LOGINتلاشى صدى خطواته الواثقة خلف الباب الفولاذي الضخم، ليتركها وحيدة في مواجهة صمت الجناح الملكي الذي لم يكن يقطعه سوى إيقاع المطر العنيف وهو يجلد النوافذ الزجاجية الكبيرة. وقفت قمر في منتصف الغرفة، تراقب الفراغ الذي خلفه انسحابه المفاجئ، بينما كانت كلمات حبه وتحذيراته تتردد في ذهنها كتعويذة ساحر أحكمت قبضتها على روحها المنهكة. حاولت أن تتماسك، أن تستدعي بقايا قوتها، لكن بمجرد أن انحسرت هالة حضوره الدافئة والمربكة، انقضت عليها برودة الليل القارسة بضراوة لا ترحم. كان فستانها الأسود الفاخر، الذي تشبع بمياه الأمطار الطينية والعاصفة، يلتصق بجسدها النحيل ككفن من الجليد. بدأت أسنانها تصطك بعنف لا إرادي، وسرت قشعريرة وحشية من أطراف أصابع قدميها الحافيتين لتضرب نخاع عظامها.
تحركت بخطوات مترنحة نحو الفراش الوثير، وكل خطوة كانت تبدو وكأنها تسحب جبلاً من الرصاص. كان رأسها يدور في دوامة من الدوار المظلم، وبدأ بصرها يتغشى بطبقة ضبابية بيضاء. لم تعد تشعر بأطرافها، وتلاشى الإحساس بالزمان والمكان. سقطت بوهن شديد على حافة الفراش، وكورت جسدها المرتجف حول نفسها في وضع جنيني، تحاول عبثاً استخلاص أي دفء من بين طيات قماشها المبتل. بدأت الحمى تنهش جسدها بسرعة افتراسية؛ ففي غضون دقائق، تحولت البرودة القارسة إلى نيران مستعرة تغلي تحت بشرتها. أغمضت عينيها لتهاجمها هلاوس محمومة؛ صور مشوشة لسيارة تحترق، صراخ مكتوم، وجه رجل يمتد لإنقاذها من بين ألسنة اللهب، ورائحة دماء تختلط بعبير التبغ الفاخر والمسك الأسود. كانت تهذي بكلمات غير مفهومة، تتقلب على الحرير الفاخر، بينما جسدها يشتعل بحرارة مرضية تنذر بالخطر. لم تدرِ كم من الوقت مر وهي تغوص في بحر الحمى المظلم، حتى انشق سكون الغرفة بانفتاح الباب الفولاذي بعنف جعل الجدران تهتز. دخل وهو يخلع سترة بذلته بسرعة، لكن خطواته توقفت فجأة وتصلب جسده الضخم حين وقعت عيناه عليها. كانت ملقاة على الفراش، وجهها محتقن بحمرة قاتمة، تتنفس بصعوبة بالغة ويلهث صدرها المبتل في صراع محموم لانتزاع الهواء. اندفع نحوها كالنمر الجريح، ألقى سترته أرضاً، وجثا على ركبتيه بجوار الفراش. وضع كفه العريضة على جبهتها، لتلسعه حرارة جسدها التي كانت تكاد تلامس حد الغليان. "قمر!" هتف باسمها بصوت أجش، مبحوح، تقطره لوعة وذعر لم يعرفا طريقاً لقلب زعيم المافيا القاسي من قبل. التفت نحو الباب وصرخ بأعلى صوته آمراً حراسه بإحضار الماء البارد والأدوية الخافضة للحرارة فوراً. وفي اللحظة التي دخلت فيها كبيرة الخدم مقترحة استدعاء الطبيب الخاص بالقصر لتولي رعايتها، استدار نحوها بعينين زمرديتين تشتعلان بنار الغيرة والرفض القاطع، وزمجر بصوت لا يقبل النقاش: "لن يعبر طبيب أو مخلوق عتبة هذا الباب! لا أحد يراها هكذا، لا أحد يلمسها غيري! اتركوا كل شيء واخرجوا فوراً!" أغلق الباب من الداخل، وعاد إليها بخطوات مثقلة بالهم. كان قلبه، الذي لطالما كان صخرة لا تتأثر بآلام الآخرين، يعتصر ألماً لرؤيتها تتلوى في الحمى. أدرك أن بقاءها في هذه الثياب المبتلة هو حكم بالإعدام. جلس على حافة الفراش، وسحب جسدها المشتعل برفق شديد ليرفعه بين ذراعيه. كانت غائبة عن الوعي جزئياً، تهذي