Masukتسمرت قمر في مكانها، وكأن الجليد قد زحف من أطراف أصابعها ليغلف قلبها النابض بالرعب. كانت الورقة المطوية ترتجف بين أناملها، بينما عيناه الزمرديتان تخترقانها في عتمة الصباح الشاحب بنظرة فارغة، باردة، ومخيفة حد الموت. لم تكن تلك النظرة التي احتضنتها بشغف قبل ساعات، بل كانت نظرة قاتل محترف، زعيم مافيا لا يعرف الرحمة، ينظر إلى عقبة يجب إزالتها. «البروتوكول النهائي... اجعلها تنساني للأبد». رددت الكلمات في ذهنها وكأنها تعويذة ملعونة كتبت بدمائها. هل كان كل ذلك العناق، وتلك القبلات المحمومة، والدموع التي ذرفها عند قدميها مجرد مسرحية هزلية متقنة؟ هل كان يعلم أنها ستبحث في سترته، فترك هذه الورقة عمداً ليحطم آخر معاقل يقينها، أم أنها وثيقة إعدام حقيقية لمشاعرها وذاكرتها صدرت قبل أن يستسلم لغواية جسدها في الليلة الماضية؟ ابتلعت ريقها الجاف، وحاولت أن تستجمع شتات كبريائها المهدور، أن تصرخ في وجهه، أن تلعن عشقه الكاذب الذي جعلها تتخلى عن حذرها، لكن الكلمات اختنقت في حنجرتها حين بدأ ينهض ببطء من على الأريكة الجلدية، ملامحه متصلبة كتمثال من الجرانيت، وعضلات جسده العاري تتوتر بتهديد صامت، ينذر بعاصفة لا تبقي ولا تذر.
خطا نحوها خطوة واحدة، خطوة ثقيلة جعلت الأرضية الخشبية تئن تحت وطأته. رفعت رأسها، مستعدة لمواجهة مصيرها، مستعدة للموت على أن تفقد هويتها مجدداً. لكن، وقبل أن تخرج الكلمة الأولى من بين شفتيه المطبقتين بقسوة، وقبل أن ترفع يدها لتدفعه بعيداً، انشق سكون الفجر بصوت انفجار أصم، زلزل أركان القصر بأكمله. لم يكن مجرد طلق ناري، بل كان قذيفة صاروخية اخترقت الجدار الزجاجي البانورامي للمكتب الفاخر، محولة إياه في كسر من الثانية إلى ملايين الشظايا الكريستالية القاتلة التي تطايرت في الهواء كوابل من السهام الفضية. وفي نفس اللحظة التي تناثر فيها الزجاج، انمحت تلك النظرة الباردة من عينيه تماماً، لتحل محلها غريزة حماية وحشية، شرسة، ولا إرادية. انقض عليها بسرعة تتجاوز إدراك البشر، لم يهتم للورقة التي سقطت من يدها، ولا للاتهامات المعلقة في عينيها. طوق خصرها بذراعه الفولاذية، واندفع بها نحو الأرض الرخامية، مغطياً جسدها النحيل بجسده الضخم بالكامل، ليتلقى ظهره العاري زخات الزجاج المتطاير بدلاً منها. اندلعت سيمفونية من الجحيم الصافي؛ أصوات طلقات نارية آلية مكثفة بدأت تمزق جدران القصر، وتمزق اللوحات العتيقة، وتحطم التماثيل الرخامية التي تزين الممرات. كان الهجوم مباغتاً، شرساً، ومنظماً بشكل لا يترك مجالاً للشك بأن من يهاجم ليس مجرد عصابة عابرة، بل جيش صغير مدجج بأحدث الأسلحة، جيش جاء ليمحو هذا القصر ومن فيه من على وجه الأرض. لم يمنحها البطل فرصة للصراخ أو الاستيعاب. سحبها من تحت الحطام بقوة ساحقة، ودفعها أمامه نحو الزاوية المظلمة من المكتب، حيث توجد تلك الخزنة السرية التي فتحتها في الليلة الماضية. «تحركي! لا تنظري