LOGINلم أذق طعم النوم الهادئ في تلك الليلة؛ فقد قضيتُ ساعات المساء الطويلة وصباح اليوم التالي منكبّاً على الكتب والمراجع الهندسية فوق مكتبي الصغير، أحاول قراءة الفصول الأولى وفكّ طلاسمها بنفسي قبل موعدي المنتظر معها. لم أكن أريد بأيّ حالٍ من الأحوال أن أظهر أمامها بمظهر الأبله الذي يجلس ببرود وهو لا يفقه شيئاً مما تقول؛ فكبريائي الصامت وخجلي الشديد لم يكونا ليحتملان نظرة استغرابٍ واحدة أو شفقةٍ عابرة من عينيها الخضراوين الساحرتين. كنتُ أقرأ الصفحة تلو الأخرى وأعيد تدوين الملاحظات، دافعاً ذهني إلى أقصى حدوده فقط لأكون جديراً بالوقت الذي ستمنحه لي.
وصلتُ إلى مكتبة الكلية قبل الموعد المحدد بربع ساعة، واخترتُ طاولةً خشبيةً منزويةً في ركنٍ هادئ بعيداً عن حركة الطلاب وضجيجهم. وبصراحةٍ تامة، كنتُ أتوقع بنسبةٍ كبيرةٍ أنها لن تحضر أصلاً؛ ففتاةٌ مثل نارين، تضجّ حياتها بالشهرة وتحيط بها الصديقات والمعجبون من كل جانب، لا بد أنها عرضت عليّ المساعدة بالأمس من باب المجاملة اللطيفة وأداء الواجب الشكلي كمنسقةٍ للدفعة، ومن المؤكد أنها ستنسى الأمر برمته وسط ازدحام يومها. بل إنني لم أحضر إلى المكتبة إلا احتياطاً، خشية أن تفي بوعدها وتأتي فلا تجدني في مكان الموعد، فيبدو تصرفي فظاً وغير لائقٍ بفتاةٍ بادرت باللطف معي. غير أن عقارب الساعة ما إن لامست الثانية ظهراً، حتى رأيتها تدلف من باب المكتبة بخطواتها الواثقة وحضورها الذي يسرق الأنفاس. اقتربت من طاولتي بابتسامتها الساحرة التي تضيء المكان حولها، وألقت التحية بصوتها الرقيق الذي يبعثر نبضات قلبي ويربك سكوني المعتاد، ثم سحبت الكرسي المجاور وجلست بقربي، فاتحةً دفترها الكبير ومخططاتها دون مقدماتٍ طويلة. بدأت نارين تشرح لي القواعد الأساسية للمساق والنظريات التي فاتتني في الأسابيع الثلاثة الأولى. ومنذ الدقائق الأولى لحديثها، أدركتُ كم هي فتاةٌ ذكيةٌ وبارعة؛ كانت ترتب الأفكار المعقدة بسلاسةٍ مدهشة، وتنتقل من نقطةٍ إلى أخرى بتمكنٍ واضحٍ وأسلوبٍ مبسطٍ يدل على فهمٍ عميق. ضغطتُ على ذهني بأقصى طاقتي، وحشدتُ كل ذرة تركيزٍ أملكها كي لا تفوتني معلومةٌ واحدة أو إشارةٌ عابرة؛ كنتُ أخشى أن أستوقفها لأسأل عن تفصيلةٍ بسيطةٍ فتظن أنني غبيٌّ أو بطيء الاستيعاب، فرحتُ ألتهم كلماتها التهاماً وأربطها بما سهرتُ على قراءته ليلة أمس. ولكن، وسط جهادي العقلي المستميت للفهم والتركيز، كان هناك عدوٌّ لطيفٌ يشتت انتباهي بلا رحمةٍ طوال الوقت: "يداها". كلما أشارت بأصابعها على الرسوم التوضيحية والأسطر المكتوبة في الدفتر، كانت