Teilen

البارت الثالث

last update Veröffentlichungsdatum: 09.06.2026 18:01:19

انتهى مصطفى من ساعات عمله الشاقة في الورشة، والضيق يأكل صدره طيلة اليوم. كان يغلي من الداخل؛ ففكرة خسارة سمر وفراقها بالنسبة إليه بمثابة طعنة قاتلة لا يقوى على احتمالها. لقد كان يعشقها بجنون، ولا يتخيل حياته بدونها؛ فهي الوحيدة كما كان يدعي ويوهم نفسه التي وجد معها الحنان الذي طالما افتقده في حياته القاسية.

نعم، لقد عاش مصطفى طفولة مشوهة جافة خالية من عطف الأمومة؛ إذ نشأ ضحية لإنفصال والديه. انتقل بعدها ليعيش في كنف جدته لأبيه، التي لم تكن تملك الطاقة لتربيته، فكانت تنهره بعنف دائمًا نظرًا لشقاوته المفرطة وكبر سنها، ولم يكن ينتهي توبيخها له إلا بسبّ والدته وتقريعها، تلك الأم التي تخلت عنه وهو طفل صغير، وتركته لأبيه من أجل أن تتزوج برجل آخر وتبدأ حياتها بعيدًا عنه.

زفر مصطفى بعنف وضيق جرف معه ذكرياته الأليمة، وضرب جدار الورشة بقبضة يده ضربة قوية كادت تدمي أصابعه. شعر بكتلة من الغضب تعتصر قلبه، لكنها تحولت في لحظة إلى إصرار أعمى؛ لقد عزم أمره على التمسك بسمر مهما كلفه الأمر، ولن يسمح لأحد بأن ينتزعها منه.

توجه إلى المكان المحدد لتلاقيهما اليومي ووقف ينتظرها، وما هي إلا دقائق حتى أقبلت سمر نحوه. لمحت فورًا علامات الغضب الشديد المرتسمة على تقاطيع وجهه، فرفعت حاجبيها وسألته بفضول

- جرى إيه يا مصطفى؟قالب وشك علينا ليه عالصبح

لم يبدِ أي رد فعل ولم ينطق ببنت شفة؛ بل باغتها بالقبض على رسغها بقوة وعنف، وجرها خلفه في زقاق ضيق. حاولت مجاراته وهي تلهث وتتعثر في خطواته السريعة الغاضبة، مستغربة سيره في هذا الاتجاه؛ فهو لم يكن طريق عودتهما المعتاد، بل كان الطريق المؤدي إلى الحديقة العامة المهجورة التي يلتقيان فيها بعيدًا عن الأعين.

وما إن وصلا إلى زاوية معزولة تحت ظلال الأشجار الكثيفة، حتى باغت سمر بحركة فجائية وعنيفة؛ قبض بيده الخشنة على خصلات شعرها الأسود الطويل وشد رأسها إلى الخلف، ثم أطبق على شفتيها بجوع ونهم أعمى، يمتزج بغضب حارق وخوف من الضياع، وظل يضغط بقسوة حتى شعر بطعم الدماء المالح يملأ فمه.

ابتعد عنها فجأة وهو يتنفس بصعوبة، وتطلع إلى شفتيها الداميتين بنظرات حادة متوحشة، وكأنه بتلك القسوة يعاقبها على فكرة أنها قد تذهب لرجل غيره.

صاحت به سمر وهي تنهره وتدفعه ب صدرها عقب تلك الفعلة الهمجية، وأخرجت منديلًا ورقيًا من حقيبتها على عجل لتمسح شفاهها. احتقن وجهها بالـغضب وحنق شديد وهي ترى آثار الدماء القانية تلطخ المنديل الأبيض، وقالت بنبرة حادة

- أنت اتجننت يا مصطفى؟ إيه الغشم ده

لم تكد تنهي كلماتها حتى عاد وقبض على ساعدها بقوة اعتصرت عظامها، وجحظت عيناه بشكل مخيف أفزعها لأول مرة، وهتف بصوت خفيض حاد كفحيح الأفعى