خلفكِ!» زمجر بصوت أجش طغى على أزيز الرصاص الذي بدأ يخترق الخشب المحيط بهما. بضغطة سريعة ومحسوبة على لوحة مخفية أسفل المكتب، انشق جزء من الجدار الرخامي ليكشف عن ممر فولاذي ضيق، يضيء بلون أحمر خافت ينذر بالخطر. دفعها بقسوة مبررة داخل الممر، ولحق بها، مغلقاً الجدار خلفهما ليصد وابلاً من الرصاص الذي كاد يمزق جسديهما. كان يجرها خلفه في تلك الممرات المعتمة كإعصار لا يوقفه شيء. كانت أنفاسها تتقطع، وقدميها الحافيتين تنزفان إثر جروح سطحية، لكنها لم تجرؤ على التوقف. وصل بها إلى نهاية الممر، حيث يقبع باب معدني ضخم يشبه أبواب الخزائن البنكية المركزية. مرر بطاقته الذهبية، وأدخل شفرة معقدة بسرعة جنونية، ليفتح الباب الثقيل كاشفاً عن غرفة مصفحة، خالية إلا من شاشات مراقبة، وأسلحة معلقة على الجدران، ومقعد جلدي واحد. دفعها إلى الداخل، واستدار ليغادر، لكنها، وبدافع لا شعوري، وتحت تأثير صدمة الهجوم واكتشافها للورقة، أمسكت بذراعه بقوة، غارزة أظافرها في عضلاته المتوترة. «هل هذا جزء من خطتك أيضاً؟» صرخت والدموع تحرق وجنتيها، وصوتها يرتجف بمزيج من الرعب والقهر. «هل أحضرتني إلى هنا لأموت، أم لتمسح ذاكرتي مجدداً؟ من هؤلاء؟ هل هم رجالك الذين ينفذون بروتوكولك اللعين؟» توقف في مكانه، واستدار ببطء لتلتقي عيناه المحتقنتان بالغضب بعينيها الدامعتين. في تلك المساحة الضيقة، تحت الإضاءة الحمراء الدموية للغرفة المصفحة، بدا كإله حرب إغريقي سقط في الجحيم؛ صدره العاري يلمع بالعرق وقطرات الدماء التي نزفت من الجروح السطحية للزجاج، وأنفاسه حارة وثقيلة. وفجأة، وبحركة عنيفة لم تتوقعها، دفعها نحو الجدار الفولاذي البارد، محاصراً إياها بجسده بالكامل. غرس أصابعه الكبيرة في شعرها، رافعاً وجهها لتواجه نظراته المشتعلة. لم يكن هناك برود الآن، بل كان هناك بركان من العشق المجنون واليأس المطلق. «هل تعتقدين حقاً أنني قد أؤذيكِ؟» همس بصوت مبحوح، مقترباً حتى اختلطت أنفاسه بأنفاسها، وعيناه تفترسان ملامحها في عتمة الغرفة. «تلك الورقة... ذلك البروتوكول كان لحمايتكِ من نفسكِ! كان أمراً قديماً لفرقتي الطبية بأن يمحوا صورتي من عقلكِ إن قُتلتُ، لكي لا تعيشي أسيرة حزني، لكي لا يبحث عنكِ أعدائي باعتباركِ نقطة ضعفي الوحيدة! هؤلاء الذين يهاجمون الآن ليسوا رجالي... إنهم الشياطين الذين أخفيتكِ عنهم طوال هذا الوقت. إنهم من حاولوا قتلكِ في سيارتي، وقد جاؤوا لينهوا المهمة.» لم يترك لها مجالاً للرد أو استيعاب عمق تضحيته المشوهة. انقض على شفتيها في قبلة وحشية، يائسة، وممتلئة بطعم الدماء والبارود والدموع. كانت قبلة رجل يودع حياته، رجل يحفر بصمته الأخيرة على روح المرأة التي خسر كل شيء من أجلها. ذابت مقاومتفتها في ثوانٍ، ووجدت يديها تلتفان حول عنقه، تتشبث به كغريق يرفض ترك لوح النجاة حتى لو كان يسحبه إلى القاع. كان التلاحم بينهما في تلك اللحظة حياً، ينبض بصراع نفسي مميت؛ هي تكره أكاذيبه وسيطرته، لكنها تعشق حمايته ودفء أحضانه الذي يمثل لها العالم بأسره. كان يمتص رحيق شفتيها بضراوة تعوضه عن كل لحظة شك، وكل نظرة رعب رأتها في عينيها. فصل القبلة ببطء، وجبهته تسند جبهتها، وأنفاسه تلفح وجهها. «لن تخرجي من هنا مهما حدث، هل تفهمين؟» أمرها بنبرة لا تقبل النقاش، وهو يبتعد عنها، مخرجاً مسدساً أسود من حزامه، وواضعاً إياه في يدها المرتجفة. «إذا لم أعد... فهذا يعني أنني فشلت في حمايتكِ. استخدمي هذه الرصاصات، ولا تدعيهم يأخذونكِ حية.» لم تنتظر إجابتها. تراجع للخلف، وخرج من الغرفة المصفحة، ليغلق الباب الفولاذي الثقيل خلفه، تاركاً إياها غارقة في الصمت المطبق، والعتمة الحمراء، وصدمة كلماته التي زلزلت كل ما تبقى من يقين في عقلها. انهارت على ركبتيها، تضم المسدس البارد إلى صدرها، وتجهش ببكاء صامت، ممزقة بين رغبتها في تصديقه، وبين الخوف من أن تكون كلماته مجرد طعم أخير في لعبة سيطرته. لكن الصمت داخل الغرفة لم يعنِ الصمت في الخارج. بدأت تشعر باهتزازات عنيفة تضرب جدران الغرفة المصفحة، أصوات انفجارات، وصراخ مكتوم يخترق الفولاذ السميك. لم تستطع البقاء مكتوفة الأيدي بينما الرجل الذي يمثل جلادها وعشيقها يواجه الموت بمفرده. نهضت بصعوبة، متجاهلة ألم قدميها، وبدأت تتفحص الجدران المعدنية. لفت انتباهها لوحة تحكم صغيرة بجوار الشاشات المنطفئة، وبجانبها فتحة ضيقة، مغطاة بزجاج مضاد للرصاص، كانت مصممة كعين سحرية لمراقبة الممر الخارجي والصالة الكبرى للقصر.وقف أمامها، يلهث قليلاً، رائحة الهواء البارد والليل مختلطة برائحته الرجولية الطاغية. لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بتأملها من قمة رأسها وحتى أخمص قدميها، وعيناه تلتهمان كل تفصيلة فيها تحت ضوء القمر الشاحب الذي يتسلل من النافذة. كانت تبدو كإلهة إغريقية في ثوبها الزمردي الذي يعانق جسدها، وشعرها الأسود الفاحم المنسدل على كتفيها كشلال من الليل. لم تستطع تحمل المسافة التي تفصل بينهما، ولا الصمت الذي يلفهما. «أنت مجنون!» همست بصوت مختنق بالدموع والشوق، وهي تندفع نحوه وتضرب بقبضتيها الصغيرتين على صدره الصلب. «أنت زعيم أكبر إمبراطورية في العالم السفلي، وتتسلل من النافذة كالطائشين المراهقين؟ ماذا لو رآك حراسك؟ ماذا لو ظنوا أنك متسلل وأطلقوا النار؟ كيف تكسر قواعدك الأمنية التي وضعتها بنفسك؟».أمسك بقبضتيها اللتين تضربان صدره، وجذبهما إليه بقوة، ليثبتهما خلف ظهرها، مقرباً إياها حتى التصق جسدها النحيل بجسده الضخم. انحنى بوجهه نحوها، حتى لامست أنفاسه الحارة شفتيها المرتجفتين. «لتذهب القواعد الأمنية إلى الجحيم، ولتحترق تقاليد العائلات، وليفنى العالم بأسره إذا كان الثمن هو أن أقضي ليلة واحدة بعيداً
