LOGINاستغلّت قمر تلك الفرصة الذهبية النادرة. كانت روحها تغلي ببركان من الشك الخوف والتحدي؛ فكلام السجين تقاطع برعب مع حقيقة الرسالة التي وجدتها بخط يدها، وجعل عقلها يتخذ قراراً حاسماً بالفرار الفوري مهما كان الثمن، مستغلة انشغال الحراسة المشددة وإيقاف بعض الأنظمة الإلكترونية المؤقت لتأمين قاعة الاجتماعات.
تسللت كالقضيب البارد عبر الممرات الخلفية للجناح الشرقي، متفادية نقاط المراقبة بذكاء فطري يبدو أنه صُقل في ماضيها المجهول. فتحت الأبواب الزجاجية المؤدية إلى الحدائق الخلفية الشاسعة للقصر، لتستقبلها العاصفة الهوجاء بكل ضراوتها؛ كانت السماء تمطر بغزارة استوائية، والرياح العاتية تعزف ألحاناً حزينة بين أغصان الأشجار العالية، والبرق يشق العتمة بلحظات خاطفة من الضوء الأبيض الباهر. لم تتردد؛ بل اندفعت تركض وسط الزخات المنهالة، غير أبهة بقطرات المطر الحارقة التي بللت فستانها الأسود الفاخر بالكامل، وجعلت قماشه الحريري والتول المبتل يلتصق بجسدها النحيل كأنه طبقة جلد ثانية، بينما انحل شعرها الأسود الطويل ليتناثر فوق كتفيها المبتلتين كأمواج الليل الثائر. كانت تركض على العشب المبتل بأقدام حافية تصارع الانزلاق، وحذاء المطر يصفع وجهها بحدة، لكن حرارة الخوف والرغبة في الحرية كانتا تدفعانها للأمام بجنون. قطع سكون العاصفة فجأة نباح مدوٍ وشرس؛ كانت الكلاب البوليسية الضخمة التابعة لأمن القصر قد التقطت أثرها عبر الحدائق، وبدأت مطاردة مرعبة بين الأشجار الكثيفة. تسارعت ضربات قلبها لتتحول إلى طبول هزيمة، وزادت من سرعتها تتفادى الشجيرات الشائكة التي أخذت تمزق أطراف فستانها وتجرح بشرتها الناعمة، حتى أبصرت من بين الوميض الخاطف للبرق البوابة الحديدية الضخمة لسور القصر الخارجي. كانت البوابة عالية للغاية، تعلوها أسياخ حادة، وبجوارها لوحة تحكم إلكترونية تغطيها قطرات الماء. أسرعت قمر نحو القفل الميكانيكي الملحق بالبوابة، وأخذت تحاول رفع المزلاج الحديدي الثقيل بيدين مرتجفتين وباردتين كالجليد، بينما أصوات نباح الكلاب تقترب بخطى حثيثة من خلفها، وضوء الكشافات الدوارة يقطع عتمة الغابة المجاورة. ضغطت بكامل وزنها على المزلاج المصنوع من الصر الصلب، واحتك جلد كفيها بالحديد الصدئ ليبدأ بالتحرك ببطء شديد، وفي اللحظة التي ظنت فيها أنها على وشك إحداث ثغرة للنفاد إلى الخارج... توقف نباح الكلاب فجأة، وساد هدوء مريب يعلوه فقط صوت انسكاب المطر وغضب العاصفة. انحجب ضوء البرق خلف ظل ضخم وسامق، ولم تلتفت لتسأل من يكون؛ بل شعرت بهالة قبصته القاسية والهائجة قبل أن تطأ قدمه الأرض بجوارها. وبحركة خاطفة، حاسمة، ومفعمة بقوة عضلية جبارة، التفت يداه القويتان حول خصرها المبتل، ورفعها بين يديه عن الأرض بلمح البصر وكأنها لا وزن لها، ليقتلعها من أمام البوابة