LOGINلم يكن الظلام الذي ابتلع قمر في تلك اللحظة مجرد انقطاع للتيار الكهربائي، بل كان ظلاماً حياً، يتنفس، ويزحف نحو رئتيها ليعتصر آخر ذرات الأكسجين فيهما. سعلت بعنف بينما كان الغاز الكيميائي اللاذع يتسرب من فتحات التهوية، يحرق حنجرتها ويغشي عينيها بدموع لا إرادية. جسدها الذي كان قبل ثوانٍ ينبض بنشوة التتويج، أصبح الآن يرتجف تحت وطأة فستان الزفاف الذي بدا وكأنه يضيق حول خصرها وعنقها كأفعى تعتصر فريستها. الرقاقة الإلكترونية الحمراء كانت لا تزال تومض على الأرض كعين شيطانية تراقب احتضارها، والقطعة القماشية السوداء التي تحمل شعار «المجلس الأعلى» بدت وكأنها تبتسم بسخرية من سذاجتها. حاولت الزحف نحو الباب الفولاذي، تضرب عليه بقبضتيها اللتين بدأتا تفقدان قوتهما، لكن صوت ضرباتها كان يضيع في الفراغ العازل للصوت. أغمضت عينيها، وبدأ وعيها يتلاشى، وفي تلك اللحظة التي استسلمت فيها فكرة الموت لتعانق روحها، اهتزت الأرض من تحتها.
لم يكن صوتاً عادياً، بل كان انفجاراً أصم مزق طبلة الأذن، أعقبه تحطم الباب الفولاذي الذي اقتُلع من مفصلاته ليطير في الهواء ويسقط بجلجلة مرعبة. ومن وسط سحب الدخان الكثيف والغاز المتسرب، برز جسده الضخم كإله غاضب هبط من السماوات السبع ليحرق الأرض بمن عليها. لم ينتظر البطل ثانية واحدة، ولم يبالِ بالغاز الذي لفح وجهه. اندفع نحوها كقذيفة بشرية، جثا على ركبتيه، ومزق الجزء العلوي من فستان زفافها بيدي العاريتين، غير عابئ بالألماس والحرير الذي تناثر في الهواء، باحثاً عن أي أثر آخر لسم أو متفجرات. حملها بين ذراعيه واندفع بها خارج الأتيليه المسموم نحو الممر الآمن، حيث كان حراسه يقفون في حالة استنفار قصوى. تنفست قمر الهواء النقي بشراهة، تسعل بقوة وتتشبث بقميصه كغريق وجد طوق نجاته الأخير. نظر إليها بعينين تشتعلان بنيران جحيم حقيقي، جحيم أقسم في تلك اللحظة أنه سيحرق به كل عضو في «المجلس الأعلى». لقد أدرك أن الخطر لم يعد يقرع الأبواب، بل أصبح ينام معهم في نفس القصر. مرت الأيام القليلة التي أعقبت تلك الحادثة ككابوس مشدود الأعصاب. تم تطهير القصر بالكامل، وأُعدم كل من كان له صلة بتصميم الفستان القديم بعد استجوابات دموية قادها البطل بنفسه في أقبية القصر السفلية. ورغم أن المنطق كان يصرخ بضرورة إلغاء الزفاف أو إقامته في سرية تامة كما كان في الماضي، إلا أن عناده كان أقوى من الخوف. أصر على أن يقام الحفل في موعده، وبصورة أكثر علنية وفخامة. كان التراجع يعني الهزيمة، وهو رجل لم يُخلق لينحني. وفي ظل هذه الأجواء المشحونة برائحة الموت والبارود، فرضت تقاليد العائلات الكبرى نفسها بقوة على المشهد. كان العرف يقتضي أن ينفصل العروسان في الليلة التي تسبق الزفاف، وألا يرى أحدهما الآخر حتى لحظة اللقاء عند المذبح. لم يكن البطل ليخضع لتقاليد بالية، لكنه استغل هذا العرف ليعزل قمر في الجناح الأكثر تحصيناً في أعلى برج في القصر، محاطة بكتيبة كاملة من النخبة، ليتفرغ هو طوال الليل لمراجعة كل ثغرة أمنية، وكل كاميرا، وكل زاوية في مملكته التي ستستقبل غداً أخطر زعماء العالم. في ذلك الجناح الواسع، الذي يشبه قفصاً بلورياً معلقاً في السماء، كانت قمر تعيش أسوأ ليالي حياتها. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، والقصر بأسره غارق في هدوء حذر يسبق العاصفة. وقفت أمام النافذة الزجاجية البانورامية الضخمة، تنظر إلى الحدائق المترامية الأطراف التي تسبح في ضوء القمر الفضي. كانت ترتدي ثوب نوم حريري طويل بلون الزمرد الداكن، ينساب على منحنيات جسدها بنعومة، لكنها كانت تشعر ببرودة قاسية تنخر عظامها، برودة لا علاقة لها بطقس الخريف، بل هي برودة الفقد. لقد اعتادت على وجوده الطاغي، على أنفاسه التي تلفح عنقها أثناء النوم، على ذراعيه اللتين تشكلان سداً منيعاً بينها وبين كوابيسها. الليلة، السرير الدائري الضخم يبدو موحشاً، والوسائد خالية من رائحة المسك والتبغ التي تميزه. بدأت تمشي جيئة وذهاباً في أرجاء الجناح، بخطوات متوترة تعكس الصراع النفسي المرير الذي يمزق أحشاءها. هل هي حقاً مستعدة لما سيحدث غداً؟ هل هي مستعدة للوقوف أمام العالم بأسره لتُتوج كملكة لعرش بني على جماجم الأعداء؟ تذكرت الفتاة البريئة التي كانتها يوماً، الفتاة التي بكت دماً على فقدان والدها المزيف، والتي كانت ترتعد من مجرد رؤية قطرة دم. أين ذهبت تلك الفتاة؟ لقد ماتت، واحتل البطل مكانها بذوراً شيطانية نبتت لتزهر امرأة لا تخشى الظلام، بل تعشقه. لكن هذا العشق كان له ثمن باهظ. كلما اقتربت منه، كلما اقترب منها الموت. لقد تحولت حياتها إلى ساحة معركة لا تنتهي، وهو قائدها الذي لا يعرف الاستسلام. وضعت يديها على وجهها، وأطلقت تنهيدة حارة محملة بالشوق والخوف معاً. كانت تحتاجه الآن، أكثر من أي وقت مضى. كانت تحتاج أن يضمها بقسوة، أن يخبرها بصوته المبحوح أن كل هذا سينتهي، وأنها ستكون آمنة بين يديه. كان الشوق يعتصر قلبها كقبضة من حديد، يخنقها، يسلبها القدرة على التفكير المنطقي. فجأة، وسط سكون الغرفة المطلق، التقطت أذناها صوتاً خافتاً جداً. لم يكن صوت إنذار، ولا صوت أقدام الحراس في الرواق الخارجي. كان صوتاً قادماً من الخارج، نقرة خفيفة على الزجاج المقوى للنافذة البانورامية المعلقة في الهواء على ارتفاع شاهق! تجمدت الدماء في عروقها، وتسارعت نبضات قلبها بجنون. هل وصل إليها قتلة «المجلس الأعلى»؟ هل تمكنوا من تسلق البرج المستحيل؟ امتدت يدها ببطء نحو الدرج الخشبي الصغير المجاور للسرير، وسحبت منه خنجراً فضياً صغيراً كان قد أهداها إياه في الماضي. قبضت عليه بقوة، وتراجعت خطوتين إلى الخلف، متخذة وضعية الدفاع التي علمها إياها، وعيناها مثبتتان على النافذة التي يعكس زجاجها نور القمر. ومن بين الظلال الخارجية، برزت ملامح مألوفة، ملامح جعلت قلبها يتوقف عن الخفقان لثانية كاملة قبل أن يعاود النبض بسرعة جنونية. كان هو. معلقاً بحبل أسود سميك يتدلى من سطح القصر، يرتدي ملابس تكتيكية سوداء بالكامل، ووجهه يحمل تعباً إنسانياً نادراً، لكن عينيه كانتا تشتعلان ببريق مألوف، بريق الجوع والشغف. أشار لها برأسه أن تفتح النافذة. ألقت الخنجر على الأرض، واندفعت نحو اللوحة الإلكترونية المجاورة للجدار، وبأصابع مرتجفة أدخلت الرمز السري. انزلق اللوح الزجاجي الضخم ببطء وبصوت خافت، ليسمح له بالقفز بمرونة نمر أسود إلى داخل الغرفة، قبل أن يعود الزجاج للإغلاق تلقائياً خلفه. وقف أمامها، يلهث قليلاً، رائحة الهواء البارد والليل مختلطة برائحته الرجولية الطاغية. لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بتأملها من قمة رأسها وحتى أخمص قدميها، وعيناه تلتهمان كل تفصيلة فيها تحت ضوء القمر الشاحب الذي يتسلل من النافذة. كانت تبدو كإلهة إغريقية في ثوبها الزمردي الذي يعانق جسدها، وشعرها الأسود الفاحم المنسدل على كتفيها كشلال من الليل. لم تستطع تحمل المسافة التي تفصل بينهما، ولا الصمت الذي يلفهما. «أنت مجنون!» همست بصوت مختنق بالدموع والشوق، وهي تندفع نحوه وتضرب بقبضتيها الصغيرتين على صدره الصلب. «أنت زعيم أكبر إمبراطورية في العالم السفلي، وتتسلل من النافذة كالطائشين المراهقين؟ ماذا لو رآك حراسك؟ ماذا لو ظنوا أنك متسلل وأطلقوا النار؟ كيف تكسر قواعدك الأمنية التي وضعتها بنفسك؟».وقف أمامها، يلهث قليلاً، رائحة الهواء البارد والليل مختلطة برائحته الرجولية الطاغية. لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بتأملها من قمة رأسها وحتى أخمص قدميها، وعيناه تلتهمان كل تفصيلة فيها تحت ضوء القمر الشاحب الذي يتسلل من النافذة. كانت تبدو كإلهة إغريقية في ثوبها الزمردي الذي يعانق جسدها، وشعرها الأسود الفاحم المنسدل على كتفيها كشلال من الليل. لم تستطع تحمل المسافة التي تفصل بينهما، ولا الصمت الذي يلفهما. «أنت مجنون!» همست بصوت مختنق بالدموع والشوق، وهي تندفع نحوه وتضرب بقبضتيها الصغيرتين على صدره الصلب. «أنت زعيم أكبر إمبراطورية في العالم السفلي، وتتسلل من النافذة كالطائشين المراهقين؟ ماذا لو رآك حراسك؟ ماذا لو ظنوا أنك متسلل وأطلقوا النار؟ كيف تكسر قواعدك الأمنية التي وضعتها بنفسك؟».أمسك بقبضتيها اللتين تضربان صدره، وجذبهما إليه بقوة، ليثبتهما خلف ظهرها، مقرباً إياها حتى التصق جسدها النحيل بجسده الضخم. انحنى بوجهه نحوها، حتى لامست أنفاسه الحارة شفتيها المرتجفتين. «لتذهب القواعد الأمنية إلى الجحيم، ولتحترق تقاليد العائلات، وليفنى العالم بأسره إذا كان الثمن هو أن أقضي ليلة واحدة بعيداً
