Home / الرومانسية / أسرني شيطاني المفضل / الفصل الخامس والثلاثون

Share

الفصل الخامس والثلاثون

last update publish date: 2026-08-28 05:36:54

«أبي...؟!» الكلمة خرجت من بين شفتيها المرتجفتين كحشرجة موت بطيء، همسة ممزقة شقت سكون الليل البارد وكأنها شفرة حادة تمزق نسيج الواقع ذاته. سقطت العصا الذهبية من يدها لتغوص في الوحل الأسود، بينما تسمرت عيناها المتسعتان برعب كوني على شاشة الجهاز اللوحي المضيئة. كان هناك، الرجل الذي بكته لعشر سنوات متتالية، الرجل الذي حفرت قبره بيديها في خيالها وذرفت عليه من الدموع ما يكفي لإغراق مدينة بأكملها. كان يقبع في زنزانة حديدية قذرة، وجهه شاحب كالموتى، ملامحه محفورة بأخاديد العذاب والقهر، وجسده الهزيل مقيد بسلاسل صدئة تتدلى من سقف خرساني يقطر رطوبة ويأساً. في تلك الأجزاء من الثانية، انهار العالم المادي من حول قمر، وتلاشت أصوات المطر، وتلاشى أنين الحراس الجرحى، وحتى أنفاس حبيبها اللاهثة بجوارها تبخرت في فراغ عقلي مرعب. لم تعد ترى سوى وجه والدها الذي ظنت أن تراب القبر قد طواه للأبد، ولم تعد تشعر سوى بنصل من الجليد يخترق قلبها، يمزق كل يقين بنته، وكل أمان زائف احتمت به. كانت الصدمة أكبر من أن يتحملها عقل بشري، صدمة زلزلت كيانها حتى النخاع، فتهاوت على ركبتيها مجدداً في الوحل الرطب، ويداها تعتصران حواف الجهاز اللوحي وكأنها تحاول اختراق الشاشة الزجاجية لانتزاعه من براثن ذلك الجحيم.

من موقعه المتعالي، رغم نصل الخنجر الذي يداعب حنجرته، أطلق الزعيم الأكبر ضحكة سادية مكتومة، ضحكة رجل يدرك أنه يمتلك مفاتيح تدمير الأرواح حتى وهو على شفا حفرة من الموت. «انظري إليه جيداً يا صغيرتي»، فحيحه المسموم تسلل إلى مسامعها كأفعى تلتف حول عنقها. «عشر سنوات من العذاب الكيميائي والنفسي، عشر سنوات وهو يتوسل الموت فلا يجده، كل ذلك من أجل أن أحتفظ به كورقة رابحة للحظة كهذه. هل ظننتما حقاً أن إمبراطورية الظل التي بنيتها بدمائي يمكن أن تسقط بطعنة خنجر من صبي غاضب وعاهرة فاقدة للذاكرة؟ إذا تحرك نصل هذا الخنجر مليمترًا واحداً في عنقي، فإن مستشعرات نبض قلبي المتصلة بالزنزانة ستتوقف، وحمض الكبريتيك المركز سيغمر الغرفة التي يقبع فيها والدكِ العزيز. الخيار لكم الآن... إما حياتي وعرشي، أو ذوبان والدكِ حياً أمام عينيكِ».

كان البطل يقف كتمثال من الجرانيت الأسود، عضلات جسده متوترة كأوتار قوس مشدود حتى أقصى حد، وعيناه الزمرديتان تشتعلان بنيران جحيم لا يرحم. كان يرى انهيار قمر أمامه، يرى كيف انطفأ بريق الانتصار في عينيها ليحل محله انكسار ذليل، انكسار ابنة ترى والدها يُعذب ولا تملك إنقاذه. هذا الصراع النفسي الذي اجتاحها مزق قلبه هو الآخر. لقد عاهد نفسه أن يحميها من كل شر، أن يكون درعها وسيفها، والآن يجد نفسه مجبراً على الاختيار بين الانتقام الذي أفنى عمره من أجله، وبين الروح التي تسكن جسده. لكنه، وبخلاف كل التوقعات، لم يفقد رباطة جأشه، ولم يسمح للغضب الأعمى أن يعمي بصيرته التكتيكية الحادة. زعيم المافيا الذي نجا من مئات الفخاخ لا يُهزم بابتزاز عاطفي رخيص. ببطء شديد، ووسط ذهول الزعيم الأكبر، أبعد البطل نصل الخنجر عن حنجرة خصمه، وتراجع خطوة إلى الوراء، لكنه لم يلقِ سلاحه.

