Home / المراهقة / أحلام مكسورة / لم يرحم طفلي وحاول قتله

Share

لم يرحم طفلي وحاول قتله

last update publish date: 2026-09-21 20:35:31

خرجت مني كلمات مبعثرة وأنا أرتجف من الخوف الشديد والهلع الذي تملكني بالكامل. حاولت أن أشرح له، قلت بصوت متقطع، مبحوح، لا يكاد يُسمع من شدة البكاء والشهقات التي كانت تخنقني: "لقد ذهبت مع أم محمد إلى المستوصف فقط لأطمئن على طفلي، لم أفعل شيئاً يغضبك، والله العظيم لم أفعل شيئاً سيئاً، استمع إلي أرجوك".

ما إن أنهيت كلماتي البسيطة حتى تقدم زوجي راشد نحوي بخطوات ثقيلة ومخيفة، وهو ممسك بحزامه الجلدي العريض والشر يملأ عينيه الباردتين، كان وحشاً آدمياً ضارياً لا يعرف الرحمة ولا يملك أدنى ذرة من الإنسانية، كانت عيناه حمراوين ومحتقنتين بالغضب والغل.

أمسكني من شعري بعنف شديد وجبروت، وصار يجرني على الأرض نحو الغرفة كأنني جثة بلا قيمة، وأنا أصرخ بأعلى صوتي وأتوسل إليه بدموع حارقة. كنت أصرخ بصوت هز أرجاء البيت وسمعه كل الجيران في الدوار: "أرجوك يا راشد، أرجوك لا تؤذي طفلي، اضربني أنا، افعل بي ما تشاء لكن لا تضرب بطني، أتوسل إليك بحق الله، إنه لا ذنب له في شيء، إنه ما زال صغيراً وضعيفاً ولا يحتمل!".

لكنه كان قد أعمى الغضب قلبه وعقله، فلم يسمع صراخي ولم يهتم بدموعي وتوسلاتي ؛ كيف سيسمعها وهو لم يهتم لأمري يوما ، انهال علي بجميع أنواع الشتائم القذرة والكلمات النابية التي لا أستطيع حتى كتابتها أو تذكرها من شدة قبحها، شتائم تجرد الإنسان من كرامته وتجعلني أشعر أنني لست إنسانة. كنت مرعوبة جداً، ميتة من الخوف من أن يؤذي طفلي البريء الذي لم ير النور بعد ولم يعش في هذه الحياة، كنت أموت خوفاً عليه في كل ثانية، وكنت أراه في خيالي المرتعد يبكي ويتألم داخل بطني.

أدخلني الغرفة ورمى بي على الأرض الصلبة بكل قوته وقسوته، حتى ارتطم رأسي بالحائط بقوة وحشة وشعرت بدوار شديد وظلام يلف عيني، وكأن الروح تفارقني. لم يكتفِ بذلك، بل صار يركلني بقدميه وقسوته في كل مكان من جسدي المنهك، في ظهري المتألم وفي رجلي، ويصرخ في وجهي بصوت عال يهز الجدران والقلوب: "أيتها الساقطة الغبية، كيف تجرئين على الخروج دون إذني؟ كيف تتجاوزين حدودك؟ اليوم سأجعلك تعرفين جيداً من يكون راشد، سأكسر عظامك كلياً حتى لا تستطيعي التحرك أو الخروج مرة أخرى!".

كنت أتقرفص على الأرض الباردة كالجنين، متكورة على نفسي، وأتلقى ركلاته القاسية وضربه المتواصل وأنا ممسكة ببطني بكلتا يدي المرتجفتين، أحاول حمايته بجسدي الضعيف المتهالك. كنت أحمي بطني بإستماتة كأنني أحمي العالم كله بين يدي، وكأن الحياة كلها تختصر في هذه اللحظة في سلامة جنيني. كل ما كان يفكر فيه عقلي وقلبي هو حماية هذا المخلوق الضعيف. كنت أقول في داخلي وأنا أبكي بحرقة تفتت الصخر: "اضربني في رأسي، اضربني في ظهري، في أي مكان تجده في جسدي، لكن لا تضرب بطني، أرجوك يا رب احمي طفلي، أستودعك جنيني فلا تأخذه مني يا الله".

