LOGINتلاشى صدى خطواته الواثقة خلف الباب الفولاذي الضخم، ليتركها وحيدة في مواجهة صمت الجناح الملكي الذي لم يكن يقطعه سوى إيقاع المطر العنيف وهو يجلد النوافذ الزجاجية الكبيرة. وقفت قمر في منتصف الغرفة، تراقب الفراغ الذي خلفه انسحابه المفاجئ، بينما كانت كلمات حبه وتحذيراته تتردد في ذهنها كتعويذة ساحر أحكمت قبضتها على روحها المنهكة. حاولت أن تتماسك، أن تستدعي بقايا قوتها، لكن بمجرد أن انحسرت هالة حضوره الدافئة والمربكة، انقضت عليها برودة الليل القارسة بضراوة لا ترحم. كان فستانها الأسود الفاخر، الذي تشبع بمياه الأمطار الطينية والعاصفة، يلتصق بجسدها النحيل ككفن من الجليد. بدأت أسنانها تصطك بعنف لا إرادي، وسرت قشعريرة وحشية من أطراف أصابع قدميها الحافيتين لتضرب نخاع عظامها.
تحركت بخطوات مترنحة نحو الفراش الوثير، وكل خطوة كانت تبدو وكأنها تسحب جبلاً من الرصاص. كان رأسها يدور في دوامة من الدوار المظلم، وبدأ بصرها يتغشى بطبقة ضبابية بيضاء. لم تعد تشعر بأطرافها، وتلاشى الإحساس بالزمان والمكان. سقطت بوهن شديد على حافة الفراش، وكورت جسدها المرتجف حول نفسها في وضع جنيني، تحاول عبثاً استخلاص أي دفء من بين طيات قماشها المبتل. بدأت الحمى تنهش جسدها بسرعة افتراسية؛ ففي غضون دقائق، تحولت البرودة القارسة إلى نيران مستعرة تغلي تحت بشرتها. أغمضت عينيها لتهاجمها هلاوس محمومة؛ صور مشوشة لسيارة تحترق، صراخ مكتوم، وجه رجل يمتد لإنقاذها من بين ألسنة اللهب، ورائحة دماء تختلط بعبير التبغ الفاخر والمسك الأسود. كانت تهذي بكلمات غير مفهومة، تتقلب على الحرير الفاخر، بينما جسدها يشتعل بحرارة مرضية تنذر بالخطر. لم تدرِ كم من الوقت مر وهي تغوص في بحر الحمى المظلم، حتى انشق سكون الغرفة بانفتاح الباب الفولاذي بعنف جعل الجدران تهتز. دخل وهو يخلع سترة بذلته بسرعة، لكن خطواته توقفت فجأة وتصلب جسده الضخم حين وقعت عيناه عليها. كانت ملقاة على الفراش، وجهها محتقن بحمرة قاتمة، تتنفس بصعوبة بالغة ويلهث صدرها المبتل في صراع محموم لانتزاع الهواء. اندفع نحوها كالنمر الجريح، ألقى سترته أرضاً، وجثا على ركبتيه بجوار الفراش. وضع كفه العريضة على جبهتها، لتلسعه حرارة جسدها التي كانت تكاد تلامس حد الغليان. "قمر!" هتف باسمها بصوت أجش، مبحوح، تقطره لوعة وذعر لم يعرفا طريقاً لقلب زعيم المافيا القاسي من قبل. التفت نحو الباب وصرخ بأعلى صوته آمراً حراسه بإحضار الماء البارد والأدوية الخافضة للحرارة فوراً. وفي اللحظة التي دخلت فيها كبيرة الخدم مقترحة استدعاء الطبيب الخاص بالقصر لتولي رعايتها، استدار نحوها بعينين زمرديتين تشتعلان بنار الغيرة والرفض القاطع، وزمجر بصوت لا يقبل النقاش: "لن يعبر طبيب أو مخلوق عتبة هذا الباب! لا أحد يراها هكذا، لا أحد يلمسها غيري! اتركوا كل شيء واخرجوا فوراً!" أغلق الباب من الداخل، وعاد إليها بخطوات مثقلة بالهم. كان قلبه، الذي لطالما كان صخرة لا تتأثر بآلام الآخرين، يعتصر ألماً لرؤيتها تتلوى في الحمى. أدرك أن بقاءها في هذه الثياب المبتلة هو حكم بالإعدام. جلس على حافة الفراش، وسحب جسدها المشتعل برفق شديد ليرفعه بين ذراعيه. كانت غائبة عن الوعي