- اسمعي يا سمر.. أنتِ ملكي أنا وبس، فاهمة؟ ملكي ومحدش غيري هيلمس شعرة منك، ومش هسيبك لغيري لو فيها موتي وموتك

تلاشت علامات الخوف من وجه سمر وحلت مكانها ابتسامة تكمن خلفها سخريتها المعتادة، ولوت فمها وهي تلوك علكتها قائلة بتهكم

- ملكك؟ كلام الأغاني ده ميوكلش عيش يا مصطفى.. أنا مش هكون ملكك بجد إلا لما تدخل البيوت من أبوابها وتتجوزني رسمي، غير كده أبويا هيجوزني لأول عريس جاهز يدفع.

شعر بالتهديد يحيط به من كل جانب، فرد عليها سريعا بنبرة حاسمة وعيون تشتعل إصرارًا

- هتجوزك.. هانت هانت يا سمر، هتدبر وهنيجي أخطبك قريب، ومستحيل هسمحلك تبعدي عني.

سار الإثنان معًا في طريق العودة، وخيم عليهما صمت ثقيل؛ لكن تحت هذا الصمت، كان كل منهما يحمل في رأسه سيلًا من الأفكار والمخططات التي يعزم على تنفيذها، والشرر يتطاير في خفاء الأحداث القادمة.

✨✨✨✨✨✨✨

عاد عادل من عمله الشاق والإنهاك يرتسم على ملامحه، لكن ما إن رأى حور حتى انفرجت أساريره، وألقى تحية الصباح مناديًا إياها بلقبها الأثير

- أهلاً بدكتورة المستقبل، نورتي البيت يا قلب أبوكي.

أشرق وجه حور بابتسامة غسلت تعب اليوم، ونهضت بنشاط متجهة نحو المطبخ لتعد مائدة الغداء لوالدها ولشقيقها الذي باتت خطواته تقترب من عتبة البيت. في هذه الأثناء، دلف عادل إلى غرفته يبدل ثياب العمل، ثم توضأ وشرع في أداء صلاته. لم يكد يفرغ من صلاته ويُسلم، حتى شق سكون الشقة صوت شجار عنيف؛ كان مصطفى قد وصل، وبلا مقدمات بدأ يصب جام غضبه على حور، ورفع يده الغليظة هَامًّا بأن يصفعها على وجهها.

اندفع عادل ببدنه الوهن والتقط ذراع مصطفى في الهواء يمنعه بقوة، وصاح به بنبرة حاسمة

- جرى إيه يا واد أنت؟ اتجننت؟ إيدك متتمدش على أختك وأنا عايش على وش الدنيا

تراجع مصطفى بتأفف، والتف ثلاثتهم حول المائدة الصغيرة لتناول الطعام والأجواء مشحونة بالتوتر. بدأ عادل يعاتب ابنه بنبرة هادئة محملة باللوم

- مش عيب عليك يا مصطفى تعمل الشوية دول؟ النهاردة يوم فرحة، أختك نجحت ورفعت راسي وطلعت من الأوائل.. بدل ما تبارك لها وتفرح بأختك، داخل تتهجم عليها؟

رمقه مصطفى بنظرة ساخرة، ولوى فمه وهو يمضغ طعامه بجفاء، متهكمًا على تفوقها

- بارك لها؟ وعلى إيه إن شاء الله؟ شهادة إعدادية يعني عملت إيه؟ خدوهم بالصوت لا تروح تفتكر نفسها هتبقى وزيرة... آخرتها تقعد في المطبخ.

تطلعت إليه حور بحزن دفين وألم يعتصر قلبها. بالرغم من أنها اعتادت أسلوبه الفظ وقسوته، إلا أن وجع الكلمات في هذا اليوم كان مضاعفًا؛ فبدلاً من أن تجد فيه السند والأخ الذي يفتخر بتميزها، وجدته سدًا منيعًا يجهض فرحتها.

ابتلعت غصتها وتناولت طعامها في صمت تام، لتتفاجأ بمصطفى يلقي بملعقته بغلظة، ويلتفت نحو والده قائلاً بنبرة آمرة

- اسمع كده انا مش هتكلم كتير...... أنا عاوزك تجهز نفسك عشان نروح نخطبلي.

