LOGINتجمّدت الكلمات في حلقي، وشعرتُ وكأن الزمن قد توقف في تلك الزاوية المعزولة من المدرج. نظرتُ إلى وجهها الفاتن ثم إلى يديها اللتين تمسكان الدفتر والقلم، وتزاحمت عشرات التساؤلات في رأسي الصامت: كيف تطلب رقم هاتفي بهذه البساطة؟ ولماذا يكون الأمر بهذه السهولة معها؟
لم أكن ساذجاً لأجهل حقيقة نفسي، ولا حقيقة العالم من حولي. أنا بالفعل منجذبٌ إليها منذ اللحظة الأولى التي خطت فيها داخل القاعة، ولكنني كنتُ أوقن في قرارة نفسي أن فتاةً بجمالها الساحر وجاذبيتها الطاغية يلتف حولها جمهورٌ غفيرٌ من المعجبين والمتملقين في كل خطوةٍ تخطوها. فتاةٌ مثلها تغلق الأبواب في وجوه الجميع، والوصول إلى قلبها أو حتى لفت انتباهها رحلةٌ شاقةٌ ومستحيلة لم أكن لأفكر في خوضها يوماً. فكيف تأتي هي بنفسها وبكامل إرادتها للتعرف عليّ؟ أنا الشاب الخفي الذي يجلس في الظل، والذي لا يلفت انتباه أحدٍ على الإطلاق! لا بد أن هناك شيئاً ما خطأ، أو أنني أعيش حلماً غريباً من آثار الحمى التي لازمتني أسابيع. قاطعت نارين شرودي الطويل وصمتي المربك، وحركت القلم بين أصابعها الرشيقة قائلةً بنبرةٍ هادئةٍ أعادتني إلى أرض الواقع: «أعطني الرقم من فضلك.. لا أريد أن ينتبه الدكتور لحديثنا». انتفضتُ خجلاً، وبصوتٍ خافتٍ أمليتُ عليها أرقامي العشرة واحداً تلو الآخر، وعيناي تراقبان انحناءة عنقها وهي تدوّن الرقم بخطٍ أنيق على طرف دفترها. وما إن انتهيت، حتى ابتسمت لي ابتسامةً سريعةً خاطفة، ثم أغلقت دفترها ونهضت عائدةً إلى مقعدها أمامي، آخذةً معها قلمي الرصاص عن طريق الخطأ دون أن تنتبه! فتحتُ فمي لأناديها، ورفعتُ يدي قليلاً لأخبرها أن القلم الذي بين أصابعها هو قلمي الوحيد، لكن الخجل كبّل لساني من جديد. آثرتُ الصمت، وراقبتُ قلمي وهو يستقر بين يديها، ووجدتُ في ذلك عزاءً غريباً ومبهجاً؛ فحتى لو كانت تلك المحادثة العابرة مجرد صدفةٍ لن تتكرر، فقد بقي شيءٌ مني معها. انتهت المحاضرة، وعدتُ إلى المنزل وأنا ما أزال غارقاً في دهشتي. ألقيتُ بجسدي المتعب على السرير، وأخرجتُ هاتفي أتفحصه بين الفينة والأخرى بترقبٍ لم أعهده في نفسي من قبل. لم يطل انتظاري؛ إذ أضاءت الشاشة فجأةً بإشعارٍ من تطبيق "واتساب" يحمل رقماً غير مسجل، وصورةً شخصيةً للوحةٍ فنيةٍ مفعمةٍ بالألوان. خفق قلبي بقوةٍ وأنا أقرأ السطور الأولى: «مرحباً فارس، أنا زميلتك نارين.. أعتذر على الإزعاج، ولكن أردتُ أن أسألك عن سبب تأخرك طوال هذه المدة، ولماذا لم أركَ في القاعة من قبل؟». كتبتُ لها بيدين مرتبكتين أشرح ظروفي الصحية ومرضي العارض الذي منعني من الالتحاق بالجامعة منذ بداية الفصل الدراسي. وبعد ثوانٍ معدودة، وصلني ردها التالي