Home / المراهقة / أحلام مكسورة / سأتحمل أي شيء من أجل إبني

Share

سأتحمل أي شيء من أجل إبني

last update publish date: 2026-09-21 02:49:24

عندما اقترب موعد ولادتي، مرضت جدا وأصبت بنزيف.

لم أكن أعرف أن الشهر الأخير سيكون بهذه القسوة. كنت ثقيلة، بطيئة الحركة، لا أستطيع النوم من ثقل بطني ومن الخوف. في ذلك الصباح البارد، استيقظت قبل الفجر على إحساس غريب، إحساس مبلل. فتحت عيني ببطء، ومددت يدي تحت الغطاء، ثم نظرت إليها.

كانت دماء.

تجمد الدم في عروقي، وشعرت أن قلبي سيتوقف. وضعت يدي فورا على بطني وأنا أرتجف كأن زلزالا يضرب جسدي كله. لم أكن أعرف ما معنى النزيف في الحمل، أمي لم تخبرني شيئا، لم يعلمني أحد. لكن قلبي، قلب الأم الذي بدأ ينبض داخلي، قال لي أن طفلي في خطر، أن صغيري الذي لم أره بعد يستغيث بي.

خرجت من الغرفة حافية، أجر ثوبي الثقيل، ودموعي تسبق خطواتي. وجدت زوجي يجلس يشرب الشاي مع أمه. وقفت أمامه وترجّيته، نسيت كل كرامتي وكل خوفي، قلت له وصوتي يتقطع: "أرجوك، أتوسل إليك، خذني إلى الطبيب، أنا أنزف، أخاف على طفلنا، أخاف أن يموت في بطني".

لكنه لم يتحرك. نظر إلي من فوق إلى تحت ببرود وقسوة لم أر مثلها من قبل، كأنه ينظر إلى شيء مقزز. ثم قال لي بكل احتقار وبصوت عال سمعته أمه: "جميع النساء أنجبن ولم يحدث لهن شيء، أنت تتدللين فقط، تمثلين المرض لكي لا تشتغلي. ولا تحلمي بأن أضيع نقودي عليك، نقودي ليست للقمامة. أفضل أن أشتري بعض الماشية، على الأقل سأستفيد منها، ستعطيني حليبا وأبيع منها . ماذا سأفعل بك أنت؟ هل سأبيعك مثلا؟ من سيشتريك؟ أغربي عن وجهي الآن، لا أريد رؤيتك أيتها القمامة، منظرك يثير اشمئزازي".

كلماته كانت كالسكاكين تدخل قلبي. لم أرد عليه، لم أستطع. خرجت من غرفته والدموع تملأ عيناي، لا أرى أمامي، أتعثر في كل خطوة. جلست قليلا أمام باب المنزل على التراب البارد، أبكي بحرقة وأتحسس بطني بيدين مرتجفتين، وأنا أفكر في طفلي وماذا سيحدث له. كنت أكلمه في داخلي: "تحمل يا صغيري، لا تتركني، أرجوك لا تتركني وحدي". شعرت بالرعب من مجرد فكرة أن أفقده قبل أن أراه، قبل أن أضمه وأشمه. كيف أنساه وهو الذي تحملت كل هذا العذاب والجوع والضرب من أجله؟

بقيت هكذا لدقائق، أبكي حتى جفت دموعي. ثم مسحت وجهي بطرف ثوبي وقررت أن أذهب عند جارتنا أم محمد، لعلها تعلم شيئا عن سبب هذا النزيف، لأنها كانت قابلة في الماضي وكل نساء الدوار يثقن بها وينادينها "الحاجة".

كانت أم محمد امرأة طيبة هي وزوجها، الوحيدان اللذان كانا يعاملانني كابنة لهما. كنت إذا اشتهيت شيئا أذهب إليها، إذا جعت ولم أجد خبزا أذهب إليها، إذا ضربني زوجي أهرب إليها. لم تبخل علي يوما، كانت تساعدني قدر ما تستطيع، وتعطيني مما عندها خفية عن زوجي، وتقول لي دائما: "اصبري يا ابنتي، الله يرى".

طرقت بابها بيد مرتجفة، أكاد لا أقف. فتحت لي وقالت بابتسامتها المعتادة التي كانت تدفئ قلبي: "أهلا ماريا تفضلي يا بنتي". ما إن رأيتها حتى انهرت، عانقتها وبدأت أبكي بهستيريا، بكاء طفلة ضائعة لا تجد ملجأ، بكاء أم خائفة على جنينها.