جزئياً، تهذي بكلمات متقطعة وأنين خافت يمزق نياط قلبه. بدأ يفك أربطة فستانها المبتل بأصابع كانت ترتجف لأول مرة في حياته؛ ليس من الخوف، بل من رهبة المساس بشيء نقي وهش يخشى أن ينكسر بين يديه القاسيتين. كان يخلع عنها طبقات القماش البارد والمبتل بحنان دافئ، مربك، وأصيل، حنان يذيب كل قسوة التصقت باسمه. انزلق الفستان الأسود عن كتفيها ليتركها عارية تماماً أمام عينيه، فلم ينظر إليها بنظرة شهوة أو تملك مفترس، بل بنظرة عاشق ينظر إلى روحه التي تتألم. أحضر منشفة دافئة وناعمة، وبدأ يجفف قطرات المطر العالقة على بشرتها المحمومة ببطء ورقة بالغين. كان يمسح على ذراعيها، وعنقها، ومنحنيات جسدها المرتجف، وكل لمسة من كفه العريضة كانت تبث فيها تياراً من الدفء والأمان الذي يتسرب إلى عقلها الباطن. ألبسها قميصاً واسعاً من قمصانه القطنية الناعمة، قميصاً يحمل رائحته وعطره الذي يحاصر حواسها، ثم دثرها بأغطية حريرية ثقيلة. لكن الحمى لم تكن لتستسلم بسهولة. استمر جسدها في الارتجاف بعنف تحت الأغطية، وازدادت وتيرة هذيانها. أدرك أن الدواء الخافض للحرارة سيستغرق وقتاً ليعمل، وأنها بحاجة إلى دفء حي ينتشلها من الصقيع الداخلي الذي تشعر به رغم حرارة جبهتها. لم يتردد لحظة؛ خلع قميصه ليبقى عاري الصدر، وتمدد بجوارها على الفراش. سحبها نحوه بقوة حنونة، وطوقها بذراعيه الفولاذيتين، مجبراً جسدها المرتجف على الالتصاق بصدره الصلب الدافئ. دس وجهها في تجويف عنقه، ولف ساقه حول ساقيها، ليصنع من جسده درعاً حرارياً يحتويها بالكامل. في تلك اللحظة الحميمة، وتحت وطأة الحمى والظلام الهادئ، تسللت قمر من غيبوبتها جزئياً. فتحت عينيها المتعبتين لتجد نفسها غارقة في أحضانه، ملتصقة بصدره العاري الذي ينبض بقوة وثبات. لم تشعر بالخوف، بل اجتاحها استسلام عميق ومخيف. رفعت يدها المرتجفة بوهن، ووضعت كفها الصغير على قلبه الذي يدق بعنف. نظرت إلى وجهه القريب جداً، في شبه العتمة المضاءة بنور الشموع، لترى القلق الصريح والضعف النادر يرتسمان على ملامحه النحاسية الصارمة. "لماذا..." همست بصوت جاف، متقطع، بالكاد يُسمع. "لماذا تعتني بي هكذا... إن كنت أنا مجرد أسيرة في قصرك؟" شدد من احتضانه لها، وانحنى ليطبع قبلة طويلة، دافئة على جبهتها المحمومة، قبل أن يهمس بصوت مشبع بالعاطفة الجارفة، صوت يتخلى فيه شيطان المافيا عن كبريائه ليقف عاشقاً متضرعاً: "أنتِ لستِ أسيرتي يا قمر... أنتِ السجانة التي أسرت روحي منذ أول يوم وقعت فيه عيناي عليكِ. أنا من يقف خلف القضبان أستجدي نظرة رضا منكِ. كيف أترك روحي تحترق بالحمى ولا أحتضنها لعل نيرانها تنتقل إليّ وتترككِ بسلام؟" أثارت كلماته زلزالاً في أعماقها. كان الصراع النفسي يمزقها إرباً؛ هذا الرجل، الذي قيل لها إنه دمر حياتها ومسح ذاكرتها، هو ذاته الرجل الذي يعاملها كأثمن جوهرة في الوجود، الذي يتخلى عن عرش القوة ليجلس عند قدميها يمرضها كأم تخشى على وليدها. في تلك اللحظة، وسط سكون الليل وهذيان الحمى، سقطت أسوار قمر الدفاعية العالية. لم تعد تقاوم. تغلبت غريزة الاحتياج على المنطق البارد. رفعت ذراعها الواهنة ولفتها حول عنقه، وتشبثت بكتفه العريض كغريق وجد طوق النجاة. دفنت