ويبعدها عن حافة السور! صرخت قمر بصوت متهدج اختلط بصوت الرعد، وأخذت تضرب بيديها المبتلتين المرتجفتين على صدره الصلب وكتفيه العريضين: "دعني وسألك!.. دعني أذهب أيها الشيطان! لن أبقى معك ثانية واحدة بعد ما سمعته! أنت قتلت والدي ودمّرت حياتي ومسحت عقلي كي أكون أمتك المطيعة!" لم ينطق بكلمة واحدة في البداية؛ بل تثبت في مكانه تحت المطر الغزير وهو يحملها بين ذراعيه الفولاذيتين كأنها جوهرة يرفض التفريط فيها حتى لو كلفه ذلك خوض طوفان. كانت المياه تنسب بإغراق من شعره الأسود المبلل على جبهته العريضة، وقميصه الأسود الملتصق بجسده المنحوت يبرز عروض عضلات صدره وكتفيه، بينما تشتعل عينان الزمرديتان ببركان من الغضب والغيرة والعشق المفترس الذي يتحدى العاصفة. مشى بها بخطوات ثابتة وواسعة نحو ملجأ سقف الحديقة الخرساني المجاور للسور، ثم حطها على قدميها ودفَع بجسدها المبتل ببطء وقسوة حنونة نحو الجدار الحجري للسور، ليحاصرها كلياً بدفء جسده الثائر وحرارة انفاسه المتصاعدة كالبخار في برودة الليل. احتك المطر المنساب من جسديهما ليصنع شلالاً دافئاً يتساقط بينهما. وضع كفيه الثقيلين على الجدار على جانبي رأسها المبلل، وانحنى بجسده الضخم ليطبق عليها كلياً، رافضاً منحها أي إنش للابتعاد أو التراجع. كان الشجار العاطفي العاصف بينهما يشتعل بأعلى درجات الحرارة؛ عيناها الثائرتان اللتان تغرقان بدموع المطر كانت تصبان جام غضبها وشكوكها في عينيه، بينما كان هو ينظر إليها بنظرة عاشق جريح تمزقه محاولاتها المستمرة للهروب من قفصه. "قتلت والدكِ؟" خرج صوته رخيماً، عميقاً، يزمجر كأنه الرعد المكتوم في صدره، وصوته يقطع صوت قطرات المطر المنسابة حولهما: "تصدقين كلباً مسجوناً يسعى لتدمير النبض المتبقي في صدركِ وتُكذبين جسدكِ الذي ينبض بين يديّ؟ تصدقين كلاماً مرسلاً وتنسين أنني ألقيت بنفسي في الجحيم كي أخرجكِ حية من تلك السيارة المحترقة؟" رفعت يديها المبللتين ووضعهما على قميصه المبتل، تحاول دفعه بضعف قسري وهي تنتفض من البرد والصراع النفسي الشديد الذي يعصف بأحشائها: "أنت تكذب! الجميع يكذب وأنت رأس الكذب! أطلق سراحي.. أنظر إلى ما فعلته بي، أنا لا أعرف من أكون، ولا أعرف لمَ يرتجف جسدي خوفاً وعشقاً منك في الوقت ذاته! أنت تمرضني.. حبك هذا سجن أطلقت عليه اسماً جميلاً، وأنا أرفض أن أكون ضحيتك!" ابتسم ابتسامة مظلمة، حادة، وممتلئة بشغف جنوني تجعدت له ملامح وجهه الوسيم تحت المطر. اقترب بجه وجهه أكثر حتى التصقت جبهته بجبهتها المبللة، وتداخلت أنفاسهما الساخنة المتبخرة في الهواء البارد، مسك ذقنها بأصابعه العريضة الدافئة وقبض عليها برفق قاهر، يرفع رأسها لتتلاقى أعينهما في مساحة لاهبة حابسة للأنفاس، وجعل شفتيه المبتلتين تمسان شفتيها المرتجفتين بلمسات استعراضية تعذب حواسها الثائرة. "إذن أنتِ تعترفين بوجود العشق؟" همس ضد شفتيها بصوت خافق، داكن، ويفوض بحنين جارف يذيب الجليد: "تعترفين أن جسدكِ يعرفني وينبض لي رغم كل أكاذيب العالم التي ملؤوا بها رأسكِ؟ حاربيني يا قمر.. اكرهيني كما تشائين، اصرخي واضربي هذا الصدر حتى تدمى يداكِ، لكنكِ لن تخرجي من هذا السور إلا على أسرّة الموت. أنا لم أقتل والدكِ، بل صنعت من نفسي شيطاناً كي أحميكِ من ذئابه، وإن كان مسح ذاكرتكِ هو الثمن لإبقائكِ حية في أحضاني، فسأمسحها ألف مرة دون ندم!" انحنى بكامله وضم خصرها المبتل بذراعيه بقوة عاصفة، يسحبها إليه كلياً حتى انمحت كل مسافة بين جسديهما، واحتكت بشرتها المبللة بدفء جسده المشتعل، لتشعر بقوة ضربات قلبه التي تطرق قفصه الصدري بجنون. رفعت رأسها تحاول الاعتراض، لكنه لم يمنحها الشفاه للحديث؛ بل انقض على شفتيها بقبلة مظلمة، عميقة، ومشتعلة بالمشاعر الكثيفة تحت تساقط المطر الغزير. كانت قبلة عاصفة، امتزج فيها كبرياء السيطرة مع لوعة الشوق والحرمان، قبلة استنزفت كل طاقة المقاومة في روحها، واختطفت أنفاسها وسط صخب الطبيعة والرياح. تجاوبت معه رغماً عن كافة تحذيرات عقلها المجهد؛ فتحت شفتيها لتستقبلا حريق شغفه المنساب مع قطرات المطر الباردة، وارتفعت يداها النحيلتان المبللتان لتلتفا حول عنقه العريض، متخللة بأصابعها المرتجفة في شعره الأسود الناقط بالماء، مستسلمة لانصهار حسي فاخر يجمع بين صراع النفس ولذة الاستسلام التام له. أخذ يمتص شهد شفتيها ببطء وعمق، يمسح بلسانه قطرات المطر عن وجهها ووجنتيها، ويطبع قبلات حارقة متتالية على طول عنقها المبتل، جعلت ركبتيها تتراخيان كلياً وتعتمد في وقوفها على ذراعه الفولاذية الملتفة حول خصرها. ذاب الخوف وتلاشى الشك مؤقتاً في أتون ذلك التلاحم الجسدي والروحي اللاهب؛ كانت تشعر بأن أنفاسه هي الأكسجين الوحيد المتبقي لها في هذا العالم المظلم، وأن قبصته التملكية هي الأمان الوحيد وسط العاصفة الهوجاء. انحنى وشحذ قبس القبلة ببطء، تاركاً شفتيه على شفتيها يمتص انفاسها المتلاحقة، ويده الكبيرة تتسلل ببطء تحت فستانها المبتل عند الظهر لتمسح بشرتها بدفء حارق يجبر كل خلية فيها على التراجع عن فكرة الهرب. ابتعد بشفتيه عنها إنشاً واحداً فقط، وهو يتنفس بجهد وعيناه الزمرديتان تلمعان بشغف كاسر وسط الظلام، ثم رفعها بين يديه مجدداً ودفن وجهه في تجويف عنقها المبتل، يهمس بنبرة عاشقة تملك كل ذرة في كيانها: "الهروب انتهى يا قمر.. والآن ستعودين معي إلى الجناح، لتتعلمي كيف يكون العقاب الحقيقي للملكة التي تتجرأ على الابتعاد عن عرشها." حملها بين أحضانه وعاد بها بخطوات واثقة عبر الحدائق المبللة نحو القصر، بينما كانت هي تسند رأسها المجهد على صدره الدافيء، تنصت لإيقاع قلبه القوي وتصارع رغبتها في التراجع