تسجيل الدخولدلفت حور من باب المدرسة بخطوات مرتجفة وقلب ينبض بالدعاء. التفتت حولها لتلقي تحية الصباح على زميلاتها اللاتي بدا عليهن التوتر، وتوجه الجميع بلهفة نحو اللوحات المعلقة لإحضار النتيجة. وفجأة، شق صمت المكان صرخة فرحة عارمة أطلقتها فرح؛ صديقة حور المقربة وتوأم روحها.
ركضت فرح نحو حور وهي تلوح بيديها وتكاد تطير من السعادة، وصاحت بأعلى صوتها - نجحنا يا حور.... نجحنا يا حبيبتي.. درجاتك تجنن، أنتِ مقفلة المواد وقريبة جدًا من المجموع النهائي امتدت الأذرع واحتضنت حور صديقتها بقوة، وامتزجت دموع القلق بدموع الفرحة التي انهمرت على وجنتيها لتغسل هموم الأيام الماضية. سألتها حور بنبرة متهدجة وعيناها الخضراوان تلتمعان ببريق النصر - وأنتِ يا فرح؟ عملتِ إيه طمنيني؟ ردت فرح وهي تقفز في مكانها - الحمد لله يا حور، جبت درجات عالية أنا كمان وترتيبي من الأوائل على المدرسة تعالت الضحكات والتبريكات هنا وهناك، وانشغل الجميع بتهنئة بعضهم البعض، بينما انسحبت حور بضع خطوات إلى الخلف. رفعت بصرها إلى السماء وقلبها يفيض بالامتنان، وهدست بنبرة خاشعة صادقة: "الحمد لله.. الحمد لله يا رب على كرمك ونعمتك. خليك معايا في اللي جاي يا رب، أنت عالم بحالي". شعرت حور في تلك اللحظة بفخر لا يسعه مداه؛ فقد كانت ظروفها أقسى من جدران بيتها القديم. تذكرت كيف اضطرت مرغمة على التخلي عن الدروس الخصوصية لضيق يد والدها، وكيف كانت تكتفي باستعارة الكتب الخارجية وتقليب صفحاتها باشتياق وعزيمة، لتعتمد على نفسها تمامًا في المذاكرة. وبالرغم من كل تلك العقبات، وتثبيط شقيقها المستمر لها، ها هي ذي تجتاز هذه المرحلة الصعبة بامتياز وتثبت لنفسها أولًا أنها قادرة على صنع المستحيل. التفتت إليها فرح ممسكة بيدها، وابتسامة الأمل ترتسم على وجهيهما، واتفقتا على تحديد موعد قريب للقاء؛ ليبدأتا معًا أولى خطوات التقديم للثانوية العامة.. البوابة الرسمية نحو حلم "كلية الهندسة" الذي بات أقرب من أي وقت مضى. ✨✨✨✨✨✨✨✨ دلفت سمر إلى صالة التشغيل وسط نظرات متوجسة وهمهمات خافتة تبادلتها العاملات فور ظهورها. لم تلتفت إليهن، بل رمقتهن بنظرة ساخرة متعالية وهي تلوك علكتها بصوت مستفز ومقزز، قبل أن تأخذ مكانها خلف ماكينة الخياطة. مرت ساعات العمل الرتيبة بين أزيز الماكينات، حتى انفتح الباب ودخل فتحي مدير المصنع. في تلك اللحظة، اتجهت أبصار البنات تلقائيًا نحو سمر، التي واصلت عملها ببرود تـام وكأن الأمر لا يعنيها. كان فتحي رجلًا في أواخر الأربعينات؛ نحيفًا، طويل القامة، برونزي البشرة، بشعر أسود قصير تلمع فيه مادة دهنية. سار بين خطوط الإنتاج يتفحص سير العمل، لكن خطاه تباطأت عمدًا عندما وصل إلى سمر. وقف بجوارها لثوانٍ معدودة، ثم أكمل سيره حتى استدار عند نهاية الصالة، ورفع صوته مناديًا - سمر.. سيبي اللي في إيدك وتعالي ورايا المكتب اعمليلي كوباية شاي. تبادلت العاملات نظرات ذات