وقع الطلب على عادل كالصاعقة، فتطلع إليه بدهشة واستنكار

- تخطب؟ تخطب منين وعليك إيه يا بني؟ أنت شايف الحال، وبعدين حور داخلة على ثانوية عامة ومصاريف، ودي أهم فترة في حياتها ومستقبلها.

هبّ مصطفى واقفًا فجأة، ودفع الكرسي بقدمه ليعلو صوته جهوريًا يملأ أركان البيت القديم

- وأنا مالي ومال ست حور بتاعتك؟ مستقبل إيه وثانوية عامة إيه اللي تدفع فيها دم قلبك؟ البت دي آخرها تدخل دبلوم تجارة والا صناعة وتقعد تستنى ابن الحلال اللي يسترها، أنا أولى بكل قرش في البيت ده

في تلك اللحظة، شعرت حور وكأن جبلًا من الجليد قد انهار فوق صدرها. رأت حلمها بالهندسة يتبخر كسراب أمام عينيها، وانفجرت دموعها كسريان فيضان طامس، يغسل وجنتيها بنحيب صامت. علمت في أعماقها أنها لن تستطيع الصمود أمام رغبة شقيقها الطاغية، وأن والدها العجوز لن يقوى على مجابهة هذا الإعصار؛ فتكلفة الصمود أمام هذا الابن العاق قد تعني أن ترى والدها يُهان أو يُضرب على يد فلذة كبده.

انسحبت حور من المائدة تاركة لهما المكان، ودخلت غرفتها حيث تحولت الرؤية لديها إلى ضباب كثيف غطى مستقبلها المظلم.

وما زاد الطين بلة في الخارج، هو حين أفصح مصطفى عن اسم الفتاة التي يريدها؛ سمر. عندما تلمس عادل في حديثه بعض الشكوك حول سلوك الفتاة وأخلاقها بحكم ما يتردد في الحي، ثارت ثائرة مصطفى، واندفع للأمام هَامًّا بضرب والده لولا أن تراجع في اللحظة الأخيرة والشرر يتطاير من عينيه.

نعم، تلك كانت البداية الحقيقية لمعاناة حور، وتلك هي البيئة القاسية التي نبتت فيها زهرتها؛ حيث تلاشت أحلامها الكبرى مبكرًا على يد شقيق سفيه ماجن. وبالفعل، استطاع مصطفى بفرض سطوته أن ينفذ رغبته، وتزوج من سمر ظنًا منه أنها شريكة العمر الأنسب إليه.. ولم يكن يعلم أنهما بالفعل الطيور التي على أشكالها تقع.

بينما حور، وتحت وطأة الأمر الواقع، طوت صفحة الثانوية العامة والتحقت بالثانوية الفنية التجارية. في بداية الأمر، كاد الحزن والأسى يقضيان على روحها، لكنها سرعان ما تصنّعت الاعتياد والرضا؛ خشية أن تزيد بكسرتها من هموم والدها، خصوصًا بعد أن لاحظت تدهورًا ملحوظًا ومقلقًا في صحته جراء ضغوط مصطفى المستمرة.

دارت الأيام، واكتسبت حور صديقات جددًا في مرحلتها الدراسية الجديدة، غير أن قلبها ظل وفيًا لصديقتها المقربة "فرح"؛ فبالرغم من تبدل المسارات وافتراق الطرق الأكاديمية، بقي تواصلهما دائمًا كحبل سري يمد حور بالأمل والدعم وسط هذا العالم الموحش.

