Home / الرومانسية / أسرني شيطاني المفضل / الفصل الثاني والأربعين

Share

الفصل الثاني والأربعين

last update publish date: 2026-08-30 08:43:34

وقف أمامها، يلهث قليلاً، رائحة الهواء البارد والليل مختلطة برائحته الرجولية الطاغية. لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بتأملها من قمة رأسها وحتى أخمص قدميها، وعيناه تلتهمان كل تفصيلة فيها تحت ضوء القمر الشاحب الذي يتسلل من النافذة. كانت تبدو كإلهة إغريقية في ثوبها الزمردي الذي يعانق جسدها، وشعرها الأسود الفاحم المنسدل على كتفيها كشلال من الليل. لم تستطع تحمل المسافة التي تفصل بينهما، ولا الصمت الذي يلفهما. «أنت مجنون!» همست بصوت مختنق بالدموع والشوق، وهي تندفع نحوه وتضرب بقبضتيها الصغيرتين على صدره الصلب. «أنت زعيم أكبر إمبراطورية في العالم السفلي، وتتسلل من النافذة كالطائشين المراهقين؟ ماذا لو رآك حراسك؟ ماذا لو ظنوا أنك متسلل وأطلقوا النار؟ كيف تكسر قواعدك الأمنية التي وضعتها بنفسك؟».

أمسك بقبضتيها اللتين تضربان صدره، وجذبهما إليه بقوة، ليثبتهما خلف ظهرها، مقرباً إياها حتى التصق جسدها النحيل بجسده الضخم. انحنى بوجهه نحوها، حتى لامست أنفاسه الحارة شفتيها المرتجفتين. «لتذهب القواعد الأمنية إلى الجحيم، ولتحترق تقاليد العائلات، وليفنى العالم بأسره إذا كان الثمن هو أن أقضي ليلة واحدة بعيداً عنكِ»، زمجر بصوته الأجش، العميق، الذي يحمل نبرة تملك وحشية. «لقد أمضيت الساعات الخمس الماضية أحاول إقناع نفسي بأنني أستطيع التنفس في جناح لا يحمل رائحتكِ، لكنني فشلت. أنا الذي لم أهزم في أي معركة، أقف أمامكِ مهزوماً، مجرداً من كل أسلحتي. لا أستطيع النوم، لا أستطيع التفكير، لا أستطيع حتى أن أغلق عيني دون أن أرى صورتكِ وأنتِ تبتسمين لي. أنا مهووس بكِ يا قمر، هوساً مرعباً يجعلني أخشى على نفسي منكِ، أكثر مما أخشى على نفسي من 'المجلس الأعلى'».

كانت كلماته كالسحر الأسود الذي يتغلغل في مسامها، يذيب كل دفاعاتها، ويفجر داخلها براكين من العشق المتأجج الذي لا يعرف العقل. نظرت في عينيه، ورأت فيهما الصراع الذي يمزقه؛ صراع رجل قوي، قاهر، يجد نفسه فجأة أسير ضعف واحد فقط، وهو هي. «وأنا أيضاً»، همست بصوت يكاد يكون مسموعاً، وهي ترفع رأسها لتقابل شفتيه. «أنا أرتعد خوفاً من الغد، أرتعد من فكرة أن أفقدك، أو أن أكون سبباً في هلاكك. أنت لم تعد فقط حبيبي، أنت الهواء الذي يدخل رئتي. إذا سقطت غداً، فسأسقط معك. لا تتركني وحدي في هذا العالم، لا في الظلام ولا في النور».

لم يحتمل المزيد من الحديث. انقض على شفتيها في قبلة شرسة، جائعة، وممتدة، قبلة تترجم كل الكلمات التي عجزت ألسنتهما عن نطقها. كان يقبلها بغضب، بيأس، وبتملك أعمى، وكأنه يحاول أن يستخلص روحها ويخبئها داخل صدره، لكي لا يستطيع أحد أن يمسها بسوء. تجاوبت معه قمر بشغف مجنون، لفت ذراعيها حول عنقه القوي، ودفنت أصابعها في خصلات شعره الكثيف، تجذبه إليها أكثر فأكثر. كان طعم قبلتهما مختلطاً بملوحة الدموع التي انحدرت من عينيها، وبمرارة الخوف من الغد المجهول. رفعها بين ذراعيه بسهولة بالغة، دون أن يقطع تلك القبلة المحمومة، وسار بها نحو السرير الدائري الضخم الذي يتوسط الغرفة.

