Share

الفصل الأربعون

last update publish date: 2026-08-29 05:39:56

كان الفستان تحفة فنية تتجاوز حدود الخيال، مزيجاً من الرقة الملائكية والفخامة الملكية. صُنع من الحرير الإيطالي الخالص بلونه الأبيض العاجي، والذي ينسدل بنعومة فائقة ليعانق منحنيات جسدها بدقة متناهية. الكورسيه العلوي كان مطرزاً يدوياً بخيوط الفضة الدقيقة وآلاف القطع من الألماس الحر وحبات اللؤلؤ الصافية، والتي صُفت لتشكل نقوشاً لأزهار برية متشابكة، تمتد من صدرها وتتلاشى تدريجياً نحو الخصر النحيل. الأكمام كانت طويلة ومصنوعة من الدانتيل الفرنسي الشفاف، الذي يزين ذراعيها كوشم أبيض دقيق، بينما كان الظهر مكشوفاً بشكل V عميق، يبرز بشرتها المرمرية الصافية، وينتهي بفيونكة حريرية ضخمة ينسدل منها ذيل الفستان الطويل جداً، والذي يمتد لعدة أمتار خلفها على السجاد المخملي كغيمة بيضاء تلامس الأرض. الطرحة كانت من التول الشفاف للغاية، مثبتة على شعرها الأسود الفاحم المرفوع جزئياً بتاج ألماسي صُمم خصيصاً ليحمل شعار عائلة حبيبها. كانت تنظر إلى انعكاسها في المرآة، بالكاد تتعرف على نفسها. لم تكن تلك الفتاة الخائفة، فاقدة الذاكرة، التي كانت تركض في الغابات؛ كانت تبدو وكأنها إمبراطورة متوجة، قوية، طاغية الأنوثة، ومستعدة لاحتلال العالم بنظرة واحدة من عينيها الكحيلتين.

وفي غمرة انشغال المصممات بضبط طول الذيل وتثبيت أطراف الدانتيل، انفتح باب الأتيليه الثقيل فجأة، وبدون أي سابق إنذار. تجمدت الدماء في عروق الحاضرات، وتراجعن إلى الخلف بخوف واحترام عندما دخل البطل إلى الغرفة. كان يرتدي بدلته السوداء الكلاسيكية التي تبرز هيبته وعرض منكبيه، ووجهه يحمل تلك الصرامة الجليدية التي ترعب أعتى الرجال. بمجرد أن وقعت عيناه عليها، توقف الزمن. تسمرت قدماه في مكانه، واختفت كل الأصوات من حوله، ولم يعد يرى في هذا الكون الواسع سوى تلك الحورية البيضاء التي تقف في منتصف الغرفة. أشار بيده إشارة واحدة وصارمة، فانسحبت جميع المصممات والخادمات من الغرفة في أقل من ثانية، وأغلقن الباب الثقيل خلفهن، تاركين إياهما وحدهما في عالم من السحر والتوتر الحسي العالي.

تقدم نحوها بخطوات بطيئة، ثقيلة، ومدروسة، كحيوان مفترس يقترب من فريسته التي يعشقها حد الجنون. لم تكن عيناه ترمشان، بل كانتا تلتهمان كل تفصيلة فيها، من تاجها الألماسي، مروراً بنقوش الدانتيل على صدرها، وحتى ذيل فستانها الممتد. وقفت قمر تراقب اقترابه بقلب يخفق كالطبول، ووجنتين تشتعلان بحمرة الخجل والرغبة. عندما أصبح على بعد خطوة واحدة منها، توقف، ومرر نظراته المظلمة على ظهرها المكشوف في المرآة، ثم التقت عيناهما عبر الانعكاس. رفع يده الكبيرة، الخشنة، والتي تحمل تاريخاً من الدم والنار، ومرر أنامله ببطء شديد وحرارة بالغة على طول خط عمودها الفقري المكشوف، من أسفل عنقها وحتى بداية الكورسيه.

ارتجف جسدها بالكامل تحت لمسته التي بثت تيارات كهربائية في كل خلية من خلاياها.