انحنى البطل نحو قمر المنهارة في الوحل، وتجاهل تماماً نظرات الزعيم الأكبر الشامتة. أحاط وجهها الباكي بكفيه الكبيرتين، الملوثتين بدماء أعدائهما، وأجبرها على رفع رأسها لتلتقي نظراتهما. كانت عيناها تفيضان بدموع اليأس، وشفتاها ترتجفان بكلمات غير مفهومة، لكنه أسكتها بنظرة واحدة، نظرة تحمل من القوة والعشق واليقين ما يكفي لصهر جبال الجليد. «اسمعيني جيداً يا نبض ظلي»، همس بصوت رخيم، عميق، يحمل ذبذبات من الطمأنينة المطلقة التي اخترقت حاجز ذعرها. «لم أسمح للظلام أن يبتلعكِ في الماضي، ولن أسمح له الآن. والدكِ لن يموت، وأنا لن أركع. هل تثقين بي؟ هل تثقين بالرجل الذي أحرق عالمه من أجلكِ؟». التقطت قمر أنفاسها بصعوبة، ومن بين غشاوة الدموع والانهيار، رأت في عينيه ذلك البريق الأسطوري، بريق الذئب الألفا الذي لا يعرف الهزيمة، الرجل الذي يمتلك دائماً خطة لا تخطر على قلب بشر. في تلك اللحظة المفصلية، تغلبت العاشقة على الابنة المرعوبة، وأومأت برأسها ببطء، مستسلمة لقيادته المطلقة، تاركة له زمام روحها ليعبر بها هذا المحيط المشتعل.

وقف البطل مجدداً، وواجه الزعيم الأكبر الذي كان يمسح الدماء السائلة من رقبته بمنديل حريري، وابتسامة الانتصار تتسع على وجهه المجعد. «مشهد رومانسي مثير للشفقة»، سخر الزعيم، مستنداً إلى سيارته المصفحة. «لكن الحب لا يفك شفرات القنابل، ولا يوقف تدفق الحمض. ألقِ أسلحتك، وأمر رجالك المتخفين بالانسحاب، ثم اركع أمامي، وسأفكر في تركها تأخذ بقايا والدها».

ابتسم البطل ببرود جليدي، ابتسامة جعلت الدم يتجمد في عروق الزعيم الأكبر رغم موقفه القوي. «أنت أحمق ومغرور، تماماً كما كنت طوال الثلاثين عاماً الماضية»، قال البطل بنبرة هادئة، تحمل ثقل التاريخ الأسود لعائلتيهما. «لقد ظننت أنك مهندس القدر، وأننا مجرد بيادق تحركها بخيوطك القذرة. هل تعتقد أنني لم أبحث في ماضينا؟ هل تعتقد أنني لم أعرف الحقيقة وراء المذبحة التي دمرت عائلتي وعائلة قمر؟». تغيرت ملامح الزعيم الأكبر، وتلاشت ابتسامته تدريجياً، ليحل محلها توجس حذر. واصل البطل حديثه بصوت يصدح في الساحة المدمرة كأجراس الكنيسة في جنازة ملكية: «لقد كنتَ أنت المساعد الأيمن لوالدي، وكنت الصديق المقرب لوالدها. عائلتانا كانتا تسيطران على العالم السفلي بتحالف أسطوري، تحالف كان يمنعك من الصعود إلى القمة. فماذا فعلت؟ لقد زرعت الشكوك، زورت وثائق الخيانة، وسربت معلومات كاذبة لوالدي بأن والد قمر يخطط لاغتياله. وفي نفس الوقت، أوهمت والدها بأن عائلتي تستعد لإبادتهم. لقد أشعلت نار الفتنة، ووقفت تتفرج بينما يمزقون بعضهم البعض. أنت من أمر بقتل والدتي، وأنت من دبر حادث السير لقمر ليغسل دماغها ويجعلها سلاحاً ضدي. لقد عشت حياتي كلها أظن أنني ابن وحش، بينما كان الوحش الحقيقي يقف في الظل، يلبس معطفاً فاخراً ويتحدث عن الشرف!».