خرجت من بين دموعي وشهقاتي المتواصلة توسلات مكسورة له بأن يكف عن ضربي ورحمتي، زحفت نحوه وأنا أقبل قدميه من شدة الخوف والذل والهوان الذي لم أذقه من قبل: "أرجوك يا راشد، أنا لم أفعل شيئاً سيئاً، أنا فقط أردت الاطمئنان على طفلي بعدما شعرت بالألم، اسأل جارتنا أم محمد لقد كانت معي طوال الوقت ولم نفعل شيئاً خاطئاً، أرجوك لا تضربني، أتوسل إليك لن أخطو خطوة واحدة أمام باب البيت بعد اليوم، سأكون خادمة تحت قدميك، سأفعل كل ما تطلبه مني دون نقاش، أرجوك فقط لا تؤذي طفلي".

صرخ في وجهي بقسوة بالغة وكأنه صنم لا يحس: "اصمتي أيتها القمامة النتنة، لا يهمني طفل يأتي من امرأة لا تسمع الكلام ولا تحترم زوجها، فلتذهبا إلى الجحيم كلاكما أنت وهو!". وانهال علي ضرباً بالحزام الجلدي بكل قوته وبدون أدنى رحمة. أحسست بجلدي يتمزق تحت ضرباته، وبنار تشتعل وتحرق ظهري، وبدأت أصرخ بكل ما بقي في حنجرتي من قوة، وأطلب من حماتي المساعدة لتنقذني من بين يديه قبل أن يقتلني.

كنت أصرخ وأنا أزحف بصعوبة نحو الباب بخوف وألم: "أمي، أرجوك اجعليه يتوقف! سأموت، سيموت طفلي في بطني، أرجوك انقذينا من هذا العذاب!".

لكنها لم تهتم مطلقاً، كانت تقف خارج الغرفة ببرود تام وتنظر إلي وأنا أتعذب وتتسلى بصراخي و آلامي، وقالت لي بكل جحود وقسوة تجردت من كل معاني الأمومة: "أنت تستحقين أكثر من هذا العذاب، كيف تجرأت على الخروج من البيت دون إذنه ضربتي كلامه بعرض الحائط ؟ هيا يا بني اجعلها تتأدب وتعرف معنى الرجل الحقيقي وكيف تطيع زوجها، يبدو أنه لم يكن هناك رجال في بيت أبيها يربوها، لم يربوها كفاية وابتلينا بها نحن، تستحق الموت هذه الوقحة الجاهلة".

كانت كلماتها الجريحة أشد ألماً على قلبي ونفسي من الضرب نفسه، كانت كالخناجر التي تطعن أحشائي. علا صراخي وصراخ وجعي أكثر وأكثر حتى وصل إلى بيت جارتنا أم محمد، فقد كان صراخي الاستغاثي يملأ الدوار كله ويقطع القلوب الحية.

جاءت مسرعة هي وزوجها سلمان بعدما سمعا الصراخ والضرب المروع، دخلت تركض إلى غرفتي بلا إذن وركضت نحوي لتسقط بجسدها بيني وبين زوجي الثائر. المسكينة الطيبة تلقت ضربة قوية بالحزام على ظهرها بدلاً مني، صرخت من شدة الألم لكنها لم تبتعد أبداً، بل بقيت تحتضن جسدي وتحميني بجسدها.

قالت أم محمد وهي تصرخ في وجه راشد بكل شجاعة ووجه يقطر غضباً: "يكفي يا راشد! اتق الله! ماذا فعلت هذه المسكينة كي تستحق كل هذا العذاب والألم والضرب الوحشي؟ حرام عليك، إنها حامل وفي وضع حرج، ستقتلها وستقتل جنينها في بطنها، هل جننت أم فقدت عقلك ودينك؟ اتق الله في هذه الروح الضعيفة!".

رد عليها راشد وهو يتصبب عرقاً ويلهث بشدة من كثرة الجهد الذي بذله في ضربي: "هي تستحق أكثر من هذا بكثير، كيف تجرأت على عصياني وكسر كلامي والخروج دون معرفتي؟ أنا من يقرر كل شيء في هذا البيت، أنا الرجل وهنا كلمتي هي الأولى والأخيرة!".

قالت له أم محمد بنبرة قوية: "هذا ليس عدلاً ولا يرضي ربنا، الفتاة جاءت إلي في الصباح وهي خائفة وترتعد على طفلها وكانت تنزف، وأنا بنفسي من أخذتها إلى المستوصف القريب لإنقاذها، لم تفعل شيئاً حراماً ولا عيباً، فعلت ما تفعله أي أم تخاف على جنينها!".

قال راشد بكل غرور وكبرياء أعمى: "لا يهمني أي من هذا الكلام، أنا لن أسمح لنفسي أن أكون مجرد دمية في هذا البيت، أنا رجل البيت ويجب أن تطيعني في كل شيء دون اعتراض، ابتعدي يا خالة من أمامي وإلا نلت نصيبك، سأجعلها تدفع الثمن غالياً جداً اليوم!".