«أنتِ ترتدين الأبيض... لون النقاء، والملائكة، والسلام»، همس بصوت رخيم، مبحوح من فرط الشغف والتملك، أنفاسه الحارة تلفح بشرة كتفها العاري. «لكنكِ لا تنتمين إلى السماء يا قمر. أنتِ تنتمين إلى جحيمي. هذا البياض الذي يغلفكِ ليس سوى غلاف خادع، يخفي تحته روحاً احترقت بنيراني، وامرأة تملك من القوة ما يكفي لتركيع إمبراطورية الظل بأكملها». استدارت إليه ببطء، ورفعت رأسها لتنظر في عينيه اللتين غرقتا في بحر من الرغبة المحمومة. اقترب أكثر حتى تلاحمت أجسادهما، ولم يعد يفصل بين بدلته السوداء القاتمة وفستانها الأبيض الناصع سوى مليمترات قليلة. أحاط خصرها النحيل بذراعه القوية، وجذبها إليه بقوة جعلت صدرها يلتصق بصدره العريض، متجاهلاً كل طبقات الحرير والدانتيل التي تعيق تلاحمهما.

«أبدو جميلة؟» سألته بصوت خافت، أنثوي، يقطر دلالاً متعمداً لتأجيج نيرانه. أطلق ضحكة خشنة، مظلمة، وانحنى ليدفن وجهه في تجويف عنقها، يستنشق عطرها المسكر الذي يفقده صوابه. «الجمال كلمة تافهة لا تليق بكِ. أنتِ كارثة، طوفان من العشق يجتاح كياني ويدمر كل دفاعاتي. عندما أراكِ بهذا الفستان، لا أفكر في التتويج، ولا في الاستعراض أمام العالم. كل ما أفكر فيه هو كيف سأمزق كل هذا الحرير والدانتيل الليلة، وكيف سأمحو هذا اللون الأبيض بقبلاتي وبصمات تملكي على كل إنش من جسدكِ. أنتِ ملكي، في هذا الفستان، وبدونه، اليوم، وغداً، وإلى الأبد». كانت كلماته الجريئة والمشبعة بالتملك الحار تذيب كل ذرة خجل متبقية في داخلها. رفعت يديها المحاطتين بالدانتيل الشفاف، ووضعتهما على صدره، متلمسة نبضات قلبه العنيفة. رفعت وجهها، وقابلت شفتيه في قبلة شرسة، جائعة، ومتمردة، قبلة لا تليق بعروس ملائكية، بل تليق بملكة مافيا تستعد لاعتلاء عرشها الملطخ بالدماء. كان المشهد لوحة فنية تجسد التناقض المطلق؛ الرقة البيضاء الناصعة تعانق الظلام الأسود القاتم، في انسجام تام لا يمكن لأي قوة في الكون أن تفصله.

بعد لحظات طويلة من الشغف الذي كاد يخرق كل قواعد المكان والزمان، ابتعد عنها قليلاً وهو يلهث، ومسح بإبهامه على شفتيها المتورمتين برقة بالغة. «يجب أن أترككِ الآن لتكملي الاستعدادات. الضيوف بدأوا في التوافد، وفرق القناصة قد اتخذت مواقعها. لن أغيب طويلاً، سأنتظركِ عند نهاية الممر، لتكوني آخر ما تراه عيناي في هذه الليلة الطويلة». طبع قبلة أخيرة على جبهتها، واستدار ليغادر الأتيليه، تاركاً إياها غارقة في نشوة الحب ودفء كلماته التي كانت بمثابة درع يحميها من مخاوفها.

بمجرد أن أُغلق الباب الثقيل خلفه، عادت قمر لتنظر إلى انعكاسها في المرآة. أخذت نفساً عميقاً لتستعيد رباطة جأشها، ورفعت يديها لترتب خصلات شعرها التي تناثرت إثر عناقهما المحموم. انحنت قليلاً لتعدل وضعية الكورسيه المطرز الذي ضغط على صدرها بقوة، لكن بينما كانت تمرر أصابعها على حافة الدانتيل الفرنسي المبطن الذي يلامس بشرتها مباشرة فوق منطقة القلب، شعرت بشيء غريب. لم يكن نتوءاً طبيعياً من خياطة التطريز، بل كان جسماً صلباً، متناهي الصغر، ومربع الشكل، مخيطاً ببراعة شيطانية داخل البطانة الحريرية الملاصقة لجلدها. عقدت حاجبيها في استغراب، واستدارت نحو طاولة الخياطة القريبة، والتقطت مقصاً صغيراً جداً ذو شفرات حادة. بيديها اللتين بدأتا ترتجفان من هاجس مرعب اجتاح كيانها، أحدثت شقاً صغيراً جداً في البطانة الداخلية، وأدخلت طرفي المقص لتسحب ذلك الجسم الغريب.