وجهها في صدره العاري أكثر، وأطلقت العنان لدموع ساخنة، صامتة، انهمرت لتغسل بعضاً من قسوة الأيام والشكوك المتراكمة. بادلها هو هذا العناق المستسلم باحتواء أقوى، يدفن وجهه في خصلات شعرها المبتلة بعرق الحمى، ويستنشق عبيرها كمن يستنشق الحياة، هامساً لها بكلمات طمأنينة وعشق رافقتها حتى غاصت في نوم عميق، هادئ، وخالٍ من الهلاوس. مرت الساعات ثقيلة ومحملة بالصمت. في منتصف الليل المتأخر، حين كان القمر قد توسط السماء الصافية بعد انقشاع العاصفة، فتحت قمر عينيها. كانت الحرارة قد انخفضت بشكل ملحوظ، وانسحب الصداع العنيف ليترك مكانه هدوءاً غريباً وصفاءً في الذهن لم تعهده منذ استيقاظها الأول. نظرت حولها في الغرفة المضاءة بضوء القمر الفضي المتسلل من بين شقوق الستائر، لتجده مستلقياً بجوارها، يغط في نوم عميق. كان ذراعه لا يزال يطوق خصرها بتملك حريص حتى وهو في لا وعيه، ووجهه الذي لطالما كان قناعاً من القسوة والجمود، بدا الآن مسالماً، مرهقاً، ووسيماً بطريقة قاتلة. تأملت ملامحه طويلاً. الصراع داخلها عاد ليطل برأسه، لكنه هذه المرة كان صراعاً هادئاً، عميقاً. هل من الممكن أن يكون حبه الصادق، الذي لامسته بكل حواسها هذه الليلة، قد بُني على خطيئة كبرى؟ هل يجب أن تستسلم لهذا الدفء وتتجاهل النداء الخفي الذي يطالبها بالبحث عن ماضيها؟ تذكرت الخريطة الممزقة، وتذكرت كلام السجين المكبّل، وأخيراً تذكرت كلمات الطبيب النفسي التي أبلغها بها الحارس قبل أن يغيب وعيها في الحمى: "الذاكرة لم تُتمسح بالكامل.. بل تم تشفيرها". أدركت في تلك اللحظة الفارقة أن البقاء في الجهل لم يعد خياراً. لا يمكنها أن تبني حياة، أو تسلم قلبها، لرجل لا تعرف من هي عندما تكون بين ذراعيه. يجب أن تعرف الحقيقة الكاملة، الحقيقة التي يستميت هو في إخفائها عنها لحمايتها، أو ربما لاحتجازها. بحذر شديد، وبحركات بطيئة ومحسوبة، بدأت تسحب نفسها من بين ذراعيه الملتفتين حولها. حبست أنفاسها وهي ترفع ذراعه الثقيلة برفق، لتضع وسادة ناعمة بدلاً منها كي لا يشعر بغياب جسدها. نجحت في التسلل من الفراش الوثير دون أن توقظه. وقفت على الأرضية الرخامية الباردة، مرتدية قميصه القطني الواسع الذي يصل إلى منتصف فخذيها، يحمل رائحته وعطره ليمنحها جرأة غريبة. تسحبت بخطوات صامتة كأطياف الليل نحو الباب الفولاذي للجناح. بفضل خبرتها التي اكتسبتها في رحلتها القصيرة السابقة، كانت تعلم أن نظام القفل يتطلب بصمته، لكنه، في خضم ذعره عليها وعجلته في إحضار الدواء والماء، لم يحكم إغلاق النظام الأمني للباب الداخلي بالكامل، وترك المزلاج اليدوي مفتوحاً جزئياً لتسهيل دخول الحرس إذا احتاجه. دفعت الباب برفق شديد، ليصدر أنيناً خافتاً لم يوقظ الرجل الغارق في إرهاقه. خرجت إلى الممرات المظلمة للقصر. كانت الإضاءة خافتة جداً، والهدوء يلف الأرجاء كأن القصر بأكمله يغط في سبات عميق. استعادت في ذهنها بوضوح فوتوغرافي مذهل تفاصيل الخريطة الممزقة التي رأتها لثوانٍ معدودة قبل أن يتلفها بين يديه. كان عقلها يعمل ببراعة غير عادية، يرشدها عبر المتاهة الرخامية المعقدة، متجاوزة كاميرات المراقبة بالالتصاق بالزوايا المظلمة والجدران التي لا تغطيها عدسات