تمسكت بي أم محمد أكثر وهي تضمني بقوة إلى صدرها الحنون وتبكي معي، وأخذت تستر جسدي الممزق بثوبها وهي تقول بثبات: "لن أبتعد عنها أبداً، إن أردت أن تؤذيها أو تقتلها فيجب أن تضربني أنا أولاً وتقتلني معها، لن أتركك تقتلها أمامي وأنا حية أتنفس!".

في تلك اللحظة العصيبة، تدخل سلمان زوج أم محمد، ذلك الرجل الطيب ذو اللحية البيضاء والهيبة، وأمسك راشد من ذراعه بقوة وحزم وجره بالقوة خارج الغرفة وهو يقول له بصوت غاضب يملؤه الاستنكار: "عيب عليك يا راشد! عيب عليك ما تفعل! ألا تستحي من نفسك ومن الله؟ تضرب امرأة حامل وضعيفة بهذا الشكل الوحشي؟ أين الرجولة وأين النخوة التي تتدعيها؟!".

كان زوجي وهو يُسحب خارج الغرفة يرمقني بنظرة مسمومة كلها وعيد وانتقام، وقال لي بصوت خفيض ومرعب لا يزال يرعبني حتى هذه اللحظة ويتردد في أذني: "حسابك لم ينته بعد، سأعود لك في الليل حين يرحلون، وسأريك حينها من أكون!".

كنت أسمع كل هذا الكلام وأنا شبه فاقدة للوعي، حيث بدأت قواي تنهار وأفقد وعيي تدريجياً من شدة الألم والضرب المبرح الذي تلقيته في كل إنش من جسدي، ومن شدة الرعب والخوف والهلع على طفلي. كنت أتحسس بطني بيميني المرتجفة في ضعف، أبحث عن أي حركة أو نبض، لعله يتحرك، لعله يطمني ويقول لي بلغة الأجنة إنه ما زال حياً ولم يمت داخل أحشائي.

في هذه الأثناء، وبعد خروج الرجال، دخلت حماتي إلى الغرفة بخطوات بطيئة، ونظرت إلي باحتقار شديد ودناءة، وقالت لي وهي تبصق بجانبي على الأرض بقرف: لقد فضحتنا أيتها المدللة رمقتها أم محمد بنظرة قاسية وهي تساعدني على النهوض من الارض وقالت لها أليس لديك بنات أليس لديك قلب إرحمو هذه المسكينة قليلا فهي حامل ومريضة لم أرى أحدا بقلة ضميركم ومرؤتكم...

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أحلام مكسورة   سأنجب فتاة رغم أنوفهم

    ​كانت حماتي تنظر إلي بغضب جارف، بعينين تقدحان شرراً وكأنني ارتكبت جُرماً لا يغتفر. وبعد صمت ثقيل طال حتى كاد يخنق أنفاس الغرفة، خاطبت الطبيب بنبرة حادة تتخللها الريبة والشك: "هل أنت متأكد من أنها فتاة؟ أرجوك يا دكتور، تأكد مرة أخرى، ربما هناك خطأ ما!"​ابتسم الطبيب بنوع من الهدوء المعتاد لدى الأطباء، وقال بنبرة حازمة ومطمئنة: "لا يوجد أي مجال للشك يا سيدتي، كنتُكِ حامل بفتاة، والجنين بصحة جيدة الحمد لله."​تراجعت حماتي إلى الخلف خطوة، وبدأت تتمتم بينها وبين نفسها بنبرة يملؤها السخط والاستنكار: "مستحيل... هذا غير معقول أبداً! لابد وأن هناك خطأً في الفحص !! "​ساد الصمت الغرفة مجدداً، صمت خنقت فيه الأنفاس وتضاربت فيه المشاعر، قبل أن تقاطعه الممرضة وهي تفتح الباب بقوة وتقول: "غرفة العمليات جاهزة الآن يا دكتور."​أومأ الدكتور برأسه وقال للممرضات: "حسناً، خذوا المريضة فوراً لنبدأ الإجراءات."​نُقلتُ إلى الغرفة، وعلى الرغم من رهبة العمليات ووجع الجسد، كان قلبي يكاد يطير من الفرح والسرور منذ تلك اللحظة التي علمت فيها أنني أحمل في أحشائي فتاة، قطعة مني تتنفس في داخلي.​جلست حماتي والخالة أم م