والاستسلام الكامل لهذا السجن المخملي. أدخلها إلى الجناح الملكي، حيث كانت أضواء الشموع الدافئة تضيء الفراش الوثير، وأجبر الحراس على إغلاق كافة المنافذ الخارجية بأسوار فولاذية إضافية. جردها من ثيابها المبتلة بحنان ورقة متناقضة مع قسوته، وألفها بدثار حريري دافئ، ثم تمدد بجوارها يحاصرها بين ذراعيه ويثبت جسدها بجسده كي لا تبتعد ميليمتراً واحداً أثناء النوم. استسلمت لدوار التعب واستكانت في أحضانه، تشعر بدفء أنفاسه التي تداعب شعرها، وفي اللحظة التي بدأت فيها تجرفها أمواج النوم العميق منتصف الليل... اشتعلت شاشة هاتفه المشفّر الموضوع على الطاولة الجانبية بنور أزرق خافت، ليرد على المكالمة بصوت خافق دون أن يتحرك كي لا يوقظها. جاءه صوت حارسه الشخصي من الطرف الآخر، متوتراً ومحشواً بالرعب: "سيدي.. نعتذر للإزعاج، لكن الطبيب النفسي الذي أجرى عملية مسح الذاكرة لسيدتنا قمر قد تم اغتياله منذ قليل في منزله، وقبل وفاته ترك رسالة مسجلة يقول فيها إن الذاكرة لم تُتمسح بالكامل.. بل تم تشفيرها بكلمة سر خاصة، وأنها تستطيع استعادتها كلياً إذا سمعت نغمة الموسيقى القديمة الخاصة بوالدها!"استغلّت قمر تلك الفرصة الذهبية النادرة. كانت روحها تغلي ببركان من الشك الخوف والتحدي؛ فكلام السجين تقاطع برعب مع حقيقة الرسالة التي وجدتها بخط يدها، وجعل عقلها يتخذ قراراً حاسماً بالفرار الفوري مهما كان الثمن، مستغلة انشغال الحراسة المشددة وإيقاف بعض الأنظمة الإلكترونية المؤقت لتأمين قاعة الاجتماعات.تسللت كالقضيب البارد عبر الممرات الخلفية للجناح الشرقي، متفادية نقاط المراقبة بذكاء فطري يبدو أنه صُقل في ماضيها المجهول. فتحت الأبواب الزجاجية المؤدية إلى الحدائق الخلفية الشاسعة للقصر، لتستقبلها العاصفة الهوجاء بكل ضراوتها؛ كانت السماء تمطر بغزارة استوائية، والرياح العاتية تعزف ألحاناً حزينة بين أغصان الأشجار العالية، والبرق يشق العتمة بلحظات خاطفة من الضوء الأبيض الباهر. لم تتردد؛ بل اندفعت تركض وسط الزخات المنهالة، غير أبهة بقطرات المطر الحارقة التي بللت فستانها الأسود الفاخر بالكامل، وجعلت قماشه الحريري والتول المبتل يلتصق بجسدها النحيل كأنه طبقة جلد ثانية، بينما انحل شعرها الأسود الطويل ليتناثر فوق كتفيها المبتلتين كأمواج الليل الثائر. كانت تركض على العشب المبتل بأقدام حافية تصارع ا
ترددت أصداء تلك الجملة المسمومة في أركان القبو البارد كأنه صاعقة شقت هدوء كيانها، مخلّفة زلزالاً هائل العنف في وجدان قمر التي تجمدت في مكانها، بينما كانت عيناها تتسعان بذهول صامت وهي تنتقل بنظرها بين الرجل المكبّل بالسلاسل وبين البطل الذي لم تتغير ملامح وجهه النحاسية سوى بالزيادة في القسوة والجمود. وفي غمرة الذهول والتخبط الذي تلا إخراج الحراس للرجل المسجون، أغلق الباب الفولاذي للجناح الملكي خلفهما بصلابة أصدرت صدى خافتاً في أرجاء الغرفة الدافئة، المضاءة بنور الشموع الذهبي الخافت الذي يرقص على الجدران الخشبية. كان المطر خارجاً ما زال يضرب الزجاج الثقيل بإيقاع متسارع، لكن الدفء المنبعث من المدفأة الرخامية كان يخلق حائلاً بينهما وبين برودة العالم الخارجي.