الرصد. نزلت درجات السلم الحلزوني الخلفي، متجهة بثبات نحو القبو السفلي، نحو النقطة الأعمق والأكثر قتامة في هذا المعقل الحصين. كلما تعمقت في النزول، ازدادت برودة الهواء وتغيرت رائحة المكان. اختفى عبق البخور والعطور الفاخرة الذي يميز الأروقة العلوية، ليحل محله مزيج غريب ومقبض؛ رائحة المطهرات الطبية المعقمة، والحديد الصدئ، والأرض الرطبة. توجست خيفة، وتسارعت ضربات قلبها في صدرها، لكنها واصلت التقدم. وصلت إلى نهاية الممر السفلي الطويل، حيث لم يكن هناك سوى جدار حجري صلب، تماماً كما تتذكر الخريطة. تلمست الجدار بيديها المرتجفتين، تبحث عن النقش المخفي. مررت أصابعها على الأحجار الباردة حتى وجدت تجويفاً صغيراً، ضغطت عليه بقوة، ليستجيب الجدار مزمجراً بصوت منخفض، وينزلق ليكشف عن ممر ضيق ومضاء بمصابيح نيون بيضاء باهتة. تقدمت في الممر السري بقلب يكاد يقفز من بين أضلعها. في نهاية الممر، لاح أمامها باب معدني ضخم ومقفل، باب يختلف تماماً عن زنازين الاحتجاز أو غرف التعذيب التي توقعت رؤيتها. اقتربت أكثر، حتى وقفت أمام الباب تماماً. ألصقت أذنها بالمعدن البارد، محاولة التقاط أي صوت من الداخل. في البداية، لم تسمع سوى دقات قلبها المذعورة، لكن سرعان ما بدأ يتناهى إلى مسامعها صوت خافت، منتظم، وآلي. بيب... بيب... بيب... كان صوت جهاز مراقبة نبضات القلب! وتلاه صوت أزيز خفيف ومستمر لجهاز تنفس صناعي متطور. كانت هناك غرفة رعاية مركزة متكاملة ومخفية في أعمق أقبية القصر السري! اتسعت عيناها بذهول ورعب، وارتجفت يداها وهي تبحث عن أي طريقة للرؤية. لاحظت وجود نافذة زجاجية صغيرة جداً، وسميكة كالعدسة، مثبته في أعلى الباب المعدني. وقفت على أطراف أصابعها بشق الأنفس، وضغطت وجهها على الزجاج البارد، محاولة اختراق العتمة الداخلية للغرفة المضاءة بنور الأجهزة الطبية الأزرق والأخضر. رأت سريراً طبياً معقداً، يحمل جسداً موصولاً بعشرات الأسلاك والأنابيب التي تغذي عروقه وتحافظ على بقائه حياً. كان الجسد لرجل، يغط في غيبوبة عميقة. تحركت عيناها لتتفحص وجه الرجل المسجى تحت أضواء الأجهزة الطبية، وفي اللحظة التي استوعب فيها عقلها تفاصيل تلك الملامح الشاحبة، المألوفة حد الوجع، والتي تحمل ندبة قديمة على جبينها... انحبست صرخة مدوية في حنجرتها، وتراجعت خطوة للوراء وكأن صاعقة قد ضربتها لتشطر روحها إلى نصفين!لم تكن تلك الرسالة المشفّرة والغامضة التي ومضت على الشاشة الصغيرة في ركن الكوخ الجبلي المعزول لتنتهي عند حدود الإنذار النظري أو التهديد العابر، إذ ما كاد صدى الكلمات المرعبة يتردد في أرجاء المكان حتى اخترق سكون الليل العاصف والصقيع القاتل رنين خادش ومفزع صادر مباشرة من جهاز الاتصال العسكري المشفر والمربوط بالأقمار الصناعية الخاصة بقصر العائلة الكبير في القاهرة، وهو رنين مخصص حصرياً لنداءات الموت والطوارئ القصوى التي لا تحتمل أي تأخير أو تأجيل. لم يكن هذا النداء يشبه أي تنبيه استخباراتي سابق؛ بل كان صرخة استغاثة إلكترونية حمراء اللون، عالية الأولوية، ومصحوبة بتسجيل صوتي مباشر ومتقطع ينقل صرخات الرعب والهلع من غرفة الحراسة المركزية في أعمق أجنحة قصر العائلة بمصر، حيث تفيد التقارير الميدانية العاجلة بأن أسراباً من المرتزقة والفرق الهجومية التابعة للمنظمة العالمية، التي ظنوا أنهم أجهزوا على قاعدتها السيبرانية قبل ساعات، قد ظهرت كالأشباح من العدم مستغلة انشغال ملك الظلال وقمر بالرحلة السويسرية، لتشن هجوماً مباحتاً ووحشياً لا رحمة فيه على الأسوار التاريخية للقصر بهدف واحد لا حياد عنه ولا
