Share

أسوار العشق
أسوار العشق
Author: Faten Aly

البارت الأول

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-09 04:51:39

للمرة الأولى يحتار القلم من أين يبدأ سرد هذه القصة، لينتهي به المطاف بالعودة إلى البداية؛ لنحيا معًا معاناة تلك الحورية منذ نعومة أظافرها. سأروي لكم سنواتها الأولى سريعًا، لتعيشوا معي حكايتها.. مع تمنياتي لكم بقراءة ممتعة.

في حي السيدة زينب العتيق، حيث تفوح رائحة التاريخ من الأزقة والشوارع الشعبية، وتقف البيوت القديمة شاهدة على حكايات البشر، كانت بطلتنا تقطن خلف جدران أحد تلك المساكن المتهالكة. تداري حزنًا ثقيلًا في قلبها، بينما يفيض لسانها بعسل الكلمات، ويحتفظ وجهها بإشراقة لا تغيب.

تسلل شعاع الشمس الذهبي من بين شقوق ستارة غرفتها المهترئة، ليداعب الأهداب الكثيفة المحيطة بعينيها. رفرفت جفناها فور شعورها بالدفء، لتفتح عن عينين خضراوين صافيتين، التمعتا مع الضوء كحبتي لؤلؤ نادرتين. نهضت من فراشها بنشاط، وتلمست خصلات شعرها الذهبي الناعم التي تناثرت على الوسادة كخيوط من حرير، قبل أن تلملمها لتنسدل بحرية خلف ظهرها الممشوق.

لم يكن هذا الصباح عاديًا؛ فاليوم تُعلن نتيجة الشهادة الإعدادية، الخطوة الأولى والمصيرية نحو حلمها الكبير.

حور.. فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، لكن من يتطلع إليها يظن أنه يقف أمام لوحة بديعة صاغها الخالق بعناية؛ بشرة عاجية ناصعة، أنف منحوت، شفتان مكتنزتان مرسومتان بدقة، وغمازتان محفورتان في وجنتيها تضفيان سحرًا طفوليًا على ملامحها التي بدأت تنبض بأنوثة طاغية.

خرجت حور من غرفتها، فاستقبلتها رائحة الفول والخبز الطازج. كان والدها عادل يقف في المطبخ البسيط يعد طعام الإفطار. تطلعت إليه بحب، هذا الرجل الذي شارف على نهاية عقده الخامس، بعينيه العسليتين النقيتين وبشرته البيضاء التي غطاها النمش، وشعره البني الذي غزاه الشيب. بالرغم من ضيق الحال وقسوة الظروف، إلا أنه كان يجاهد ليؤمن لها حياة كريمة.

اقتربت منه بنشاط وقبلت وجنته

- صباح الخير يا بابا.

   التفت إليها وعلامات المفاجأة ترتسم على وجهه، وسألها بصوته الجهوري الدافئ

- صباح النور يا قلب بابا. إيه اللي مصحيكي بدري كده؟ ده أنتِ لسه داخلة تنامي مفيش ساعتين

   تنهدت بحيرة وهي تتوجه نحو الحمام

- معرفتش أنام من القلق يا بابا.. النتيجة النهاردة، وبصراحة بلقانة أوى

   مسح عادل على شعرها داعيًا لها من قلبه

- ربنا يوفقك ويجبر بخاطرك يا بنتي.. أنا عارف شقاكي وتعبك، وإن شاء الله ترفعي راسي وتدخلي الثانوية العامة ومنها للهندسة زي ما بتتمني.

قاطع حديثهما خروج مصطفى من غرفته متكاسلًا، وهو يجاهد لفتح عينيه الرماديتين. شاب في الخامسة والعشرين من عمره، طويل القامة ذو شعر بني كثيف، يشبه والده في الملامح تمامًا لكنه نقيضه في الطباع. مصطفى الذي يعمل في ورشة خراطة بحي السيدة عائشة، كان نموذجًا للابن العاق والفاشل، بعد أن غرزت والدته الراحلة في نفسه منذ الصغر كره حور وأمها.