مغزى، نظرات تفيض بالاشمئزاز والأسى، لكن الشفاه ظلت مطبقة؛ فالجميع هنا يشتري لقمة عيشه بالصمت، والأمر بات مألوفًا لا يثير سوى القرف في نفوسهن. نهضت سمر من مقعدها، وعدلت من ثوبها وهي تتمايل بدلال مستفز، غير آبهة بالعيون التي تكاد تخترق ظهرها. صعدت الدرج خلف فتحي حتى وصلا إلى مكتبه في الطابق العلوي. وفور دخولها، أغلق فتحي الباب الخشبي بإحكام، وأدار المفتاح في قفله.. غافلين تمامًا عن الباب الذي لا يُغلق أبدًا، ولا تغيب عنه خائنة الأعين وما تخفي الصدور؛ باب الرحمن. التفت فتحي إليها، وبلا مقدمات، جذبها نحو أحضانه يعتصر جسدها بجوع ونهم شديد. أطبق على شفتيها بقسوة شهوانية، بينما كانت أصابعه الخشنة تمتد بعجل لتفك أزرار قميصها، مجردًا إياها منه لتتحرك يداه بحرية وقذارة على جسدها. لم تبدِ سمر أي مقاومة، بل تجاوبت معه ببراعة، ولفّت ذراعيها حول عنقه تبادله القبلات بطريقة احترافية غابت عنها أي مسحة من البراءة. بعد وقت قصير، ابتعد عنها فتحي وهو يتنفس بصعوبة، فتحركت سمر نحو المرآة المعلقة ببرود، بدأت ترتدي ملابسها وتعيد ترتيب هندامها وشعرها المبعثر كأن شيئًا لم يكن. تطلع إليها فتحي بعينين لا تزالان تشعان بالشهوة، وقال بنبرة لاهثة - مش هتعقلي بقى يا سمر؟ عاوزين نقضي يوم سوا... يوم كده انا وانتى والشيطان ضحكت سمر بدلال وثقة، ولوت فمها قائلة بنبرة ذات مغزى - تؤ يا فتوح.. أنا لسه آنسة وبنت بنوت، ومضيعش نفسي عشان يوم.. السكة دي آخرها فضايح أنت عارف. فهم فتحي اللعبة، فمد يده إلى جيبه وأخرج رزمة من الأوراق المالية، وسحب منها بضع ورقات مدها إليها. التقطت سمر النقود بابتسامة نصر، ودون تردد، حشرتها داخل صدر ثوبها، ثم التفتت وغادرت المكتب وهي تتمايل في مشيتها. نزلت إلى صالة العمل مرة أخرى، لتستقبلها نظرات العاملات المليئة بالاحتقار والنفور؛ فالجميع في المصنع بات يعلم قذارة فتحي، ويعلم تمامًا الثمن الذي تقبضه سمر في كل مرة تصعد فيها إلى ذلك المكتب. ✨✨✨✨✨✨✨✨ انطلقت حور بخطوات تكاد تطير من الفرحة متوجهة إلى مقر عمل والدها؛ لتزف إليه الخبر الذي طالما انتظراه معًا. وما إن دلفت من بوابته، حتى رآها والدها عادل، فقرأ البشرى في عينيها الخضراوين قبل أن تنطق. ركضت إليه وارتمت في أحضانه وهي تهتف بنبرة مخنوقة من السعادة - نجحت يا بابا.. نجحت وجبت مجموع كبير أوي استقبلها عادل بفرحة عارمة، ودموع الفخر تترقرق في عينيه العسليتين. التفت حولهما بقية عمال المصنع الذين تعالت صيحاتهم بالتهنئة والمباركة، وامتزجت أصواتهم بالدعوات الصادقة لتلك الفتاة التي رأوا فيها زهرة بريئة تنبت وسط الصخر، وصاح أحدهم بنبرة ودودة -؛ مبروك يا عم عادل.. مبروك لدكتورة المستقبل إن شاء الله قبل عادل رأس ابنته وجبينها، وأخرج من جيبه بعض النقود القليلة المتبقية معه وقدمها إليها وعيناه تفيضان حنانًا - خدي دول يا قلب بابا.. هاتي بيهم حاجة حلوة حلاوة نجاحك انصرفت