Home / الرومانسية / أسرني شيطاني المفضل / الفصل التاسع والثلاثون

Share

الفصل التاسع والثلاثون

last update publish date: 2026-08-29 05:39:31

تلاشى صدى الصوت المشوه في أرجاء الجناح الملكي كأنه همسة شيطانية تبخرت في هواء الفجر البارد، مخلفاً وراءه صمتاً مرعباً يثقل الصدر ويخنق الأنفاس. وقف البطل جامداً كتمثال من الجرانيت الأسود، وعيناه الزمرديتان مثبتتان على الهاتف الفضائي والقلادة الفضية الملطخة بدماء والدته. «المجلس الأعلى»... الكلمة بحد ذاتها كانت تعتبر أسطورة في العالم السفلي، خرافة يتناقلها زعماء المافيا في جلساتهم المغلقة بخفوت، ككيان خفي يحكم العالم من وراء الستار، يصنع الملوك ويسقط الإمبراطوريات دون أن يترك أثراً. لقد ظن أنه وصل إلى قمة الهرم بقتله للزعيم الأكبر وإسقاطه لمؤسس الظل، لكنه الآن يدرك، وبمرارة لاذعة، أنه كان مجرد مصارع يقاتل في حلبة صغيرة، بينما يجلس سادة اللعبة الحقيقيون في المدرجات يراقبونه ببرود. سحق الهاتف الفضائي تحت كعب حذائه الثقيل حتى تحول إلى حطام دقيق، وانحنى ليلتقط قلادة والدته، قابضاً عليها بقوة حتى غاصت حوافها المعدنية في لحم كفه، لتختلط دماء الماضي بدماء الحاضر. التفت ببطء نحو السرير الدائري، حيث ترقد قمر غارقة في نوم عميق، أنفاسها هادئة، وملامحها الملائكية تفيض بسلام مؤقت. اقترب منها بخطوات صامتة، وجلس على حافة السرير، يمرر أنامله المرتجفة على خصلات شعرها الحريرية. في تلك اللحظات الفاصلة بين الليل والنهار، أدرك حقيقة قاطعة زلزلت كيانه؛ زواجهما السري القديم، الذي عقده في الخفاء لحمايتها وإبعادها عن دوائر الخطر، لم يعد درعاً، بل أصبح نقطة ضعف. طالما أنها في نظر العالم السفلي مجرد عشيقة أو نقطة ضعف عابرة، ستظل هدفاً مستباحاً لكل من يسعى لكسره. الخفاء لم يعد خياراً، والسرية لم تعد ملاذاً. إذا كان «المجلس الأعلى» قادماً لاستعادتها، فعليه أن يثبت لهم وللعالم أجمع أنها ليست مجرد بيدق يمكن سرقته، بل هي الملكة المتوجة، والشريكة الشرعية في حكم إمبراطوريته، والتي يعني المساس بشعرة منها إعلان حرب عالمية ثالثة.

تحركت قمر في نومها، وفتحت عينيها السوداوين ببطء لتصطدم بنظراته العميقة، المظلمة، والمشبعة بقرار لا رجعة فيه. شعرت بانقباضة في قلبها؛ فرغم دفء أصابعه التي تداعب وجنتها، كان هناك جليد في عينيه يخبرها أن السلام الذي عاشوه لساعات قليلة قد تبخر. نهضت ببطء، ساحبة اللحاف الحريري ليغطي جسدها العاري، وسألته بصوت مبحوح يقطر قلقاً: «ماذا حدث يا ظلي؟ طيف الموت عاد ليخيم على ملامحك». لم يخفِ عنها شيئاً، فهو قد عاهد نفسه على ألا تبنى حياتهما على الأسرار بعد الآن. سرد لها تفاصيل الرسالة الصعبة، وحدثها عن «المجلس الأعلى»، وعن القلادة التي أرسلوها كرسالة تهديد واضحة. مع كل كلمة كان ينطقها، كانت ملامح قمر تشحب، وكتفاها يرتجفان تحت وطأة هذا الكابوس الذي يأبى أن ينتهي. «هل يعني هذا أننا سنعود إلى نقطة الصفر؟» همست بمرارة ودموع اليأس تتجمع في مقلتيها، «هل سنقضي ما تبقى من عمرنا نركض في الظلام، نختبئ في الكهوف، وننتظر رصاصة قناص أو عبوة ناسفة تحت وسادتنا؟ أنا متعبة... متعبة حتى النخاع».