توجه مصطفى نحو المائدة دون أن ينبس بكلمة، وامتدت يده ليلتقط قطعة خيار، تحت نظرات والده اليائسة من جفائه. نهره عادل بحدة

- مش تقول صباح الخير الأول؟ ولا مفيش ذوق خالص؟

   لوى مصطفى فمه بتأفف، وتطلع إلى والده بنظرات حادة اعتاد فيها أن يراه عجوزًا ثرثارًا يلقي خطابات مملة، ورد بجفاء

- أهو قُلنا صباح الخير.. هتعملي قصة على الصبح؟

ثم التفت نحو الحمام، ووجد حور بالداخل، فضرب الباب بقبضته عنفوانًا كاد يخلعه من مكانة، وصاح بنبرة خشنة

- اخلصي فزي برة! هنقضي الصبح مستنيين سيادتك؟

انفتح الباب وخرجت حور مرتجفة، فالرعب من صوته وعنفه بات يلازمها. تطلع إليها مصطفى باستنكار وسخرية

- وإيه اللي مقعدك من النجمة كده وعاملة قلبان؟

   ردت بتلقائية وصوت خفيض

- النتيجة النهاردة يا مصطفى.. رايحة المدرسة أشوفها.

   دفعها بكتفه بقسوة وهو يزيحها من طريقه ليدخل الحمام، وقال بنبرة متهكمة

- نتيجة إيه وبتاع إيه؟ بلا كلام فارغ.. آخرتك هتقعدي في البيت لما يجيلك عريس تخدميه، وفري وقتك واتعلمي الطبيخ أحسن من الشهادة اللي هتبليها وتشربي ميتها.

لم تعقب؛ ركضت إلى غرفتها وهي تخنق دموعها، فمواجهته أو الاعتراض عليه يعني صفعة محققة على وجهها، وهي لم تعد تحتمل مزيدًا من الإهانات. أسرعت بتبديل ملابسها، وخرجت لتودع والدها وتستأذنه في النزول.

أخرج عادل بضع ورقات مالية بسيطة من جيبه ومدها إليها بابتسامة حانية

- خدي دول يا حور يا بنتي عشان مصاريفك.. ربنا معاكي.

   لم تكد يدها تلمس النقود، حتى امتدت يد مصطفى الخشنة من خلفها، ليتخطف نصف المبلغ بعنجهية ودون أدنى حياء.

اشتعلت عينا عادل بالـغضب وكاد أن يصرخ فيه ويهد البيت فوق رأسه، لكن حور نظرت إلى والدها بتوسل، ورجته بعينيها الباكيتين ألا يتكلم، حتى لا يعلو صوتهما ويفضحا ستر بيتهما أمام الجيران في أول الصباح. انسحبت بهدوء، وأغلقت الباب خلفها لتواجه قدرها وتخطو أولى خطواتها نحو الحلم.

✨✨✨✨✨✨

وفي مكان آخر..

كان مصطفى يقف على قارعة الطريق، ينفث دخان سيجارته بضيق، ويتطلع بملل إلى ساعة يده التي تشير إلى تأخرها. قطع انتظاره صوت خطوات مقبلة من خلفه، ألقت صاحبتها تحية الصباح بنبرة ذات مغزى. استدار فور سماعه صوتها، وألقى بالسيجارة أرضًا يسحقها بحذائه، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة ترحيب شابها العتاب

- كل ده تأخير؟ بقالي ساعة واقف مستنيكي على أعصابي

سارت بجواره صامتة، وتلوت شفتاها بابتسامة متهكمة لم تحاول إخفاءها.

سمر.. فتاة في العشرين من عمرها، متوسطة القامة، تمتلك عيونًا بنية حادة وشعرًا أسود كالليل ينسدل حول بشرتها القمحية. أما عن طباعها.. فستكفل الأيام والأحداث القادمة بكشف أوراقها.

لمح مصطفى نظرة التهكم في عينيها، فاشتعل غضبه ووقف يعترض طريقها قائلًا بنبرة حادة

- بتبصيلي كده ليه؟ هو كلامي مش عاجبك ولا إيه الحكاية بالظبط؟

توقفت سمر في مكانها، وربعت يديها أمام صدرها بتحدٍ، بينما كانت تلوك العلكة بين فكيها بلامبالاة مستفزة. رفعت إحدى حاجبيها مستنكرة نبرته، لكن في لمح البصر، تبدلت ملامحها تمامًا؛ فاختفت السخرية وحلت مكانها براءة مصطنعة، وقالت بنبرة متباكية استعطافية

- جرى إيه يا مصطفى؟ هو أنا يعني متأخرة بمزاجي؟ ما كله بسبب أبويا وخناق كل يوم الصبح.. الراجل خلاص هيقعدني من الشغل عافية.

تراجع غضب مصطفى وحل محله التعجب، فاقترب منها خطوة وسألها بلهفة

- يقعدك من الشغل؟ ليه وايه اللي جد يعني؟

   تنهدت سمر بأسى مصطنع ولوت فمها

- متقدملي عريس.. وأبويا قايد البيت نار وغضبان عليا عشان رفضته، وبيقولي مفيش نزول للمصنع تاني وآخرتك لبيت جوزك.