حور متوجهة إلى المنزل، وكانت تسير في شوارع السيدة زينب العتيقة وكأنها ترى الكون لأول مرة؛ كل شيء حولها بدا ورديًا، نسمات الصيف العليلة مداعبةً وجهها، وضحكات الأطفال في الحواري تعزف في أذنها سيمفونية النصر. دلفت إلى الشقة القديمة، وتوجهت فورًا نحو غرفتها لتلتقط صورة والدتها الراحلة الموضوعة بعناية فوق المنضدة. تطلعت إلى ملامحها باشتياق جارف، وتمنت من كل قلبها لو كانت أمها بجوارها في تلك اللحظة، لتضمها إلى صدرها وتشاركها فرحة هذا النجاح.. لكنها إرادة الله التي لا راد لقضائها. احتضنت الصورة إلى صدرها بقوة، وفي تلك اللحظة تذكرت شقيقها مصطفى. تنهدت بأسى وكم تمنت في أعماقها أن تتحسن العلاقة بينهما، فهي بالرغم من كل قسوته وجفائه، لا تزال تكنّ له قدرًا كبيرًا من الحب والاحترام كأخ أكبر؛ لكنه للأسف لا يراها سوى ابنة "زوجة الأب" التي جاءت لتأخذ مكان والدته الراحلة وتسرق اهتمام والده. اعتصر قلبها الألم وهي تفكر في أحوالهم، وفي شقاء والدها وعذابه مع هذا الابن العاق، الذي لم يكتفِ بفشله، بل طالما تطاول على والده المسن بالألفاظ النابية، وأحيانًا امتدت يده الآثمة ليتطاول عليه بالضرب من أجل حفنة من المال ينفقها على نزواته. مسحت حور دمعة حائرة فرّت من عينيها، وطبعت قبلة حانية على صورة والدتها قبل أن تضعها جانبًا. نهضت بعزيمة لتنفض عنها غبار الحزن، وعقصت خصلات شعرها الذهبي الطويل إلى الأعلى، ثم بدأت في ترتيب المنزل وإعداد ما يلزم، متسلحة بأمل الغد الذي بدأ يشرق في قلبها الصغير.دلف عادل إلى الشقة بخطوات مثقلة بالهموم بعد يوم عمل شاق، ولم يكد يضع مفاتيحه حتى توجه فورًا نحو غرفة ابنته حور ليطمئن عليها. طرَق الباب برفق مستدعيًا إياها، ولكن لم يأته أي رد. انقبض صدره فجأة وتسلل الرعب إلى أوصاله؛ فأعاد الطرق بإلحاح وقلق ينبض في نبرات صوته وهو يناديها - حور.. أنتِ جوه يا بنتي؟ حور ردي عليا. بعد لحظات بدت له كالساعات، تحرك المزلاج ببطء وانفتح الباب لتطل منه حور. وما إن دلف عادل إلى عتمة الغرفة ووقع بصره عليها، حتى تجمدت الدماء في عروقه؛ كانت ملامحها شاحبة، وثوبها مبعثرًا، وحين رفعت يدها لتزيح خصلات شعرها المتمرصع على وجهها، انقشعت الأكمام لتكشف عن علامات حمراء وزرقاء داكنة كست بشرتها الناعمة، ناهيك عن الكدمات التي بدأت ترتسم على كتفها. لم يكن بحاجة لسؤالها؛ فالمشهد نطق بكل تفاصيله، وعلم على الفور أن حوريته قد تلقت وجبة جديدة من العنف المتوحش والغل على يد ذلك الجزار المسمى شقيقها. اندفع عادل نحوها وجذبها إلى صدره، وضمرها بين أحضانه بقوة وجسده ينتفض غضبًا وحسرة. انهمرت دموعه على شعرها وهو يهمس بنبرة مكسورة ومتهدجة - سامحيني يا بنتي.. حقك عليا يا نور عيني.. أنا ال