سقط الجسم في باطن كفها. كان رقاقة إلكترونية ميكروية، تومض بنبض أحمر صامت وخافت للغاية. وإلى جانب الرقاقة، سحبت قطعة قماش سوداء صغيرة جداً، بحجم طابع البريد، كانت مطوية بعناية فائقة. فردت قمر القطعة القماشية بأصابع ترتجف بعنف، لتتسع عيناها في رعب كوني شل كل أطرافها. كانت القطعة تحمل تطريزاً بخيط ذهبي دقيق، يجسد شعار أفعى سوداء تلتف حول قمر أبيض... الشعار السري لـ «المجلس الأعلى»! وتحت الشعار، كانت هناك جملة واحدة مكتوبة بحروف دموية متناهية الصغر: «الكفن الأبيض يليق بكِ أكثر من عرش الظلام... العد التنازلي بدأ مع نبضك».

تراجعت قمر خطوة للخلف، وسقط المقص والرقاقة من يديها ليرتطما بالأرضية الرخامية. لقد تم اختراق أعتى حصونهم! الفستان الذي ترتديه، والذي خيط في قلب قصرهم المحصن، كان يحمل أداة موتها. هل هي متفجرات نانوية؟ أم سم يتسرب عبر الجلد؟ قبل أن تصرخ أو تندفع نحو الباب لتنادي حبيبها، انطفأت الأضواء الكريستالية في الأتيليه فجأة، وغرقت الغرفة في ظلام دامس لم يقطعه سوى وميض الرقاقة الأحمر على الأرض. وفي نفس اللحظة، سُمع صوت انغلاق ميكانيكي ثقيل مصدره الباب الرئيسي؛ لقد تم إقفال الباب من الخارج بأقفال إلكترونية لا تفتح إلا بشفرات معقدة. وبدأ صوت هسهسة خافت يتسرب من فتحات التكييف العلوية، مصحوباً بانخفاض مرعب وسريع في درجة حرارة الغرفة، ورائحة غاز كيميائي لاذع بدأت تخنق أنفاسها وتحرق حنجرتها. كانت محتجزة في قفص من الجليد والظلام، مرتدية فستان زفافها الذي تحول في ثانية واحدة إلى كفن ملغوم، بينما كان حبيبها في الخارج ينتظر تتويجها، غير مدرك أن الملكة تحتضر في عرينها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الأربعون

    كان الفستان تحفة فنية تتجاوز حدود الخيال، مزيجاً من الرقة الملائكية والفخامة الملكية. صُنع من الحرير الإيطالي الخالص بلونه الأبيض العاجي، والذي ينسدل بنعومة فائقة ليعانق منحنيات جسدها بدقة متناهية. الكورسيه العلوي كان مطرزاً يدوياً بخيوط الفضة الدقيقة وآلاف القطع من الألماس الحر وحبات اللؤلؤ الصافية، والتي صُفت لتشكل نقوشاً لأزهار برية متشابكة، تمتد من صدرها وتتلاشى تدريجياً نحو الخصر النحيل. الأكمام كانت طويلة ومصنوعة من الدانتيل الفرنسي الشفاف، الذي يزين ذراعيها كوشم أبيض دقيق، بينما كان الظهر مكشوفاً بشكل V عميق، يبرز بشرتها المرمرية الصافية، وينتهي بفيونكة حريرية ضخمة ينسدل منها ذيل الفستان الطويل جداً، والذي يمتد لعدة أمتار خلفها على السجاد المخملي كغيمة بيضاء تلامس الأرض. الطرحة كانت من التول الشفاف للغاية، مثبتة على شعرها الأسود الفاحم المرفوع جزئياً بتاج ألماسي صُمم خصيصاً ليحمل شعار عائلة حبيبها. كانت تنظر إلى انعكاسها في المرآة، بالكاد تتعرف على نفسها. لم تكن تلك الفتاة الخائفة، فاقدة الذاكرة، التي كانت تركض في الغابات؛ كانت تبدو وكأنها إمبراطورة متوجة، قوية، طاغية الأنوثة،