سقطت الكلمات على رأس مصطفى كالصاعقة. شعر بضيق شديد خنق أنفاسه، وامتزج بعجز قاتل كبل لسانه عن النطق؛ فهو يعلم بئر ظروفه جيدا. لم يجد ما يعقب به على كلماتها، فمد يده وقبض على كفها بقوة، وجذبها خلفه وهو يقول بنبرة يغلفها الهروب من الواقع

- امشي.. امشي خلينا نلحق الميعاد عشان متتأخريش على المصنع وأنا مأخرش على الورشة.

استقلا معًا الحافلة المتجهة نحو حي السيدة عائشة. جلسا متجاورين بجسديهما، لكن العقارب دارت بكل منهما في وادٍ سحيق، يغرقان في بحر من الصراعات والخطط المؤجلة وسط زحام العاصمة وضجيجها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسوار العشق    57

    57 أنهت سما ساعات مناوبتها الطويلة، وقبل أن تغادر الغرفة المعقمة، التفتت لتلقي نظرة أخيرة على يوسف الراقد فوق فراشه الاستشفائي. في تلك اللحظة، سرى في أوصالها حدس مهني وإنساني غريب؛ شعرت بيقين يلامس قلبها بأن حديثها المتواصل معه على مدار اليوم، وتلك الكلمات الحازمة التي سكبتها في أذنه المخدرة، ستأتي بثمارها غداً، وأن هذا المستسلم لظلام الغيبوبة يوشك أن يفتح عينيه ليعود إلى دنياه. زفرت سما زفيراً حارقاً يحمل غصات الألم، وهي تستحضر في مخيلتها نظرات والدته المنهكة المكسورة وقهر شقيقه اللذين يمزقان نياط القلب خارج اللوح الزجاجي. خرجت سما من أسوار المستشفى وخطت في الشارع الممتد؛ ورغم الصخب والزحام الخانق الذي يحيط بها من كل جانب، وضجيج السيارات والبشر، إلا أنها كانت تشعر بوحدة قاتلة تعتصر روحها، كأنها تسير بمفردها في وادٍ مهجور من معالم الحياة. كانت تمضي بخطى آلية ميتة، ولم تعد تشعر بتلك التخبطات أو الأكتاف التي تصطدم بها وسط حشود المارة، فلقد تحولت في تلك اللحظات إلى مجرد جسد خاوٍ، آلة صماء تتحرك في الشوارع بلا هدف أو وجهة، هاربة من حقيقة مشاعرها. ما إن وصلت إلى بنايتها وصعدت الدرج، حتى

  • أسوار العشق    60

    60 في تلك اللحظات الممتدة بين الموت والحياة، شعر يوسف بأنه عالقٌ في جوف دوامة سوداء مرعبة، تدور به بعنفوان كاسر وهو يدور معها مستسلماً لجاذبيتها. حاول أن يقاوم، وراح يصارع التيارات الخفية التي تجذبه بقسوة نحو الأسفل، نحو القاع المظلم حيث لا ألم ولا خذلان. كانت أنفاسه في الواقع مضطربة، متلاحقة وكأن صدره يضيق بالهواء، حتى خارت قواه تماماً وبدأ جسده وروحه في الاستسلام المطلق لتلك العتمة. وفجأة، شق صمت واديه السحيق صوتٌ عذب هبط عليه من عالم بعيد، صوتٌ يحمل رنين الأمل والدفء وجاءه كأنه طوق نجاة أُلقي إليه في الدقيقة الأخيرة (قوم يا يوسف.. قوم عشان خاطر مامتك) تردد صدى تلك الكلمات في ردهات عقله الباطن، فدبت في أوصاله الخامدة قوة مفاجئة سرت كالنار في الهشيم، قوة انتزعها من غريزة الابن البار ليحارب بها تيار الدوامة. بدأ الظلام يتراجع ببطء، وانقشعت السحب السوداء قليلاً وكأنه كان في غفوة قصيرة خارج حدود الزمن. لكن العودة لم تكن سهلة؛ إذ بدأت ذكرياته المخذولة تمر أمام عينيه كشريط سينمائي حارق، يستعرض أيامه الأخيرة تفصيلاً تفصيلاً، وصولاً إلى تلك اللحظة القاسية، لحظة الخنجر المسموم حين وقفت