بدأت تطبطب علي وتدخلني بسرعة إلى الداخل حتى لا يراني أحد، وتطلب مني أن أخبرها ماذا حدث، لكنني لم أستطع التغلب على دموعي. كنت أشهق بقوة. احتضنتني بقوة وقالت لي وهي تمسح على شعري: "يكفي بكاء يا ماريا، ماذا حدث؟ لقد أرعبتني، وجهك أصفر، هيا تحدثي، هل ضربك زوجك مجددا؟ هيا أخبريني يا ابنتي، أنت مثل ابنتي".

بعد دقائق طويلة استطعت أن أتحكم بدموعي بصعوبة. طلبت مني الجلوس على كرسي صغير في المطبخ الدافئ وجلست بجانبي، أمسكت يدي الباردتين بيديها الدافئتين، يديها اللتين تشبهان يدي أمي، وقالت: "هيا الآن أخبريني ماذا حصل معك بالضبط".

صدرت مني شهقة قوية وبدأت أتحدث وأنا أصارع دموعي التي عادت إلى النزول ثانية كالنهر. قلت لها: "خالتي إنني مريضة جدا، واليوم في الصباح أصبت بنزيف وأنا خائفة جدا أن أفقد طفلي الذي لم أره، والذي تحملت كل هذا العذاب والجوع والذل من أجله. أنا لا أريد شيئا من هذه الدنيا إلا هو".

نظرت إلي بقلق شديد وسألتني بجدية: "هل تتوجعين يا ابنتي؟ هل هناك ألم قوي في بطنك أو في ظهرك؟ هل تشعرين بدوخة؟"

قلت لها: "لا، أنا فقط نزفت قليلا في الصباح، ليس كثيرا، ولكن عندما طلبت من زوجي الذهاب للطبيب صرخ في وجهي وطردني وقال لي أنني أتدلل".

تنهدت وقالت لي وهي تحاول طمأنتي: "لا تخافي يا ابنتي، إن لم يكن هناك ألم قوي فلا داعي للقلق أبدا، أنا لدي خبرة طويلة في هذا الموضوع، كثير من النساء يحدث لهن هذا من التعب ومن الوقوف كثيرا في الحقل. أنت تتعبي كثيرا يا ماريا. إن لم يحدث شيء من الآن حتى المساء فالأمور على ما يرام يا ابنتي، ارتاحي فقط ولا تحملي شيئا ثقيلا".

لكن قلبي لم يرتاح، الخوف كان أكبر من كلامها. بدأت أبكي بحرقة مرة أخرى وطلبت منها أن تأخذني للمستوصف الموجود بالسوق، قلت لها وأنا أمسك بيدها: "أرجوك خالتي، خذيني، أريد أن أطمئن على طفلي، أريد أن أسمع أن قلبه ينبض، أرجوك".

قالت لي وهي خائفة علي من ردة فعله: "يا ابنتي، زوجك سيغضب وربما يضربك مجددا إذا علم أنك ذهبت بلا إذنه، أنت تعرفينه".

قلت لها والدموع في عيني، وأنا أضع يدي على بطني المنتفخ: "من أجل ابني سأتحمل أي شيء، حتى لو قتلني، حتى لو كسر عظامي، المهم أن يكون هو بخير. أنا لم أعد أخاف على نفسي، أخاف عليه فقط".

أثرت فيها كلماتي وبكت معي. قامت بسرعة ونادت زوجها، الرجل الطيب ذو اللحية البيضاء. أخذتنا أم محمد بعربة زوجها القديمة التي يجرها حمار إلى المستوصف. كانت الطريق طويلة وكلها حفر، وطوال الطريق كنت أضع يدي على بطني وأقرأ كل ما أحفظه من قرآن بصوت خافت، أطلب من الله أن يحميه وأن يسامحني إذا قصرت.

هناك في المستوصف، كانت هناك ممرضة شابة ولطيفة، عاينتني بلطف وابتسمت لي. طمأنتني وقالت لي أن لا أقلق وأن وضع الجنين يبدو مستقرا، ولكن يجب أن أزور الطبيب في أقرب فرصة لعمل فحص شامل وأخذ راحة تامة، وأعطتني بعض النصائح للراحة وشرب الماء.