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل التاسع والثلاثون

    تلاشى صدى الصوت المشوه في أرجاء الجناح الملكي كأنه همسة شيطانية تبخرت في هواء الفجر البارد، مخلفاً وراءه صمتاً مرعباً يثقل الصدر ويخنق الأنفاس. وقف البطل جامداً كتمثال من الجرانيت الأسود، وعيناه الزمرديتان مثبتتان على الهاتف الفضائي والقلادة الفضية الملطخة بدماء والدته. «المجلس الأعلى»... الكلمة بحد ذاتها كانت تعتبر أسطورة في العالم السفلي، خرافة يتناقلها زعماء المافيا في جلساتهم المغلقة بخفوت، ككيان خفي يحكم العالم من وراء الستار، يصنع الملوك ويسقط الإمبراطوريات دون أن يترك أثراً. لقد ظن أنه وصل إلى قمة الهرم بقتله للزعيم الأكبر وإسقاطه لمؤسس الظل، لكنه الآن يدرك، وبمرارة لاذعة، أنه كان مجرد مصارع يقاتل في حلبة صغيرة، بينما يجلس سادة اللعبة الحقيقيون في المدرجات يراقبونه ببرود. سحق الهاتف الفضائي تحت كعب حذائه الثقيل حتى تحول إلى حطام دقيق، وانحنى ليلتقط قلادة والدته، قابضاً عليها بقوة حتى غاصت حوافها المعدنية في لحم كفه، لتختلط دماء الماضي بدماء الحاضر. التفت ببطء نحو السرير الدائري، حيث ترقد قمر غارقة في نوم عميق، أنفاسها هادئة، وملامحها الملائكية تفيض بسلام مؤقت. اقترب منها بخطوات

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثامن والثلاثون

    «أنتِ لستِ أسيرتي، ولستِ شريكتي فقط... أنتِ الملكة المطلقة لكل ما أملك، لكل حجر في هذا المكان، ولكل نبضة في هذا القلب المظلم. أوامركِ هي القانون، وغضبكِ هو العاصفة، ورضاكِ هو غايتي الوحيدة في هذا الوجود الجحيمي».أدمعت عيناها أمام هذا الاعتراف الذي يحمل استسلاماً تاماً من رجل لم يعرف الاستسلام يوماً. رفعت يديها وطوقت عنقه، ودفنت وجهها في صدره، لتستنشق عبير رجولته الطاغية الذي يختلط برائحة الانتصار. لم تكن هناك حاجة للكلمات، فالتلاحم الجسدي والروحي بينهما كان يروي ملحمة كاملة من العشق والولاء. انحنى وحملها بين ذراعيه كأنها أثمن جوهرة في الكون، وخطا بها خارج غرفة التحكم، متجهاً نحو الجناح الملكي الخاص بهما، الجناح الذي لم يطأه أحد سواه، والذي سيشهد الليلة طقوساً جديدة، طقوساً تعيد كتابة مفهوم الحب وسطوة العشق المتبادل.دخل بها الجناح الملكي الشاسع، الذي كان يجسد الفخامة المطلقة بأسلوب يجمع بين الغموض الكلاسيكي والرفاهية الحديثة. كانت الجدران مكسوة بالحرير الأسود والذهبي العتيق، تتوسط الغرفة سرير دائري ضخم مغطى بمفارش من المخمل القرمزي العميق الذي يحاكي لون الدماء والشغف. الأضواء كانت خا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السابع والثلاثون