جذبها إليه بقوة، ودفن وجهها في صدره العريض، يمسد ظهرها بحنان يفيض بالقسوة المبطنة. «لن نختبئ بعد اليوم يا نبض ظلي»، قالها بصوت هادر، واثق، يتردد صداه في زوايا الجناح الملكي كإعلان حرب. «لقد كنت مخطئاً حين ظننت أن إخفاء زواجنا سيحميكِ. السرية جعلتهم يطمعون فيكِ، وجعلتهم يظنون أنكِ مجرد حلقة ضعيفة يمكن كسرها. لكنني سأغير قواعد اللعبة تماماً. سأقيم لكِ حفل زفاف أسطوري، علني، يدعى إليه كل زعماء العائلات، وكل أقطاب المجتمع الدولي. سأتوجكِ ملكة أمام العالم بأسره. ستسيرين في ممر الزفاف تحت حراسة جيش كامل، وسأضع خاتم الأبدية في إصبعكِ أمام الكاميرات وأمام أعين الجواسيس. أريد أن يعلم كل من يتنفس على وجه هذه الأرض أنكِ السيدة الأولى والأخيرة، وأن من يجرؤ على التفكير في إيذائكِ، فعليه أن يستعد لمواجهة غضب الجحيم ذاته».

ابتعدت عنه قليلاً، ونظرت في عينيه بصدمة ممزوجة بالغضب. هنا، تفجر الصراع النفسي المرير بينهما، صراع بين منطق العشق ومنطق الحرب. «زفاف أسطوري؟ الآن؟» صرخت بصوت مختنق، والدموع تنحدر على وجنتيها. «أنت لا تفعل هذا من أجلي، أنت تفعله من أجلهم! أنت تستخدمني كرسالة سياسية، كأداة لاستعراض قوتك أمام هذا المجلس الملعون! هل تظن أنني أريد فستاناً مرصعاً بالماس وحفلاً يحضره القتلة والمجرمون؟ أنا أريد الأمان، أريد رجلاً أنام في حضنه دون أن أخشى أن أستيقظ على أشلائه. لا تجعل زفافنا ساحة معركة جديدة، أرجوك!».

كانت كلماتها كخناجر مسمومة تغوص في صدره. هل تظن حقاً أنه يستخدمها؟ هو الذي أحرق عالمه وماضيه من أجلها؟ نهض من على السرير بحركة عنيفة جعلت اللحاف يسقط أرضاً، ووقف أمامها، صدره يعلو يهبط بغضب مجنون وعشق أعمى. انقض عليها كفهد جريح، وأمسك بكتفيها بقوة، ليسحبها حتى وقفت على قدميها أمامه. «أنا أستعملكِ؟» زمجر بصوت مرعب، وعيناه تلمعان ببريق خطير. «أنا الذي تنازلت عن عرش الظلام لأكون جندياً في محراب عينيكِ، أنا الذي شققت صدري لأزرعكِ فيه، تتهربين مني الآن وتتهمينني بالاستغلال؟ اسمعيني جيداً يا قمر، واسمعيني بقلبكِ لا بخوفكِ. هذا الزفاف ليس لهم، إنه لي! أنا أريد أن أصرخ باسمكِ أمام الكون، أريد أن أمسح كل ندبة تركها الماضي على روحكِ بهذا التتويج. أريد أن تمشي مرفوعة الرأس، لا تخشين ظلاً ولا إنساناً، لأنكِ تحملين اسمي. إذا كان هذا الزفاف سيجعلهم يرتعدون، فهذا مجرد أثر جانبي، لكن غايتي الوحيدة... هي أنتِ».

أمام هذا الطوفان من المشاعر المتضاربة، وأمام انهياره العاطفي النادر، ذاب كل غضبها وتلاشى كل خوفها. رأت في عينيه القاسيتين هشاشة طفل يخشى فقدان أمه، ورأت في قبضته الفولاذية ارتعاشة عاشق يائس. رفعت يديها وطوقت عنقه، ودفنت أصابعها في خصلات شعره الكثيف، وسحبت شفتيه في قبلة عميقة، دامية، ومشبعة بالاعتذار والخضوع الإرادي. «أنا لك، في الظلام وفي النور، في السر وفي العلن»، همست بين شفتيه وهي تلهث من فرط الانفعال. «إذا كان زفافنا سيقام على فوهة بركان، فسأرتدي الأبيض وأرقص معك وسط الحمم. فقط عِدني، عِدني ألا تتركني وحدي في هذا العالم الموحش». طوق خصرها بذراعيه، ورفعها عن الأرض ليضمها بقوة كادت تعتصر أضلاعها، مؤكداً لها بآلاف القبلات والهمسات أنه سيكون ظلها الذي لا يفارقها حتى في حياة ما بعد الموت.

