Home / المراهقة / أحلام مكسورة / من قسوة أبي إلى جحيم زوجي

Share

من قسوة أبي إلى جحيم زوجي

last update publish date: 2026-09-20 03:41:26

كانت أول ليلة من زواجي أشبه بالكابوس، لم أكن أعي ما يحدث ولا ماذا يعني الزواج. رغم أنني صرت في الثامنة عشرة من عمري، إلا أن العزلة التي كنت أعيشها في بيت أبي، وعدم اختلاطي بالفتيات في المدرسة ولا في الحي، جعلت الزواج بالنسبة لي شيئا مجهولا، كلمة كبيرة لا أفهم معناها. كنت أسمع النساء يتحدثن عنه كأنه فرح وستر، لكنني لم أكن أفهم شيئا من هذا كله.

في بيت أبي كنت أعيش في غرفة صغيرة، لا أخرج إلا نادرا، أمي كانت قليلة الكلام، قليلة الحيلة، تعلمت الصمت منذ صغرها وورثته لي. وأبي كان يرى أن الفتاة يجب أن تبقى بعيدة عن أعين الناس، أن صوتها عورة وضحكتها عيب. لم يخبرني أحد ماذا ينتظرني، لم تقل لي أمي كيف تكون الحياة مع رجل غريب، كيف يكون البيت الجديد، وكيف تكون المسؤولية. لم تعلمني كيف أطبخ ولا كيف أتصرف إذا صرخ في وجهي زوجي. دخلت إلى بيت زوجي وأنا أحمل حقيبة صغيرة فيها ثوبان فقط، وقلب يرتجف من الخوف، وكنت أظن أنني ذاهبة لبيت جديد سيكون أرحم من بيت أبي.

مرت تلك الليلة طويلة جدا، طويلة كأنها دهر كامل. كنت أبكي بصمت، أضع يدي على فمي حتى لا يسمع أحد بكائي، وكنت أشعر بالخوف والظلم وعدم الفهم. كنت صغيرة ولا أعرف شيئا عن الحياة الزوجية، وكل ما شعرت به هو أنني وحيدة ومكسورة، كأنني غصن صغير كسرته الريح ورمته بعيدا. كنت أضم ركبتي إلى صدري، وأتمنى أن تشرق الشمس بسرعة لينتهي هذا الظلام الذي لم ينته.

في الصباح، استيقظت ووجدت نفسي في غرفة باردة، جدرانها من الطين، ورائحتها رطوبة وتبن لم تكن هناك نافذة كبيرة، فقط ثقب صغير يدخل منه الضوء خجولا كأنه يخاف هو الآخر من هذا البيت. جلست أنظر إلى يدي، كانتا ترتجفان، باردتين. سمعت صوت والدته تنادي من الخارج بصوت حاد لا رحمة فيه: "انهضي يا فتاة لقد اشرقت الشمس لا وجود للنوم هنا، النساء لا ينمن حتى الظهر".

مرت الأيام وبدأت الحياة الحقيقية تظهر على حقيقتها. أصبح يعاملني بقسوة أكبر من السابق. كان يستيقظ قبل الفجر ويطلب مني أن أنظف الحظائر وأطعم الماشية وأساعده في الحقل. أنا التي لم أكن أعرف حتى كيف أحمل دلو الماء، وجدت نفسي وسط روث الحيوانات والطين، يداي تشققتا ورجلاي تورمتا. رفضت في البداية، ليس تكبرا، ولكن خوفا وجهلا، لم أكن أعرف كيف أفعل ذلك، ولم يعلمني أحد.

بسبب رفضي، غضب وضربني ضربا مبرحا. كانت أول مرة في حياتي يضربني فيها رجل بهذه القسوة. لم يكن ضرب أبي قاسيا هكذا، كان أبي يصرخ فقط. أما هو فضربني حتى سقطت على الأرض. قال لي بصوت عال وهو يلهث: "ما فائدتك بالنسبة لي؟ أنت لا شيء، مجرد خسارة فادحة في حياتي، أهلك باعوك لي لتأكلي وتنامي فقط".

بكيت في ذلك اليوم كثيرا، حتى كادت دموعي تجف. جلست في زاوية الغرفة، أضم نفسي، وأتحسر على حالي وعلى حياتي التي ضاعت قبل أن تبدأ. تذكرت بيت أبي، تذكرت أمي وهي صابرة صامتة، وتذكرت كيف كنت أظن أن الزواج سيكون خلاصا لي من تلك الغرفة الصغيرة. كنت أعرف تمام المعرفة أنني بين أمرين أحلاهما مر، بيت أبي ليس جنة، وبيت زوجي جحيم على الأرض، ولا مفر لي من الاثنين.

