Home / الرومانسية / أسرني شيطاني المفضل / الفصل الرابع والثلاثون

Share

الفصل الرابع والثلاثون

last update publish date: 2026-08-27 07:02:27

جلست قمر باعتدال، والتفتت لتنظر في عينيه بثقة امرأة ولدت من رحم النيران. «إذن، سنعطيه ما يريد. سأكون أنا الطعم»، قالتها بنبرة جليدية تحمل من القسوة ما يضاهي قسوته. «سنعود إلى القصر المدمر. سأرسل إشارة استغاثة عبر الترددات المشفرة التي زرعوها في عقلي أثناء غيبوبتي. سأخبرهم أنني هربت منك بأعجوبة، وأنك تحتضر في الكوخ الجبلي، وأنني أريد العودة إلى صفوفهم. رأس المافيا الأكبر لن يفوت فرصة تاريخية كهذه؛ سيأتي بنفسه ليستمتع بنشوة الانتصار، ليرى انكساري، وليأخذ مفاتيح إمبراطوريتك من يدي».

تأملها البطل للحظات، وهو يشعر بمزيج من الانبهار والرعب من فكرة وضعها في خط النار. رفع يده ليتلمس وجنتها برقة، وهمس: «إنها خطة انتحارية يا قمر. إذا أدرك أنكِ تمثلين، سيقتلكِ قبل أن أتمكن من إطلاق رصاصة واحدة.

لا أتحمل فكرة أن تبتعدي عن ناظري، أن يقترب منكِ ذلك الوغد بمسافة تسمح له بشم رائحتكِ». ابتسمت قمر بمرارة، ووضعت كفها فوق يده التي تستقر على وجنتها. «أنت علمتني كيف أكون قوية، وكيف أقف في وجه العواصف. سألعب دور الضحية المنسية، الفتاة المرعوبة التي فقدت ذاكرتها وتتوسل الأمان. سأجذبه إلى الفخ، وحين يظن أنه امتلك العالم، ستظهر أنت كملك الموت، لتنتزع روحه الكريهة. أنا أثق بك، أثق بأنك لن تتركه يلمسني». كان هذا الإعلان المطلق للثقة هو الوقود الذي احتاجه. اقترب منها، وطبع قبلة طويلة ومتمهلة على شفتيها، قبلة تحمل رائحة الدم القادم والتضحية الكبرى، ثم نهض ليبدأ في تجهيز ترسانة أسلحته.

وعندما أسدل الليل ستائره المخملية الكثيفة، كانا قد وصلا إلى محيط القصر الأسطوري الذي تحول إلى أطلال مدخنة. كان الجو مشبعاً برائحة الرماد، والبارود، والموت الذي يخيم على المكان. قطرات المطر الخفيفة بدأت تتساقط، لتضيف طابعاً كئيباً وموحشاً على الساحة التي ستشهد الفصل الأخير من هذه المسرحية الدامية. اختفى البطل في ظلال القصر المهدم، متخذاً موقعاً استراتيجياً في الطابق العلوي المحطم، حيث بندقية القنص المتطورة تستقر بين يديه الثابتتين، وعينه الزمردية تنظر عبر المنظار الليلي، لا تفارق طيف حبيبته التي تقف وحيدة في الساحة الأمامية للقصر.

كانت قمر ترتدي ملابس ممزقة ومغطاة بالوحل، وقد أسدلت شعرها المبتل على وجهها لتبدو في أقصى درجات الانهيار والضعف. كانت ترتجف، ليس من البرد، بل من التوتر القاتل الذي ينهش أعصابها، وهي تنتظر وصول الشيطان. لم يطل الانتظار؛ فمن بين ضباب الغابة المحيطة، ظهرت قافلة من السيارات السوداء المصفحة، تسير ببطء وغرور ينم عن ثقة مطلقة في الانتصار. توقفت السيارات في تشكيل نصف دائري حول قمر، ونزل منها عشرات الحراس المدججين بالسلاح، موجهين بنادقهم نحوها. وفي اللحظة التي توقف فيها المطر فجأة وكأن السماء تحبس أنفاسها، فُتح باب السيارة المركزية الفارهة، وخرج منه رجل في العقد السادس من عمره، يرتدي معطفاً أسود فاخراً، ويستند على عصا ذات رأس ذهبي منقوش. كان هذا هو رأس المافيا الأكبر، العقل المدبر لكل دمعة سقطت من عينيها، ولكل قطرة دم نزفت من حبيبها.