اتسعت عينا قمر وهي تستمع إلى هذا الاعتراف التاريخي المزلزل. الصراع النفسي الذي عاشته طويلاً، كراهيتها لوالد حبيبها، وشعورها بالذنب لعشقها لرجل ظنت أن عائلته أبادوا عائلتها، كل هذا انهار وتحول إلى رماد. الحقيقة تجلت أمامها قاسية، بشعة، لكنها مطهرة. لم يكن حبيبها وريثاً للدم والخيانة، بل كان ضحية مثلها تماماً، ضحية لجشع هذا الرجل العجوز الذي يقف أمامهما الآن. شعرت بموجة من الحب الجارف والامتنان تغمر قلبها تجاه الرجل الذي لم يكتفِ بحمايتها، بل غاص في مستنقعات الماضي ليغسل شرف عائلتيهما ويثبت براءتهما أمام محكمة التاريخ المظلم.

أطلق الزعيم الأكبر قهقهة عالية، متوترة، محاولاً إخفاء ارتباكه من انكشاف خطته الكبرى. «وماذا إن كان هذا صحيحاً؟»، صرخ بتحدٍ، والجنون يطل من عينيه. «نعم، أنا من فعل كل ذلك! أنا من تلاعب بآبائكم الأغبياء، لأنهم كانوا مثاليين أكثر من اللازم، لم يمتلكوا القسوة الكافية لحكم العالم، بينما أمتلكها أنا! التاريخ يكتبه المنتصرون يا بني، وأنا المنتصر اليوم. معرفتك بالماضي لن تنقذ والدها من الحمض، ولن تنقذك من رصاص حراسي الذين يتجمعون الآن حول الساحة. لقد خسرت!».

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثامن والثلاثون

    «أنتِ لستِ أسيرتي، ولستِ شريكتي فقط... أنتِ الملكة المطلقة لكل ما أملك، لكل حجر في هذا المكان، ولكل نبضة في هذا القلب المظلم. أوامركِ هي القانون، وغضبكِ هو العاصفة، ورضاكِ هو غايتي الوحيدة في هذا الوجود الجحيمي».أدمعت عيناها أمام هذا الاعتراف الذي يحمل استسلاماً تاماً من رجل لم يعرف الاستسلام يوماً. رفعت يديها وطوقت عنقه، ودفنت وجهها في صدره، لتستنشق عبير رجولته الطاغية الذي يختلط برائحة الانتصار. لم تكن هناك حاجة للكلمات، فالتلاحم الجسدي والروحي بينهما كان يروي ملحمة كاملة من العشق والولاء. انحنى وحملها بين ذراعيه كأنها أثمن جوهرة في الكون، وخطا بها خارج غرفة التحكم، متجهاً نحو الجناح الملكي الخاص بهما، الجناح الذي لم يطأه أحد سواه، والذي سيشهد الليلة طقوساً جديدة، طقوساً تعيد كتابة مفهوم الحب وسطوة العشق المتبادل.دخل بها الجناح الملكي الشاسع، الذي كان يجسد الفخامة المطلقة بأسلوب يجمع بين الغموض الكلاسيكي والرفاهية الحديثة. كانت الجدران مكسوة بالحرير الأسود والذهبي العتيق، تتوسط الغرفة سرير دائري ضخم مغطى بمفارش من المخمل القرمزي العميق الذي يحاكي لون الدماء والشغف. الأضواء كانت خا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السابع والثلاثون