بكلمات متقطعة وأنين خافت يمزق نياط قلبه. بدأ يفك أربطة فستانها المبتل بأصابع كانت ترتجف لأول مرة في حياته؛ ليس من الخوف، بل من رهبة المساس بشيء نقي وهش يخشى أن ينكسر بين يديه القاسيتين. كان يخلع عنها طبقات القماش البارد والمبتل بحنان دافئ، مربك، وأصيل، حنان يذيب كل قسوة التصقت باسمه. انزلق الفستان الأسود عن كتفيها ليتركها عارية تماماً أمام عينيه، فلم ينظر إليها بنظرة شهوة أو تملك مفترس، بل بنظرة عاشق ينظر إلى روحه التي تتألم. أحضر منشفة دافئة وناعمة، وبدأ يجفف قطرات المطر العالقة على بشرتها المحمومة ببطء ورقة بالغين. كان يمسح على ذراعيها، وعنقها، ومنحنيات جسدها المرتجف، وكل لمسة من كفه العريضة كانت تبث فيها تياراً من الدفء والأمان الذي يتسرب إلى عقلها الباطن. ألبسها قميصاً واسعاً من قمصانه القطنية الناعمة، قميصاً يحمل رائحته وعطره الذي يحاصر حواسها، ثم دثرها بأغطية حريرية ثقيلة. لكن الحمى لم تكن لتستسلم بسهولة. استمر جسدها في الارتجاف بعنف تحت الأغطية، وازدادت وتيرة هذيانها. أدرك أن الدواء الخافض للحرارة سيستغرق وقتاً ليعمل، وأنها بحاجة إلى دفء حي ينتشلها من الصقيع الداخلي الذي تشعر به رغم حرارة جبهتها. لم يتردد لحظة؛ خلع قميصه ليبقى عاري الصدر، وتمدد بجوارها على الفراش. سحبها نحوه بقوة حنونة، وطوقها بذراعيه الفولاذيتين، مجبراً جسدها المرتجف على الالتصاق بصدره الصلب الدافئ. دس وجهها في تجويف عنقه، ولف ساقه حول ساقيها، ليصنع من جسده درعاً حرارياً يحتويها بالكامل. في تلك اللحظة الحميمة، وتحت وطأة الحمى والظلام الهادئ، تسللت قمر من غيبوبتها جزئياً. فتحت عينيها المتعبتين لتجد نفسها غارقة في أحضانه، ملتصقة بصدره العاري الذي ينبض بقوة وثبات. لم تشعر بالخوف، بل اجتاحها استسلام عميق ومخيف. رفعت يدها المرتجفة بوهن، ووضعت كفها الصغير على قلبه الذي يدق بعنف. نظرت إلى وجهه القريب جداً، في شبه العتمة المضاءة بنور الشموع، لترى القلق الصريح والضعف النادر يرتسمان على ملامحه النحاسية الصارمة. "لماذا..." همست بصوت جاف، متقطع، بالكاد يُسمع. "لماذا تعتني بي هكذا... إن كنت أنا مجرد أسيرة في قصرك؟" شدد من احتضانه لها، وانحنى ليطبع قبلة طويلة، دافئة على جبهتها المحمومة، قبل أن يهمس بصوت مشبع بالعاطفة الجارفة، صوت يتخلى فيه شيطان المافيا عن كبريائه ليقف عاشقاً متضرعاً: "أنتِ لستِ أسيرتي يا قمر... أنتِ السجانة التي أسرت روحي منذ أول يوم وقعت فيه عيناي عليكِ. أنا من يقف خلف القضبان أستجدي نظرة رضا منكِ. كيف أترك روحي تحترق بالحمى ولا أحتضنها لعل نيرانها تنتقل إليّ وتترككِ بسلام؟" أثارت كلماته زلزالاً في أعماقها. كان الصراع النفسي يمزقها إرباً؛ هذا الرجل، الذي قيل لها إنه دمر حياتها ومسح ذاكرتها، هو ذاته الرجل الذي يعاملها كأثمن جوهرة في الوجود، الذي يتخلى عن عرش القوة ليجلس عند قدميها يمرضها كأم تخشى على وليدها. في تلك اللحظة، وسط سكون الليل وهذيان الحمى، سقطت أسوار قمر الدفاعية العالية. لم تعد تقاوم. تغلبت غريزة الاحتياج على المنطق البارد. رفعت ذراعها الواهنة ولفتها حول عنقه، وتشبثت بكتفه العريض كغريق وجد طوق النجاة. دفنت وجهها في صدره العاري