لم يكن الظلام الذي ابتلع قمر في تلك اللحظة مجرد انقطاع للتيار الكهربائي، بل كان ظلاماً حياً، يتنفس، ويزحف نحو رئتيها ليعتصر آخر ذرات الأكسجين فيهما. سعلت بعنف بينما كان الغاز الكيميائي اللاذع يتسرب من فتحات التهوية، يحرق حنجرتها ويغشي عينيها بدموع لا إرادية. جسدها الذي كان قبل ثوانٍ ينبض بنشوة التتويج، أصبح الآن يرتجف تحت وطأة فستان الزفاف الذي بدا وكأنه يضيق حول خصرها وعنقها كأفعى تعتصر فريستها. الرقاقة الإلكترونية الحمراء كانت لا تزال تومض على الأرض كعين شيطانية تراقب احتضارها، والقطعة القماشية السوداء التي تحمل شعار «المجلس الأعلى» بدت وكأنها تبتسم بسخرية من سذاجتها. حاولت الزحف نحو الباب الفولاذي، تضرب عليه بقبضتيها اللتين بدأتا تفقدان قوتهما، لكن صوت ضرباتها كان يضيع في الفراغ العازل للصوت. أغمضت عينيها، وبدأ وعيها يتلاشى، وفي تلك اللحظة التي استسلمت فيها فكرة الموت لتعانق روحها، اهتزت الأرض من تحتها.لم يكن صوتاً عادياً، بل كان انفجاراً أصم مزق طبلة الأذن، أعقبه تحطم الباب الفولاذي الذي اقتُلع من مفصلاته ليطير في الهواء ويسقط بجلجلة مرعبة. ومن وسط سحب الدخان الكثيف والغاز المتسر
كان الفستان تحفة فنية تتجاوز حدود الخيال، مزيجاً من الرقة الملائكية والفخامة الملكية. صُنع من الحرير الإيطالي الخالص بلونه الأبيض العاجي، والذي ينسدل بنعومة فائقة ليعانق منحنيات جسدها بدقة متناهية. الكورسيه العلوي كان مطرزاً يدوياً بخيوط الفضة الدقيقة وآلاف القطع من الألماس الحر وحبات اللؤلؤ الصافية، والتي صُفت لتشكل نقوشاً لأزهار برية متشابكة، تمتد من صدرها وتتلاشى تدريجياً نحو الخصر النحيل. الأكمام كانت طويلة ومصنوعة من الدانتيل الفرنسي الشفاف، الذي يزين ذراعيها كوشم أبيض دقيق، بينما كان الظهر مكشوفاً بشكل V عميق، يبرز بشرتها المرمرية الصافية، وينتهي بفيونكة حريرية ضخمة ينسدل منها ذيل الفستان الطويل جداً، والذي يمتد لعدة أمتار خلفها على السجاد المخملي كغيمة بيضاء تلامس الأرض. الطرحة كانت من التول الشفاف للغاية، مثبتة على شعرها الأسود الفاحم المرفوع جزئياً بتاج ألماسي صُمم خصيصاً ليحمل شعار عائلة حبيبها. كانت تنظر إلى انعكاسها في المرآة، بالكاد تتعرف على نفسها. لم تكن تلك الفتاة الخائفة، فاقدة الذاكرة، التي كانت تركض في الغابات؛ كانت تبدو وكأنها إمبراطورة متوجة، قوية، طاغية الأنوثة،
تلاشى صدى الصوت المشوه في أرجاء الجناح الملكي كأنه همسة شيطانية تبخرت في هواء الفجر البارد، مخلفاً وراءه صمتاً مرعباً يثقل الصدر ويخنق الأنفاس. وقف البطل جامداً كتمثال من الجرانيت الأسود، وعيناه الزمرديتان مثبتتان على الهاتف الفضائي والقلادة الفضية الملطخة بدماء والدته. «المجلس الأعلى»... الكلمة بحد ذاتها كانت تعتبر أسطورة في العالم السفلي، خرافة يتناقلها زعماء المافيا في جلساتهم المغلقة بخفوت، ككيان خفي يحكم العالم من وراء الستار، يصنع الملوك ويسقط الإمبراطوريات دون أن يترك أثراً. لقد ظن أنه وصل إلى قمة الهرم بقتله للزعيم الأكبر وإسقاطه لمؤسس الظل، لكنه الآن يدرك، وبمرارة