مرت الأيام القليلة التالية كعاصفة من الترتيبات الجنونية. تحول القصر الفخم إلى خلية نحل لا تهدأ، حيث توافد مئات العمال، والمهندسين، والمصممين، تحت حراسة أمنية مشددة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً. تم تحويل القاعة الكبرى للقصر إلى أسطورة معمارية، مزينة بآلاف الزهور البيضاء النادرة التي استوردت خصيصاً من هولندا، وثريات الكريستال التي تعكس إضاءة ساحرة تشبه ضوء النجوم. وفي جناح منعزل تماماً في الطابق العلوي، تم تجهيز «أتيليه» خاص ومحصن، مخصص فقط لإعداد فستان الزفاف الملكي الذي سيخطف أنفاس العالم. كانت قمر تقف في منتصف الغرفة الواسعة والمضاءة ببراعة، محاطة بالمرايا الكبيرة التي تعكس كل زاوية من زوايا جسدها الممشوق. كانت ترتدي فستان الزفاف الذي صُمم خصيصاً لها على يد أشهر مصممي الأزياء في باريس، والذي أُحضر مع فريقه معصوبي الأعين إلى القصر لضمان السرية التامة حتى يوم الحفل.

كان الفستان تحفة فنية تتجاوز حدود الخيال، مزيجاً من الرقة الملائكية والفخامة الملكية. صُنع من الحرير الإيطالي الخالص بلونه الأبيض العاجي، والذي ينسدل بنعومة فائقة ليعانق منحنيات جسدها بدقة متناهية. الكورسيه العلوي كان مطرزاً يدوياً بخيوط الفضة الدقيقة وآلاف القطع من الألماس الحر وحبات اللؤلؤ الصافية، والتي صُفت لتشكل نقوشاً لأزهار برية متشابكة، تمتد من صدرها وتتلاشى تدريجياً نحو الخصر النحيل. الأكمام كانت طويلة ومصنوعة من الدانتيل الفرنسي الشفاف، الذي يزين ذراعيها كوشم أبيض دقيق، بينما كان الظهر مكشوفاً بشكل V عميق، يبرز بشرتها المرمرية الصافية، وينتهي بفيونكة حريرية ضخمة ينسدل منها ذيل الفستان الطويل جداً، والذي يمتد لعدة أمتار خلفها على السجاد المخملي كغيمة بيضاء تلامس الأرض. الطرحة كانت من التول الشفاف للغاية، مثبتة على شعرها الأسود الفاحم المرفوع جزئياً بتاج ألماسي صُمم خصيصاً ليحمل شعار عائلة حبيبها. كانت تنظر إلى انعكاسها في المرآة، بالكاد تتعرف على نفسها. لم تكن تلك الفتاة الخائفة، فاقدة الذاكرة، التي كانت تركض في الغابات؛ كانت تبدو وكأنها إمبراطورة متوجة، قوية، طاغية الأنوثة، ومستعدة لاحتلال العالم بنظرة واحدة من عينيها الكحيلتين.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الأربعون

    كان الفستان تحفة فنية تتجاوز حدود الخيال، مزيجاً من الرقة الملائكية والفخامة الملكية. صُنع من الحرير الإيطالي الخالص بلونه الأبيض العاجي، والذي ينسدل بنعومة فائقة ليعانق منحنيات جسدها بدقة متناهية. الكورسيه العلوي كان مطرزاً يدوياً بخيوط الفضة الدقيقة وآلاف القطع من الألماس الحر وحبات اللؤلؤ الصافية، والتي صُفت لتشكل نقوشاً لأزهار برية متشابكة، تمتد من صدرها وتتلاشى تدريجياً نحو الخصر النحيل. الأكمام كانت طويلة ومصنوعة من الدانتيل الفرنسي الشفاف، الذي يزين ذراعيها كوشم أبيض دقيق، بينما كان الظهر مكشوفاً بشكل V عميق، يبرز بشرتها المرمرية الصافية، وينتهي بفيونكة حريرية ضخمة ينسدل منها ذيل الفستان الطويل جداً، والذي يمتد لعدة أمتار خلفها على السجاد المخملي كغيمة بيضاء تلامس الأرض. الطرحة كانت من التول الشفاف للغاية، مثبتة على شعرها الأسود الفاحم المرفوع جزئياً بتاج ألماسي صُمم خصيصاً ليحمل شعار عائلة حبيبها. كانت تنظر إلى انعكاسها في المرآة، بالكاد تتعرف على نفسها. لم تكن تلك الفتاة الخائفة، فاقدة الذاكرة، التي كانت تركض في الغابات؛ كانت تبدو وكأنها إمبراطورة متوجة، قوية، طاغية الأنوثة،