أكثر، وأطلقت العنان لدموع ساخنة، صامتة، انهمرت لتغسل بعضاً من قسوة الأيام والشكوك المتراكمة. بادلها هو هذا العناق المستسلم باحتواء أقوى، يدفن وجهه في خصلات شعرها المبتلة بعرق الحمى، ويستنشق عبيرها كمن يستنشق الحياة، هامساً لها بكلمات طمأنينة وعشق رافقتها حتى غاصت في نوم عميق، هادئ، وخالٍ من الهلاوس. مرت الساعات ثقيلة ومحملة بالصمت. في منتصف الليل المتأخر، حين كان القمر قد توسط السماء الصافية بعد انقشاع العاصفة، فتحت قمر عينيها. كانت الحرارة قد انخفضت بشكل ملحوظ، وانسحب الصداع العنيف ليترك مكانه هدوءاً غريباً وصفاءً في الذهن لم تعهده منذ استيقاظها الأول. نظرت حولها في الغرفة المضاءة بضوء القمر الفضي المتسلل من بين شقوق الستائر، لتجده مستلقياً بجوارها، يغط في نوم عميق. كان ذراعه لا يزال يطوق خصرها بتملك حريص حتى وهو في لا وعيه، ووجهه الذي لطالما كان قناعاً من القسوة والجمود، بدا الآن مسالماً، مرهقاً، ووسيماً بطريقة قاتلة. تأملت ملامحه طويلاً. الصراع داخلها عاد ليطل برأسه، لكنه هذه المرة كان صراعاً هادئاً، عميقاً. هل من الممكن أن يكون حبه الصادق، الذي لامسته بكل حواسها هذه الليلة، قد بُني على خطيئة كبرى؟ هل يجب أن تستسلم لهذا الدفء وتتجاهل النداء الخفي الذي يطالبها بالبحث عن ماضيها؟ تذكرت الخريطة الممزقة، وتذكرت كلام السجين المكبّل، وأخيراً تذكرت كلمات الطبيب النفسي التي أبلغها بها الحارس قبل أن يغيب وعيها في الحمى: "الذاكرة لم تُتمسح بالكامل.. بل تم تشفيرها". أدركت في تلك اللحظة الفارقة أن البقاء في الجهل لم يعد خياراً. لا يمكنها أن تبني حياة، أو تسلم قلبها، لرجل لا تعرف من هي عندما تكون بين ذراعيه. يجب أن تعرف الحقيقة الكاملة، الحقيقة التي يستميت هو في إخفائها عنها لحمايتها، أو ربما لاحتجازها. بحذر شديد، وبحركات بطيئة ومحسوبة، بدأت تسحب نفسها من بين ذراعيه الملتفتين حولها. حبست أنفاسها وهي ترفع ذراعه الثقيلة برفق، لتضع وسادة ناعمة بدلاً منها كي لا يشعر بغياب جسدها. نجحت في التسلل من الفراش الوثير دون أن توقظه. وقفت على الأرضية الرخامية الباردة، مرتدية قميصه القطني الواسع الذي يصل إلى منتصف فخذيها، يحمل رائحته وعطره ليمنحها جرأة غريبة. تسحبت بخطوات صامتة كأطياف الليل نحو الباب الفولاذي للجناح. بفضل خبرتها التي اكتسبتها في رحلتها القصيرة السابقة، كانت تعلم أن نظام القفل يتطلب بصمته، لكنه، في خضم ذعره عليها وعجلته في إحضار الدواء والماء، لم يحكم إغلاق النظام الأمني للباب الداخلي بالكامل، وترك المزلاج اليدوي مفتوحاً جزئياً لتسهيل دخول الحرس إذا احتاجه. دفعت الباب برفق شديد، ليصدر أنيناً خافتاً لم يوقظ الرجل الغارق في إرهاقه. خرجت إلى الممرات المظلمة للقصر. كانت الإضاءة خافتة جداً، والهدوء يلف الأرجاء كأن القصر بأكمله يغط في سبات عميق. استعادت في ذهنها بوضوح فوتوغرافي مذهل تفاصيل الخريطة الممزقة التي رأتها لثوانٍ معدودة قبل أن يتلفها بين يديه. كان عقلها يعمل ببراعة غير عادية، يرشدها عبر المتاهة الرخامية المعقدة، متجاوزة كاميرات المراقبة بالالتصاق بالزوايا المظلمة والجدران التي لا تغطيها عدسات الرصد. نزلت درجات السلم الحلزوني