وضعها برفق على الشراشف الحريرية الباردة، لكن حرارة جسده التي رافقتها بددت كل برودة في المكان. انحنى فوقها، مستنداً على ساعديه، وتأمل وجهها المضاء بنور القمر الفضي. كانت عيناها تلمعان ببريق الرغبة والدموع، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة جنونية. ببطء شديد، وبأنامل ترتجف من فرط العشق، بدأ يمرر يده على طول جسدها، متلمساً منحنياتها من فوق الحرير الأخضر، كأنه يعزف مقطوعة موسيقية لا يسمعها سواه. «الليلة، لن نكون الزعيم والملكة»، همس وهو يطبع قبلات رطبة ومتفرقة على عنقها، وكتفها، وصولاً إلى منطقة النبض أسفل أذنها، مما جعلها تطلق آهة خافتة، متلذذة. «الليلة، نحن مجرد عاشقين يسرقان لحظة من الزمن قبل أن تندلع الحرب. الليلة، أنتِ لي فقط، وأنا لكِ وحدكِ، بلا ألقاب، بلا ماضٍ، وبلا أعداء».

اندمجت الأرواح قبل الأجساد في تلك الليلة الاستثنائية. كان كل شيء حولهما يتلاشى؛ القصر المحصن، حراس النخبة، المؤامرات السياسية، وتهديدات المجلس الأعلى. لم يبقَ في الكون الواسع سوى رائحة العرق المختلط بعطرها، وأصوات أنفاسهما اللاهثة، وهمساتهما المحمومة التي تبادلا فيها وعود الأبدية. كانت لمساته العنيفة تحمل في طياتها حناناً موجعاً، وكانت استجابتها المتلهفة تؤكد له أنها اختارت طواعية أن تحترق في جحيمه ولا تعيش في جنة دونه. تلاحما في صراع حسي عالي المستوى، صراع يمتزج فيه الخوف بالشغف، والألم باللذة. كانت أنامله ترسم خرائط التملك على بشرتها المرمرية، بينما كانت هي تطبع على ظهره العريض ندبات جديدة من أظافرها، لتوثق ملكيتها للوحش الذي استكان بين ذراعيها. تحت ضوء القمر الساطع الذي تلصص عليهما من النافذة، عاشا ملحمة رومانسية تفوق في قسوتها وجمالها كل الأساطير، ملحمة رجل وامرأة قررا أن يصنعا عالمهما الخاص داخل فقاعة من العشق، قبل أن تنفجر تلك الفقاعة في وجه العالم الخارجي.

مرت الساعات كطيف عابر، وحل السكون المطلق على الجناح. كان البطل قد اضطر للمغادرة قبل أن تنشق خيوط الفجر الأولى، متدلياً من الحبل ذاته ليعود إلى موقعه وكأن شيئاً لم يكن، تاركاً إياها غارقة في نوم عميق، مشبعة بدفئه ورائحته التي علقت في كل شبر من جسدها.

عندما فتحت قمر عينيها، كانت أشعة الشمس الذهبية قد بدأت تتسلل إلى الغرفة، معلنة بداية اليوم الموعود؛ يوم الزفاف الأسطوري. نهضت من الفراش، تشعر بآلام لذيذة في عضلاتها، وابتسامة واسعة، هادئة، تزين شفتيها. لقد زال الخوف، وحل محله يقين مطلق بأنها أقوى من أي وقت مضى. هي لن تذهب إلى المذبح كضحية تساق إلى حتفها، بل كملكة تذهب لتتويجها. بعد قليل، سُمعت طرقات خفيفة على الباب، ودخلت مجموعة جديدة وموثوقة من الخادمات، يحملن الفستان الجديد الذي تم اختياره وفحصه آلاف المرات بأحدث الأجهزة. كان فستاناً أبيض ناصعاً، يخلو من التعقيدات، لكنه يفيض بفخامة ملكية طاغية لا تحتاج إلى تطريز مبالغ فيه.

جلست قمر أمام المرآة البيضاوية الضخمة، محاطة بالخادمات اللاتي بدأن في تصفيف شعرها ووضع لمسات المكياج التي زادت من حدة ملامحها وجاذبيتها. كانت تراقب انعكاسها بهدوء، مستمتعة بالتحول الجذري في هيئتها. عندما انتهين، طلبن منها الإذن بالانصراف ليتركنها ترتدي الفستان في خصوصية. وافقت قمر بإيماءة بسيطة، وخرجت الخادمات، ليغرق الجناح في هدوء تام.