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • أسوار العشق    57

    57 أنهت سما ساعات مناوبتها الطويلة، وقبل أن تغادر الغرفة المعقمة، التفتت لتلقي نظرة أخيرة على يوسف الراقد فوق فراشه الاستشفائي. في تلك اللحظة، سرى في أوصالها حدس مهني وإنساني غريب؛ شعرت بيقين يلامس قلبها بأن حديثها المتواصل معه على مدار اليوم، وتلك الكلمات الحازمة التي سكبتها في أذنه المخدرة، ستأتي بثمارها غداً، وأن هذا المستسلم لظلام الغيبوبة يوشك أن يفتح عينيه ليعود إلى دنياه. زفرت سما زفيراً حارقاً يحمل غصات الألم، وهي تستحضر في مخيلتها نظرات والدته المنهكة المكسورة وقهر شقيقه اللذين يمزقان نياط القلب خارج اللوح الزجاجي. خرجت سما من أسوار المستشفى وخطت في الشارع الممتد؛ ورغم الصخب والزحام الخانق الذي يحيط بها من كل جانب، وضجيج السيارات والبشر، إلا أنها كانت تشعر بوحدة قاتلة تعتصر روحها، كأنها تسير بمفردها في وادٍ مهجور من معالم الحياة. كانت تمضي بخطى آلية ميتة، ولم تعد تشعر بتلك التخبطات أو الأكتاف التي تصطدم بها وسط حشود المارة، فلقد تحولت في تلك اللحظات إلى مجرد جسد خاوٍ، آلة صماء تتحرك في الشوارع بلا هدف أو وجهة، هاربة من حقيقة مشاعرها. ما إن وصلت إلى بنايتها وصعدت الدرج، حتى

  • أسوار العشق    60

    60 في تلك اللحظات الممتدة بين الموت والحياة، شعر يوسف بأنه عالقٌ في جوف دوامة سوداء مرعبة، تدور به بعنفوان كاسر وهو يدور معها مستسلماً لجاذبيتها. حاول أن يقاوم، وراح يصارع التيارات الخفية التي تجذبه بقسوة نحو الأسفل، نحو القاع المظلم حيث لا ألم ولا خذلان. كانت أنفاسه في الواقع مضطربة، متلاحقة وكأن صدره يضيق بالهواء، حتى خارت قواه تماماً وبدأ جسده وروحه في الاستسلام المطلق لتلك العتمة. وفجأة، شق صمت واديه السحيق صوتٌ عذب هبط عليه من عالم بعيد، صوتٌ يحمل رنين الأمل والدفء وجاءه كأنه طوق نجاة أُلقي إليه في الدقيقة الأخيرة (قوم يا يوسف.. قوم عشان خاطر مامتك) تردد صدى تلك الكلمات في ردهات عقله الباطن، فدبت في أوصاله الخامدة قوة مفاجئة سرت كالنار في الهشيم، قوة انتزعها من غريزة الابن البار ليحارب بها تيار الدوامة. بدأ الظلام يتراجع ببطء، وانقشعت السحب السوداء قليلاً وكأنه كان في غفوة قصيرة خارج حدود الزمن. لكن العودة لم تكن سهلة؛ إذ بدأت ذكرياته المخذولة تمر أمام عينيه كشريط سينمائي حارق، يستعرض أيامه الأخيرة تفصيلاً تفصيلاً، وصولاً إلى تلك اللحظة القاسية، لحظة الخنجر المسموم حين وقفت

  • أسوار العشق    59

    59 سأعزف على أوتار قلبكِ أعظم ألحاني، فأنتِ ليَ الحياة، وأنتِ ليَ الأمل.. ليتغير تاريخ ميلادي بيوم لقائنا، وتقف الساعات حين غيابكِ، ليكفّ القلب تماماً عن الخفقان في البعد عنكِ. هكذا كانت تتدفق الخواطر والشجون في عقل حسن، وهو يقود سيارته على الطريق السريع الممتد، مستسلماً لفيضان من المشاعر الجارفة. لم يكن يركز في الطريق بقدر تركيزه مع تلك الفتنة القابعة بجواره؛ كان يتطلع إلى حور بين الحين والآخر بنظرات تفيض عشقاً، ويمد يده ليحتضن كفها الصغير، يضم أصابعها بدفء داخل قبضته القوية، بينما استسلمت حور لراحة اللحظة وأسندت رأسها برقة على كتفه العريض. ولم يكن حسن يبخل عليها؛ إذ كان ينحني بين دقيقة وأخرى ليطبع قبلات حانية متتالية على رأسها، يستنشق معها عبير شعرها الياسميني الأخّاذ الذي كان يتسلل إلى أعماقه لينعش رئتيه ويشعل ولهه. كان يستمع إليها بكل جوارحه وهي تقص عليه أحلامها الطفولية، وآمالها الوردية التي بدأت تنسجها بجواره، وتحدثه بنبرة عذبة عن كم تغيرت حياتها وانقلبت رأساً على عقب منذ أن دخل عالمها وانتشلها من جفائه. في تلك اللحظة، شعر حسن برغبة مجنونة تطغى عليه؛ ود لو يوقف السيارة في منت