لاذعة، أنه كان مجرد مصارع يقاتل في حلبة صغيرة، بينما يجلس سادة اللعبة الحقيقيون في المدرجات يراقبونه ببرود. سحق الهاتف الفضائي تحت كعب حذائه الثقيل حتى تحول إلى حطام دقيق، وانحنى ليلتقط قلادة والدته، قابضاً عليها بقوة حتى غاصت حوافها المعدنية في لحم كفه، لتختلط دماء الماضي بدماء الحاضر. التفت ببطء نحو السرير الدائري، حيث ترقد قمر غارقة في نوم عميق، أنفاسها هادئة، وملامحها الملائكية تفيض بسلام مؤقت. اقترب منها بخطوات
«أنتِ لستِ أسيرتي، ولستِ شريكتي فقط... أنتِ الملكة المطلقة لكل ما أملك، لكل حجر في هذا المكان، ولكل نبضة في هذا القلب المظلم. أوامركِ هي القانون، وغضبكِ هو العاصفة، ورضاكِ هو غايتي الوحيدة في هذا الوجود الجحيمي».أدمعت عيناها أمام هذا الاعتراف الذي يحمل استسلاماً تاماً من رجل لم يعرف الاستسلام يوماً. رفعت يديها وطوقت عنقه، ودفنت وجهها في صدره، لتستنشق عبير رجولته الطاغية الذي يختلط برائحة الانتصار. لم تكن هناك حاجة للكلمات، فالتلاحم الجسدي والروحي بينهما كان يروي ملحمة كاملة من العشق والولاء. انحنى وحملها بين ذراعيه كأنها أثمن جوهرة في الكون، وخطا بها خارج غرفة التحكم، متجهاً نحو الجناح الملكي الخاص بهما، الجناح الذي لم يطأه أحد سواه، والذي سيشهد الليلة طقوساً جديدة، طقوساً تعيد كتابة مفهوم الحب وسطوة العشق المتبادل.دخل بها الجناح الملكي الشاسع، الذي كان يجسد الفخامة المطلقة بأسلوب يجمع بين الغموض الكلاسيكي والرفاهية الحديثة. كانت الجدران مكسوة بالحرير الأسود والذهبي العتيق، تتوسط الغرفة سرير دائري ضخم مغطى بمفارش من المخمل القرمزي العميق الذي يحاكي لون الدماء والشغف. الأضواء كانت خا
ترددت أصداء كلمات القائد الميداني في فضاء الغابة المظلمة كتعويذة موت قديمة، لتسقط على روح قمر كجبل من الجليد السام الذي جمد الدماء في عروقها وأوقف نبض قلبها لثوانٍ بدت كأنها دهر كامل. «أبي... هو المؤسس؟ هو من أمر بالإبادة؟» همست بها شفتيها المرتجفتين وهي تتراجع ببطء، وكأن الأرض تحت قدميها قد تحولت إلى رمال متحركة تبتلع كل ذكرياتها، كل دموعها، وكل صلواتها التي رفعتها للسماء طوال عشر سنوات من الحداد الممزق. في تلك اللحظة السريالية، انشقت صفوف الحراس التابعين لفريق البطل، ليتقدم من بينهم رجل يسير بخطوات واثقة، هادئة، ومفعمة بغرور طاغٍ لا يتناسب أبداً مع هيئة السجين المقهور الذي رأته على الشاشة قبل دقائق. كان يرتدي بذلة سوداء أنيقة لا تشوبها شائبة، ووجهه الذي ظنته محفوراً بعذابات الأقبية كان يشع بنضارة قاسية، وعيناه... عيناه كانتا تحملان نفس البرود الجليدي الذي رأته في عيني الزعيم الأكبر، بل أشد فتكاً. كان هذا هو الرجل الذي بكت على قبره الفارغ، الرجل الذي شكل غيابه فجوة سوداء في روحها، يقف الآن أمامها حياً يُرزق، ليس كأب حنون عاد من الموت، بل كشيطان متجسد تربع على عرش الخراب الذي دمر حيات