وقفت قمر ببطء، وتوجهت نحو الفستان المعلق بانتظارها. لكن، وبينما كانت تمد يدها لتلامس الحرير الأبيض، توقفت فجأة. انقبض قلبها بعنف، وشعرت ببرودة مفاجئة تزحف على طول عمودها الفقري، نفس البرودة التي كانت تشعر بها قبل أن يقتحم البطل الأتيليه في المرة السابقة. كان هناك شعور ساحق بأنها ليست وحدها في الغرفة. حدقت في المرآة المقابلة لها، وبدأت حدقتاها تتسعان في رعب خالص، كاد يوقف النبض في عروقها.

لم يكن انعكاسها في المرآة هو ما أثار رعبها. بل كان الظل الطويل الذي يقف خلفها مباشرة، في الزاوية المعتمة من الغرفة التي لا تصلها أشعة الشمس. لم يكن البطل، ولم يكن أحد الحراس. كان رجلاً يرتدي بزة عسكرية قديمة وممزقة، وجهه مشوه بحروق عميقة تخفي نصف ملامحه، لكن النصف الآخر كان يحمل عينين تعرفهما قمر جيداً أكثر من أي شيء آخر في هذا العالم. عينان كانتا ترافقانها في كل كوابيس الطفولة، عينان ظنت أنها دفنتهما منذ أكثر من خمسة عشر عاماً.

تراجعت قمر خطوة إلى الوراء، واصطدم ظهرها بالتسريحة الخشبية، بينما انشقت شفتيها عن همسة مختنقة: «أنت... مستحيل... لقد رأيتك تحترق...».

ابتسم الرجل ابتسامة مشوهة، كشفت عن أسنان متآكلة، وتقدم خطوة واحدة نحوها، بينما أخرج من جيب سترته جهاز تحكم صغير يحمل زراً أحمر واحداً. «مرحباً بكِ في يوم زفافكِ يا عروستي الصغيرة»، قال بصوت أجش، يخترقه صفير مرعب مع كل حرف ينطقه. «لقد ظن عاشقكِ الأحمق أن 'المجلس الأعلى' سيرسل قتلة مأجورين أو سموماً تافهة لإيقاف هذا التتويج. لم يدركوا قط أن المجلس لا يرسل غرباء... المجلس يعيد إحياء الماضي. هل أنتِ مستعدة لتعرفي من هو والدكِ الحقيقي يا قمر؟ أم تفضلين أن أضغط على هذا الزر ونحترق معاً في هذا القفص الذهبي قبل أن نكتشف ذلك؟».

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثاني والأربعين

    وقف أمامها، يلهث قليلاً، رائحة الهواء البارد والليل مختلطة برائحته الرجولية الطاغية. لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بتأملها من قمة رأسها وحتى أخمص قدميها، وعيناه تلتهمان كل تفصيلة فيها تحت ضوء القمر الشاحب الذي يتسلل من النافذة. كانت تبدو كإلهة إغريقية في ثوبها الزمردي الذي يعانق جسدها، وشعرها الأسود الفاحم المنسدل على كتفيها كشلال من الليل. لم تستطع تحمل المسافة التي تفصل بينهما، ولا الصمت الذي يلفهما. «أنت مجنون!» همست بصوت مختنق بالدموع والشوق، وهي تندفع نحوه وتضرب بقبضتيها الصغيرتين على صدره الصلب. «أنت زعيم أكبر إمبراطورية في العالم السفلي، وتتسلل من النافذة كالطائشين المراهقين؟ ماذا لو رآك حراسك؟ ماذا لو ظنوا أنك متسلل وأطلقوا النار؟ كيف تكسر قواعدك الأمنية التي وضعتها بنفسك؟».أمسك بقبضتيها اللتين تضربان صدره، وجذبهما إليه بقوة، ليثبتهما خلف ظهرها، مقرباً إياها حتى التصق جسدها النحيل بجسده الضخم. انحنى بوجهه نحوها، حتى لامست أنفاسه الحارة شفتيها المرتجفتين. «لتذهب القواعد الأمنية إلى الجحيم، ولتحترق تقاليد العائلات، وليفنى العالم بأسره إذا كان الثمن هو أن أقضي ليلة واحدة بعيداً