  • أسوار العشق    58

    58 جلست سمر على الأريكة المخملية، وقد ربعت قدميها بملل مرتدية منامتها الساتان؛ كانت تطعم ابنها الصغير بآلية وجفاء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعقلها شارد في ملكوت آخر. على المقعد المقابل لهما، كان زوجها مصطفى يجلس بنظرات ميتة، منشغلاً بلف أصابعه المرتعشة حول سجائر الشؤم المحشوة بتلك السموم المخدرة. راحت سمر تختلس إليه النظرات بين الحين والآخر، وفي صدرها غليان؛ قارنت بينه وبين حسن، زوج حور؛ ذلك الشاب اليافع الذي يشع حيوية، ونضارة، ورجولة طاغية تحسدها عليها النساء. تذكرت بـمرارة نظرات العشق والهيام الحارقة التي كان يخص بها حور بالأمس، بالرغم من كل محاولاتها المستميتة وحركاتها المتصنعة للفت أنظاره وإثارة إعجابه، لكنه لم يلتفت إليها وثبت بصره على حوريته وكأن سمر لم تكن موجودة اصلاً. لم يتوقف عقلها المتمرد عند حسن؛ بل استرجعت ذاكرتها الماكرة تلك اللحظة التي كانت تهبط فيها درج البناية، حين اصطدمت بـشقيق حسن، عصام.. تذكرت بنيته الجسدية القوية، عضلاته المفتولة البارزة، ونظرته الحادة الجامدة التي زلزلت كيانها كأنثى. أعادت بصرها بغم وندم نحو زوجها القابع أمامها، الغارق في مغيبات المخدرات، والذي

  • أسوار العشق    56

    56 استيقظت سلمى على الصوت الملحّ لرنين هاتفها المحمول. راحت تتحسس الفراش بكسل وهي ما زالت معلقة في المنطقة الضبابية بين الحلم واليقظة، وقبل أن تفتح عينيها بالكامل، التقطت الهاتف لتراه يضيء بالاسم الذي اعتادت عليه طوال العام الماضي مخزناً بكلمة حبيبي. ولأن عقها الباطن ما زال تحت تأثير خدر النوم الكثيف، فتحت الخط وضمته إلى أذنها وهي تمتم بصوت مبحوح وناعم - يوسف... صباح الخير يا حبيبي... لم يأتِها الرد الحنون الذي انتظرته، بل باغتها صوت شادي الغاضب كالصاعقة وهو يزأر بنبرة حارقة جافة قطعت حبل نومها - يوسف؟ إنتي لسه بتنطقي اسم الزفت ده على لسانك أول ما تصحي؟ لسه فاكراه يا سلمى؟ انخلع قلبها وفزعت على الفور، ونهضت تعتدل في جلستها وهي تحاول لمشتات عقلها المذعور. تطلعت إلى شاشة الهاتف لتدرك فداحة خطئها؛ لقد نسيت تماماً أنها بالأمس فقط نقلت ملكية هذا اللقب لشادي! فكيف لها أن تنسى يوسف بين عشية وضحاها بعد كل تلك العشرة والأيام؟ ولكن يبدو أن تلك هي طريقتها وطباعها التي جُبلت عليها. سارعت بالاعتذار بنبرة متلعثمة يملؤها الارتباك - شادي.. أنا آسفة جداً، والله العظيم مأخدتش بالي.. أنا لسه صا