الذي بدّد كل الأوهام الوردية في رأسي، ووضع النقاط على الحروف: «حمداً لله على سلامتك يا فارس. في الحقيقة، أنا منسقة هذا المساق وممثلة الشعبة أمام الدكتور سليم، ومسؤوليتي هي تسجيل الحضور والغياب يومياً وإدارة مجموعة الواتساب الخاصة بالطلاب. استغربتُ وجودك اليوم لأنني لم أركَ سابقاً، واسمك لم يكن مسجلاً في المجموعة ولا في كشوفات الحضور الماضية، لذلك جئتُ إليك في مقعدك لأتأكد من وضعك وأضيف رقمك». تنفستُ الصعداء، وارتسمت على شفتيّ ابتسامةٌ ساخرةٌ من نفسي. الآن فهمتُ الموقف كاملاً! لم يكن الأمر إعجاباً مفاجئاً كما صوّر لي خيالي الساذج، بل كان مجرد واجبٍ طلابي تؤديه منسقة الدفعة النشيطة. كتبتُ لها باقتضابٍ مهذب: «فهمتُ الآن.. شكراً جزيلاً لاهتمامكِ يا نارين». ظننتُ أن المحادثة ستنتهي عند هذا الحد، غير أنها فاجأتني برسالةٍ أخرى: «على الرحب والسعة.. ولكن أخبرني، كيف هو تقدمك في مواد التخصص وهذا المساق؟ هل فاتك الكثير بسبب الغياب؟». أجبتها بصراحةٍ تامة: «بصراحة، أنا متأخرٌ جداً، وحضرتُ اليوم وأنا لا أفهم شيئاً مما يشرحه الدكتور لأنني فقدتُ الأساسيات في الأسابيع الثلاثة الأولى». لم تتأخر في الرد، وجاءت كلماتها حاسمةً وعفويةً تشبه شخصيتها: «لا تقلق أبداً، غداً بعد انتهاء المحاضرة سنلتقي في مكتبة الكلية، وسأشرح لك كل ما فاتك بنفسي». اتسعت عيناي أمام الشاشة، وسارعتُ بالكتابة محاولاً التملص من هذا المأزق الذي لا طاقة لخجلي به: «لا داعي لإتعابكِ معي يا نارين، سأحاول تدبر أمري والاعتماد على نفسي.. لا أريد أن أثقل عليكِ». لكن ردها الأخير جاء قاطعاً لا يقبل النقاش، وكأن عنادها قد استيقظ فجأة: «لا يوجد أيّ تعب، هذا واجبي كزميلةٍ لك. لن أقبل أيّ اعتذار.. غداً في تمام الثانية ظهراً عند مدخل المكتبة، ولا تتأخر!».سحبتُ نفساً عميقاً، وأدرتُ مقبض الباب الداخلي بخفةٍ متوترة. دخلتُ الصالة الواسعة التي كانت مضاءةً بثريا كريستالية فخمة، وكما توقعت، كانت والدة نارين تجلس على أريكةٍ مخملية تقرأ كتاباً. رفعت رأسها وابتسمت لي بحنانٍ جعلني أشعر بذنبٍ فوري. «أهلاً بعودتك يا حبيبتي، هل تأخرتِ في المرسم؟» سألتني وهي تغلق كتابها. تذكرتُ تعليمات نارين الصارمة قبل دقائق؛ ألا أقف متصلباً، وأن أبتسم، وأن أقبّلها. ارتخيتُ قليلاً، ومضيتُ نحوها بخطواتٍ حاولتُ جاهدةً ألا تبدو كمسيرةٍ عسكرية. انحنيتُ وقبّلتُ رأسها، ثم قلت بصوتها الرقيق محاولاً إخفاء توتري: «نعم يا أمي، أنا متعبةٌ جداً وسأصعد لأنام فوراً». أومأت بتفهم، فتنفستُ الصعداء وأسرعتُ نحو السلالم متجهاً إلى الطابق العلوي. في الوقت ذاته، وعلى الجانب الآخر من المدينة، كانت نارين تقف أمام باب منزلي العادي. أدارت مفتاحي ودخلت بحذر. كانت والدتي في المطبخ، وأبي يتابع نشرة الأخبار. حاولت نارين المشي بخطواتٍ واسعة، وتكليف ملامحي بعبوسٍ لم أكن أعلم أنه يتطلب كل هذا الجهد. «مساء الخير»، قالت بصوتي الخشن متجهةً إلى الممر مباشرة. «أهلاً يا بني»، رد والدي دون أن