عيناي تنزلقان رغماً عني نحو كفّها؛ كانت يدها شديدة البياض، فائقة الرقة والنعومة كأنها منحوتةٌ من المرمر الصافي، وتزين أصابعها النحيلة خواتمُ ذهبيةٌ رفيعةٌ وجميلة تلمع ببريقٍ دافئ تحت إضاءة المكتبة الهادئة. كنتُ أبذل مجهوداً جباراً ومضاعفاً لأرفع بصري عن حركة أصابعها الرشيقة وخواتمها الذهبية، وأجبر عقلي المشتت على البقاء داخل حدود الهندسة والخطوط، لا داخل تفاصيل رقتها وجمالها الطاغي. حين أنهت نارين الشرح، أغلقت الدفتر قليلاً وسألتني عن بعض النقاط المحورية لتختبر مدى استيعابي، فأجبتها فوراً بدقةٍ وسرعةٍ أدهشتاها. اتسعت ابتسامتها العذبة، وأشرق وجهها وهي تقول بإعجابٍ صادق: «أنتَ سريع البديهة حقاً يا فارس! الموضوع معقدٌ ودقيق، وكنتُ أظن أننا سنحتاج وقتاً أطول بكثير لتجاوزه، لكنك التقطتَ الفكرة ببراعةٍ ومن المرة الأولى.. سنتفق على لقاءٍ آخر قريباً لنكمل ما تبقى من المحاضرات». شعرتُ بنشوةِ انتصارٍ خفيةٍ تغمر صدري وتزيح جبل التوتر عن كتفيّ، وشكرتها بكلماتٍ مقتضبةٍ خجولة قبل أن نجمع أوراقنا ونفترق عند باب المكتبة. ومع حلول المساء، وبعد أن عدتُ إلى هدوء غرفتي، أضاءت شاشة هاتفي برسالةٍ جديدةٍ منها؛ كانت تطمئن فيها عليّ، وتؤكد بلطفها المعهود أنني لم أتعبها على الإطلاق أثناء الجلسة، بل أثنت مجدداً على سرعة فهمي وتركيزي، ثم أرفقت مع رسالتها صوراً لملخصاتٍ مرتبةٍ بخط يدها الأنيق لتساعدني على المراجعة وتثبيت المعلومات. تأملتُ رسالتها طويلاً وأنا أبتسم في عزلتي، دون أن أعلم أن يوم الغد في مرسم الكلية كان يخبئ لي مفاجأةً أكبر!سحبتُ نفساً عميقاً، وأدرتُ مقبض الباب الداخلي بخفةٍ متوترة. دخلتُ الصالة الواسعة التي كانت مضاءةً بثريا كريستالية فخمة، وكما توقعت، كانت والدة نارين تجلس على أريكةٍ مخملية تقرأ كتاباً. رفعت رأسها وابتسمت لي بحنانٍ جعلني أشعر بذنبٍ فوري. «أهلاً بعودتك يا حبيبتي، هل تأخرتِ في المرسم؟» سألتني وهي تغلق كتابها. تذكرتُ تعليمات نارين الصارمة قبل دقائق؛ ألا أقف متصلباً، وأن أبتسم، وأن أقبّلها. ارتخيتُ قليلاً، ومضيتُ نحوها بخطواتٍ حاولتُ جاهدةً ألا تبدو كمسيرةٍ عسكرية. انحنيتُ وقبّلتُ رأسها، ثم قلت بصوتها الرقيق محاولاً إخفاء توتري: «نعم يا أمي، أنا متعبةٌ جداً وسأصعد لأنام فوراً». أومأت بتفهم، فتنفستُ الصعداء وأسرعتُ نحو السلالم متجهاً إلى الطابق العلوي. في الوقت ذاته، وعلى الجانب الآخر من المدينة، كانت نارين تقف أمام باب منزلي العادي. أدارت مفتاحي ودخلت بحذر. كانت والدتي في المطبخ، وأبي يتابع نشرة الأخبار. حاولت نارين المشي بخطواتٍ واسعة، وتكليف ملامحي بعبوسٍ لم أكن أعلم أنه يتطلب كل هذا الجهد. «مساء الخير»، قالت بصوتي الخشن متجهةً إلى الممر مباشرة. «أهلاً يا بني»، رد والدي دون أن
