تسجيل الدخولجود انطلقتْ نبرةُ صوتِهِ العميقة الخافتة المبحوحةُ يملؤهُ الصدقُ والجوع، والإرهاق، كأن يوم واحد أنهاكه: -أنا لا أهتم بالمكان والوقت، لا أهتم بأي شيء، سوف نتكلم وننهى ذلك الآن.. ماذا سمعتِ عن رينيا ومَمن؟ هذا الحسم القاطع يزيده جاذبية لحد يفوق قدرة أي امرأة على التحمل، هذه السيطرة التي يفرضها دون أن بمسني تصهرني لحد أنصهر معه، ابتلع ريقي، أنفاسي تضرب وجهه المنحنى علىَّ، جسدي ينجذب للاحتكاك بجسده كقطبين مضادان. -من رينيا نفسها، كانت تتخدث لخالتها التي هي البروفيسورة المشرفة على بحثى، والتي كنت في مكتبها. لم يفك حصاري، بل انحنى أكثر وفكه يتشدد، يهز رأسه بهمهمة عميقة لأتابع: -أخبرتها أنها لديها مشاعر لك، وأنكما علاقة مستمرة منذ فترة، وأنك في مرحلة انتقالية مهمة وتحتاج الاستقرار وهي الخيار الأنسب لك. مررت لساني فوق شفتي، وعيناه توقفت فوقهما، الهواء يثقل ويتباطئ حولنا، أضافت بنبرة واضحة المعني: -وأي شيء آخر هو علاقة عابرة في مرحلة انتقالية. ضغط شفتيه معًا، عيناه دارت ثم عادت تركز على وجهي: -أي هراء المرحلة الانتقالية هذا؟ أنا لست في مرحلة انتقالية، أنا أعرف ما أفعله، أنا
جود حينَ دَلَفْتُ عبرَ البابِ الحديديِّ المؤدي إلى المسبحِ الأولمبي في تمامِ الخامسة وخمسة عشرة دقيقة فجرًا، كانَ الضبابُ الكثيفُ يلتفُّ حولَ الحوافِّ الرخاميةِ كغشاء رماديّ. لماذا متأخرة؟ لأنني أردت تجنب وجودي معه وحدنا، أردت التأكد من وصول الجميع أولًا لأنني لازلت أرتعش داخليًا، لازال كل شيء متصخم في نفسي، ولا أفهمه، أو لا أريد أن أدركه. وقد كنتُ أظنُّ أنني واجهتُ الأسوأ بالأمسِ، أنني أدركت كل شيء، ثم خسرت كرامتى حينَ استسلمتُ لدموعي خلفَ بابِ شقتي، منحته صك بأنني أهيم وغير قادرة على السيطرة على مشاعرى. لكنَّ ما رأيتهُ في تلكَ الثانيةِ جعلَ نبضَ ساعتي الرقميةِ يثبُ وثبةً جنونيةً أطاحتْ بكلِّ ثباتي مرة أخرى بعد أن بالكاد لملمت أشلائه. كانَ يقفُ هناك، بجسدِهِ الرياضيِّ الطاغي وعضلاتِ ظهرِهِ العريضةِ التي تقطرُ ماءً إثرَ سباحةٍ عنيفة، وأمامه تمامًا، كانتْ تقفُ رينيا. كانتْ تضعُ يدَها على ذراعِهِ المبللةِ بجرأةٍ أشعلتْ في عروقي موجةً من الغليانِ لم أعهدْها في نفسي أبدًا، في تلكَ اللحظةِ تحديدًا، انقشعَ البرودُ الذي كنتُ أحتمي خلفَهُ دائمًا، واكتشفتُ وجهًا مرعبًا لـ نفس
تي جيه دخلتْ ترتدي معطفًا شتويًّا، وعيناها تلمعانِ بإصرارٍ غريبٍ ونوعًا سخيف، تراجعتُ خطوةً للخلف، وهتفت بنبرةٍ حادةٍ وقاطعةٍ كالسكين: -ماذا بحق الجحيم تفعلين هنا رينيا؟ منذُ متى وأنتِ تأتي إلى هنا؟ لم تلتفتْ لغضبي، بل تقدمتْ بعنادٍ، وضعتْ يدَها على ذراعي، نبرة لاهثة، وجنتيها متوردة وأنفاسها متقطعة قليلًا: -أعرف أنك تأتي مبكرًا.. وأنا حقًا أريد أن أتحدث معك. -في ماذا؟ كادت أن ترد لكنني أضافت وعيني تتابع البوابة: -لقد تحدثنا في كل شيء، ووضحت كل شيء. التقطت أنفاسها، هدأت ثم استقامت، كأنه تصطنع ما تفعل: -تي جيه، اسمعني أرجوك!، أنا لا أستطيعُ العيشَ بدونك.. تلكَ العلاقةُ لم تكنْ كافيةً لي.. صمتت هنية، ثم سحبت نفسًا عميقًا: -أنا أحبكَ، وأريدُ فرصةً حقيقيةً معك، فرصة حقيقية لعلاقتنا. -لا يوجد علاقتنا! هتفتُ بعدم صبر، وسحبتُ ذراعي بعنفٍ مفرطٍ جعلَها تترنح، وتابعتُ بغليان: -نحن كنا نمارس الجنس بشكل عابر، لم أمنحكِ أي ألتزام، لم أقل أي شئ يوحى لكِ عكس ذلك. احتدت نظرتها، نظرت حولها ثم نحوي في عناد غبي: -ولكن هذه مرحلة انتقالية مهمة في حياتك، تحتاج لعلاقة مستقرة و
