مشاركة

البارت الرابع

مؤلف: Faten Aly
last update تاريخ النشر: 2026-06-09 19:24:12

تسارع الأحداث.. وتدور عجلة الزمن بقطار العمر لتمر ثلاث سنوات كاملة، تبدلت فيها النفوس وتغيرت معها ملامح الحياة في ذلك البيت القديم.

أُحيل عادل إلى المعاش، فلم يعد جسده النحيل يقوى على مجاراة شقاء السنين، لكنه لم يطق البقاء في المنزل؛ كان يهرب من جدرانه هربًا من النظرات الخبيثة لزوجة ابنه اللعوب، فخرج يبحث عن أي عمل بسيط، ليس لقمة للعيش فحسب، بل حماية لنفسه ولبيته من أن يجمعه سقف واحد مع سمر بمفردهما.

أما سمر، فقد أنجبت طفلاً أسمته آدم، جاء نسخة مصغرة من أبيه في الملامح، لكن قدوم الطفل لم يغير من طباعها القذرة شيئًا، ولم يثنها عن أفعالها المشبوهة. كان يسكنها حقد أسود وغيرة نهشت قلبها من حور ومن جمالها الفتان الذي يزداد نضجًا وبهاءً بمرور الأيام. كانت سمر تتلذذ بافتعال المشاكل وتلفيق الأكاذيب لحور، محرضة مصطفى عليها، ولا تهدأ ولا يستقر لها بال إلا عندما ترى يد مصطفى الغليظة تهوي على وجه أخته، وعندما تبصر دموع الحورية تتساقط كاللؤلؤ، لتشق علامات الحزن طريقها في ملامحها البريئة.

في المقابل، تحول مصطفى إلى وحش كاسر؛ صار أكثر عنفًا وقسوة مع والده المسن وأخته المسكينة، بينما كان ينقلب أمام سمر إلى طفل مطيع يسير خلفها مغمض العينين، وكأنها تملك مغاتيح عقله وروحه بالكامل. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل غرق مصطفى أكثر في مستنقع الإدمان، وأصبح أكثر شراهة في تعاطي تلك السموم اللعينة التي تسمى مخدرات، وفي كثير من الأحيان، كانت زوجته سمر تشاركه جلسات التعاطي، ليغيبا معًا عن الوعي في عالم من القذارة والضياع.

وسط هذا الجحيم، كانت حور تقاوم بما تبقى لها من قوة وأمل. مرت السنوات الثلاث، وانتهت بطلتنا من أداء اختبارات السنة النهائية للدبلوم الفني التجاري، وجلست تترقب ظهور نتيجتها بقلق، في نفس التوقيت الذي كانت فيه توأم روحها فرح تنتهي من امتحانات الثانوية العامة، لتنتظر هي الأخرى نتيجتها والمجموع الذي سيحدد معالم مستقبلهما.

✨✨✨✨✨✨✨✨

استيقظت حور باكرًا وقبل الجميع؛ فاليوم ليس كأي يوم، اليوم هو الموعد المحدد لإعلان نتيجة السنة النهائية لدبلوم التجارة، اليوم الذي لطالما انتظرته لتبدد به قليلًا من عتمة واقعها.

خرجت حور من غرفتها بخطوات هادئة، لكنها تسمرت في مكانها حين وقع بصرها على سمر وهي تتبختر في ردهة الشقة. كانت ترتدي منامة سوداء شفافة عارية الظهر تمامًا، تفوح منها رائحة نفاذة لا تناسب وقار الصباح. رمقتها حور بنظرة محملة بالاحتقار والنفور؛ فكيف لامرأة أن تتجول بهذا المظهر الفاضح خارج غرفتها وفي بيت يجمعها بوالد زوجها المسن؟

تحاشت حور النظر إليها وتوجهت فورًا نحو الحمام بخطوات سريعة، تاركة خلفها سمر التي لوى فمها بضيق، وراحت تلوك علكتها وتهمهم بنبرة مستفزة

- جرى إيه يا ست حور؟ مالي مش عاجباكي؟ ولا القطر اللي ماشي مبيقولش صباح الخير للناس اللي عايشة معاه في البيت؟

تجاهلت حور كلماتها تمامًا وأغلقت الباب خلفها. دورت الأفكار في رأسها وهي تبدل ملابسها على عجل؛ ارتدت ثوبًا بسيطًا ومحتشمًا يستر جمالها الفتان عن العيون، وخرجت ميممة وجهها شطر الباب لتلحق بمستقبلها.

