالة، وواحدة في المخزن وبينما كان يحاول ترتيب التفاصيل في ذهنه، كان شيء آخر يعود إليه باستمرار ذلك الصوت. الارتطام الخافت الذي سمعه من داخل المحل قبل وصول رجال الإطفاء. ثم الصوت الآخر. كان قصيرًا، ضعيفًا، وغامضًا بما يكفي ليجعله يظنه في البداية مجرد نتيجة لانهيار شيء داخل المبنى لكن الآن، لم يعد متأكدًا. جلس جون في غرفة التحقيق، وأمامه دفتر ملاحظاته لم يكتب كثيرًا، كانت معظم التفاصيل محفوظة في ذهنه كان ينتظر تقرير الطبيب الشرعي، بعد دقائق، انفتح الباب. دخل الطبيب الشرعي وهو يحمل ملفًا سميكًا كان وجهه جادًا، جلس أمام جون، ووضع الملف على الطاولة.— لدينا النتائج الأولية. رفع جون عينيه إليه.— أخبرني. فتح الطبيب الملف، وقلب الصفحات ببطء.— الفتيات الثلاث اللواتي عُثر عليهن في الجزء الرئيسي من المحل تعرضن لإطلاق نار في الرأس قبل اندلاع الحريق. لم يتحرك جون فقط قال:— الثلاث؟ — نعم. قلب الطبيب صفحة أخرى.— آثار
وصلت أول سيارة إطفاء إلى الشارع، وتبعتها سيارات أخرى خلال دقائق قليلة، توقفت سيارات الشرطة خلفها، ونزل عدد من الضباط بسرعة، بينما بدأ رجال الإطفاء بمدّ الخراطيم ومحاصرة النيران التي كانت لا تزال تلتهم الجزء الداخلي من المحل، وقف جون جانبًا. لم يتحدث، كانت عيناه تتحركان بين الواجهة والنوافذ والسقف، وكأنه يحاول أن يحفظ شكل المكان قبل أن تغيره النيران والمياه إلى الأبد، اندفعت المياه بقوة نحو النوافذ المحطمة. تصاعد البخار في الهواء، واختلط برائحة الدخان والمواد المحترقة، بينما كانت أصوات رجال الإطفاء تتردد في الشارع الضيق، مرت دقائق طويلة. بدأت ألسنة النار تنخفض تدريجيًا، ثم انخفضت أكثر. وأخيرًا، أعلن قائد فريق الإطفاء أن الحريق أصبح تحت السيطرة، لم تنطفئ آثار النار تمامًا، بقي الدخان يتصاعد من الداخل، وظلت بعض الأجزاء الساخنة في المكان تهدد بالانهيار، اقترب أحد رجال الإطفاء من جون. — أصبح بإمكانكم الدخول، لكن بحذر. بعض أجزاء السقف متضررة. أومأ جون.— مفهوم. ثم أشار إلى ثلاثة من أفراد فريقه.— معي. تقدموا نحو الباب كان المحل مختلفًا تمامًا عما كان عليه قبل دقائق. الواجهة الوردية ا
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، جلسَت سيارة الشرطة متوقفة على جانب طريق شبه خالٍ، بينما انعكست أضواء البلدة القليلة على زجاجها الأمامي، وبدت الشوارع هادئة إلى درجة تجعل أي حركة غريبة جديرة بالانتباه. كان رجل في الرابعة والعشرين من عمره يجلس خلف المقود، ملامحه هادئة، ونظرته ثابتة، ووجهه لا يكشف بسهولة عما يدور في ذهنه. لم يكن من الرجال الذين يكثرون الكلام، ولا من أولئك الذين يتصرفون قبل أن يفكروا، كان يراقب، يحلل. ويتذكر التفاصيل الصغيرة التي يتجاوزها الآخرون، كان اسمه جون أمسك سيجارته بين أصابعه، وسحب منها نفسًا بطيئًا، ثم أخرج الدخان من فمه. تشكلت سحابة رمادية صغيرة أمامه قبل أن تتلاشى داخل السيارة. كان يفكر في القضية الجديدة التي وصلت إليه قبل ساعات، لم تقع الجريمة في بلدته، بل وقعت في ولاية أخرى، لكن التفاصيل الواردة في التقرير كانت كافية لإبقائه مستيقظًا. كانت الضحية امرأة تعمل في متجر خلال ساعات الليل، دخل إليها رجل بعد منتصف الليل، ثم وقع اعتداء جنسي عنيف، انتهى بإطلاق النار عليها. عندما وصلت الشرطة، كانت المرأة قد فارقت الحياة، وكان مسرح الجريمة خاليًا من المعتدي. لم يت