لم يكن الظلام الذي ابتلع قمر في تلك اللحظة مجرد انقطاع للتيار الكهربائي، بل كان ظلاماً حياً، يتنفس، ويزحف نحو رئتيها ليعتصر آخر ذرات الأكسجين فيهما. سعلت بعنف بينما كان الغاز الكيميائي اللاذع يتسرب من فتحات التهوية، يحرق حنجرتها ويغشي عينيها بدموع لا إرادية. جسدها الذي كان قبل ثوانٍ ينبض بنشوة التتويج، أصبح الآن يرتجف تحت وطأة فستان الزفاف الذي بدا وكأنه يضيق حول خصرها وعنقها كأفعى تعتصر فريستها. الرقاقة الإلكترونية الحمراء كانت لا تزال تومض على الأرض كعين شيطانية تراقب احتضارها، والقطعة القماشية السوداء التي تحمل شعار «المجلس الأعلى» بدت وكأنها تبتسم بسخرية من سذاجتها. حاولت الزحف نحو الباب الفولاذي، تضرب عليه بقبضتيها اللتين بدأتا تفقدان قوتهما، لكن صوت ضرباتها كان يضيع في الفراغ العازل للصوت. أغمضت عينيها، وبدأ وعيها يتلاشى، وفي تلك اللحظة التي استسلمت فيها فكرة الموت لتعانق روحها، اهتزت الأرض من تحتها.لم يكن صوتاً عادياً، بل كان انفجاراً أصم مزق طبلة الأذن، أعقبه تحطم الباب الفولاذي الذي اقتُلع من مفصلاته ليطير في الهواء ويسقط بجلجلة مرعبة. ومن وسط سحب الدخان الكثيف والغاز المتسر
كان الفستان تحفة فنية تتجاوز حدود الخيال، مزيجاً من الرقة الملائكية والفخامة الملكية. صُنع من الحرير الإيطالي الخالص بلونه الأبيض العاجي، والذي ينسدل بنعومة فائقة ليعانق منحنيات جسدها بدقة متناهية. الكورسيه العلوي كان مطرزاً يدوياً بخيوط الفضة الدقيقة وآلاف القطع من الألماس الحر وحبات اللؤلؤ الصافية، والتي صُفت لتشكل نقوشاً لأزهار برية متشابكة، تمتد من صدرها وتتلاشى تدريجياً نحو الخصر النحيل. الأكمام كانت طويلة ومصنوعة من الدانتيل الفرنسي الشفاف، الذي يزين ذراعيها كوشم أبيض دقيق، بينما كان الظهر مكشوفاً بشكل V عميق، يبرز بشرتها المرمرية الصافية، وينتهي بفيونكة حريرية ضخمة ينسدل منها ذيل الفستان الطويل جداً، والذي يمتد لعدة أمتار خلفها على السجاد المخملي كغيمة بيضاء تلامس الأرض. الطرحة كانت من التول الشفاف للغاية، مثبتة على شعرها الأسود الفاحم المرفوع جزئياً بتاج ألماسي صُمم خصيصاً ليحمل شعار عائلة حبيبها. كانت تنظر إلى انعكاسها في المرآة، بالكاد تتعرف على نفسها. لم تكن تلك الفتاة الخائفة، فاقدة الذاكرة، التي كانت تركض في الغابات؛ كانت تبدو وكأنها إمبراطورة متوجة، قوية، طاغية الأنوثة،
تلاشى صدى الصوت المشوه في أرجاء الجناح الملكي كأنه همسة شيطانية تبخرت في هواء الفجر البارد، مخلفاً وراءه صمتاً مرعباً يثقل الصدر ويخنق الأنفاس. وقف البطل جامداً كتمثال من الجرانيت الأسود، وعيناه الزمرديتان مثبتتان على الهاتف الفضائي والقلادة الفضية الملطخة بدماء والدته. «المجلس الأعلى»... الكلمة بحد ذاتها كانت تعتبر أسطورة في العالم السفلي، خرافة يتناقلها زعماء المافيا في جلساتهم المغلقة بخفوت، ككيان خفي يحكم العالم من وراء الستار، يصنع الملوك ويسقط الإمبراطوريات دون أن يترك أثراً. لقد ظن أنه وصل إلى قمة الهرم بقتله للزعيم الأكبر وإسقاطه لمؤسس الظل، لكنه الآن يدرك، وبمرارة لاذعة، أنه