لهذا قررت أن أصبر. قلت في نفسي، ربما يتغير، ربما هو فقط متوتر بسبب ضيق الحال وقلة المال، ربما لو صبرت قليلا سيحن قلبه ويرى أنني فتاة صغيرة لا حول لها. أمي أيضا صبرت طوال عمرها، لماذا أنا لا أصبر؟ كنت أردد هذه الجملة كل يوم كأنها دعاء، كأنها الحبل الوحيد الذي يربطني بالحياة.

لكن كلما صبرت، كانت الأمور تسوء أكثر. كنت لا أستطيع أن آكل حتى أشبع. كان الطعام قليلا، محسوبا باللقمة، وإذا أكلت في وجبة، محرم علي أن آكل مرة أخرى. كنت أجلس أنظر إلى صحنهم وهو يفرغ، ومعدتي تصرخ من الجوع، ولا أستطيع أن أتكلم، حتى لا يقال عني أنني جائعة ونهمة.

ذات مرة، لم أستطع تحمل الجوع، كان جوعا يقطع أمعائي، فأخذت القليل من الخبز اليابس وخبأته في الغرفة تحت الوسادة، لكي أسد به جوعي في الليل عندما ينام الجميع. لكنني لم أنتبه، وسقط القليل من الفتات على الفراش، على حصير قديم ننام عليه.

عندما دخل زوجي الغرفة ووجد فتات الخبز على الأرض، تغير وجهه واحمرت عيناه. قال لي: "كيف تجرئين أن تأكلي من وراء ظهري؟ تسرقين الخبز من بيتي؟" وصار يصرخ ويشتم بألفاظ لم أسمعها من قبل، وأنا مجمدة في مكاني وأنا مرعوبة، أرتجف كطير مذبوح.

ذهب وأخبر والدته، ومنذ ذلك اليوم، أصبحت والدته لا تترك الطعام أبدا في المطبخ، وتقفل عليه في غرفتها بالمفتاح، حتى الخبز اليابس. لم نكن نملك ثلاجة ولا فرنا ولا حتى سكرا، وكنت أذوق طعم اللحم مرة في الأسبوع فقط، يوم السوق، إذا بقي منه شيء. وثيابي لا أستطيع تنظيفها، كانت أبسط الأشياء المتعلقة بالنظافة غير متوفرة، كنت أغسل بماء بارد في البرد القارس.

ومع ذلك، قلت أصبر. صبرت وصبرت، ومرت الأيام ولم يتغير شيء، بل ازداد الوضع سوءا. أصبح يحضر أصدقاءه للمنزل في المساء، ويطلب مني أن أخدمهم وأصنع لهم الشاي وأنا حافية القدمين. كنت أرفض الأمر في داخلي، أشعر بالإهانة والذل، فكان يجبرني ويقول لي: "إن لم تخدميني أنا وأصدقائي، سأعيدك لبيت أهلك وأشوه سمعتك وأقول أنك لا تصلحين لشيء".

كنت في كل مرة أرضخ لطلبه، خوفا من كلام الناس، وخوفا من أن أعود إلى بيت أبي مطلقة في عمر الثامنة عشرة، فالمطلقة في قريتنا كأنها مذنبة، كأنها عار يلاحق أهلها.

مرت الشهور هكذا وأنا أعيش في جحيم لا يطاق. لم أحبل في هذه الفترة، وهذا ما جعله وأهله ينبذونني أكثر. كانوا يقولون لي كل يوم: "إن لم تنجبي، سأطلقك وسأتزوج امرأة حقيقية". كنت أرتعب من هذه الجملة وأبكي في الخفاء.

وأخيرا حدث الحمل. عندما عرفت أنني حامل، وضعت يدي على بطني وبكيت طويلا لوحدي في الحظيرة. شعرت أن حياة أخرى تنمو في داخلي، أن هناك قلبا صغيرا ينبض بجانب قلبي، وأنني أخيرا لن أكون وحدي في هذا البيت البارد الموحش.

في البداية فرحت، رغم كل شيء. قلت في نفسي، سيأتي طفل سيحبني بلا مقابل، سيكون لي عائلة صغيرة خاصة بي، سيكون لي من يقول لي "أمي". كنت أتخيل وجهه، أتخيل كيف سأحمله، وكيف سأناديه.