فرحت كثيرا وشعرت بالراحة، كأن جبلا ثقيلا انزاح عن صدري. شعرت أن طفلي بخير. خرجت أنا وجارتنا أم محمد من المستوصف وعدنا إلى المنزل وأنا أحمد الله وأشكره، وأعد طفلي أنني سأحميه.

ما إن فتحت الباب الخشبي القديم ودخلت إلى ساحة المنزل، حتى وجدت زوجي ينتظرني في الوسط، يقف ورجلاه متباعدتان، والغضب يتطاير من عينيه مثل النار، ووجهه أحمر من الغضب، وفي يده حزام. كانت والدته تقف خلفه تبتسم بخبث وتشير إلي وتقول له أنظر لقد شرفت سيدة الحُسن أين كنتي أيتها العاهرة هل تعتقدين أنك في بيتك أبيك تخرجين متى يحلو لك وتعودين متى يحلو لك هذا كان في الماضي انتي الان لديك منزل وزوج لا تخرجي إلا بإذنه . كانت تتحدث وانا أتمتم في نفسي ودموعي تكاد تنفجر من عيناي كأن بيت ابي كان جنة لا يختلف عنكم شيئا كلكم مختلون دمرتم حياتي؛ وضعت يدي على بطني وهمست لطفلي لكن لم أسمح لهم بتدمير حياتك أنا معك ياصغيري فجأة زمجر زوجي بصوته الغليظ الذي يرعبني وقال : "اليوم سأقوم بتأديب سأكسر قدميك أيتها الساقطة"

قفزت من مكاني رعبا وتراجعت الى الوراء حتا التصق ظهري ويدي لا تفارق بطني .

عرفت في تلك اللحظة أن الجحيم الحقيقي لم يبدأ بعد، وأن ذهابي للطبيب كان بداية عقاب جديد...

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أحلام مكسورة   سأنجب فتاة رغم أنوفهم

    ​كانت حماتي تنظر إلي بغضب جارف، بعينين تقدحان شرراً وكأنني ارتكبت جُرماً لا يغتفر. وبعد صمت ثقيل طال حتى كاد يخنق أنفاس الغرفة، خاطبت الطبيب بنبرة حادة تتخللها الريبة والشك: "هل أنت متأكد من أنها فتاة؟ أرجوك يا دكتور، تأكد مرة أخرى، ربما هناك خطأ ما!"​ابتسم الطبيب بنوع من الهدوء المعتاد لدى الأطباء، وقال بنبرة حازمة ومطمئنة: "لا يوجد أي مجال للشك يا سيدتي، كنتُكِ حامل بفتاة، والجنين بصحة جيدة الحمد لله."​تراجعت حماتي إلى الخلف خطوة، وبدأت تتمتم بينها وبين نفسها بنبرة يملؤها السخط والاستنكار: "مستحيل... هذا غير معقول أبداً! لابد وأن هناك خطأً في الفحص !! "​ساد الصمت الغرفة مجدداً، صمت خنقت فيه الأنفاس وتضاربت فيه المشاعر، قبل أن تقاطعه الممرضة وهي تفتح الباب بقوة وتقول: "غرفة العمليات جاهزة الآن يا دكتور."​أومأ الدكتور برأسه وقال للممرضات: "حسناً، خذوا المريضة فوراً لنبدأ الإجراءات."​نُقلتُ إلى الغرفة، وعلى الرغم من رهبة العمليات ووجع الجسد، كان قلبي يكاد يطير من الفرح والسرور منذ تلك اللحظة التي علمت فيها أنني أحمل في أحشائي فتاة، قطعة مني تتنفس في داخلي.​جلست حماتي والخالة أم م