  • أسوار العشق    59

    59 سأعزف على أوتار قلبكِ أعظم ألحاني، فأنتِ ليَ الحياة، وأنتِ ليَ الأمل.. ليتغير تاريخ ميلادي بيوم لقائنا، وتقف الساعات حين غيابكِ، ليكفّ القلب تماماً عن الخفقان في البعد عنكِ. هكذا كانت تتدفق الخواطر والشجون في عقل حسن، وهو يقود سيارته على الطريق السريع الممتد، مستسلماً لفيضان من المشاعر الجارفة. لم يكن يركز في الطريق بقدر تركيزه مع تلك الفتنة القابعة بجواره؛ كان يتطلع إلى حور بين الحين والآخر بنظرات تفيض عشقاً، ويمد يده ليحتضن كفها الصغير، يضم أصابعها بدفء داخل قبضته القوية، بينما استسلمت حور لراحة اللحظة وأسندت رأسها برقة على كتفه العريض. ولم يكن حسن يبخل عليها؛ إذ كان ينحني بين دقيقة وأخرى ليطبع قبلات حانية متتالية على رأسها، يستنشق معها عبير شعرها الياسميني الأخّاذ الذي كان يتسلل إلى أعماقه لينعش رئتيه ويشعل ولهه. كان يستمع إليها بكل جوارحه وهي تقص عليه أحلامها الطفولية، وآمالها الوردية التي بدأت تنسجها بجواره، وتحدثه بنبرة عذبة عن كم تغيرت حياتها وانقلبت رأساً على عقب منذ أن دخل عالمها وانتشلها من جفائه. في تلك اللحظة، شعر حسن برغبة مجنونة تطغى عليه؛ ود لو يوقف السيارة في منت

  • أسوار العشق    58

    58 جلست سمر على الأريكة المخملية، وقد ربعت قدميها بملل مرتدية منامتها الساتان؛ كانت تطعم ابنها الصغير بآلية وجفاء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعقلها شارد في ملكوت آخر. على المقعد المقابل لهما، كان زوجها مصطفى يجلس بنظرات ميتة، منشغلاً بلف أصابعه المرتعشة حول سجائر الشؤم المحشوة بتلك السموم المخدرة. راحت سمر تختلس إليه النظرات بين الحين والآخر، وفي صدرها غليان؛ قارنت بينه وبين حسن، زوج حور؛ ذلك الشاب اليافع الذي يشع حيوية، ونضارة، ورجولة طاغية تحسدها عليها النساء. تذكرت بـمرارة نظرات العشق والهيام الحارقة التي كان يخص بها حور بالأمس، بالرغم من كل محاولاتها المستميتة وحركاتها المتصنعة للفت أنظاره وإثارة إعجابه، لكنه لم يلتفت إليها وثبت بصره على حوريته وكأن سمر لم تكن موجودة اصلاً. لم يتوقف عقلها المتمرد عند حسن؛ بل استرجعت ذاكرتها الماكرة تلك اللحظة التي كانت تهبط فيها درج البناية، حين اصطدمت بـشقيق حسن، عصام.. تذكرت بنيته الجسدية القوية، عضلاته المفتولة البارزة، ونظرته الحادة الجامدة التي زلزلت كيانها كأنثى. أعادت بصرها بغم وندم نحو زوجها القابع أمامها، الغارق في مغيبات المخدرات، والذي

  • أسوار العشق    56

    56 استيقظت سلمى على الصوت الملحّ لرنين هاتفها المحمول. راحت تتحسس الفراش بكسل وهي ما زالت معلقة في المنطقة الضبابية بين الحلم واليقظة، وقبل أن تفتح عينيها بالكامل، التقطت الهاتف لتراه يضيء بالاسم الذي اعتادت عليه طوال العام الماضي مخزناً بكلمة حبيبي. ولأن عقها الباطن ما زال تحت تأثير خدر النوم الكثيف، فتحت الخط وضمته إلى أذنها وهي تمتم بصوت مبحوح وناعم - يوسف... صباح الخير يا حبيبي... لم يأتِها الرد الحنون الذي انتظرته، بل باغتها صوت شادي الغاضب كالصاعقة وهو يزأر بنبرة حارقة جافة قطعت حبل نومها - يوسف؟ إنتي لسه بتنطقي اسم الزفت ده على لسانك أول ما تصحي؟ لسه فاكراه يا سلمى؟ انخلع قلبها وفزعت على الفور، ونهضت تعتدل في جلستها وهي تحاول لمشتات عقلها المذعور. تطلعت إلى شاشة الهاتف لتدرك فداحة خطئها؛ لقد نسيت تماماً أنها بالأمس فقط نقلت ملكية هذا اللقب لشادي! فكيف لها أن تنسى يوسف بين عشية وضحاها بعد كل تلك العشرة والأيام؟ ولكن يبدو أن تلك هي طريقتها وطباعها التي جُبلت عليها. سارعت بالاعتذار بنبرة متلعثمة يملؤها الارتباك - شادي.. أنا آسفة جداً، والله العظيم مأخدتش بالي.. أنا لسه صا