لم تكن تلك الرسالة المشفّرة التي ومضت على شاشة الجهاز الصغير سوى الفتيل الذي أعلن عن نهاية الهدوء الوهمي في ذلك الكوخ الجبلي المعزول على قمة جبال الألب، إذ ما كادت أنفاس الطمأنينة تستقر في الصدور حتى مزق سكون الليل القارس صوت حفيف خافت ومقشعر لأقدام ثقيلة تسحق طبقات الثلج الكثيفة في محيط الكوخ الخشبي، مترافقة مع وميض أشعة تحت حمراء تفحص النوافذ بحذر شديد. انتبه ملك الظلال بحواسه الفائقة التي لا تتبلد أبداً، فتحولت ملامحه في جزء من الثانية من العاشق الهائم إلى المحارب الأقسى والأكثر شراسة، حيث أدرك أن فرق الموت التابعة للمنظمة قد تعقبت أثرهما ونجحت في اختراق الطوق الأمني للوصول إلى مخبئهما الأخير. لم يضيّع البطل ثانية واحدة في التردد؛ بل نهض بقامته الممشوقة والمهيبة، واتجه بخطوات سريعة ومدروسة نحو الحقيبة العسكرية الكبرى، ليخرج منها ترسانة متقدمة من الأسلحة الآلية القابلة للتعديل، والذخائر الخارقة للدروع، وعبوات ناسفة دقيقة تعتمد على استشعار الحرارة والضغط. بحنكة عسكرية خاضت أشرس المعارك في مختلف أصقاع الأرض، بدأ البطل يتحرك بصمت مطبق حول أرجاء الكوخ الداخلي، موزّعاً الفخاخ الحرارية
لم تكن تلك اللحظة التي تلت رنين الإنذار المبكر في الكوخ الجبلي المعزول على قمة جبال الألب سوى إيذاناً بمعركة من نوع آخر، معركة رقمية وافتراضية شرسة دارت رحاها على الشاشات المضيئة وسط العتمة والصقيع، إذ ما كادت نيران المدفأة الحجرية تشتعل بدفء حتى تحولت شاشة جهاز التشفير العسكري فجأة إلى اللون الأحمر القاني، متلألئة بسلسلة من الأكواد الخبيثة والرموز المتسارعة التي تحاول بقوة وحشية اختراق جدار الحماية الخاص بالشبكة المحلية، وتتبع أثر الإرسال الأخير الذي وجهته يدا البطل نحو الجهات الأمنية الدولية والنائب العام العالمي. تصاعدت دقات القلب في صدر الكوخ المظلم، وتطاير الشرر الوهمي من عيون الحواسيب المحمولة بينما كانت الخوارزميات الهجومية للمنظمة الدولية تضغط بكل طاقاتها لتدمير النسخ الاحتياطية وسحب الموقع الجغرافي الدقيق للكوخ قبل أن تفلت الفرصة من أيديهم وتضيع أسرارهم في مهب الريح. وقف ملك الظلال وذراعاه ممدودتان بقوة على جانبي الطاولة الخشبية، وعيناه الزمرديتان تشتعلان بنظرات حارقة وفولاذية تتابع باهتمام بالغ هذا الهجوم السيبراني المباغت، مستعداً للتحرك الفوري وإطلاق بروتوكولات التدمير ا