وفجأة، اعترضت سمر طريقها ووقفت في منتصف الصالة واضعة يدها في خصرها، وسألتها بنبرة حادة تخلو من المودة

- على فين العزم إن شاء الله على الصبح كده ومن غير إذن؟

لم تبالِ حور بوجودها، ولم تمنحها حتى التفاتة واحدة. سارت في طريقها نحو باب الشقة ببرود تام وكأن سمر مجرد سراب أو هواء لم تسمعه، فتحت الباب وأغلقته خلفها بهدوء وثبات.

اشتعلت سمر غيظًا من هذا التجاهل الذي يضرب كبرياءها في مقتل، ووقفت في منتصف الشقة تسب وتلعن بصوت مرتفع

- غبية ومفيش فيكي ريحة التربية، ماشي يا حور.. والله ما هسيبك، وديني لأعرفك مقامك وأدفعك تمن البصة دي غالي، والأيام بينا

✨✨✨✨✨✨✨✨

وفي مكانٍ آخر، بعيدًا عن أزقة السيدة زينب الضيقة..

كان هناك منزلٌ يتألف من عدة طوابق، تضج جنباته بحركة غير عادية تدب في كل ركن من أركانه. في المطبخ، كانت النيران تلتهم الشغف؛ أصناف شتى من الطعام تفوح منها روائح الشهية والبركة، وقد امتزجت في فضاء البيت بعطر البخور الشرقي النفاذ الذي يطرد الحسد ويبعث في النفس السكينة. كانت الأجواء مشحونة بمزيج غريب من مشاعر السعادة الغامرة التي يغلفها قلق الانتظار.

من بين ذلك الزحام، كانت تقف سيدة في نهاية العقد الرابع من عمرها، يبدو على وجهها خطوط الحنين والأمومة الطاغية. لم تكف طوال الصباح عن الخروج إلى الشرفة، تتطلع بلهفة وعينين دامعتين إلى امتداد الشارع، فلا تجد سوى الحركة الاعتيادية للسيارات وضجيج المارة. كانت تعود في كل مرة متهدلة الأكتاف، يكسر الخذلان خطواتها، لكن سرعان ما يتجدد الأمل في قلبها بعد دقائق معدودة، فتعود لتقف في الشرفة من جديد كأنها تحرس حلمًا.

وفي المرة الأخيرة، وجدت غايتها المنشودة.. انقبض قلبها فرحًا وهي ترى سيارة أجرة تقف بدقة أمام مدخل المنزل، ليهبط منها شاب، وقف لوهلة يتطلع إلى واجهة البناء باشتياق جارف كاد يبتلعه. رفع وجهه نحو الشرفة، فالتقت عيناه بعيني تلك السيدة التي أطلقت صرخة فرحة مدوية هزت أركان الشارع؛ لقد عاد الغائب من جديد لينير مكانه الذي أظلمه الفراق

أسرع الشاب في صعود الدرج، وهو حسن.. شاب في الثلاثين من عمره، متوسط القامة، قمحي البشرة يمتلك ملامح مصرية أصيلة، بشعر أسود خفيف وعيون بنية دافئة، وجسد متناسق صقلته سنوات الغربة والعمل.

دلف حسن من باب المنزل العامر، مستنشقًا هواءه باشتياق حارق بعد فترة غياب قاسية تجرع مرارتها وتعدت السبع سنوات كاملة. ودلف خلفه شقيقه الأصغر "عصام"، وهو شاب في الرابعة والعشرين من عمره، طويل القامة، يحمل ملامح شديدة الشبه بأخيه الأكبر وكأنه مرآته الصغرى، وكان هو من ذهب لاستقباله من المطار.