الخلفي، متجهة بثبات نحو القبو السفلي، نحو النقطة الأعمق والأكثر قتامة في هذا المعقل الحصين. كلما تعمقت في النزول، ازدادت برودة الهواء وتغيرت رائحة المكان. اختفى عبق البخور والعطور الفاخرة الذي يميز الأروقة العلوية، ليحل محله مزيج غريب ومقبض؛ رائحة المطهرات الطبية المعقمة، والحديد الصدئ، والأرض الرطبة. توجست خيفة، وتسارعت ضربات قلبها في صدرها، لكنها واصلت التقدم. وصلت إلى نهاية الممر السفلي الطويل، حيث لم يكن هناك سوى جدار حجري صلب، تماماً كما تتذكر الخريطة. تلمست الجدار بيديها المرتجفتين، تبحث عن النقش المخفي. مررت أصابعها على الأحجار الباردة حتى وجدت تجويفاً صغيراً، ضغطت عليه بقوة، ليستجيب الجدار مزمجراً بصوت منخفض، وينزلق ليكشف عن ممر ضيق ومضاء بمصابيح نيون بيضاء باهتة. تقدمت في الممر السري بقلب يكاد يقفز من بين أضلعها. في نهاية الممر، لاح أمامها باب معدني ضخم ومقفل، باب يختلف تماماً عن زنازين الاحتجاز أو غرف التعذيب التي توقعت رؤيتها. اقتربت أكثر، حتى وقفت أمام الباب تماماً. ألصقت أذنها بالمعدن البارد، محاولة التقاط أي صوت من الداخل. في البداية، لم تسمع سوى دقات قلبها المذعورة، لكن سرعان ما بدأ يتناهى إلى مسامعها صوت خافت، منتظم، وآلي. بيب... بيب... بيب... كان صوت جهاز مراقبة نبضات القلب! وتلاه صوت أزيز خفيف ومستمر لجهاز تنفس صناعي متطور. كانت هناك غرفة رعاية مركزة متكاملة ومخفية في أعمق أقبية القصر السري! اتسعت عيناها بذهول ورعب، وارتجفت يداها وهي تبحث عن أي طريقة للرؤية. لاحظت وجود نافذة زجاجية صغيرة جداً، وسميكة كالعدسة، مثبته في أعلى الباب المعدني. وقفت على أطراف أصابعها بشق الأنفس، وضغطت وجهها على الزجاج البارد، محاولة اختراق العتمة الداخلية للغرفة المضاءة بنور الأجهزة الطبية الأزرق والأخضر. رأت سريراً طبياً معقداً، يحمل جسداً موصولاً بعشرات الأسلاك والأنابيب التي تغذي عروقه وتحافظ على بقائه حياً. كان الجسد لرجل، يغط في غيبوبة عميقة. تحركت عيناها لتتفحص وجه الرجل المسجى تحت أضواء الأجهزة الطبية، وفي اللحظة التي استوعب فيها عقلها تفاصيل تلك الملامح الشاحبة، المألوفة حد الوجع، والتي تحمل ندبة قديمة على جبينها... انحبست صرخة مدوية في حنجرتها، وتراجعت خطوة للوراء وكأن صاعقة قد ضربتها لتشطر روحها إلى نصفين!تأججت في عينيها نيران الحقيقة المسحوقة تحت أقدام الأكاذيب، فتحولت دموع الانكسار إلى جمرات مشتعلة تكاد تحرق الهواء المحيط بها. لم تكن خائفة، بل كانت تحترق بغضب جارف يغلي في أعماق روحها كالبركان الثائر. وقفت شامخة رغم رجفة أطرافها، تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة التي تشبه شظايا الزجاج الحارق. انحنى هو ببطء مهيب، التقط الأوراق المتناثرة من على الأرض الرخامية الباردة، ووقف بكامل هيبته وطوله الفارع أمامها، ممسكاً بالملف الطبي الذي يحمل تاريخها المسلوب. كانت ملامحه حجرية، خالية من أي تعبير بشري، كأنما خُلق من صخور العالم السفلي وقسوته المطلقة. تقدم نحوها بخطوات بطيئة، محسوبة ومدروسة، كفهد يطبق على طريدته المتمردة. تراجعت قمر إلى خلفها خطوة تلو الأخرى، حتى اصطدم ظهرها بسطح المكتب الخشبي الفاخر، لتجد نفسها محاصرة بين جسده الصلب الذي يبعث طاقة مرعبة وحافة الطاولة التي قطعت عليها كل منافذ الهرب. لم تكن هناك مسافة تذكر بينهما، مسافة تكفي لتشعر بحرارة أنفاسه التي تلامس وجهها، وبتلك الهالة التملكية الطاغية التي تكاد تسحق استقلاليتها وتجردها من إرادتها. ببطء شديد، مد يده الكبيرة، وأمسك بالأوراق من ي