  • أسوار العشق    55

    55 ما مضى من عمري بدونكِ لا أستطيع احتسابه، فأنتِ وحدكِ العمر ونبض الفؤاد.. وكيف لي أن أتخطى مرارة الماضي دونكِ، وقد أقسم نبضي ألا يخفق إلا لكِ، يا ملكةً تربعَت فوق عرش هذا القلب وعاثت فيه عشقاً؟ استيقظ حسن في الصباح الباكر قبل أن تتسلل خيوط الشمس بالكامل عبر ستائر الغرفة، ولم يتحرك إنشاً واحداً؛ بل ظل مكانه يتطلع بنظرات حانية تقطر شغفاً إلى تلك الغافية بسلام بين أحضانه. شرد فكره قليلاً وهو يتأمل تقاطيع وجهها المستكين؛ كم هو عجيب أمر هذه الصغيرة! ففي هذه المدة القصيرة جداً، استطاعت ببراءتها الفطرية، ونقائها العذب، وعفويتها اللامعة أن تمحو من قاع روحه كل الندوب والآلام التي خلفها ماضيه القاسي معها. أرجع حسن رأسه إلى الخلف مستنداً به على الوسادة، ثم وضع ذراعه خلف رأسه، وسافر بعقله في غياهب ماضٍ قديم نال من كبريائه ورجولته الكثير، وجعله لسنوات طويلاً يعيش خلف جدار من البرود والشك. لكن الخوف الحقيقي الذي بدأ يزحف إلى صدره الآن لم يكن من الماضي، بل من الحاضر؛ إنه يخشى بـصدق أن تُفسد عائلته بأنانيتهم وطمعهم الذي بات مكشوفاً هذه السعادة الطاهرة التي انتزعها من مخالب الدنيا بالنهاية. انع

  • أسوار العشق    البارت التاسع

    اليوم هو الموعد الموعود، اللقاء المرتقب الذي خططت له مع باسم. جلست سمر أمام مرآتها تضع لمساتها الأخيرة، وتفكر بخبث في حيلة تضمن لها الخروج بحرية دون أن يفسد الصغير آدم مخططها، ولم تجد مفرًا سوى إلقائه في حجر حور. قامت سمر وتمايلت بجسدها بخطى واثقة ناعمة، ثم طرقت باب غرفة حور طرقات خفيفة متصنعة ال

  • أسوار العشق    البارت الثامن

    دلف عادل إلى الشقة بخطوات مثقلة بالهموم بعد يوم عمل شاق، ولم يكد يضع مفاتيحه حتى توجه فورًا نحو غرفة ابنته حور ليطمئن عليها. طرَق الباب برفق مستدعيًا إياها، ولكن لم يأته أي رد. انقبض صدره فجأة وتسلل الرعب إلى أوصاله؛ فأعاد الطرق بإلحاح وقلق ينبض في نبرات صوته وهو يناديها - حور.. أنتِ جوه يا بنتي؟

  • أسوار العشق    البارت السابع

    عند حور.. عادت حور بخطى متهالكة وهي تشعر بتعبٍ مبرح ووهن شديد يسري في أطرافها؛ كان كل ما تتمناه في تلك اللحظة هو أن تدلف إلى المطبخ بهدوء، وتصنع لنفسها شطيرة بسيطة مع كوب من الشاي الدافئ يسند طولها، لتخلد بعدها مباشرة إلى النوم لعيدًا عن هذا العالم الصاخب. لكن آمالها تبخرت في الهواء ما إن دفعت با

  • أسوار العشق    البارت السادس

    عند حسن..كان حسن يتوسط مائدة الطعام، تحيط به هالة من دفء العائلة المفتقد؛ فعن يمينه شقيقه الأصغر عصام، وعن يساره شقيقه محمد، وبجوارهما شقيقتهم الوحيدة إيناس التي وصلت قبل قليل، وعلى وجهها علامات الشوق الطاغي لشقيقها المغترب.كانت مائدة الطعام عامرة بما لذ وطاب؛ أصناف شتى من المحاشي، وصواني اللحوم

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status