  • أسوار العشق    55

    55 ما مضى من عمري بدونكِ لا أستطيع احتسابه، فأنتِ وحدكِ العمر ونبض الفؤاد.. وكيف لي أن أتخطى مرارة الماضي دونكِ، وقد أقسم نبضي ألا يخفق إلا لكِ، يا ملكةً تربعَت فوق عرش هذا القلب وعاثت فيه عشقاً؟ استيقظ حسن في الصباح الباكر قبل أن تتسلل خيوط الشمس بالكامل عبر ستائر الغرفة، ولم يتحرك إنشاً واحداً؛ بل ظل مكانه يتطلع بنظرات حانية تقطر شغفاً إلى تلك الغافية بسلام بين أحضانه. شرد فكره قليلاً وهو يتأمل تقاطيع وجهها المستكين؛ كم هو عجيب أمر هذه الصغيرة! ففي هذه المدة القصيرة جداً، استطاعت ببراءتها الفطرية، ونقائها العذب، وعفويتها اللامعة أن تمحو من قاع روحه كل الندوب والآلام التي خلفها ماضيه القاسي معها. أرجع حسن رأسه إلى الخلف مستنداً به على الوسادة، ثم وضع ذراعه خلف رأسه، وسافر بعقله في غياهب ماضٍ قديم نال من كبريائه ورجولته الكثير، وجعله لسنوات طويلاً يعيش خلف جدار من البرود والشك. لكن الخوف الحقيقي الذي بدأ يزحف إلى صدره الآن لم يكن من الماضي، بل من الحاضر؛ إنه يخشى بـصدق أن تُفسد عائلته بأنانيتهم وطمعهم الذي بات مكشوفاً هذه السعادة الطاهرة التي انتزعها من مخالب الدنيا بالنهاية. انع

  • أسوار العشق    البارت الثامن

    دلف عادل إلى الشقة بخطوات مثقلة بالهموم بعد يوم عمل شاق، ولم يكد يضع مفاتيحه حتى توجه فورًا نحو غرفة ابنته حور ليطمئن عليها. طرَق الباب برفق مستدعيًا إياها، ولكن لم يأته أي رد. انقبض صدره فجأة وتسلل الرعب إلى أوصاله؛ فأعاد الطرق بإلحاح وقلق ينبض في نبرات صوته وهو يناديها - حور.. أنتِ جوه يا بنتي؟

  • أسوار العشق    البارت العاشر

    عادت سمر إلى المنزل والنشوة تكاد تطير بها؛ كانت تتحسس حزمة النقود القابعة في جيبها بعشق أعمى، فهي امرأة تعبد المال وتجثو تحت قدميه، بغض النظر عن مصدره وعما إذا كان ثمنًا للشرف والفضيلة. ولأن شهوة المال لا تشبع، شعرت بجوع عارم لمزيد من الأوراق النقدية؛ فأخذت تذرع الغرفة خطيئة ذهابًا وإيابًا، وعزمت

  • أسوار العشق    البارت التاسع

    اليوم هو الموعد الموعود، اللقاء المرتقب الذي خططت له مع باسم. جلست سمر أمام مرآتها تضع لمساتها الأخيرة، وتفكر بخبث في حيلة تضمن لها الخروج بحرية دون أن يفسد الصغير آدم مخططها، ولم تجد مفرًا سوى إلقائه في حجر حور. قامت سمر وتمايلت بجسدها بخطى واثقة ناعمة، ثم طرقت باب غرفة حور طرقات خفيفة متصنعة ال

  • أسوار العشق    البارت السابع

    عند حور.. عادت حور بخطى متهالكة وهي تشعر بتعبٍ مبرح ووهن شديد يسري في أطرافها؛ كان كل ما تتمناه في تلك اللحظة هو أن تدلف إلى المطبخ بهدوء، وتصنع لنفسها شطيرة بسيطة مع كوب من الشاي الدافئ يسند طولها، لتخلد بعدها مباشرة إلى النوم لعيدًا عن هذا العالم الصاخب. لكن آمالها تبخرت في الهواء ما إن دفعت با

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status