  • أحلام مكسورة   من تحت الرماد تولد نار جديدة

    بعد ذلك الضرب المبرح الوحشي الذي تلقيته من زوجي، فقدت وعيي تماما وسقطت على الأرض جثة هامدة ولم أستيقظ حتى اليوم الموالي. كنت غارقة في ظلام دامس من شدة الألم والخوف والرعب الذي عشته.عندما فتحت عيناي ببطء شديد وثقل، أول شيء فعلته غريزيا هو أنني تحسست بطني بيدي السليمة المرتجفة. أحسست بحركات طفلي الخفيفة، نبض صغير يتحرك داخلي برفق، كأنه يطمئنني ويقول لي بصوته الصامت الذي لا يسمعه إلا قلبي: "أنا بخير يا أمي، لا تخافي، أنا معك، مازلت هنا، لم يمت".نظرت حولي بصعوبة بالغة فوجدت أم محمد تجلس في أحد أركان الغرفة على كرسي خشبي قديم، وتنظر إلي بنظرات يملؤها الحزن العميق والشفقة والغضب في نفس الوقت. حاولت أن أتحرك قليلا لكي أسند ظهري على الحائط، لكن كان كل جسمي يؤلمني وعظامي كأنها مكسورة ومحطمة، كأن شاحنة كبيرة مرت فوق جسدي الضعيف وداستني. لم أستطع الحراك إطلاقا، كل حركة كانت تسبب لي ألما لا يطاق.فتقدمت خالتي أم محمد نحوي بسرعة عندما رأتني أتألم وحاولت النهوض وساعدتني كي أستند إلى الحائط. وضعت مخدة قديمة ومتسخة خلف ظهري برفق وقالت لي بحنان الأم التي لم أجده في أمي الحقيقية: "ليتني أستطيع مساعدت

  • أحلام مكسورة   لم يرحم طفلي وحاول قتله

    خرجت مني كلمات مبعثرة وأنا أرتجف من الخوف الشديد والهلع الذي تملكني بالكامل. حاولت أن أشرح له، قلت بصوت متقطع، مبحوح، لا يكاد يُسمع من شدة البكاء والشهقات التي كانت تخنقني: "لقد ذهبت مع أم محمد إلى المستوصف فقط لأطمئن على طفلي، لم أفعل شيئاً يغضبك، والله العظيم لم أفعل شيئاً سيئاً، استمع إلي أرجوك".ما إن أنهيت كلماتي البسيطة حتى تقدم زوجي راشد نحوي بخطوات ثقيلة ومخيفة، وهو ممسك بحزامه الجلدي العريض والشر يملأ عينيه الباردتين، كان وحشاً آدمياً ضارياً لا يعرف الرحمة ولا يملك أدنى ذرة من الإنسانية، كانت عيناه حمراوين ومحتقنتين بالغضب والغل.أمسكني من شعري بعنف شديد وجبروت، وصار يجرني على الأرض نحو الغرفة كأنني جثة بلا قيمة، وأنا أصرخ بأعلى صوتي وأتوسل إليه بدموع حارقة. كنت أصرخ بصوت هز أرجاء البيت وسمعه كل الجيران في الدوار: "أرجوك يا راشد، أرجوك لا تؤذي طفلي، اضربني أنا، افعل بي ما تشاء لكن لا تضرب بطني، أتوسل إليك بحق الله، إنه لا ذنب له في شيء، إنه ما زال صغيراً وضعيفاً ولا يحتمل!".لكنه كان قد أعمى الغضب قلبه وعقله، فلم يسمع صراخي ولم يهتم بدموعي وتوسلاتي ؛ كيف سيسمعها وهو لم يهتم ل

  • أحلام مكسورة   سأتحمل أي شيء من أجل إبني

    عندما اقترب موعد ولادتي، مرضت جدا وأصبت بنزيف.لم أكن أعرف أن الشهر الأخير سيكون بهذه القسوة. كنت ثقيلة، بطيئة الحركة، لا أستطيع النوم من ثقل بطني ومن الخوف. في ذلك الصباح البارد، استيقظت قبل الفجر على إحساس غريب، إحساس مبلل. فتحت عيني ببطء، ومددت يدي تحت الغطاء، ثم نظرت إليها.كانت دماء.تجمد الدم في عروقي، وشعرت أن قلبي سيتوقف. وضعت يدي فورا على بطني وأنا أرتجف كأن زلزالا يضرب جسدي كله. لم أكن أعرف ما معنى النزيف في الحمل، أمي لم تخبرني شيئا، لم يعلمني أحد. لكن قلبي، قلب الأم الذي بدأ ينبض داخلي، قال لي أن طفلي في خطر، أن صغيري الذي لم أره بعد يستغيث بي.خرجت من الغرفة حافية، أجر ثوبي الثقيل، ودموعي تسبق خطواتي. وجدت زوجي يجلس يشرب الشاي مع أمه. وقفت أمامه وترجّيته، نسيت كل كرامتي وكل خوفي، قلت له وصوتي يتقطع: "أرجوك، أتوسل إليك، خذني إلى الطبيب، أنا أنزف، أخاف على طفلنا، أخاف أن يموت في بطني".لكنه لم يتحرك. نظر إلي من فوق إلى تحت ببرود وقسوة لم أر مثلها من قبل، كأنه ينظر إلى شيء مقزز. ثم قال لي بكل احتقار وبصوت عال سمعته أمه: "جميع النساء أنجبن ولم يحدث لهن شيء، أنت تتدللين فقط، ت