    ترددت أصداء كلمات القائد الميداني في فضاء الغابة المظلمة كتعويذة موت قديمة، لتسقط على روح قمر كجبل من الجليد السام الذي جمد الدماء في عروقها وأوقف نبض قلبها لثوانٍ بدت كأنها دهر كامل. «أبي... هو المؤسس؟ هو من أمر بالإبادة؟» همست بها شفتيها المرتجفتين وهي تتراجع ببطء، وكأن الأرض تحت قدميها قد تحولت إلى رمال متحركة تبتلع كل ذكرياتها، كل دموعها، وكل صلواتها التي رفعتها للسماء طوال عشر سنوات من الحداد الممزق. في تلك اللحظة السريالية، انشقت صفوف الحراس التابعين لفريق البطل، ليتقدم من بينهم رجل يسير بخطوات واثقة، هادئة، ومفعمة بغرور طاغٍ لا يتناسب أبداً مع هيئة السجين المقهور الذي رأته على الشاشة قبل دقائق. كان يرتدي بذلة سوداء أنيقة لا تشوبها شائبة، ووجهه الذي ظنته محفوراً بعذابات الأقبية كان يشع بنضارة قاسية، وعيناه... عيناه كانتا تحملان نفس البرود الجليدي الذي رأته في عيني الزعيم الأكبر، بل أشد فتكاً. كان هذا هو الرجل الذي بكت على قبره الفارغ، الرجل الذي شكل غيابه فجوة سوداء في روحها، يقف الآن أمامها حياً يُرزق، ليس كأب حنون عاد من الموت، بل كشيطان متجسد تربع على عرش الخراب الذي دمر حيات

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السادس والثلاثون

    اتسعت عينا قمر وهي تستمع إلى هذا الاعتراف التاريخي المزلزل. الصراع النفسي الذي عاشته طويلاً، كراهيتها لوالد حبيبها، وشعورها بالذنب لعشقها لرجل ظنت أن عائلته أبادوا عائلتها، كل هذا انهار وتحول إلى رماد. الحقيقة تجلت أمامها قاسية، بشعة، لكنها مطهرة. لم يكن حبيبها وريثاً للدم والخيانة، بل كان ضحية مثلها تماماً، ضحية لجشع هذا الرجل العجوز الذي يقف أمامهما الآن. شعرت بموجة من الحب الجارف والامتنان تغمر قلبها تجاه الرجل الذي لم يكتفِ بحمايتها، بل غاص في مستنقعات الماضي ليغسل شرف عائلتيهما ويثبت براءتهما أمام محكمة التاريخ المظلم.أطلق الزعيم الأكبر قهقهة عالية، متوترة، محاولاً إخفاء ارتباكه من انكشاف خطته الكبرى. «وماذا إن كان هذا صحيحاً؟»، صرخ بتحدٍ، والجنون يطل من عينيه. «نعم، أنا من فعل كل ذلك! أنا من تلاعب بآبائكم الأغبياء، لأنهم كانوا مثاليين أكثر من اللازم، لم يمتلكوا القسوة الكافية لحكم العالم، بينما أمتلكها أنا! التاريخ يكتبه المنتصرون يا بني، وأنا المنتصر اليوم. معرفتك بالماضي لن تنقذ والدها من الحمض، ولن تنقذك من رصاص حراسي الذين يتجمعون الآن حول الساحة. لقد خسرت!».«التاريخ يكتبه

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الخامس والثلاثون

    «أبي...؟!» الكلمة خرجت من بين شفتيها المرتجفتين كحشرجة موت بطيء، همسة ممزقة شقت سكون الليل البارد وكأنها شفرة حادة تمزق نسيج الواقع ذاته. سقطت العصا الذهبية من يدها لتغوص في الوحل الأسود، بينما تسمرت عيناها المتسعتان برعب كوني على شاشة الجهاز اللوحي المضيئة. كان هناك، الرجل الذي بكته لعشر سنوات متتالية، الرجل الذي حفرت قبره بيديها في خيالها وذرفت عليه من الدموع ما يكفي لإغراق مدينة بأكملها. كان يقبع في زنزانة حديدية قذرة، وجهه شاحب كالموتى، ملامحه محفورة بأخاديد العذاب والقهر، وجسده الهزيل مقيد بسلاسل صدئة تتدلى من سقف خرساني يقطر رطوبة ويأساً. في تلك الأجزاء من الثانية، انهار العالم المادي من حول قمر، وتلاشت أصوات المطر، وتلاشى أنين الحراس الجرحى، وحتى أنفاس حبيبها اللاهثة بجوارها تبخرت في فراغ عقلي مرعب. لم تعد ترى سوى وجه والدها الذي ظنت أن تراب القبر قد طواه للأبد، ولم تعد تشعر سوى بنصل من الجليد يخترق قلبها، يمزق كل يقين بنته، وكل أمان زائف احتمت به. كانت الصدمة أكبر من أن يتحملها عقل بشري، صدمة زلزلت كيانها حتى النخاع، فتهاوت على ركبتيها مجدداً في الوحل الرطب، ويداها تعتصران حوا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status