كان مجرد مصارع يقاتل في حلبة صغيرة، بينما يجلس سادة اللعبة الحقيقيون في المدرجات يراقبونه ببرود. سحق الهاتف الفضائي تحت كعب حذائه الثقيل حتى تحول إلى حطام دقيق، وانحنى ليلتقط قلادة والدته، قابضاً عليها بقوة حتى غاصت حوافها المعدنية في لحم كفه، لتختلط دماء الماضي بدماء الحاضر. التفت ببطء نحو السرير الدائري، حيث ترقد قمر غارقة في نوم عميق، أنفاسها هادئة، وملامحها الملائكية تفيض بسلام مؤقت. اقترب منها بخطوات
«أنتِ لستِ أسيرتي، ولستِ شريكتي فقط... أنتِ الملكة المطلقة لكل ما أملك، لكل حجر في هذا المكان، ولكل نبضة في هذا القلب المظلم. أوامركِ هي القانون، وغضبكِ هو العاصفة، ورضاكِ هو غايتي الوحيدة في هذا الوجود الجحيمي».أدمعت عيناها أمام هذا الاعتراف الذي يحمل استسلاماً تاماً من رجل لم يعرف الاستسلام يوماً. رفعت يديها وطوقت عنقه، ودفنت وجهها في صدره، لتستنشق عبير رجولته الطاغية الذي يختلط برائحة الانتصار. لم تكن هناك حاجة للكلمات، فالتلاحم الجسدي والروحي بينهما كان يروي ملحمة كاملة من العشق والولاء. انحنى وحملها بين ذراعيه كأنها أثمن جوهرة في الكون، وخطا بها خارج غرفة التحكم، متجهاً نحو الجناح الملكي الخاص بهما، الجناح الذي لم يطأه أحد سواه، والذي سيشهد الليلة طقوساً جديدة، طقوساً تعيد كتابة مفهوم الحب وسطوة العشق المتبادل.دخل بها الجناح الملكي الشاسع، الذي كان يجسد الفخامة المطلقة بأسلوب يجمع بين الغموض الكلاسيكي والرفاهية الحديثة. كانت الجدران مكسوة بالحرير الأسود والذهبي العتيق، تتوسط الغرفة سرير دائري ضخم مغطى بمفارش من المخمل القرمزي العميق الذي يحاكي لون الدماء والشغف. الأضواء كانت خا
ترددت أصداء كلمات القائد الميداني في فضاء الغابة المظلمة كتعويذة موت قديمة، لتسقط على روح قمر كجبل من الجليد السام الذي جمد الدماء في عروقها وأوقف نبض قلبها لثوانٍ بدت كأنها دهر كامل. «أبي... هو المؤسس؟ هو من أمر بالإبادة؟» همست بها شفتيها المرتجفتين وهي تتراجع ببطء، وكأن الأرض تحت قدميها قد تحولت إلى رمال متحركة تبتلع كل ذكرياتها، كل دموعها، وكل صلواتها التي رفعتها للسماء طوال عشر سنوات من الحداد الممزق. في تلك اللحظة السريالية، انشقت صفوف الحراس التابعين لفريق البطل، ليتقدم من بينهم رجل يسير بخطوات واثقة، هادئة، ومفعمة بغرور طاغٍ لا يتناسب أبداً مع هيئة السجين المقهور الذي رأته على الشاشة قبل دقائق. كان يرتدي بذلة سوداء أنيقة لا تشوبها شائبة، ووجهه الذي ظنته محفوراً بعذابات الأقبية كان يشع بنضارة قاسية، وعيناه... عيناه كانتا تحملان نفس البرود الجليدي الذي رأته في عيني الزعيم الأكبر، بل أشد فتكاً. كان هذا هو الرجل الذي بكت على قبره الفارغ، الرجل الذي شكل غيابه فجوة سوداء في روحها، يقف الآن أمامها حياً يُرزق، ليس كأب حنون عاد من الموت، بل كشيطان متجسد تربع على عرش الخراب الذي دمر حيات