  • أحلام مكسورة   من تحت الرماد تولد نار جديدة

    بعد ذلك الضرب المبرح الوحشي الذي تلقيته من زوجي، فقدت وعيي تماما وسقطت على الأرض جثة هامدة ولم أستيقظ حتى اليوم الموالي. كنت غارقة في ظلام دامس من شدة الألم والخوف والرعب الذي عشته.عندما فتحت عيناي ببطء شديد وثقل، أول شيء فعلته غريزيا هو أنني تحسست بطني بيدي السليمة المرتجفة. أحسست بحركات طفلي الخفيفة، نبض صغير يتحرك داخلي برفق، كأنه يطمئنني ويقول لي بصوته الصامت الذي لا يسمعه إلا قلبي: "أنا بخير يا أمي، لا تخافي، أنا معك، مازلت هنا، لم يمت".نظرت حولي بصعوبة بالغة فوجدت أم محمد تجلس في أحد أركان الغرفة على كرسي خشبي قديم، وتنظر إلي بنظرات يملؤها الحزن العميق والشفقة والغضب في نفس الوقت. حاولت أن أتحرك قليلا لكي أسند ظهري على الحائط، لكن كان كل جسمي يؤلمني وعظامي كأنها مكسورة ومحطمة، كأن شاحنة كبيرة مرت فوق جسدي الضعيف وداستني. لم أستطع الحراك إطلاقا، كل حركة كانت تسبب لي ألما لا يطاق.فتقدمت خالتي أم محمد نحوي بسرعة عندما رأتني أتألم وحاولت النهوض وساعدتني كي أستند إلى الحائط. وضعت مخدة قديمة ومتسخة خلف ظهري برفق وقالت لي بحنان الأم التي لم أجده في أمي الحقيقية: "ليتني أستطيع مساعدت

  • أحلام مكسورة   لم يرحم طفلي وحاول قتله

    خرجت مني كلمات مبعثرة وأنا أرتجف من الخوف الشديد والهلع الذي تملكني بالكامل. حاولت أن أشرح له، قلت بصوت متقطع، مبحوح، لا يكاد يُسمع من شدة البكاء والشهقات التي كانت تخنقني: "لقد ذهبت مع أم محمد إلى المستوصف فقط لأطمئن على طفلي، لم أفعل شيئاً يغضبك، والله العظيم لم أفعل شيئاً سيئاً، استمع إلي أرجوك".ما إن أنهيت كلماتي البسيطة حتى تقدم زوجي راشد نحوي بخطوات ثقيلة ومخيفة، وهو ممسك بحزامه الجلدي العريض والشر يملأ عينيه الباردتين، كان وحشاً آدمياً ضارياً لا يعرف الرحمة ولا يملك أدنى ذرة من الإنسانية، كانت عيناه حمراوين ومحتقنتين بالغضب والغل.أمسكني من شعري بعنف شديد وجبروت، وصار يجرني على الأرض نحو الغرفة كأنني جثة بلا قيمة، وأنا أصرخ بأعلى صوتي وأتوسل إليه بدموع حارقة. كنت أصرخ بصوت هز أرجاء البيت وسمعه كل الجيران في الدوار: "أرجوك يا راشد، أرجوك لا تؤذي طفلي، اضربني أنا، افعل بي ما تشاء لكن لا تضرب بطني، أتوسل إليك بحق الله، إنه لا ذنب له في شيء، إنه ما زال صغيراً وضعيفاً ولا يحتمل!".لكنه كان قد أعمى الغضب قلبه وعقله، فلم يسمع صراخي ولم يهتم بدموعي وتوسلاتي ؛ كيف سيسمعها وهو لم يهتم ل

  • أحلام مكسورة   سأتحمل أي شيء من أجل إبني

    عندما اقترب موعد ولادتي، مرضت جدا وأصبت بنزيف.لم أكن أعرف أن الشهر الأخير سيكون بهذه القسوة. كنت ثقيلة، بطيئة الحركة، لا أستطيع النوم من ثقل بطني ومن الخوف. في ذلك الصباح البارد، استيقظت قبل الفجر على إحساس غريب، إحساس مبلل. فتحت عيني ببطء، ومددت يدي تحت الغطاء، ثم نظرت إليها.كانت دماء.تجمد الدم في عروقي، وشعرت أن قلبي سيتوقف. وضعت يدي فورا على بطني وأنا أرتجف كأن زلزالا يضرب جسدي كله. لم أكن أعرف ما معنى النزيف في الحمل، أمي لم تخبرني شيئا، لم يعلمني أحد. لكن قلبي، قلب الأم الذي بدأ ينبض داخلي، قال لي أن طفلي في خطر، أن صغيري الذي لم أره بعد يستغيث بي.خرجت من الغرفة حافية، أجر ثوبي الثقيل، ودموعي تسبق خطواتي. وجدت زوجي يجلس يشرب الشاي مع أمه. وقفت أمامه وترجّيته، نسيت كل كرامتي وكل خوفي، قلت له وصوتي يتقطع: "أرجوك، أتوسل إليك، خذني إلى الطبيب، أنا أنزف، أخاف على طفلنا، أخاف أن يموت في بطني".لكنه لم يتحرك. نظر إلي من فوق إلى تحت ببرود وقسوة لم أر مثلها من قبل، كأنه ينظر إلى شيء مقزز. ثم قال لي بكل احتقار وبصوت عال سمعته أمه: "جميع النساء أنجبن ولم يحدث لهن شيء، أنت تتدللين فقط، ت