مرت لحظات الصدمة الأولى كأنها دهرٌ كامل، ثقيلة، مرعبة، وخارجة عن كل قوانين المنطق التي بنيتُ عليها حياتي.وقفنا في منتصف المرسم نتأمل الكارثة، والرعب يعقد ألسنتنا ويشل تفكيرنا. اندفعت نارين، التي كانت تسكن جسدي الآن، نحو المرآة الطويلة المستندة إلى الحائط. راقبتُها بذهولٍ تام؛ كان مشهداً خيالياً لا يصدقه عقل، أن أرى نفسي، بصورتي وبنيتي الجسدية الضخمة، أقفز بهلع، وأتحسس وجهي بخطواتٍ أنثويةٍ متوترة، ثم أنهار باكياً بطريقةٍ هستيرية لا تمت لصلابتي وجمودي بصلة!حاولتُ أن أتحرك نحوها، فباغتتني خفةٌ غريبة في وزني، واختلالٌ تام في مركز توازني المعتاد. خصلات شعرٍ طويلة وناعمة انسدلت على وجهي، وحين مددتُ يدي لأبعدها، وتأملتُ أصابعي الرقيقة وتلك الخواتم الذهبية التي كنتُ أسترق النظر إليها في المكتبة بالأمس القريب، أدركتُ حقيقة الكابوس: أنا الآن داخل جسد نارين!«كيف حدث هذا يا فارس؟!» صرخت نارين بصوتي الخشن العميق، وهي تضرب صدرها الواسع -الذي هو صدري- بيديها بقوة، مما جعل المشهد أكثر إرباكاً وغرابة.جمعتُ شتات عقلي، وفرضتُ عليه أن يتجاهل هذا الرعب للحظات، متجاهلاً النبضات السريعة لقلبي الجديد
ابتسمت نارين بخبثٍ حين أخليتُ لها طاولة المرسم الجامعي معلناً استعدادي لتبديد أوهامها، لكنها بدلاً من فتح الملف، أعادته إلى حقيبتها فوراً وأحكمت إغلاقها. عقدتُ ذراعيّ أمام صدري متسائلاً: "ما الأمر؟ هل تراجعتِ عن خوض التجربة بعد كل هذا الحماس؟". هزت رأسها نفياً وقالت بنبرةٍ جادةٍ تتناقض مع ابتسامتها: "بالطبع لا يا فارس! لكن طقوساً كهذه لا يمكن إقامتها هنا في مرسم الجامعة؛ هناك شروطٌ محددة يجب توفيرها، وإضاءةٌ معينة، ونحن بحاجةٍ إلى هدوءٍ مطلق لا يقطعه دخول عامل النظافة أو حارس الكلية. لذلك، سأدعوك الليلة لتزورني في مرسمي الخاص بالبيت، هناك سنكون بمأمنٍ وننفذ كل شيءٍ بحذافيره". لم يكن أمامي سوى الموافقة لإنهاء هذا الهوس الذي تملكها. في العاشرة من مساء ذلك اليوم، كنتُ أقف أمام باب مرسمها الملحق بحديقة منزلها. استقبلتني بملابس مريحةٍ داكنة، وأدخلتني إلى غرفتها التي كانت تفوح برائحة الألوان الزيتية والقهوة. ولكنها الليلة أضافت لمساتٍ غريبة؛ أطفأت المصابيح الكهربائية، ووزعت شموعاً سوداء حول طاولةٍ منخفضة في منتصف الغرفة، وأشعلت بخوراً ذا رائحةٍ خانقة يبعث ضباباً خفيفاً في الأجواء.