تأججت في عينيها نيران الحقيقة المسحوقة تحت أقدام الأكاذيب، فتحولت دموع الانكسار إلى جمرات مشتعلة تكاد تحرق الهواء المحيط بها. لم تكن خائفة، بل كانت تحترق بغضب جارف يغلي في أعماق روحها كالبركان الثائر. وقفت شامخة رغم رجفة أطرافها، تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة التي تشبه شظايا الزجاج الحارق. انحنى هو ببطء مهيب، التقط الأوراق المتناثرة من على الأرض الرخامية الباردة، ووقف بكامل هيبته وطوله الفارع أمامها، ممسكاً بالملف الطبي الذي يحمل تاريخها المسلوب. كانت ملامحه حجرية، خالية من أي تعبير بشري، كأنما خُلق من صخور العالم السفلي وقسوته المطلقة. تقدم نحوها بخطوات بطيئة، محسوبة ومدروسة، كفهد يطبق على طريدته المتمردة. تراجعت قمر إلى خلفها خطوة تلو الأخرى، حتى اصطدم ظهرها بسطح المكتب الخشبي الفاخر، لتجد نفسها محاصرة بين جسده الصلب الذي يبعث طاقة مرعبة وحافة الطاولة التي قطعت عليها كل منافذ الهرب. لم تكن هناك مسافة تذكر بينهما، مسافة تكفي لتشعر بحرارة أنفاسه التي تلامس وجهها، وبتلك الهالة التملكية الطاغية التي تكاد تسحق استقلاليتها وتجردها من إرادتها. ببطء شديد، مد يده الكبيرة، وأمسك بالأوراق من ي
كانت الكلمات المكتوبة بخط يدها على ظهر الصورة بمثابة صاعقة حية ضربت قاع جمجمتها، لتنسف في جزء من الثانية كل قصور الرمل التي بنتها على شاطئ استسلامها الأخير. «ليس من فخخ سيارتي.. بل هو من تلاعب بعقل والدي ليأمره بقتلي! إنه الجلاد الذي يرتدي قناع المنقذ.. لا تصدقي عينيه الزمرديتين أبداً!». ارتجفت أصابعها حتى كادت الصورة تسقط منها على الأرض الخشبية، بينما تحولت أنفاسها المنتظمة منذ قليل إلى لاهث مروع وخائف. هل كان كل ما عاشته من رومانسية طاغية واعترافات دامعة مجرد فصول مسرحية محكمة الصنع كتبها ليزيد من تخدير وعيها؟ هل كان يعلم بكل حرف مكتوب على تلك الصورة، وكان يلعب دور الضحية المنقذ ببراعة شيطان لا يضاهى؟ غرق قلبها في هاوية مظلمة من الشك المهلك، وأدركت أن بقاءها ثانية واحدة بين أحضانه يعني استسلامها التام للموت البطيء. تحولت دمشق الخوف في عروقها إلى طاقة حارقة للتمرد؛ لم تعد قمر تلك الفريسة الهشة التي تبكي على قهرها، بل تحولت إلى امرأة استيقظت على حافة الهاوية ولن ترتضي سوى الحقيقة المطلقة، حتى لو كلفها ذلك حياتها.أدارت رأسها ببطء شديد، وعيناها محملتان بمزيج مدمر من الكراهية والحنين ال