مرت لحظات الصدمة الأولى كأنها دهرٌ كامل، ثقيلة، مرعبة، وخارجة عن كل قوانين المنطق التي بنيتُ عليها حياتي.وقفنا في منتصف المرسم نتأمل الكارثة، والرعب يعقد ألسنتنا ويشل تفكيرنا. اندفعت نارين، التي كانت تسكن جسدي الآن، نحو المرآة الطويلة المستندة إلى الحائط. راقبتُها بذهولٍ تام؛ كان مشهداً خيالياً لا يصدقه عقل، أن أرى نفسي، بصورتي وبنيتي الجسدية الضخمة، أقفز بهلع، وأتحسس وجهي بخطواتٍ أنثويةٍ متوترة، ثم أنهار باكياً بطريقةٍ هستيرية لا تمت لصلابتي وجمودي بصلة!حاولتُ أن أتحرك نحوها، فباغتتني خفةٌ غريبة في وزني، واختلالٌ تام في مركز توازني المعتاد. خصلات شعرٍ طويلة وناعمة انسدلت على وجهي، وحين مددتُ يدي لأبعدها، وتأملتُ أصابعي الرقيقة وتلك الخواتم الذهبية التي كنتُ أسترق النظر إليها في المكتبة بالأمس القريب، أدركتُ حقيقة الكابوس: أنا الآن داخل جسد نارين!«كيف حدث هذا يا فارس؟!» صرخت نارين بصوتي الخشن العميق، وهي تضرب صدرها الواسع -الذي هو صدري- بيديها بقوة، مما جعل المشهد أكثر إرباكاً وغرابة.جمعتُ شتات عقلي، وفرضتُ عليه أن يتجاهل هذا الرعب للحظات، متجاهلاً النبضات السريعة لقلبي الجديد
ابتسمت نارين بخبثٍ حين أخليتُ لها طاولة المرسم الجامعي معلناً استعدادي لتبديد أوهامها، لكنها بدلاً من فتح الملف، أعادته إلى حقيبتها فوراً وأحكمت إغلاقها. عقدتُ ذراعيّ أمام صدري متسائلاً: "ما الأمر؟ هل تراجعتِ عن خوض التجربة بعد كل هذا الحماس؟". هزت رأسها نفياً وقالت بنبرةٍ جادةٍ تتناقض مع ابتسامتها: "بالطبع لا يا فارس! لكن طقوساً كهذه لا يمكن إقامتها هنا في مرسم الجامعة؛ هناك شروطٌ محددة يجب توفيرها، وإضاءةٌ معينة، ونحن بحاجةٍ إلى هدوءٍ مطلق لا يقطعه دخول عامل النظافة أو حارس الكلية. لذلك، سأدعوك الليلة لتزورني في مرسمي الخاص بالبيت، هناك سنكون بمأمنٍ وننفذ كل شيءٍ بحذافيره". لم يكن أمامي سوى الموافقة لإنهاء هذا الهوس الذي تملكها. في العاشرة من مساء ذلك اليوم، كنتُ أقف أمام باب مرسمها الملحق بحديقة منزلها. استقبلتني بملابس مريحةٍ داكنة، وأدخلتني إلى غرفتها التي كانت تفوح برائحة الألوان الزيتية والقهوة. ولكنها الليلة أضافت لمساتٍ غريبة؛ أطفأت المصابيح الكهربائية، ووزعت شموعاً سوداء حول طاولةٍ منخفضة في منتصف الغرفة، وأشعلت بخوراً ذا رائحةٍ خانقة يبعث ضباباً خفيفاً في الأجواء.