لم يكد حسن يخطو خطوتين داخل الردهة حتى ارتمى بين أحضان والدته التي كانت تنتظره بذراعين مفتوحتين. اعتصرته بين ضلوعها بقوة توازي وجع السبع سنين، وانفجرت تبكي بنحيب حار وعالٍ، غسلت به كل ليلة سهرتها تدعو له بالعودة.

انحنى حسن عليها، يقبل رأسها ووجنتيها بنهم، ثم هبط يقبل يديها وقدميها، ودموعه تسبق كلماته وهو يطمئن قلبها المرتجف

- خلاص يا أمي.. خلاص يا حبيبتي أنا رجعت، رجعت لحضنك ومش ناوى أرجع تانى

كان يتشبث بها وكأنه يؤكد لنفسه أولاً أنه قد عاد بالفعل إلى وطنه وبيته، بعد أن تجاور تلك الأزمة العاصفة التي ألمّت به هناك في غربته، وأضاعت من عمره وثبابه كل تلك السنوات الطوال خلف الحدود.

✨✨✨✨✨✨✨

عادت حور من المدرسة وقد امتلأ قلبها بسعادة غامرة لم تذقها منذ سنوات؛ فقد تكلل صبرها أخيرًا بحصولها على درجات دراسية عالية، مكنتها من انتزاع ترتيب متقدم على مستوى المدرسة. جاء هذا النجاح بمثابة معجزة صغيرة وسط جحيم واقعها؛ حيث كانت تعيش إرهاقًا مستمرًا لا ينقطع، موزعةً جسدها النحيل ما بين الواجبات المنزلية الثقيلة التي تقع كاملة على عاتقها، وبين رعاية "آدم" ابن أخيها الذي ألقته سمر في حجرها، ناهيك عن تلك المشاحنات والعراكات المستمرة التي كانت سمر تفتعلها يوميًا بخبث، وتنتهي دائمًا بتدخل مصطفى الذي لم يكن يعرف لغة للحوار مع أخته سوى الضرب والقسوة.

وصلت حور إلى مقر عمل والدها بوجهها البشوش المعتاد، وإشراقة ابتسامتها البريئة التي لم تستطع قسوة الأيام أن تطفئها. ما إن رأته حتى أسرعت إليه وقبلت يده بحنو، وزفت إليه بشرى نجاحها وتفوقها.

استقبل عادل الخبر بفرحة عارمة، واحتضن ابنته بحنان جارف، وهنأها على النتيجة المشرفة، لكن الفرحة لم تدم طويلاً في عينيه العسليتين؛ إذ التمعت فيهما دموع الندم والحسرة. أرخى يديه ونظر إلى وجهها الفتان بنبرة متهدجة مكسورة، قائلاً

- سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا حور على تقصيري في حقك. أنا اللي حطمت حلمك بأيدي لما وافقت تدخلى دبلوم وحرمتك من الثانوية العامة والجامعة اللي كنتي بتتمنيها

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أسوار العشق    البارت الثامن

    دلف عادل إلى الشقة بخطوات مثقلة بالهموم بعد يوم عمل شاق، ولم يكد يضع مفاتيحه حتى توجه فورًا نحو غرفة ابنته حور ليطمئن عليها. طرَق الباب برفق مستدعيًا إياها، ولكن لم يأته أي رد. انقبض صدره فجأة وتسلل الرعب إلى أوصاله؛ فأعاد الطرق بإلحاح وقلق ينبض في نبرات صوته وهو يناديها - حور.. أنتِ جوه يا بنتي؟ حور ردي عليا. بعد لحظات بدت له كالساعات، تحرك المزلاج ببطء وانفتح الباب لتطل منه حور. وما إن دلف عادل إلى عتمة الغرفة ووقع بصره عليها، حتى تجمدت الدماء في عروقه؛ كانت ملامحها شاحبة، وثوبها مبعثرًا، وحين رفعت يدها لتزيح خصلات شعرها المتمرصع على وجهها، انقشعت الأكمام لتكشف عن علامات حمراء وزرقاء داكنة كست بشرتها الناعمة، ناهيك عن الكدمات التي بدأت ترتسم على كتفها. لم يكن بحاجة لسؤالها؛ فالمشهد نطق بكل تفاصيله، وعلم على الفور أن حوريته قد تلقت وجبة جديدة من العنف المتوحش والغل على يد ذلك الجزار المسمى شقيقها. اندفع عادل نحوها وجذبها إلى صدره، وضمرها بين أحضانه بقوة وجسده ينتفض غضبًا وحسرة. انهمرت دموعه على شعرها وهو يهمس بنبرة مكسورة ومتهدجة - سامحيني يا بنتي.. حقك عليا يا نور عيني.. أنا ال