عند حور.. عادت حور بخطى متهالكة وهي تشعر بتعبٍ مبرح ووهن شديد يسري في أطرافها؛ كان كل ما تتمناه في تلك اللحظة هو أن تدلف إلى المطبخ بهدوء، وتصنع لنفسها شطيرة بسيطة مع كوب من الشاي الدافئ يسند طولها، لتخلد بعدها مباشرة إلى النوم لعيدًا عن هذا العالم الصاخب. لكن آمالها تبخرت في الهواء ما إن دفعت باب الشقة ودلفت إلى الداخل؛ إذ تسمرت مكانها برعب حين وجدت شقيقها مصطفى يقف في منتصف الصالة، يتطلع إليها بنظرات جاحظة ومتوعدة تحمل كل معاني الشر. خطى نحوها بخطوات ثقيلة وهو يزجرها بصوته الجهوري الذي زلزل أركان المكان، بينما كانت أنفاسه تتصاعد لتفوح منها رائحة الحشيش الكريهة والنفاذة. تكره حور تلك الرائحة جداً وتصيبها بالغثيان، لأنها تعلم علم اليقين أن شقيقها عندما تفوح منه هذه الرائحة لا يكون في كامل وعيه، ويتحول إلى وحش كاسر لا يرحم. صرخ في وجهها بقسوة - كنتِ فين لحد دلوقتي يا هانم؟ وسارحة في الشوارع من النجمة ومن غير إذن مين؟ لم يكن لدى حور طاقة للمجادلة أو العراك في هذه الحالة من الإعياء؛ لذا فضلت الصمت والانسحاب، وردت بنبرة هادئة وخافتة وهي تحاول تجاوزه - أنا مكنتش سارحة يا مصطفى.. أنا
عند حسن..كان حسن يتوسط مائدة الطعام، تحيط به هالة من دفء العائلة المفتقد؛ فعن يمينه شقيقه الأصغر عصام، وعن يساره شقيقه محمد، وبجوارهما شقيقتهم الوحيدة إيناس التي وصلت قبل قليل، وعلى وجهها علامات الشوق الطاغي لشقيقها المغترب.كانت مائدة الطعام عامرة بما لذ وطاب؛ أصناف شتى من المحاشي، وصواني اللحوم المحمرة، والدجاج المتبل، والحمام المحشو بالفريك الذي تفوح رائحته الشهية لتملاً أركان الشقة. تطلع حسن إلى المائدة بذهول، ثم التفت نحو المطبخ حيث تقف والدته وضج بضحكة دافئة من قلبه قائلًا بمرح- إيه كل ده يا أمي؟ دي مش سفرة استقبال.. دي ما شاء الله بقت مائدة الرحمن من كتر الخير والأصناف اللي تفتح النفس.... احنا مكناش عايشين بقىمال عليه عصام، وضربه برفق على كتفه قائلًا بابتسامة- اضحك اضحك يا عم.. والنعمة أمك واقفة على رجليها في المطبخ بتجهز في الأكلات دي من يومين كاملين، ومكنتش راضية تخلي حد فينا يمد إيده عشان تعملك كل حاجة بنفسها.في تلك اللحظة، خرجت السيدة زينب من المطبخ حامطة آخر الأطباق، ووضعتها على المائدة ثم تسمرت مكانها. تطلعت إلى وجه حسن بنظرات طويلة حائرة، كأنها تحاول أن تشبع عينيه
بالرغم من غصّة الظلم التي كانت تسكن جوف حور، ودموعها التي تزرفها يوميًا في خلوتها على حالها وأحلامها الموؤودة، إلا أنها نفضت كل ذلك جانبًا في لمح البصر. تلاشت ملامح العتاب من عينيها، وأمسكت بيد والدها تضغط عليها برفق منفيةً كلامه- متقولش كده يا بابا، أنت مقصرتش معايا في حاجة خالص...... الحمد لله على كل حال.تابعت بنبرة هادئة حملت في طياتها حزنًا شفيفًا، لكنها نبعت من اقتناع تام ورضا حقيقي بقضاء الله- أنا راضية يا بابا بكل اللي ربنا كاتبهولي، ومفيش حاجة بتحصل من غير حكمة، يمكن الخير ليا هنا في ده وإحنا منعرفش.. المهم عندي تفضل أنت راضي عني وبصحة وخير.