جود كانت شقتي غارقةً في ظلامٍ دامسٍ باستثناء الوميض الأزرق الخافت الذي ينبعثُ من شاشةِ هاتفي المحمول. جلستُ على الأرضِ الباردة، مسندةً ظهري إلى خشبِ باب غرفتي، بعد أن أغلقتُ باب الشقة في وجهِ تي جيه، ودموعي تنسابُ في صمتٍ مالحٍ حررَ كلَّ الكبتِ والتوترِ اللذَينِ عشتُهما طوالَ اليوم. لقد مر ساعة وأنا جالسة خلف باب غرفتي، أبكى كما لو أنه هذا كل ما أريد فعله في الحياة، كل ما أنا قادرة عليه، على الأقل في هذه الليلة. كلماته، ما قاله لى بدا كمجرة جديدة يدخلني إليها عنوة، مجرة للتو خاضت لحظة انفجارها، ووسط هذا أدخلني بفعل الجاذبية، والأسوأ أنني لا أريد الرحيل، أريد البقاء وسط هذه الانفجارات وأشكل بناء المجرة معه. وهذا خاطئ. لا أعرف لماذا، ولا النتائج التي جعلتني أفكر في ذلك ولكنه خاطئ، لأن هذا النوع من الجاذبية النارية المشتعلة التي تتفجر بيننا من مجرد نظرة أو مكالمة أو رسالة ليست صحية، لا توحي بعلاقة صحية، سوف نحترق فيها لا محالة. ولكنني أريد هذه الجاذبية، أريد ذلك الأنصهار، لكن إذا كان هذا مجرد مرحلة عابرة، علاقة جنسية سوف تخفت وتبهت وأصبح مثل رينيا! أريده وهو مع أخرىى سوف يق
تي جيه توقفت أنفاسي، رينيا؟ أين سمعتها؟ ماذا قالت بالضبط؟ هذا سيء! تابعت جود بصوت متهدج يملؤه البكاء، وأنا عاجز عن فعل شئء، وكسر الباب اللعين يبدو الحل الوحيد لكنني لا أريد إخافتها أكثر: -أنت.. أنت.. لا أنا.. أنا لن أكون مجرد رقم في قائمة علاقاتك السخيفة، لن أكون الفتاة التالية حتى لو كنت رقم واحد على قائمتك الآن. شعرت وكأن جدارًا أسمنتيًا هبط على رأسي، لقد مزحت في وقت خاطئ، زدت شعورها فوق التفسير الخاطئ، لقد أساءت فهم كل شيء، وتلك رينيا التي تحكي أشياء عن علاقة تجمعنا سوف أتعامل معها! ومالها ومرحلتي الانتقالية، أي مرحلة انتقالية، أنا أعرف ما الذي أريد فعله. أندفع اهتياج يأس داخلي، حاولت دفع الباب بقوة كفي، وهتفت بلهفة يائسة: -جود! هذا هراء، لا تجمعني برينيا أي علاقة.. كانت هناك ولكن ليست تلك النوعية من العلاقات، وأنا لست في مرحلة انتقالية، أنا أعرف ما الذي سوف أفعله.. أرجوكِ أفتحي الباب ودعيني أشرح لكِ، أقسم أن الأمر ليس كما تظنين. -رفيقتي هنا.. من فضلك أذهب. ردت من بين بكائها: -لا لقد ذهبت، أنا رأتها، أنا جلست لمدة أربعين دقيقة لا أعرف ما الذي أفعله حتى
تي جيه هي تريد أن تجعلني أجن هذه هدفها، وهي جيدة للغاية في الوصول إليها، لأنها بكل الطرق تفيدني عقلي. في البداية بالوحدة والعتاد، ثم الرقة في أن تفضي لى بخوفها والحادثة، ثم بحرارتها المشتعلة بيني بدي وكونني أول رجل يلمسها، ثم بذكائها وسخريتها، ثم بالغيرة التي تشعلها فيه، وأخيرًا ببرودها الذي يشتعل مثلها تمامًا! في كل مرة تنجح في أن تجعلني أجن، تفقدني تعلقي وسيطرتي. سحبتُ شهيقًا حادًّا كاد يمزق صدري وأنا أراقب طيف مؤخرة سيارتها يختفي وسط ضباب سياتل ومطرها اللعين. تبًا، لم أكن أفهم أي شيء أبدًا، تلك المرأة التي كانت تنام بين ذراعيّ قبل يومين، مستسلمة تمامًا لنبرة صوتي وضربات قلبي، تحولت اليوم إلى جدار من الجليد الصلب، تتعمد الإطاحة بي، مصابقتي، وتوجه اهتمامها لبقية أعضاء فريقي وتلقي بخاص باهتمامها ونبرتها التشجيعية لجاك اللعين وكأن كل ما بيننا لم يحدث. أقسم أنني بسببها سوف أقتل جاك، أنا لا أحبه على أي حال. ارتديت كنزتي السوداء على عجل، والدم يغلي في عروقي بغضب. ركبت سيارتي، وشغلت المحرك الذي زأر بعنف يماثل الإعصار داخل رأسي. لم يكن هناك مجال للتفكير أو التردد؛ شخصيتي لم