لكن سرعان ما بدأ الخوف والفقر يثقلان كاهلي. بدأت أتوحم وأشتهي أشياء بسيطة، برتقالة، بيضة، قليلا من الحليب، وكان يرفض أن يحضرها لي. كنت أطلب منه برتقالة أو قليلا من الحليب، فيقول لي: "لا يوجد مال لهذه التفاهات، أنت تتدلعين فقط". كنت أجوع كثيرا، وبدأ الرعب يلتهم قلبي.. كيف سأحمي طفلا في هذا الجحيم؟ كيف أطعمه وأنا لا أجد ما أسد به رمقي؟

مررت بأسابيع صعبة جدا، كنت أبكي كل ليلة وأنا أضع يدي على بطني، أشعر بالذنب والعجز. كنت أقول لنفسي أنني لست مستعدة، وأن هذا الطفل جاء في وقت خاطئ، في بيت خاطئ، مع رجل خاطئ. كنت خائفة أن أكون أما فاشلة، خائفة أن يكرهني طفلي عندما يكبر ويرى حياتنا البائسة.

وفي إحدى الليالي، بينما كنت غارقة في البكاء والظلام يحيط بي من كل جانب، شعرت لأول مرة بحركة خفيفة جدا في أحشائي، نبضة صغيرة كأنها تقول لي "أنا هنا". تجمدت في مكاني، ووضعت يدي بلهفة، وانهمرت دموعي لكن هذه المرة دموع مختلفة، دموع أم.

قلت بصوت خافت يرتجف: "سامحني يا صغيري، خفت كثيرا، لكنني الآن أسمعك، أنت تريد أن تعيش، وأنا سأعيش من أجلك". في تلك اللحظة، ولدت في داخلي قوة لم أعرفها من قبل، قوة الأمومة التي لا تقهر. وقررت أن أصبر، ليس خوفا، بل حبا في هذا الطفل الذي لم ير النور بعد.

لكن تلك القوة التي ولدت في داخلي سرعان ما وضعت على المحك..عندما بدأت اقترب من موعد الولادة..

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أحلام مكسورة   سأنجب فتاة رغم أنوفهم

    ​كانت حماتي تنظر إلي بغضب جارف، بعينين تقدحان شرراً وكأنني ارتكبت جُرماً لا يغتفر. وبعد صمت ثقيل طال حتى كاد يخنق أنفاس الغرفة، خاطبت الطبيب بنبرة حادة تتخللها الريبة والشك: "هل أنت متأكد من أنها فتاة؟ أرجوك يا دكتور، تأكد مرة أخرى، ربما هناك خطأ ما!"​ابتسم الطبيب بنوع من الهدوء المعتاد لدى الأطباء، وقال بنبرة حازمة ومطمئنة: "لا يوجد أي مجال للشك يا سيدتي، كنتُكِ حامل بفتاة، والجنين بصحة جيدة الحمد لله."​تراجعت حماتي إلى الخلف خطوة، وبدأت تتمتم بينها وبين نفسها بنبرة يملؤها السخط والاستنكار: "مستحيل... هذا غير معقول أبداً! لابد وأن هناك خطأً في الفحص !! "​ساد الصمت الغرفة مجدداً، صمت خنقت فيه الأنفاس وتضاربت فيه المشاعر، قبل أن تقاطعه الممرضة وهي تفتح الباب بقوة وتقول: "غرفة العمليات جاهزة الآن يا دكتور."​أومأ الدكتور برأسه وقال للممرضات: "حسناً، خذوا المريضة فوراً لنبدأ الإجراءات."​نُقلتُ إلى الغرفة، وعلى الرغم من رهبة العمليات ووجع الجسد، كان قلبي يكاد يطير من الفرح والسرور منذ تلك اللحظة التي علمت فيها أنني أحمل في أحشائي فتاة، قطعة مني تتنفس في داخلي.​جلست حماتي والخالة أم م