تقدم الزعيم الأكبر نحو قمر بخطوات وئيدة، وابتسامة متعجرفة، سادية، ترتسم على شفتيه الرقيقتين. كانت قمر تراقبه يقترب، والصراع النفسي داخلها يبلغ ذروته. كانت تشعر بالغثيان، بالرغبة العارمة في الانقضاض عليه وتمزيق حنجرته بأسنانها، لكنها تذكرت دورها. ابتلعت غضبها، وانهارت على ركبتيها في الوحل، مدعية البكاء الهستيري والذعر التام. «أرجوك... أرجوك لا تقتلني»، صرخت بصوت متهدج ومقنع لدرجة أذهلتها هي شخصياً. «لقد هربت منه... إنه مجنون، وحش لا يرحم! لقد فعلت ما طلبتموه مني، أعطيتكم مكانه، لقد احتضر هناك في الجبل. أخرجوني من هنا، أعيدوني إلى حياتي!».

وقف الزعيم الأكبر أمامها مباشرة، ونظر إليها من علياء غروره كنظرة إله إلى حشرة تتوسل الرحمة. مد طرف عصاه الذهبية، ورفع بها ذقنها ببطء لتلتتقي أعينهما. «حياتكِ؟ أي حياة تتحدثين عنها يا ظل القمر؟»، قالها بصوت فحيح يشبه صوت الأفاعي السامة. «أنتِ لم تكوني سوى بيدق تافه في رقعة شطرنجي. لقد أديتِ دوركِ بامتياز، واخترقتِ دفاعات الوحش الذي ظن أنه لا يقهر. لكن، البنادق التي تنفذ المهمة، تُلقى في مستودع الخردة بعد الاستخدام. هل ظننتِ حقاً أنني سأسمح لكِ بالعيش بعد أن عرفتِ كل هذا القدر من الأسرار؟».

بدأت قمر تتوسل وتبكي بحرقة مصطنعة، بينما كان الزعيم يستمتع بكل ثانية من إذلالها. كانت الدقائق تمر كقرون من العذاب. من موقعه في الأعلى، كان البطل يضغط على زناد بندقيته حتى كاد يكسره، كانت عروقه تنفر من الغضب وهو يرى عصا ذلك الوغد تلامس بشرة حبيبته. أراد إطلاق النار، لكنه كان ينتظر اللحظة الحاسمة، اللحظة التي يسترخي فيها الحراس بالكامل، ويشعر فيها الزعيم بالأمان المطلق.

«وداعاً يا صغيرتي، سلمي لي على وحشكِ العاشق في الجحيم»، قال الزعيم ببرود، وأشار بيده لأحد حراسه ليتقدم وينفذ حكم الإعدام. تقدم الحارس، ورفع مسدسه وصوبه نحو رأس قمر. في هذه اللحظة التي اعتقد فيها الزعيم الأكبر أن اللعبة قد انتهت لصالحه، فُتحت أبواب الجحيم.

لم تُسمع طلقة نارية، بل انطلق سهم معدني صامت ومميت من الأعلى، ليخترق عنق الحارس الذي رفع مسدسه، ليسقط يتخبط في دمائه قبل أن ينطق بحرف. وقبل أن يستوعب الزعيم الأكبر أو حراسه ما حدث، انفجرت قنابل دخانية عمياء في محيط السيارات، لتغمر الساحة في ضباب أبيض كثيف يحجب الرؤية تماماً. انطلقت صيحات الرعب والارتباك من الحراس، وبدأت طلقات الرصاص العشوائية تمزق الهواء. وسط هذا الفوضى العارمة، هبط البطل من شرفته المحطمة كصقر ينقض على فريسته. لم يكن يستخدم الأسلحة النارية لئلا يصيب قمر بالخطأ في الدخان، بل استل خنجرين تكتيكيين، وبدأ في حصد أرواح الحراس واحداً تلو الآخر في صمت مرعب. كان يتحرك كشبح الموت، يقطع الحناجر، ويطعن الصدور، ولا يترك خلفه سوى الجثث التي تسقط في الوحل كأوراق الخريف.