    ترددت أصداء كلمات القائد الميداني في فضاء الغابة المظلمة كتعويذة موت قديمة، لتسقط على روح قمر كجبل من الجليد السام الذي جمد الدماء في عروقها وأوقف نبض قلبها لثوانٍ بدت كأنها دهر كامل. «أبي... هو المؤسس؟ هو من أمر بالإبادة؟» همست بها شفتيها المرتجفتين وهي تتراجع ببطء، وكأن الأرض تحت قدميها قد تحولت إلى رمال متحركة تبتلع كل ذكرياتها، كل دموعها، وكل صلواتها التي رفعتها للسماء طوال عشر سنوات من الحداد الممزق. في تلك اللحظة السريالية، انشقت صفوف الحراس التابعين لفريق البطل، ليتقدم من بينهم رجل يسير بخطوات واثقة، هادئة، ومفعمة بغرور طاغٍ لا يتناسب أبداً مع هيئة السجين المقهور الذي رأته على الشاشة قبل دقائق. كان يرتدي بذلة سوداء أنيقة لا تشوبها شائبة، ووجهه الذي ظنته محفوراً بعذابات الأقبية كان يشع بنضارة قاسية، وعيناه... عيناه كانتا تحملان نفس البرود الجليدي الذي رأته في عيني الزعيم الأكبر، بل أشد فتكاً. كان هذا هو الرجل الذي بكت على قبره الفارغ، الرجل الذي شكل غيابه فجوة سوداء في روحها، يقف الآن أمامها حياً يُرزق، ليس كأب حنون عاد من الموت، بل كشيطان متجسد تربع على عرش الخراب الذي دمر حيات

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السادس والثلاثون

    اتسعت عينا قمر وهي تستمع إلى هذا الاعتراف التاريخي المزلزل. الصراع النفسي الذي عاشته طويلاً، كراهيتها لوالد حبيبها، وشعورها بالذنب لعشقها لرجل ظنت أن عائلته أبادوا عائلتها، كل هذا انهار وتحول إلى رماد. الحقيقة تجلت أمامها قاسية، بشعة، لكنها مطهرة. لم يكن حبيبها وريثاً للدم والخيانة، بل كان ضحية مثلها تماماً، ضحية لجشع هذا الرجل العجوز الذي يقف أمامهما الآن. شعرت بموجة من الحب الجارف والامتنان تغمر قلبها تجاه الرجل الذي لم يكتفِ بحمايتها، بل غاص في مستنقعات الماضي ليغسل شرف عائلتيهما ويثبت براءتهما أمام محكمة التاريخ المظلم.أطلق الزعيم الأكبر قهقهة عالية، متوترة، محاولاً إخفاء ارتباكه من انكشاف خطته الكبرى. «وماذا إن كان هذا صحيحاً؟»، صرخ بتحدٍ، والجنون يطل من عينيه. «نعم، أنا من فعل كل ذلك! أنا من تلاعب بآبائكم الأغبياء، لأنهم كانوا مثاليين أكثر من اللازم، لم يمتلكوا القسوة الكافية لحكم العالم، بينما أمتلكها أنا! التاريخ يكتبه المنتصرون يا بني، وأنا المنتصر اليوم. معرفتك بالماضي لن تنقذ والدها من الحمض، ولن تنقذك من رصاص حراسي الذين يتجمعون الآن حول الساحة. لقد خسرت!».«التاريخ يكتبه

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الخامس والثلاثون

    «أبي...؟!» الكلمة خرجت من بين شفتيها المرتجفتين كحشرجة موت بطيء، همسة ممزقة شقت سكون الليل البارد وكأنها شفرة حادة تمزق نسيج الواقع ذاته. سقطت العصا الذهبية من يدها لتغوص في الوحل الأسود، بينما تسمرت عيناها المتسعتان برعب كوني على شاشة الجهاز اللوحي المضيئة. كان هناك، الرجل الذي بكته لعشر سنوات متتالية، الرجل الذي حفرت قبره بيديها في خيالها وذرفت عليه من الدموع ما يكفي لإغراق مدينة بأكملها. كان يقبع في زنزانة حديدية قذرة، وجهه شاحب كالموتى، ملامحه محفورة بأخاديد العذاب والقهر، وجسده الهزيل مقيد بسلاسل صدئة تتدلى من سقف خرساني يقطر رطوبة ويأساً. في تلك الأجزاء من الثانية، انهار العالم المادي من حول قمر، وتلاشت أصوات المطر، وتلاشى أنين الحراس الجرحى، وحتى أنفاس حبيبها اللاهثة بجوارها تبخرت في فراغ عقلي مرعب. لم تعد ترى سوى وجه والدها الذي ظنت أن تراب القبر قد طواه للأبد، ولم تعد تشعر سوى بنصل من الجليد يخترق قلبها، يمزق كل يقين بنته، وكل أمان زائف احتمت به. كانت الصدمة أكبر من أن يتحملها عقل بشري، صدمة زلزلت كيانها حتى النخاع، فتهاوت على ركبتيها مجدداً في الوحل الرطب، ويداها تعتصران حوا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الرابع والثلاثون