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل التاسع والثلاثون

    تلاشى صدى الصوت المشوه في أرجاء الجناح الملكي كأنه همسة شيطانية تبخرت في هواء الفجر البارد، مخلفاً وراءه صمتاً مرعباً يثقل الصدر ويخنق الأنفاس. وقف البطل جامداً كتمثال من الجرانيت الأسود، وعيناه الزمرديتان مثبتتان على الهاتف الفضائي والقلادة الفضية الملطخة بدماء والدته. «المجلس الأعلى»... الكلمة بحد ذاتها كانت تعتبر أسطورة في العالم السفلي، خرافة يتناقلها زعماء المافيا في جلساتهم المغلقة بخفوت، ككيان خفي يحكم العالم من وراء الستار، يصنع الملوك ويسقط الإمبراطوريات دون أن يترك أثراً. لقد ظن أنه وصل إلى قمة الهرم بقتله للزعيم الأكبر وإسقاطه لمؤسس الظل، لكنه الآن يدرك، وبمرارة لاذعة، أنه كان مجرد مصارع يقاتل في حلبة صغيرة، بينما يجلس سادة اللعبة الحقيقيون في المدرجات يراقبونه ببرود. سحق الهاتف الفضائي تحت كعب حذائه الثقيل حتى تحول إلى حطام دقيق، وانحنى ليلتقط قلادة والدته، قابضاً عليها بقوة حتى غاصت حوافها المعدنية في لحم كفه، لتختلط دماء الماضي بدماء الحاضر. التفت ببطء نحو السرير الدائري، حيث ترقد قمر غارقة في نوم عميق، أنفاسها هادئة، وملامحها الملائكية تفيض بسلام مؤقت. اقترب منها بخطوات

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثامن والثلاثون

    «أنتِ لستِ أسيرتي، ولستِ شريكتي فقط... أنتِ الملكة المطلقة لكل ما أملك، لكل حجر في هذا المكان، ولكل نبضة في هذا القلب المظلم. أوامركِ هي القانون، وغضبكِ هو العاصفة، ورضاكِ هو غايتي الوحيدة في هذا الوجود الجحيمي».أدمعت عيناها أمام هذا الاعتراف الذي يحمل استسلاماً تاماً من رجل لم يعرف الاستسلام يوماً. رفعت يديها وطوقت عنقه، ودفنت وجهها في صدره، لتستنشق عبير رجولته الطاغية الذي يختلط برائحة الانتصار. لم تكن هناك حاجة للكلمات، فالتلاحم الجسدي والروحي بينهما كان يروي ملحمة كاملة من العشق والولاء. انحنى وحملها بين ذراعيه كأنها أثمن جوهرة في الكون، وخطا بها خارج غرفة التحكم، متجهاً نحو الجناح الملكي الخاص بهما، الجناح الذي لم يطأه أحد سواه، والذي سيشهد الليلة طقوساً جديدة، طقوساً تعيد كتابة مفهوم الحب وسطوة العشق المتبادل.دخل بها الجناح الملكي الشاسع، الذي كان يجسد الفخامة المطلقة بأسلوب يجمع بين الغموض الكلاسيكي والرفاهية الحديثة. كانت الجدران مكسوة بالحرير الأسود والذهبي العتيق، تتوسط الغرفة سرير دائري ضخم مغطى بمفارش من المخمل القرمزي العميق الذي يحاكي لون الدماء والشغف. الأضواء كانت خا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السابع والثلاثون