  • أحلام مكسورة   من قسوة أبي إلى جحيم زوجي

    كانت أول ليلة من زواجي أشبه بالكابوس، لم أكن أعي ما يحدث ولا ماذا يعني الزواج. رغم أنني صرت في الثامنة عشرة من عمري، إلا أن العزلة التي كنت أعيشها في بيت أبي، وعدم اختلاطي بالفتيات في المدرسة ولا في الحي، جعلت الزواج بالنسبة لي شيئا مجهولا، كلمة كبيرة لا أفهم معناها. كنت أسمع النساء يتحدثن عنه كأنه فرح وستر، لكنني لم أكن أفهم شيئا من هذا كله. في بيت أبي كنت أعيش في غرفة صغيرة، لا أخرج إلا نادرا، أمي كانت قليلة الكلام، قليلة الحيلة، تعلمت الصمت منذ صغرها وورثته لي. وأبي كان يرى أن الفتاة يجب أن تبقى بعيدة عن أعين الناس، أن صوتها عورة وضحكتها عيب. لم يخبرني أحد ماذا ينتظرني، لم تقل لي أمي كيف تكون الحياة مع رجل غريب، كيف يكون البيت الجديد، وكيف تكون المسؤولية. لم تعلمني كيف أطبخ ولا كيف أتصرف إذا صرخ في وجهي زوجي. دخلت إلى بيت زوجي وأنا أحمل حقيبة صغيرة فيها ثوبان فقط، وقلب يرتجف من الخوف، وكنت أظن أنني ذاهبة لبيت جديد سيكون أرحم من بيت أبي. مرت تلك الليلة طويلة جدا، طويلة كأنها دهر كامل. كنت أبكي بصمت، أضع يدي على فمي حتى لا يسمع أحد بكائي، وكنت أشعر بالخوف والظلم وعدم الفهم. كنت صغ

  • أحلام مكسورة   طُفولة مسروقَة

    وأنا في السابعة من عمري، كنتُ أرى الفتياتِ في الشارع يلعبن ويمرحن، يضحكن بأعلى أصواتهنّ، ويركضن خلف بعضهنّ البعض بثيابهنّ الملونة الزاهية. كنت أراقبهنّ من خلف شقوق الباب الخشبي القديم، أرى الفرحة تطير من عيونهنّ الصغيرة وهوائهنّ المليء بالحرية والضحكات التي تنطلق بلا خوف ولا حساب. بينما كنتُ أنا أجلس في زاوية المنزل الباردة، أضمّ ركبتَيَّ إلى صدري، وأحاول أن أختفي في ظلي حتى لا يشعر أحد بوجودي.في تلك الزاوية النائية، كنتُ أسمع بكاء أمي وحسرتها الدائمة على حالها. كانت تبكي بصمت قاتل، تضع يدها على فمها بقوة وتضغط بشفتيها حتى لا يخرج منها أي صوت يُذكر وقد يثير غضب أبي، لكنني رغم صمتها المفتعل، كنتُ أسمعها جيداً. كنتُ أشعر بكل شهقة مكتومة تخرج من صدرها المكسور وكأنها سكين حاد ينغرس في قلبي الصغير الضعيف. لم أكن أفهم حينها سر هذا الخوف الدائم، ولا لمَ نعيش في هذا البيت وكأننا مسجونون ننتظر صدور الأحكام بحقنا في كل لحظة.كان أبي رجلاً قاسياً للغاية، قسوته لم تكن مجرد طباع عادية أو صرامة أب، بل كانت قسوة مظلمة تسكن الجدران وتجعل هواء البيت ثقيلاً ومخنقاً. لم يكن يسمح لنا باللعب أو الخروج لر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status