كانت حور بتلك الكلمات لا تطمئن والدها فحسب، بل كانت كمن يطبطب برفق على قلبه المثقل بالجراح، وتدعوه للهدوء وهدنة قصيرة مع تأنيب الضمير.دمعت عينا عادل ورفع يده بالدعاء لها، وصوته يرتجف- ربنا يرضى عنك ويديكي على قد صبِرِك يا حور.. أنتِ نعم الابنة البارة، ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي.ساد الصمت بينهما لثوانٍ، غرق فيها عادل في بئر ذكرياته الأليمة؛ تذكر خطأه الفادح في الماضي عندما تزوج من تلك السيدة (والدة مصطفى) التي حطمت حياته ونثرت الأشوا
تسارع الأحداث.. وتدور عجلة الزمن بقطار العمر لتمر ثلاث سنوات كاملة، تبدلت فيها النفوس وتغيرت معها ملامح الحياة في ذلك البيت القديم. أُحيل عادل إلى المعاش، فلم يعد جسده النحيل يقوى على مجاراة شقاء السنين، لكنه لم يطق البقاء في المنزل؛ كان يهرب من جدرانه هربًا من النظرات الخبيثة لزوجة ابنه اللعوب، فخرج يبحث عن أي عمل بسيط، ليس لقمة للعيش فحسب، بل حماية لنفسه ولبيته من أن يجمعه سقف واحد مع سمر بمفردهما. أما سمر، فقد أنجبت طفلاً أسمته آدم، جاء نسخة مصغرة من أبيه في الملامح، لكن قدوم الطفل لم يغير من طباعها القذرة شيئًا، ولم يثنها عن أفعالها المشبوهة. كان يسكنها حقد أسود وغيرة نهشت قلبها من حور ومن جمالها الفتان الذي يزداد نضجًا وبهاءً بمرور الأيام. كانت سمر تتلذذ بافتعال المشاكل وتلفيق الأكاذيب لحور، محرضة مصطفى عليها، ولا تهدأ ولا يستقر لها بال إلا عندما ترى يد مصطفى الغليظة تهوي على وجه أخته، وعندما تبصر دموع الحورية تتساقط كاللؤلؤ، لتشق علامات الحزن طريقها في ملامحها البريئة. في المقابل، تحول مصطفى إلى وحش كاسر؛ صار أكثر عنفًا وقسوة مع والده المسن وأخته المسكينة، بينما كان ينقلب أما
انتهى مصطفى من ساعات عمله الشاقة في الورشة، والضيق يأكل صدره طيلة اليوم. كان يغلي من الداخل؛ ففكرة خسارة سمر وفراقها بالنسبة إليه بمثابة طعنة قاتلة لا يقوى على احتمالها. لقد كان يعشقها بجنون، ولا يتخيل حياته بدونها؛ فهي الوحيدة كما كان يدعي ويوهم نفسه التي وجد معها الحنان الذي طالما افتقده في حياته القاسية.نعم، لقد عاش مصطفى طفولة مشوهة جافة خالية من عطف الأمومة؛ إذ نشأ ضحية لإنفصال والديه. انتقل بعدها ليعيش في كنف جدته لأبيه، التي لم تكن تملك الطاقة لتربيته، فكانت تنهره بعنف دائمًا نظرًا لشقاوته المفرطة وكبر سنها، ولم يكن ينتهي توبيخها له إلا بسبّ والدته وتقريعها، تلك الأم التي تخلت عنه وهو طفل صغير، وتركته لأبيه من أجل أن تتزوج برجل آخر وتبدأ حياتها بعيدًا عنه.زفر مصطفى بعنف وضيق جرف معه ذكرياته الأليمة، وضرب جدار الورشة بقبضة يده ضربة قوية كادت تدمي أصابعه. شعر بكتلة من الغضب تعتصر قلبه، لكنها تحولت في لحظة إلى إصرار أعمى؛ لقد عزم أمره على التمسك بسمر مهما كلفه الأمر، ولن يسمح لأحد بأن ينتزعها منه.توجه إلى المكان المحدد لتلاقيهما اليومي ووقف ينتظرها، وما هي إلا دقائق حتى أقبلت