في غضون دقائق معدودة، تبدد الدخان تدريجياً، ليكشف عن مذبحة حقيقية. كانت الساحة ممتلئة بجثث الحراس، وفي المنتصف، وقفت قمر وقد نهضت من الوحل، وعيناها تلتمعان بانتصار شيطاني. وإلى جانبها، وقف زعيم المافيا، البطل الذي ظنوه يحتضر، وهو يمسك بالزعيم الأكبر من ياقته الفاخرة، وقد سقطت عصاه الذهبية في الطين، ووجهه يقطر دماً ورعباً. كان البطل يتنفس بصعوبة، ووجهه ملطخ بدماء أعدائه، لكنه كان يبتسم ابتسامة جليدية جعلت الزعيم الأكبر يرتعد كطفل صغير.

«ظننت أنك اللاعب الوحيد في هذه الرقعة؟»، زمجر البطل بصوت عميق زلزل أركان القصر المهدم، وهو يضغط الخنجر على حنجرة الزعيم الأكبر. «لقد جئت إلى عريني، وحاولت لمس ملكتي. الآن، ستشاهد إمبراطوريتك تنهار قبل أن أرسلك إلى الجحيم».

التفت البطل نحو قمر، وأومأ لها برأسه إيماءة تحمل كل معاني العشق والانتصار المظلم. تقدمت قمر ببطء، والتقطت عصا الزعيم الذهبية من الوحل، ونظرت في عينيه باحتقار بالغ. «اللعبة انتهت، وأنت من خسر»، قالتها بثبات وقوة.

لكن، وفي اللحظة التي رفع فيها البطل خنجره لينهي حياة رأس الأفعى إلى الأبد، انطلقت ضحكة هيستيرية، مبحوحة، ومجنونة من حنجرة الزعيم الأكبر المقهور. كان يضحك ودمائه تسيل على رقبته، ضحكة رجل لا يخشى الموت لأنه يمتلك ورقة أخيرة تقلب الموازين رأساً على عقب.

«تقتلونني؟ افعلوا ذلك!» صرخ الزعيم الأكبر وهو يلهث، والجنون يلمع في عينيه الجاحظتين. مد يده المرتجفة داخل جيب معطفه الداخلي، وأخرج جهازاً لوحياً صغيراً، وألقاه عند قدمي قمر. «لكن قبل أن تقطع حنجرتي يا بطل، ألقِ نظرة على البث المباشر الذي يعرضه هذا الجهاز. انظري يا ظل القمر، انظري جيداً إلى من قمتُ بضيافته في أقبية سجوني السرية طوال السنوات العشر الماضية... الشخص الذي أخبرتكم أن حادث السير قد ابتلعه، والذي سيكون ثمن موتي، هو موته بأبشع الطرق الكيميائية!»

انحنت قمر ببطء شديد، ويداها ترتجفان بشكل هستيري لا يمكن السيطرة عليه. التقطت الجهاز اللوحي، وتسمرت عيناها على الشاشة المضيئة. سقطت العصا الذهبية من يدها، وتراجعت خطوة للخلف، وقد شحب وجهها ليصبح كالموتى تماماً. همست بصوت ممزق، متقطع، يخرج من أعماق روحها المحطمة، وعيناها تتسعان في صدمة لم يتخيل البطل يوماً أن يراها على وجه حبيبته: «أبي...؟!»

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثامن والثلاثون

    «أنتِ لستِ أسيرتي، ولستِ شريكتي فقط... أنتِ الملكة المطلقة لكل ما أملك، لكل حجر في هذا المكان، ولكل نبضة في هذا القلب المظلم. أوامركِ هي القانون، وغضبكِ هو العاصفة، ورضاكِ هو غايتي الوحيدة في هذا الوجود الجحيمي».أدمعت عيناها أمام هذا الاعتراف الذي يحمل استسلاماً تاماً من رجل لم يعرف الاستسلام يوماً. رفعت يديها وطوقت عنقه، ودفنت وجهها في صدره، لتستنشق عبير رجولته الطاغية الذي يختلط برائحة الانتصار. لم تكن هناك حاجة للكلمات، فالتلاحم الجسدي والروحي بينهما كان يروي ملحمة كاملة من العشق والولاء. انحنى وحملها بين ذراعيه كأنها أثمن جوهرة في الكون، وخطا بها خارج غرفة التحكم، متجهاً نحو الجناح الملكي الخاص بهما، الجناح الذي لم يطأه أحد سواه، والذي سيشهد الليلة طقوساً جديدة، طقوساً تعيد كتابة مفهوم الحب وسطوة العشق المتبادل.دخل بها الجناح الملكي الشاسع، الذي كان يجسد الفخامة المطلقة بأسلوب يجمع بين الغموض الكلاسيكي والرفاهية الحديثة. كانت الجدران مكسوة بالحرير الأسود والذهبي العتيق، تتوسط الغرفة سرير دائري ضخم مغطى بمفارش من المخمل القرمزي العميق الذي يحاكي لون الدماء والشغف. الأضواء كانت خا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السابع والثلاثون