انهارت دموعها كشلال ساخن يحرق وجنتيها. لم يكن حبه لها وليد اختطافها، ولم تكن علاقتهما نتاجاً لغسيل دماغ بعد الحادث. لقد كانا حبيبين، شريكين، وربما أكثر من ذلك بكثير! لقد كانت تعشقه بإرادتها الحرة، وكان هو يشاركها الحياة بكل تفاصيلها قبل أن يتدخل الموت ليفرق بينهما. زلزال من المشاعر المتضاربة ضرب كيانها؛ إذا كانا يعيشان كل هذا الحب الساحر، فما الذي أوصلهما إلى نقطة الدمار؟ لماذا حاول والدها قتلها؟ ولماذا أخفى هو عنها هذا الألبوم وهذا التاريخ المجيد من حبهما، مفضلاً أن يتحمل نظرات الكراهية والشك في عينيها على أن يخبرها بالحقيقة البسيطة: "لقد كنا عاشقين"؟لم تشعر بالباب الخشبي الثقيل وهو يُفتح، ولم تنتبه لخطواته التي توقفت فجأة في منتصف الغرفة. كان البطل قد أنهى تأمين اليخت وعاد ليواجهها، لكنه تسمر في مكانه حين رأى ظهرها المرتجف، ورأى الألبوم الجلدي المفتوح تحت ضوء المصباح. سقطت كل أقنعة القوة والسطوة التي يرتديها زعيم المافيا. انهار الدرع الفولاذي الذي بناه حول نفسه منذ أن فقدت هي ذاكرتها. تقدم نحوها بخطوات متعثرة، لا تشبه خطواته الواثقة التي ترعب أعتى الرجال.حين شعرت بظله يغطيها، التف
تسمرت قمر في مكانها، وكأن صقيع الموت قد زحف من أرضية الغرفة المعدنية ليتسلق ساقيها ويشل كل خلية في جسدها. كانت الكلمات التي انبعثت من جهاز الاتصال تتردد في جمجمتها كقرع أجراس الجحيم، لكن الرعب الحقيقي لم يكن في ذلك الصوت المشوه، بل في الجسد الضخم الذي يسد منفذ النجاة الوحيد. وقف هو في عتمة إطار الباب، يمسك بجهاز الإرسال اللاسلكي الذي انتزعه للتو من حارسه، وعيناه الزمرديتان تشتعلان بظلام لا قاع له، ظلام يبتلع كل ما تبقى من أكسجين في الغرفة الخانقة. لم ينطق بحرف، بل تقدم نحوها بخطوات بطيئة، ثقيلة، ومحسوبة، كفهد يحاصر طريدته على حافة الهاوية. كان كل شيء فيه ينضح بالتهديد؛ سكونه، اتساع صدره الذي يعلو ويهبط بغضب مكبوت، وتلك الهالة المرعبة التي تجعل الهواء يرتجف من حوله. تراجعت قمر لا إرادياً حتى اصطدم ظهرها بلوحة التحكم الباردة، وأنفاسها تتقطع في صدرها كشظايا الزجاج. توقعت أن ينقض عليها، أن يعاقبها على خيانتها وتسللها في جنح الليل، لكنه بدلاً من ذلك، رفع جهاز الإرسال الذي بيده، وبحركة خاطفة وعنيفة، سحقه بضربة واحدة على حافة الطاولة المعدنية، محطماً إياه إلى قطع متناثرة.«هل ترين كيف يتلاعب
كانت القبلة طقساً من طقوس السحر الأسود، مزجت فيها قمر بين برائتها المعهودة وغواية متعمدة أربكت كل حواسه. تذوقت طعم اليود والتبغ على شفتيه، وتوغلت بيديها في خصلات شعره الكثيف، تجذبه إليها بقوة تلغي كل مسافة ممكنة. للحظة واحدة، قاوم عقله هذا الاستسلام المفاجئ، لكن جسده وروحه العطشى إليها خانا كل منطق. انقضت يداه الكبيرتان على خصرها، يرفعها عن الأرض لتلتف ساقاها حول خصره، بينما تحولت قبلته من استجابة متفاجئة إلى اجتياح كاسر، مفترس، يمتص رحيق شفتيها بضراوة رجل وجد واحة بعد سنوات من العطش في صحراء قاحلة.حملها وهي لا تزال معلقة في عنقه وتغدق عليه بقبلات تسلبه إرادته، ومشى بها بخطوات متسارعة، ثقيلة، نحو الجناح الرئيسي المغلق في الطابق السفلي. ركل الباب بقدمه ليفتحه، ودخل بها إلى الغرفة الواسعة الغارقة في الظلال، والتي تضيئها فقط انعكاسات أضواء المصابيح الخافتة على أمواج البحر المتلاطمة خارج النوافذ الدائرية. ألقى بها برفق على الفراش الحريري الواسع، ولحق بها في جزء من الثانية، محاصراً إياها تحت ثقل جسده المشتعل.«هل تدركين ما تفعلينه الآن يا قمر؟» زمجر بصوت أجش، متقطع من فرط اللهاث، وعيناه ت