حطّها على قدميها الحافيتين بنعومة متناقضة مع قسوته الشديدة منذ قليل. كانت قمر تقف أمامه بفستانها الأسود المبتل الذي يلتصق بجسدها النحيل كطبقة جلد ثانية، وشعرها ينقط بالماء على كتفيها، وجسدها يرتجف من مزيج حارق بين برودة المطر وسخونة التوتر النفسي الذي يمزق أحشاءها.اقترب منها بخطوات هادئة وحثيثة، لم تكن فيها عجلة، بل حزم نسر يستعد لإ
تلاشى صدى تهديده البارد والدافئ في عتمة الجناح الملكي، ليحل محله سكون أثقل، محمّل برائحة التبغ والمسك والورق المحترق الذي تناثرت شظاياه القماشية تحت أقدامهما. استيقظت قمر في الصباح التالي على أشعة شمس ذهبية دافئة تنفذ من خلال الشيش الخشبي الذي فُتحت سلاسله جزئياً لأول مرة منذ استيقاظها في هذا القصر. لم يكن البطل بجانبها على الفراش الوثير، لكن حسّه القيادي وهالته المظلمة كانا يستوطنان كل زاوية في الغرفة. عندما خطت قدمها خارج الجناح، لم تجد الحراس يمنعونها كما اعتادت؛ بل تنحوا جانباً بانحناءة احترام قاطعة، مفسحين لها المجال لاستكشاف الممر الرئيسي الممتد نحو الجناح الشرقي، وكأن هناك أوامر جديدة صدرت بتوسيع نطاق قفصها الذهبي منحاً إياها وهم الحرية. تتبعت خطوط الرخام الأسود المصقول بكبرياء حذر، تحارب الدوار الخفيف في رأسها وذاكرتها التي ما زالت تبدو كصفحة بيضاء ممسوحة بعناية قاسية، حتى وقفت أمام بابين خشبيين ضخمين مصنوعين من خشب الأبنوس المعشق بالنحاس الخالص. فتحت البابين ببطء شديد، لتستقبلها رائحة عتيقة ساحرة؛ مزيج من أوراق الجلد القيمة، وحبر المطابع القديم، وألواح الخشب المعتق بعبير الصن
ساد الصمت المريب أرجاء القصر بعد أن خمدت صفارات الإنذار المدوية وعادت الأضواء الخافته تتسلل عبر الممرات الرخامية، عقب الانفجار التكتيكي الذي اتضح أنه مجرد اختبار أمني قاسي أجراه حراس البطل لتفقد جاهزية الدفاعات. سحبها البطل من وسط ذلك الهرج إلى جناحها الخاص، محيطاً إياها بحراسة مشددة مضاعفة، وأغلق الباب الفولاذي الضخم خلفه، تاركاً إياها في مواجهة عتمة الليل ورأسها الذي يغلي بالأسئلة والتناقضات. أصبحت الساعات تتسرب ببطء كأنها دهور، وظلت هي تستلقي على الفراش الوثير تتظاهر بالنوم العميق، تنصت بإصغاء شديد لأي حركة خارج الجناح حتى اطمأنت أن القصر قد غرق في سكون منتصف الليل القاتل. فتحت عينيها في الظلام الداكن، وانزلت أقدامها الحافية على السجادة النحيفة ببطء شديد يمنع أي حفيف لقماش فستانها الأسود الناعم. تحركت كالأشباح في أرجاء الغرفة الشاسعة، تدفعها غريزة البقاء وذكاؤها الفطري الذي يحارب غشاوة الذاكرة الممسوحة، تتفحص الجدران الخشبية المزخرفة والنوافذ المغلقة بسلاسل فولاذية صلبة لا تتزحزح. اقتربت بخطوات متهيبة نحو الباب الرئيسي للجناح، وضغطت بكفها المرتجف على اللوحة الإلكترونية الملحقة بالج