    ترددت أصداء كلمات القائد الميداني في فضاء الغابة المظلمة كتعويذة موت قديمة، لتسقط على روح قمر كجبل من الجليد السام الذي جمد الدماء في عروقها وأوقف نبض قلبها لثوانٍ بدت كأنها دهر كامل. «أبي... هو المؤسس؟ هو من أمر بالإبادة؟» همست بها شفتيها المرتجفتين وهي تتراجع ببطء، وكأن الأرض تحت قدميها قد تحولت إلى رمال متحركة تبتلع كل ذكرياتها، كل دموعها، وكل صلواتها التي رفعتها للسماء طوال عشر سنوات من الحداد الممزق. في تلك اللحظة السريالية، انشقت صفوف الحراس التابعين لفريق البطل، ليتقدم من بينهم رجل يسير بخطوات واثقة، هادئة، ومفعمة بغرور طاغٍ لا يتناسب أبداً مع هيئة السجين المقهور الذي رأته على الشاشة قبل دقائق. كان يرتدي بذلة سوداء أنيقة لا تشوبها شائبة، ووجهه الذي ظنته محفوراً بعذابات الأقبية كان يشع بنضارة قاسية، وعيناه... عيناه كانتا تحملان نفس البرود الجليدي الذي رأته في عيني الزعيم الأكبر، بل أشد فتكاً. كان هذا هو الرجل الذي بكت على قبره الفارغ، الرجل الذي شكل غيابه فجوة سوداء في روحها، يقف الآن أمامها حياً يُرزق، ليس كأب حنون عاد من الموت، بل كشيطان متجسد تربع على عرش الخراب الذي دمر حيات

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السادس والثلاثون

    اتسعت عينا قمر وهي تستمع إلى هذا الاعتراف التاريخي المزلزل. الصراع النفسي الذي عاشته طويلاً، كراهيتها لوالد حبيبها، وشعورها بالذنب لعشقها لرجل ظنت أن عائلته أبادوا عائلتها، كل هذا انهار وتحول إلى رماد. الحقيقة تجلت أمامها قاسية، بشعة، لكنها مطهرة. لم يكن حبيبها وريثاً للدم والخيانة، بل كان ضحية مثلها تماماً، ضحية لجشع هذا الرجل العجوز الذي يقف أمامهما الآن. شعرت بموجة من الحب الجارف والامتنان تغمر قلبها تجاه الرجل الذي لم يكتفِ بحمايتها، بل غاص في مستنقعات الماضي ليغسل شرف عائلتيهما ويثبت براءتهما أمام محكمة التاريخ المظلم.أطلق الزعيم الأكبر قهقهة عالية، متوترة، محاولاً إخفاء ارتباكه من انكشاف خطته الكبرى. «وماذا إن كان هذا صحيحاً؟»، صرخ بتحدٍ، والجنون يطل من عينيه. «نعم، أنا من فعل كل ذلك! أنا من تلاعب بآبائكم الأغبياء، لأنهم كانوا مثاليين أكثر من اللازم، لم يمتلكوا القسوة الكافية لحكم العالم، بينما أمتلكها أنا! التاريخ يكتبه المنتصرون يا بني، وأنا المنتصر اليوم. معرفتك بالماضي لن تنقذ والدها من الحمض، ولن تنقذك من رصاص حراسي الذين يتجمعون الآن حول الساحة. لقد خسرت!».«التاريخ يكتبه