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الحادي والأربعون

    لم يكن الظلام الذي ابتلع قمر في تلك اللحظة مجرد انقطاع للتيار الكهربائي، بل كان ظلاماً حياً، يتنفس، ويزحف نحو رئتيها ليعتصر آخر ذرات الأكسجين فيهما. سعلت بعنف بينما كان الغاز الكيميائي اللاذع يتسرب من فتحات التهوية، يحرق حنجرتها ويغشي عينيها بدموع لا إرادية. جسدها الذي كان قبل ثوانٍ ينبض بنشوة التتويج، أصبح الآن يرتجف تحت وطأة فستان الزفاف الذي بدا وكأنه يضيق حول خصرها وعنقها كأفعى تعتصر فريستها. الرقاقة الإلكترونية الحمراء كانت لا تزال تومض على الأرض كعين شيطانية تراقب احتضارها، والقطعة القماشية السوداء التي تحمل شعار «المجلس الأعلى» بدت وكأنها تبتسم بسخرية من سذاجتها. حاولت الزحف نحو الباب الفولاذي، تضرب عليه بقبضتيها اللتين بدأتا تفقدان قوتهما، لكن صوت ضرباتها كان يضيع في الفراغ العازل للصوت. أغمضت عينيها، وبدأ وعيها يتلاشى، وفي تلك اللحظة التي استسلمت فيها فكرة الموت لتعانق روحها، اهتزت الأرض من تحتها.لم يكن صوتاً عادياً، بل كان انفجاراً أصم مزق طبلة الأذن، أعقبه تحطم الباب الفولاذي الذي اقتُلع من مفصلاته ليطير في الهواء ويسقط بجلجلة مرعبة. ومن وسط سحب الدخان الكثيف والغاز المتسر

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الأربعون

    كان الفستان تحفة فنية تتجاوز حدود الخيال، مزيجاً من الرقة الملائكية والفخامة الملكية. صُنع من الحرير الإيطالي الخالص بلونه الأبيض العاجي، والذي ينسدل بنعومة فائقة ليعانق منحنيات جسدها بدقة متناهية. الكورسيه العلوي كان مطرزاً يدوياً بخيوط الفضة الدقيقة وآلاف القطع من الألماس الحر وحبات اللؤلؤ الصافية، والتي صُفت لتشكل نقوشاً لأزهار برية متشابكة، تمتد من صدرها وتتلاشى تدريجياً نحو الخصر النحيل. الأكمام كانت طويلة ومصنوعة من الدانتيل الفرنسي الشفاف، الذي يزين ذراعيها كوشم أبيض دقيق، بينما كان الظهر مكشوفاً بشكل V عميق، يبرز بشرتها المرمرية الصافية، وينتهي بفيونكة حريرية ضخمة ينسدل منها ذيل الفستان الطويل جداً، والذي يمتد لعدة أمتار خلفها على السجاد المخملي كغيمة بيضاء تلامس الأرض. الطرحة كانت من التول الشفاف للغاية، مثبتة على شعرها الأسود الفاحم المرفوع جزئياً بتاج ألماسي صُمم خصيصاً ليحمل شعار عائلة حبيبها. كانت تنظر إلى انعكاسها في المرآة، بالكاد تتعرف على نفسها. لم تكن تلك الفتاة الخائفة، فاقدة الذاكرة، التي كانت تركض في الغابات؛ كانت تبدو وكأنها إمبراطورة متوجة، قوية، طاغية الأنوثة،