  • أحلام مكسورة   من تحت الرماد تولد نار جديدة

    بعد ذلك الضرب المبرح الوحشي الذي تلقيته من زوجي، فقدت وعيي تماما وسقطت على الأرض جثة هامدة ولم أستيقظ حتى اليوم الموالي. كنت غارقة في ظلام دامس من شدة الألم والخوف والرعب الذي عشته.عندما فتحت عيناي ببطء شديد وثقل، أول شيء فعلته غريزيا هو أنني تحسست بطني بيدي السليمة المرتجفة. أحسست بحركات طفلي الخفيفة، نبض صغير يتحرك داخلي برفق، كأنه يطمئنني ويقول لي بصوته الصامت الذي لا يسمعه إلا قلبي: "أنا بخير يا أمي، لا تخافي، أنا معك، مازلت هنا، لم يمت".نظرت حولي بصعوبة بالغة فوجدت أم محمد تجلس في أحد أركان الغرفة على كرسي خشبي قديم، وتنظر إلي بنظرات يملؤها الحزن العميق والشفقة والغضب في نفس الوقت. حاولت أن أتحرك قليلا لكي أسند ظهري على الحائط، لكن كان كل جسمي يؤلمني وعظامي كأنها مكسورة ومحطمة، كأن شاحنة كبيرة مرت فوق جسدي الضعيف وداستني. لم أستطع الحراك إطلاقا، كل حركة كانت تسبب لي ألما لا يطاق.فتقدمت خالتي أم محمد نحوي بسرعة عندما رأتني أتألم وحاولت النهوض وساعدتني كي أستند إلى الحائط. وضعت مخدة قديمة ومتسخة خلف ظهري برفق وقالت لي بحنان الأم التي لم أجده في أمي الحقيقية: "ليتني أستطيع مساعدت

  • أحلام مكسورة   لم يرحم طفلي وحاول قتله

    خرجت مني كلمات مبعثرة وأنا أرتجف من الخوف الشديد والهلع الذي تملكني بالكامل. حاولت أن أشرح له، قلت بصوت متقطع، مبحوح، لا يكاد يُسمع من شدة البكاء والشهقات التي كانت تخنقني: "لقد ذهبت مع أم محمد إلى المستوصف فقط لأطمئن على طفلي، لم أفعل شيئاً يغضبك، والله العظيم لم أفعل شيئاً سيئاً، استمع إلي أرجوك".ما إن أنهيت كلماتي البسيطة حتى تقدم زوجي راشد نحوي بخطوات ثقيلة ومخيفة، وهو ممسك بحزامه الجلدي العريض والشر يملأ عينيه الباردتين، كان وحشاً آدمياً ضارياً لا يعرف الرحمة ولا يملك أدنى ذرة من الإنسانية، كانت عيناه حمراوين ومحتقنتين بالغضب والغل.أمسكني من شعري بعنف شديد وجبروت، وصار يجرني على الأرض نحو الغرفة كأنني جثة بلا قيمة، وأنا أصرخ بأعلى صوتي وأتوسل إليه بدموع حارقة. كنت أصرخ بصوت هز أرجاء البيت وسمعه كل الجيران في الدوار: "أرجوك يا راشد، أرجوك لا تؤذي طفلي، اضربني أنا، افعل بي ما تشاء لكن لا تضرب بطني، أتوسل إليك بحق الله، إنه لا ذنب له في شيء، إنه ما زال صغيراً وضعيفاً ولا يحتمل!".لكنه كان قد أعمى الغضب قلبه وعقله، فلم يسمع صراخي ولم يهتم بدموعي وتوسلاتي ؛ كيف سيسمعها وهو لم يهتم ل

  • أحلام مكسورة   سأتحمل أي شيء من أجل إبني

    عندما اقترب موعد ولادتي، مرضت جدا وأصبت بنزيف.لم أكن أعرف أن الشهر الأخير سيكون بهذه القسوة. كنت ثقيلة، بطيئة الحركة، لا أستطيع النوم من ثقل بطني ومن الخوف. في ذلك الصباح البارد، استيقظت قبل الفجر على إحساس غريب، إحساس مبلل. فتحت عيني ببطء، ومددت يدي تحت الغطاء، ثم نظرت إليها.كانت دماء.تجمد الدم في عروقي، وشعرت أن قلبي سيتوقف. وضعت يدي فورا على بطني وأنا أرتجف كأن زلزالا يضرب جسدي كله. لم أكن أعرف ما معنى النزيف في الحمل، أمي لم تخبرني شيئا، لم يعلمني أحد. لكن قلبي، قلب الأم الذي بدأ ينبض داخلي، قال لي أن طفلي في خطر، أن صغيري الذي لم أره بعد يستغيث بي.خرجت من الغرفة حافية، أجر ثوبي الثقيل، ودموعي تسبق خطواتي. وجدت زوجي يجلس يشرب الشاي مع أمه. وقفت أمامه وترجّيته، نسيت كل كرامتي وكل خوفي، قلت له وصوتي يتقطع: "أرجوك، أتوسل إليك، خذني إلى الطبيب، أنا أنزف، أخاف على طفلنا، أخاف أن يموت في بطني".لكنه لم يتحرك. نظر إلي من فوق إلى تحت ببرود وقسوة لم أر مثلها من قبل، كأنه ينظر إلى شيء مقزز. ثم قال لي بكل احتقار وبصوت عال سمعته أمه: "جميع النساء أنجبن ولم يحدث لهن شيء، أنت تتدللين فقط، ت