تجمّدت قطرات الدم في عروقها وهي تراقب أصابعه الطويلة القوية وهي تمزّق الرسالة المحذرة إلى شظايا صغيرة، تساقطت على السجادة العجمية الباذخة كأنها ندف ثلج سوداء تعلن هلاك أملها الأخير في الهرب. كانت عيناه الزمرديتان تطوقان وجهها بنظرة تجمع بين برود القتلة وشغف العاشق المجنون، نظرة جعلت انفاسها تتلاحق في هلع مكتوم بينما كان هو يخطو خطوة إضافية باتجاهها، محيطاً جسدها بهالة نفوذه المظلمة التي تبتلع كل ما حولها. لم يمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها أو لملمة شتات عقلكِ المنكوب؛ بل مد يده الثقيلة الدافئة لتطوق معصمها النحيل بلمسة حازمة، غير قابلة للمقاومة، وسحبها برفق قسري باتجاه الباب المفتوح. خرجت معه من عتمة الغرفة المغلقة إلى ممر طويل يمتد كالمتاهة الأسطورية، ممر يتألق برخام إيطالي أسود مصقول كالمرآة، تعكس عليه أضواء الثريات الكريستالية الضخمة المتدلية من سقف شاهق الارتفاع مزخرف ببنود جدارية تاريخية تعود لعصور إمبراطورية بائدة.كان القصر ينبض بفخامة مرعبة، فخامة لا تهدف للراحة بل لإرهاب الناظرين وإعلان السيطرة المطلقة. تسكّعت عينها الثائرتان في الأرجاء، تحاولان التقاط أي خيط مفيد وسط هذا البذخ؛
لم تكن العتمة مجرد غيابٍ للضوء، بل كانت مادة ثقيلة تتكاثف فوق صدرها، كأنها سائل أسود ينسكب في حنجرتها ليخنق أنفاسها.فتحت عينيها ببطء شديد، تحارب غشاوة ثقيلة تجر جفنيها إلى الأسفل. كان رأسها ينبض بإيقاع منتظم من الألم الكليل، كأنما هناك شفرة حادة تطرق عظام جمجمتها من الداخل. استغرقت بضع ثوانٍ حرجية لتدرك أنها لا ترى شيئاً سوى السواد المطلق، وأن السكون المحيط بها ليس سكوناً عادياً، بل هو صمت مطبق يحمل بين طياته تهديداً مكتوماً.شهقت بحدة، وحاولت الاعتدال في جلستها، لتشعر بالسطح الذي تستلقي عليه؛ كان فراشاً وثيراً بدرجة مرعبة، مفرشاً بحرير خالص ينسل من بين أصابعها المرتجفة ببرودة تشبه ملمس الأفاعي. رفعت يدها لتلمس رأسها، فضربت أطراف أصابعها ضمادة عريضة تلتف حول جبهتها."أين أنا؟"همست الكلمة، لكن الصوت الذي خرج من حنجرتها كان غريباً عنها، بحة خافقة جافة كأنها لم تستخدم حبالها الصوتية منذ سنوات. والأدهى من ذلك... من تكون هي؟ضربت موجة من الرعب الفاغر جوانب عقلها. حاولت التفتيش في ذاكرتها، أن تسحب خيطاً واحداً ينتهي باسم، أو وجه، أو مكان، أو ذكرة طفولة... لا شيء. هناك فراغ أبيض ناصع يبتلع