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل التاسع والثلاثون

    تلاشى صدى الصوت المشوه في أرجاء الجناح الملكي كأنه همسة شيطانية تبخرت في هواء الفجر البارد، مخلفاً وراءه صمتاً مرعباً يثقل الصدر ويخنق الأنفاس. وقف البطل جامداً كتمثال من الجرانيت الأسود، وعيناه الزمرديتان مثبتتان على الهاتف الفضائي والقلادة الفضية الملطخة بدماء والدته. «المجلس الأعلى»... الكلمة بحد ذاتها كانت تعتبر أسطورة في العالم السفلي، خرافة يتناقلها زعماء المافيا في جلساتهم المغلقة بخفوت، ككيان خفي يحكم العالم من وراء الستار، يصنع الملوك ويسقط الإمبراطوريات دون أن يترك أثراً. لقد ظن أنه وصل إلى قمة الهرم بقتله للزعيم الأكبر وإسقاطه لمؤسس الظل، لكنه الآن يدرك، وبمرارة لاذعة، أنه كان مجرد مصارع يقاتل في حلبة صغيرة، بينما يجلس سادة اللعبة الحقيقيون في المدرجات يراقبونه ببرود. سحق الهاتف الفضائي تحت كعب حذائه الثقيل حتى تحول إلى حطام دقيق، وانحنى ليلتقط قلادة والدته، قابضاً عليها بقوة حتى غاصت حوافها المعدنية في لحم كفه، لتختلط دماء الماضي بدماء الحاضر. التفت ببطء نحو السرير الدائري، حيث ترقد قمر غارقة في نوم عميق، أنفاسها هادئة، وملامحها الملائكية تفيض بسلام مؤقت. اقترب منها بخطوات

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثامن والثلاثون

    «أنتِ لستِ أسيرتي، ولستِ شريكتي فقط... أنتِ الملكة المطلقة لكل ما أملك، لكل حجر في هذا المكان، ولكل نبضة في هذا القلب المظلم. أوامركِ هي القانون، وغضبكِ هو العاصفة، ورضاكِ هو غايتي الوحيدة في هذا الوجود الجحيمي».أدمعت عيناها أمام هذا الاعتراف الذي يحمل استسلاماً تاماً من رجل لم يعرف الاستسلام يوماً. رفعت يديها وطوقت عنقه، ودفنت وجهها في صدره، لتستنشق عبير رجولته الطاغية الذي يختلط برائحة الانتصار. لم تكن هناك حاجة للكلمات، فالتلاحم الجسدي والروحي بينهما كان يروي ملحمة كاملة من العشق والولاء. انحنى وحملها بين ذراعيه كأنها أثمن جوهرة في الكون، وخطا بها خارج غرفة التحكم، متجهاً نحو الجناح الملكي الخاص بهما، الجناح الذي لم يطأه أحد سواه، والذي سيشهد الليلة طقوساً جديدة، طقوساً تعيد كتابة مفهوم الحب وسطوة العشق المتبادل.دخل بها الجناح الملكي الشاسع، الذي كان يجسد الفخامة المطلقة بأسلوب يجمع بين الغموض الكلاسيكي والرفاهية الحديثة. كانت الجدران مكسوة بالحرير الأسود والذهبي العتيق، تتوسط الغرفة سرير دائري ضخم مغطى بمفارش من المخمل القرمزي العميق الذي يحاكي لون الدماء والشغف. الأضواء كانت خا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السابع والثلاثون

    ترددت أصداء كلمات القائد الميداني في فضاء الغابة المظلمة كتعويذة موت قديمة، لتسقط على روح قمر كجبل من الجليد السام الذي جمد الدماء في عروقها وأوقف نبض قلبها لثوانٍ بدت كأنها دهر كامل. «أبي... هو المؤسس؟ هو من أمر بالإبادة؟» همست بها شفتيها المرتجفتين وهي تتراجع ببطء، وكأن الأرض تحت قدميها قد تحولت إلى رمال متحركة تبتلع كل ذكرياتها، كل دموعها، وكل صلواتها التي رفعتها للسماء طوال عشر سنوات من الحداد الممزق. في تلك اللحظة السريالية، انشقت صفوف الحراس التابعين لفريق البطل، ليتقدم من بينهم رجل يسير بخطوات واثقة، هادئة، ومفعمة بغرور طاغٍ لا يتناسب أبداً مع هيئة السجين المقهور الذي رأته على الشاشة قبل دقائق. كان يرتدي بذلة سوداء أنيقة لا تشوبها شائبة، ووجهه الذي ظنته محفوراً بعذابات الأقبية كان يشع بنضارة قاسية، وعيناه... عيناه كانتا تحملان نفس البرود الجليدي الذي رأته في عيني الزعيم الأكبر، بل أشد فتكاً. كان هذا هو الرجل الذي بكت على قبره الفارغ، الرجل الذي شكل غيابه فجوة سوداء في روحها، يقف الآن أمامها حياً يُرزق، ليس كأب حنون عاد من الموت، بل كشيطان متجسد تربع على عرش الخراب الذي دمر حيات

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status