    جلست قمر باعتدال، والتفتت لتنظر في عينيه بثقة امرأة ولدت من رحم النيران. «إذن، سنعطيه ما يريد. سأكون أنا الطعم»، قالتها بنبرة جليدية تحمل من القسوة ما يضاهي قسوته. «سنعود إلى القصر المدمر. سأرسل إشارة استغاثة عبر الترددات المشفرة التي زرعوها في عقلي أثناء غيبوبتي. سأخبرهم أنني هربت منك بأعجوبة، وأنك تحتضر في الكوخ الجبلي، وأنني أريد العودة إلى صفوفهم. رأس المافيا الأكبر لن يفوت فرصة تاريخية كهذه؛ سيأتي بنفسه ليستمتع بنشوة الانتصار، ليرى انكساري، وليأخذ مفاتيح إمبراطوريتك من يدي».تأملها البطل للحظات، وهو يشعر بمزيج من الانبهار والرعب من فكرة وضعها في خط النار. رفع يده ليتلمس وجنتها برقة، وهمس: «إنها خطة انتحارية يا قمر. إذا أدرك أنكِ تمثلين، سيقتلكِ قبل أن أتمكن من إطلاق رصاصة واحدة. لا أتحمل فكرة أن تبتعدي عن ناظري، أن يقترب منكِ ذلك الوغد بمسافة تسمح له بشم رائحتكِ». ابتسمت قمر بمرارة، ووضعت كفها فوق يده التي تستقر على وجنتها. «أنت علمتني كيف أكون قوية، وكيف أقف في وجه العواصف. سألعب دور الضحية المنسية، الفتاة المرعوبة التي فقدت ذاكرتها وتتوسل الأمان. سأجذبه إلى الفخ، وحين يظن أنه

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثالث والثلاثون

    تسمرت قدماه في مكانه، وتحول دمه إلى جليد يسري في عروقه وهو يحدق في تلك الحروف الدموية القانية التي دنست طهارة الثلج الأبيض. «اللعبة لم تنتهِ يا ظلي، لقد بدأت للتو». الكلمات تعبث بعقله كأصابع شيطان يعزف على أوتار الجنون، وإحداثيات مخبأه السري التي لا يعلمها أحد سواه تقف كشاهد قبر على كل وهم بالأمان قد بناه في الساعات الماضية. الخط... إنه خط يدها بلا أدنى شك، تلك الانحناءات المألوفة، وطريقة رسم الحروف التي حفظها عن ظهر قلب في كل رسائلها وملاحظاتها القديمة. كيف يمكن لهذا أن يحدث؟ هل نهضت في جنح الليل، وسارت على الثلج دون أن تترك أثراً لقدميها، وكتبت بدمائها هذه الرسالة المرعبة لتعود إلى حضنه وتصطنع ذلك النوم الملائكي؟ أم أن هناك عدواً خفياً، يمتلك من التكنولوجيا والمكر ما يجعله قادراً على استنساخ أدق تفاصيل حياتهما ليدفعهما نحو حافة الهاوية؟ الصراع النفسي الذي اجتاح كيانه في تلك اللحظة كان أشد فتكاً من أي رصاصة تلقاها في حياته المليئة بالموت. كان قلبه يصرخ بالولاء المطلق للمرأة التي أذابت جليد روحه، بينما كان عقله الحاد، عقل زعيم المافيا الذي نجا بفضل شكوكه الدائمة، يطالبه بقتلها قبل أن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status