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الخامس والثلاثون

    «أبي...؟!» الكلمة خرجت من بين شفتيها المرتجفتين كحشرجة موت بطيء، همسة ممزقة شقت سكون الليل البارد وكأنها شفرة حادة تمزق نسيج الواقع ذاته. سقطت العصا الذهبية من يدها لتغوص في الوحل الأسود، بينما تسمرت عيناها المتسعتان برعب كوني على شاشة الجهاز اللوحي المضيئة. كان هناك، الرجل الذي بكته لعشر سنوات متتالية، الرجل الذي حفرت قبره بيديها في خيالها وذرفت عليه من الدموع ما يكفي لإغراق مدينة بأكملها. كان يقبع في زنزانة حديدية قذرة، وجهه شاحب كالموتى، ملامحه محفورة بأخاديد العذاب والقهر، وجسده الهزيل مقيد بسلاسل صدئة تتدلى من سقف خرساني يقطر رطوبة ويأساً. في تلك الأجزاء من الثانية، انهار العالم المادي من حول قمر، وتلاشت أصوات المطر، وتلاشى أنين الحراس الجرحى، وحتى أنفاس حبيبها اللاهثة بجوارها تبخرت في فراغ عقلي مرعب. لم تعد ترى سوى وجه والدها الذي ظنت أن تراب القبر قد طواه للأبد، ولم تعد تشعر سوى بنصل من الجليد يخترق قلبها، يمزق كل يقين بنته، وكل أمان زائف احتمت به. كانت الصدمة أكبر من أن يتحملها عقل بشري، صدمة زلزلت كيانها حتى النخاع، فتهاوت على ركبتيها مجدداً في الوحل الرطب، ويداها تعتصران حوا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الرابع والثلاثون

    جلست قمر باعتدال، والتفتت لتنظر في عينيه بثقة امرأة ولدت من رحم النيران. «إذن، سنعطيه ما يريد. سأكون أنا الطعم»، قالتها بنبرة جليدية تحمل من القسوة ما يضاهي قسوته. «سنعود إلى القصر المدمر. سأرسل إشارة استغاثة عبر الترددات المشفرة التي زرعوها في عقلي أثناء غيبوبتي. سأخبرهم أنني هربت منك بأعجوبة، وأنك تحتضر في الكوخ الجبلي، وأنني أريد العودة إلى صفوفهم. رأس المافيا الأكبر لن يفوت فرصة تاريخية كهذه؛ سيأتي بنفسه ليستمتع بنشوة الانتصار، ليرى انكساري، وليأخذ مفاتيح إمبراطوريتك من يدي».تأملها البطل للحظات، وهو يشعر بمزيج من الانبهار والرعب من فكرة وضعها في خط النار. رفع يده ليتلمس وجنتها برقة، وهمس: «إنها خطة انتحارية يا قمر. إذا أدرك أنكِ تمثلين، سيقتلكِ قبل أن أتمكن من إطلاق رصاصة واحدة. لا أتحمل فكرة أن تبتعدي عن ناظري، أن يقترب منكِ ذلك الوغد بمسافة تسمح له بشم رائحتكِ». ابتسمت قمر بمرارة، ووضعت كفها فوق يده التي تستقر على وجنتها. «أنت علمتني كيف أكون قوية، وكيف أقف في وجه العواصف. سألعب دور الضحية المنسية، الفتاة المرعوبة التي فقدت ذاكرتها وتتوسل الأمان. سأجذبه إلى الفخ، وحين يظن أنه

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثالث والثلاثون

    تسمرت قدماه في مكانه، وتحول دمه إلى جليد يسري في عروقه وهو يحدق في تلك الحروف الدموية القانية التي دنست طهارة الثلج الأبيض. «اللعبة لم تنتهِ يا ظلي، لقد بدأت للتو». الكلمات تعبث بعقله كأصابع شيطان يعزف على أوتار الجنون، وإحداثيات مخبأه السري التي لا يعلمها أحد سواه تقف كشاهد قبر على كل وهم بالأمان قد بناه في الساعات الماضية. الخط... إنه خط يدها بلا أدنى شك، تلك الانحناءات المألوفة، وطريقة رسم الحروف التي حفظها عن ظهر قلب في كل رسائلها وملاحظاتها القديمة. كيف يمكن لهذا أن يحدث؟ هل نهضت في جنح الليل، وسارت على الثلج دون أن تترك أثراً لقدميها، وكتبت بدمائها هذه الرسالة المرعبة لتعود إلى حضنه وتصطنع ذلك النوم الملائكي؟ أم أن هناك عدواً خفياً، يمتلك من التكنولوجيا والمكر ما يجعله قادراً على استنساخ أدق تفاصيل حياتهما ليدفعهما نحو حافة الهاوية؟ الصراع النفسي الذي اجتاح كيانه في تلك اللحظة كان أشد فتكاً من أي رصاصة تلقاها في حياته المليئة بالموت. كان قلبه يصرخ بالولاء المطلق للمرأة التي أذابت جليد روحه، بينما كان عقله الحاد، عقل زعيم المافيا الذي نجا بفضل شكوكه الدائمة، يطالبه بقتلها قبل أن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status