لم تكن تلك المتاهة الثلجية التي أفرزتها أزقة زيورخ العتيقة سوى فصل تمهيدي لعاصفة أشد قسوة، إذ ما كادت سيارة الدفع الرباعي المصفحة تخترق بوابات الحدود المفتوحة حتى انطلقت بسرعة جنونية صعوداً نحو المرتفعات الشاهقة لجبال الألب السويسرية، حيث تتناثر الغابات الصنوبرية المظلمة وتتراكم طبقات الجليد العميقة لتخفي عن عيون البشر أي أثر للحياة. وسط ذلك البياض الناصع والقاتل، وفي نقطة قصية ومعزولة تماماً عن العالم، وقف كوخ خشبي قديم ومهيب يصارع رياح الشتاء العاتية، ليصبح هو الملاذ الوحيد والآمن الذي اختاره ملك الظلال لإخفاء قمر وحماية الأسرار التي تحملها بين يديها. وما إن توقفت السيارة أمام باب الكوخ الخشبي حتى هبط الاثنان بسرعة، محاطين بصقيع يقطع أنفاس الحجر، ليدفع البطل الباب الخشبي الثقيل ويغلقه بإحكام خلفهما، عازلاً طوفان البرد القارس عن دفء مؤقت كاد يتلاشى. كان الداخل عبارة عن مساحة دافئة ومكتسية بخشب البلوط العتيق، تتوسطها مدفأة حجرية ضخمة تتصاعد منها ألسنة اللهب برفق وتلقي بظلالها الراقصة على الجدران الخشبية. لم يضيّع البطل ثانية واحدة؛ فبدل أن يستسلم لإرهاق المطاردة الطويلة، أخرج من حقي
لم تكن بوارق الفجر الباردة التي انعكست على واجهات المباني التاريخية الكلاسيكية في مدينة زيورخ السويسرية سوى نذير بيوم أشد قسوة واختباراً لصلابة القلوب، إذ ما كادت خيوط الضوء الشاحبة تلامس طبقات الثلج المتراكمة على أرصفة شوارع المدينة العريقة حتى كان ملك الظلال وقمر يخطوان بخطوات ثابتة وواثقة وسط أجواء الجليد القارس نحو أحد أعرق البنوك الخاصة وأكثرها تحصيناً في قلب سويسرا؛ ذلك البنك الذي يحمل في أقباعها السرية أسراراً مدفونة منذ عقود تمس جذور المنظمة الدولية وتاريخ والد قمر الراحل. كان الهواء المحيط محملاً ببرودة لا تكاد تُحمل، تتقطع معها الأنفاس لتشكل سحباً بيضاء شفافة، لكن حرارة العزيمة والإصرار داخل صدريهما كانت كفيلة بإذابة جبال الجليد بأسره. مرتدياً معطفه الأسود الطويل الذي يتطاير بخفة مع هبات الرياح الشمالية، كان البطل يسير محيطاً بكتف قمر بذراعه القوية، عيناه الزمرديتان تمسحان الأفق بوعي حاد ومحارب لا يغفل عن شاردة أو واردة، بينما كانت قمر تمسك بيده الأخرى بكف مرتعشة قليلاً بفعل التوتر الممزوج واللهفة الشديدة لمعرفة الحقيقة المطلقة. وما إن وصلا إلى البوابة الضخمة المصنوعة من ا
لم تكن رحلة العودة إلى أسرار قصر ملك الظلال مجرد انتقال جغرافي من جحيم البحر الأحمر المشتعل إلى رحاب العاصمة المحصنة، بل كانت عبوراً ملحمياً من عتبات الموت المحقق إلى فضاءات الخلود والسيادة المطلقة، إذ ما كادت أجنحة المروحيات الخاصة تحط بسلام على المهبط الرخامي للقصر وسط هدوء الليل العليل، حتى كانت التقارير الاستخباراتية والأمنية العاجلة تتوافد تباعاً لتؤكد الخبر اليقين؛ فرق الإنقاذ البحري التابعة لخفر السواحل، مدعومة بأحدث غواصات البحث والمسح العميقة، عثرت على بقايا معطف سليم وحطام السترة التكتيكية التي كان يرتديها غורقة في أعماق السحیقة للمنطقة التي هوى فيها، لتنطوي بذلك صفحة الفتنة الكبرى والتمرد الدموي الذي قاده الشقيق المنشق إلى غير رجعة، معلنة رسمياً إدانته بنهاية حتمية ومأساوية أراحت ضمير العاصمة وأسدلت الستار على كابوس طال ليله. وفي ذات اللحظة التي أُعلِن فيها تأكيد غرق التوأم الخائن، بدأت الدوائر المالية والتقنية التابعة للإمبراطورية العظمى في استعادة السيطرة الكاملة على كافة الأصول والأرصدة والشركات التي تم العبث بها؛ حيث نجح الفريق التقني المركزي، بفضل الشفرة الكمومية غير