مرت الأشهر بطيئةً. وتطورت علاقتنا لتتجاوز حدود الزمالة ومقاعد المحاضرات، وتصبح أقوى وأغرب صداقةٍ يمكن أن يشهدها الحرم الجامعي بأكمله. الشاب الانطوائي الذي يهرب من التجمعات، والفتاة الصاخبة التي تلاحقها الأضواء أينما حلت، أصبحا ثنائياً لا يفترق. كنا نتشارك كل شيء؛ أسرارنا، هواجسنا، وحتى أفكارنا الأكثر جنوناً وتمرداً. ومن بين كل التناقضات الصارخة التي جمعتنا، اكتشفنا قاسماً مشتركاً غريباً لم أتوقعه يوماً: شغفنا الشديد بخوض التحديات الغامضة، والمغامرات غير المألوفة التي تكسر روتين حياتنا الجامعية الرتيبة. كانت نارين تجد في هدوئي ملاذاً من زيف المتملقين، وكنت أجد في حيويتها نافذةً أطل منها على حياةٍ لم أجرؤ يوماً على عيشها. في ظهيرة أحد الأيام، كنت أجلس وحيداً في مرسم الكلية الواسع. كان الوقت متأخراً نسبياً، والطلاب قد غادروا لتفرغ القاعة إلا من طاولتي، وبعض اللوحات المتناثرة، ومجسمٍ معماري أعكف على تصميمه بهدوء. فجأة، فُتح باب المرسم واندفعت نارين إلى الداخل بخطواتٍ لاهثة وعينين تلمعان بحماسٍ مفرط. أغلقت الباب الخشبي خلفها بسرعة، وألقت بحقيبتها على طاولتي مبعثرةً بعض أقلامي. سألتها
جلسنا معاً بعد انتهاء المحاضرة في ركنٍ هادئ من كافتيريا الكلية، وكانت نارين تنظر إليّ بابتسامة متشككة وهي تقلب قلمها بين أصابعها، في انتظار أن أكشف لها سر خطتي المجنونة للتعامل مع الدكتور سليم. قلت لها بصوت هادئ ومدروس وأنا أتأمل فنجان القهوة أمامي: «الأمر أبسط مما تتخيلين يا نارين، ولكنه يتطلب دقة في التنفيذ. هل لاحظتِ جيداً ملامحه في المحاضرات؟ الدكتور سليم ليس مرعباً كما يظن الجميع، بل هو أستاذ جديد تماماً، يخوض تجربته التدريسية الأولى في الجامعة وهو في سن مبكرة نسبياً. بما أنه صغير في السن وجديد على القاعة، لم يأخذه الطلاب بجدية في البداية، بل إن بعضهم كان يهمس ويستخف به خلف ظهره. هذا وضعّه في أزمة نفسية وعقدة نقص واضحة، فأصبح يحاول مداراة هذا النقص بوجه عبوس وطباع حادة، ظناً منه أن القسوة ستصنع له هيبة وهمية في عيوننا». اتسعت عيناها الخضراوان دهشة وهي تربط الكلمات ببعضها وقالت: «يا الهي.. هذا يفسر لماذا يصرخ لأفهّم الأسباب التافهة ولماذا يبدو متوترًا دائماً! وما هي خطتك إذن؟». أجبتها بثقة: «استراتيجيتي قائمة على النفاق المحمود، المجاملة الذكية، والتعظيم المبالغ فيه لعلمه
في صباح اليوم التالي، كانت محاضرتنا تُعقد في المرسم الهندسي الكبير. وكعادتي، اخترتُ طاولةً خشبيةً في الركن الخلفي البعيد، وجلستُ أرتب أدواتي في هدوءٍ تام. وبعد دقائق، دخلت نارين إلى المرسم؛ فوقعت عليها الأنظار كالمعتاد، وتوقع الجميع أن تتجه نحو الطاولات الأمامية الفارغة حيث اعتادت الجلوس مع زميلاتها المقربات.ولكن، وسط دهشةٍ ألجمت القاعة بأكملها، تجاوزت نارين كل المقاعد الشاغرة، وسارت بخطواتٍ واثقةٍ ومباشرة نحو زاويتي المنعزلة، ثم سحبت الكرسي المجاور لطاولتي وجلست بجانبي وهي تلقي التحية بابتسامةٍ مشرقة!شعرتُ بعشرات الأعين تحاصرنا بذهولٍ تام؛ كان الطلاب يتبادلون النظرات والهمسات المستغربة: كيف تترك نارين، الفتاة الأشهر والأجمل التي يطاردها الجميع، كل طاولات المرسم لتجلس بجوار هذا الشاب الصامت المنطوي الذي لا يكاد أحدٌ يذكر اسمه؟ والأدهى من ذلك أنها راحت تتحدث معي بعفويةٍ مطلقة وتضحك بصوتها الرقيق كأننا صديقان منذ سنوات!وقبل أن أستوعب الموقف، دخل الدكتور "سليم" بوجهه العابس، وأعلن بصرامةٍ عن إجراء امتحانٍ مفاجئ!سرت همهمةٌ من التوتر والاعتراض بين الطلاب، بينما التفتت نارين نحوي س