  • أحلام مكسورة   من قسوة أبي إلى جحيم زوجي

    كانت أول ليلة من زواجي أشبه بالكابوس، لم أكن أعي ما يحدث ولا ماذا يعني الزواج. رغم أنني صرت في الثامنة عشرة من عمري، إلا أن العزلة التي كنت أعيشها في بيت أبي، وعدم اختلاطي بالفتيات في المدرسة ولا في الحي، جعلت الزواج بالنسبة لي شيئا مجهولا، كلمة كبيرة لا أفهم معناها. كنت أسمع النساء يتحدثن عنه كأنه فرح وستر، لكنني لم أكن أفهم شيئا من هذا كله. في بيت أبي كنت أعيش في غرفة صغيرة، لا أخرج إلا نادرا، أمي كانت قليلة الكلام، قليلة الحيلة، تعلمت الصمت منذ صغرها وورثته لي. وأبي كان يرى أن الفتاة يجب أن تبقى بعيدة عن أعين الناس، أن صوتها عورة وضحكتها عيب. لم يخبرني أحد ماذا ينتظرني، لم تقل لي أمي كيف تكون الحياة مع رجل غريب، كيف يكون البيت الجديد، وكيف تكون المسؤولية. لم تعلمني كيف أطبخ ولا كيف أتصرف إذا صرخ في وجهي زوجي. دخلت إلى بيت زوجي وأنا أحمل حقيبة صغيرة فيها ثوبان فقط، وقلب يرتجف من الخوف، وكنت أظن أنني ذاهبة لبيت جديد سيكون أرحم من بيت أبي. مرت تلك الليلة طويلة جدا، طويلة كأنها دهر كامل. كنت أبكي بصمت، أضع يدي على فمي حتى لا يسمع أحد بكائي، وكنت أشعر بالخوف والظلم وعدم الفهم. كنت صغ

  • أحلام مكسورة   طُفولة مسروقَة

    وأنا في السابعة من عمري، كنتُ أرى الفتياتِ في الشارع يلعبن ويمرحن، يضحكن بأعلى أصواتهنّ، ويركضن خلف بعضهنّ البعض بثيابهنّ الملونة الزاهية. كنت أراقبهنّ من خلف شقوق الباب الخشبي القديم، أرى الفرحة تطير من عيونهنّ الصغيرة وهوائهنّ المليء بالحرية والضحكات التي تنطلق بلا خوف ولا حساب. بينما كنتُ أنا أجلس في زاوية المنزل الباردة، أضمّ ركبتَيَّ إلى صدري، وأحاول أن أختفي في ظلي حتى لا يشعر أحد بوجودي.في تلك الزاوية النائية، كنتُ أسمع بكاء أمي وحسرتها الدائمة على حالها. كانت تبكي بصمت قاتل، تضع يدها على فمها بقوة وتضغط بشفتيها حتى لا يخرج منها أي صوت يُذكر وقد يثير غضب أبي، لكنني رغم صمتها المفتعل، كنتُ أسمعها جيداً. كنتُ أشعر بكل شهقة مكتومة تخرج من صدرها المكسور وكأنها سكين حاد ينغرس في قلبي الصغير الضعيف. لم أكن أفهم حينها سر هذا الخوف الدائم، ولا لمَ نعيش في هذا البيت وكأننا مسجونون ننتظر صدور الأحكام بحقنا في كل لحظة.كان أبي رجلاً قاسياً للغاية، قسوته لم تكن مجرد طباع عادية أو صرامة أب، بل كانت قسوة مظلمة تسكن الجدران وتجعل هواء البيت ثقيلاً ومخنقاً. لم يكن يسمح لنا باللعب أو الخروج لر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status