مرت الأشهر بطيئةً. وتطورت علاقتنا لتتجاوز حدود الزمالة ومقاعد المحاضرات، وتصبح أقوى وأغرب صداقةٍ يمكن أن يشهدها الحرم الجامعي بأكمله. الشاب الانطوائي الذي يهرب من التجمعات، والفتاة الصاخبة التي تلاحقها الأضواء أينما حلت، أصبحا ثنائياً لا يفترق. كنا نتشارك كل شيء؛ أسرارنا، هواجسنا، وحتى أفكارنا الأكثر جنوناً وتمرداً. ومن بين كل التناقضات الصارخة التي جمعتنا، اكتشفنا قاسماً مشتركاً غريباً لم أتوقعه يوماً: شغفنا الشديد بخوض التحديات الغامضة، والمغامرات غير المألوفة التي تكسر روتين حياتنا الجامعية الرتيبة. كانت نارين تجد في هدوئي ملاذاً من زيف المتملقين، وكنت أجد في حيويتها نافذةً أطل منها على حياةٍ لم أجرؤ يوماً على عيشها. في ظهيرة أحد الأيام، كنت أجلس وحيداً في مرسم الكلية الواسع. كان الوقت متأخراً نسبياً، والطلاب قد غادروا لتفرغ القاعة إلا من طاولتي، وبعض اللوحات المتناثرة، ومجسمٍ معماري أعكف على تصميمه بهدوء. فجأة، فُتح باب المرسم واندفعت نارين إلى الداخل بخطواتٍ لاهثة وعينين تلمعان بحماسٍ مفرط. أغلقت الباب الخشبي خلفها بسرعة، وألقت بحقيبتها على طاولتي مبعثرةً بعض أقلامي. سألتها
جلسنا معاً بعد انتهاء المحاضرة في ركنٍ هادئ من كافتيريا الكلية، وكانت نارين تنظر إليّ بابتسامة متشككة وهي تقلب قلمها بين أصابعها، في انتظار أن أكشف لها سر خطتي المجنونة للتعامل مع الدكتور سليم. قلت لها بصوت هادئ ومدروس وأنا أتأمل فنجان القهوة أمامي: «الأمر أبسط مما تتخيلين يا نارين، ولكنه يتطلب دقة في التنفيذ. هل لاحظتِ جيداً ملامحه في المحاضرات؟ الدكتور سليم ليس مرعباً كما يظن الجميع، بل هو أستاذ جديد تماماً، يخوض تجربته التدريسية الأولى في الجامعة وهو في سن مبكرة نسبياً. بما أنه صغير في السن وجديد على القاعة، لم يأخذه الطلاب بجدية في البداية، بل إن بعضهم كان يهمس ويستخف به خلف ظهره. هذا وضعّه في أزمة نفسية وعقدة نقص واضحة، فأصبح يحاول مداراة هذا النقص بوجه عبوس وطباع حادة، ظناً منه أن القسوة ستصنع له هيبة وهمية في عيوننا». اتسعت عيناها الخضراوان دهشة وهي تربط الكلمات ببعضها وقالت: «يا الهي.. هذا يفسر لماذا يصرخ لأفهّم الأسباب التافهة ولماذا يبدو متوترًا دائماً! وما هي خطتك إذن؟». أجبتها بثقة: «استراتيجيتي قائمة على النفاق المحمود، المجاملة الذكية، والتعظيم المبالغ فيه لعلمه
في صباح اليوم التالي، كانت محاضرتنا تُعقد في المرسم الهندسي الكبير. وكعادتي، اخترتُ طاولةً خشبيةً في الركن الخلفي البعيد، وجلستُ أرتب أدواتي في هدوءٍ تام. وبعد دقائق، دخلت نارين إلى المرسم؛ فوقعت عليها الأنظار كالمعتاد، وتوقع الجميع أن تتجه نحو الطاولات الأمامية الفارغة حيث اعتادت الجلوس مع زميلاتها المقربات.ولكن، وسط دهشةٍ ألجمت القاعة بأكملها، تجاوزت نارين كل المقاعد الشاغرة، وسارت بخطواتٍ واثقةٍ ومباشرة نحو زاويتي المنعزلة، ثم سحبت الكرسي المجاور لطاولتي وجلست بجانبي وهي تلقي التحية بابتسامةٍ مشرقة!شعرتُ بعشرات الأعين تحاصرنا بذهولٍ تام؛ كان الطلاب يتبادلون النظرات والهمسات المستغربة: كيف تترك نارين، الفتاة الأشهر والأجمل التي يطاردها الجميع، كل طاولات المرسم لتجلس بجوار هذا الشاب الصامت المنطوي الذي لا يكاد أحدٌ يذكر اسمه؟ والأدهى من ذلك أنها راحت تتحدث معي بعفويةٍ مطلقة وتضحك بصوتها الرقيق كأننا صديقان منذ سنوات!وقبل أن أستوعب الموقف، دخل الدكتور "سليم" بوجهه العابس، وأعلن بصرامةٍ عن إجراء امتحانٍ مفاجئ!سرت همهمةٌ من التوتر والاعتراض بين الطلاب، بينما التفتت نارين نحوي س