  • أحلام مكسورة   من قسوة أبي إلى جحيم زوجي

    كانت أول ليلة من زواجي أشبه بالكابوس، لم أكن أعي ما يحدث ولا ماذا يعني الزواج. رغم أنني صرت في الثامنة عشرة من عمري، إلا أن العزلة التي كنت أعيشها في بيت أبي، وعدم اختلاطي بالفتيات في المدرسة ولا في الحي، جعلت الزواج بالنسبة لي شيئا مجهولا، كلمة كبيرة لا أفهم معناها. كنت أسمع النساء يتحدثن عنه كأنه فرح وستر، لكنني لم أكن أفهم شيئا من هذا كله. في بيت أبي كنت أعيش في غرفة صغيرة، لا أخرج إلا نادرا، أمي كانت قليلة الكلام، قليلة الحيلة، تعلمت الصمت منذ صغرها وورثته لي. وأبي كان يرى أن الفتاة يجب أن تبقى بعيدة عن أعين الناس، أن صوتها عورة وضحكتها عيب. لم يخبرني أحد ماذا ينتظرني، لم تقل لي أمي كيف تكون الحياة مع رجل غريب، كيف يكون البيت الجديد، وكيف تكون المسؤولية. لم تعلمني كيف أطبخ ولا كيف أتصرف إذا صرخ في وجهي زوجي. دخلت إلى بيت زوجي وأنا أحمل حقيبة صغيرة فيها ثوبان فقط، وقلب يرتجف من الخوف، وكنت أظن أنني ذاهبة لبيت جديد سيكون أرحم من بيت أبي. مرت تلك الليلة طويلة جدا، طويلة كأنها دهر كامل. كنت أبكي بصمت، أضع يدي على فمي حتى لا يسمع أحد بكائي، وكنت أشعر بالخوف والظلم وعدم الفهم. كنت صغ

  • أحلام مكسورة   طُفولة مسروقَة

    وأنا في السابعة من عمري، كنتُ أرى الفتياتِ في الشارع يلعبن ويمرحن، يضحكن بأعلى أصواتهنّ، ويركضن خلف بعضهنّ البعض بثيابهنّ الملونة الزاهية. كنت أراقبهنّ من خلف شقوق الباب الخشبي القديم، أرى الفرحة تطير من عيونهنّ الصغيرة وهوائهنّ المليء بالحرية والضحكات التي تنطلق بلا خوف ولا حساب. بينما كنتُ أنا أجلس في زاوية المنزل الباردة، أضمّ ركبتَيَّ إلى صدري، وأحاول أن أختفي في ظلي حتى لا يشعر أحد بوجودي.في تلك الزاوية النائية، كنتُ أسمع بكاء أمي وحسرتها الدائمة على حالها. كانت تبكي بصمت قاتل، تضع يدها على فمها بقوة وتضغط بشفتيها حتى لا يخرج منها أي صوت يُذكر وقد يثير غضب أبي، لكنني رغم صمتها المفتعل، كنتُ أسمعها جيداً. كنتُ أشعر بكل شهقة مكتومة تخرج من صدرها المكسور وكأنها سكين حاد ينغرس في قلبي الصغير الضعيف. لم أكن أفهم حينها سر هذا الخوف الدائم، ولا لمَ نعيش في هذا البيت وكأننا مسجونون ننتظر صدور الأحكام بحقنا في كل لحظة.كان أبي رجلاً قاسياً للغاية، قسوته لم تكن مجرد طباع عادية أو صرامة أب، بل كانت قسوة مظلمة تسكن الجدران وتجعل هواء البيت ثقيلاً ومخنقاً. لم يكن يسمح لنا باللعب أو الخروج لر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status