    ترددت أصداء كلمات القائد الميداني في فضاء الغابة المظلمة كتعويذة موت قديمة، لتسقط على روح قمر كجبل من الجليد السام الذي جمد الدماء في عروقها وأوقف نبض قلبها لثوانٍ بدت كأنها دهر كامل. «أبي... هو المؤسس؟ هو من أمر بالإبادة؟» همست بها شفتيها المرتجفتين وهي تتراجع ببطء، وكأن الأرض تحت قدميها قد تحولت إلى رمال متحركة تبتلع كل ذكرياتها، كل دموعها، وكل صلواتها التي رفعتها للسماء طوال عشر سنوات من الحداد الممزق. في تلك اللحظة السريالية، انشقت صفوف الحراس التابعين لفريق البطل، ليتقدم من بينهم رجل يسير بخطوات واثقة، هادئة، ومفعمة بغرور طاغٍ لا يتناسب أبداً مع هيئة السجين المقهور الذي رأته على الشاشة قبل دقائق. كان يرتدي بذلة سوداء أنيقة لا تشوبها شائبة، ووجهه الذي ظنته محفوراً بعذابات الأقبية كان يشع بنضارة قاسية، وعيناه... عيناه كانتا تحملان نفس البرود الجليدي الذي رأته في عيني الزعيم الأكبر، بل أشد فتكاً. كان هذا هو الرجل الذي بكت على قبره الفارغ، الرجل الذي شكل غيابه فجوة سوداء في روحها، يقف الآن أمامها حياً يُرزق، ليس كأب حنون عاد من الموت، بل كشيطان متجسد تربع على عرش الخراب الذي دمر حيات

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السادس والثلاثون

    اتسعت عينا قمر وهي تستمع إلى هذا الاعتراف التاريخي المزلزل. الصراع النفسي الذي عاشته طويلاً، كراهيتها لوالد حبيبها، وشعورها بالذنب لعشقها لرجل ظنت أن عائلته أبادوا عائلتها، كل هذا انهار وتحول إلى رماد. الحقيقة تجلت أمامها قاسية، بشعة، لكنها مطهرة. لم يكن حبيبها وريثاً للدم والخيانة، بل كان ضحية مثلها تماماً، ضحية لجشع هذا الرجل العجوز الذي يقف أمامهما الآن. شعرت بموجة من الحب الجارف والامتنان تغمر قلبها تجاه الرجل الذي لم يكتفِ بحمايتها، بل غاص في مستنقعات الماضي ليغسل شرف عائلتيهما ويثبت براءتهما أمام محكمة التاريخ المظلم.أطلق الزعيم الأكبر قهقهة عالية، متوترة، محاولاً إخفاء ارتباكه من انكشاف خطته الكبرى. «وماذا إن كان هذا صحيحاً؟»، صرخ بتحدٍ، والجنون يطل من عينيه. «نعم، أنا من فعل كل ذلك! أنا من تلاعب بآبائكم الأغبياء، لأنهم كانوا مثاليين أكثر من اللازم، لم يمتلكوا القسوة الكافية لحكم العالم، بينما أمتلكها أنا! التاريخ يكتبه المنتصرون يا بني، وأنا المنتصر اليوم. معرفتك بالماضي لن تنقذ والدها من الحمض، ولن تنقذك من رصاص حراسي الذين يتجمعون الآن حول الساحة. لقد خسرت!».«التاريخ يكتبه

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الخامس والثلاثون

    «أبي...؟!» الكلمة خرجت من بين شفتيها المرتجفتين كحشرجة موت بطيء، همسة ممزقة شقت سكون الليل البارد وكأنها شفرة حادة تمزق نسيج الواقع ذاته. سقطت العصا الذهبية من يدها لتغوص في الوحل الأسود، بينما تسمرت عيناها المتسعتان برعب كوني على شاشة الجهاز اللوحي المضيئة. كان هناك، الرجل الذي بكته لعشر سنوات متتالية، الرجل الذي حفرت قبره بيديها في خيالها وذرفت عليه من الدموع ما يكفي لإغراق مدينة بأكملها. كان يقبع في زنزانة حديدية قذرة، وجهه شاحب كالموتى، ملامحه محفورة بأخاديد العذاب والقهر، وجسده الهزيل مقيد بسلاسل صدئة تتدلى من سقف خرساني يقطر رطوبة ويأساً. في تلك الأجزاء من الثانية، انهار العالم المادي من حول قمر، وتلاشت أصوات المطر، وتلاشى أنين الحراس الجرحى، وحتى أنفاس حبيبها اللاهثة بجوارها تبخرت في فراغ عقلي مرعب. لم تعد ترى سوى وجه والدها الذي ظنت أن تراب القبر قد طواه للأبد، ولم تعد تشعر سوى بنصل من الجليد يخترق قلبها، يمزق كل يقين بنته، وكل أمان زائف احتمت به. كانت الصدمة أكبر من أن يتحملها عقل بشري، صدمة زلزلت كيانها حتى النخاع، فتهاوت على ركبتيها مجدداً في الوحل الرطب، ويداها تعتصران حوا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status