  • أسوار العشق    البارت السابع

    عند حور.. عادت حور بخطى متهالكة وهي تشعر بتعبٍ مبرح ووهن شديد يسري في أطرافها؛ كان كل ما تتمناه في تلك اللحظة هو أن تدلف إلى المطبخ بهدوء، وتصنع لنفسها شطيرة بسيطة مع كوب من الشاي الدافئ يسند طولها، لتخلد بعدها مباشرة إلى النوم لعيدًا عن هذا العالم الصاخب. لكن آمالها تبخرت في الهواء ما إن دفعت باب الشقة ودلفت إلى الداخل؛ إذ تسمرت مكانها برعب حين وجدت شقيقها مصطفى يقف في منتصف الصالة، يتطلع إليها بنظرات جاحظة ومتوعدة تحمل كل معاني الشر. خطى نحوها بخطوات ثقيلة وهو يزجرها بصوته الجهوري الذي زلزل أركان المكان، بينما كانت أنفاسه تتصاعد لتفوح منها رائحة الحشيش الكريهة والنفاذة. تكره حور تلك الرائحة جداً وتصيبها بالغثيان، لأنها تعلم علم اليقين أن شقيقها عندما تفوح منه هذه الرائحة لا يكون في كامل وعيه، ويتحول إلى وحش كاسر لا يرحم. صرخ في وجهها بقسوة - كنتِ فين لحد دلوقتي يا هانم؟ وسارحة في الشوارع من النجمة ومن غير إذن مين؟ لم يكن لدى حور طاقة للمجادلة أو العراك في هذه الحالة من الإعياء؛ لذا فضلت الصمت والانسحاب، وردت بنبرة هادئة وخافتة وهي تحاول تجاوزه - أنا مكنتش سارحة يا مصطفى.. أنا

  • أسوار العشق    البارت السادس

    عند حسن..كان حسن يتوسط مائدة الطعام، تحيط به هالة من دفء العائلة المفتقد؛ فعن يمينه شقيقه الأصغر عصام، وعن يساره شقيقه محمد، وبجوارهما شقيقتهم الوحيدة إيناس التي وصلت قبل قليل، وعلى وجهها علامات الشوق الطاغي لشقيقها المغترب.كانت مائدة الطعام عامرة بما لذ وطاب؛ أصناف شتى من المحاشي، وصواني اللحوم المحمرة، والدجاج المتبل، والحمام المحشو بالفريك الذي تفوح رائحته الشهية لتملاً أركان الشقة. تطلع حسن إلى المائدة بذهول، ثم التفت نحو المطبخ حيث تقف والدته وضج بضحكة دافئة من قلبه قائلًا بمرح- إيه كل ده يا أمي؟ دي مش سفرة استقبال.. دي ما شاء الله بقت مائدة الرحمن من كتر الخير والأصناف اللي تفتح النفس.... احنا مكناش عايشين بقىمال عليه عصام، وضربه برفق على كتفه قائلًا بابتسامة- اضحك اضحك يا عم.. والنعمة أمك واقفة على رجليها في المطبخ بتجهز في الأكلات دي من يومين كاملين، ومكنتش راضية تخلي حد فينا يمد إيده عشان تعملك كل حاجة بنفسها.في تلك اللحظة، خرجت السيدة زينب من المطبخ حامطة آخر الأطباق، ووضعتها على المائدة ثم تسمرت مكانها. تطلعت إلى وجه حسن بنظرات طويلة حائرة، كأنها تحاول أن تشبع عينيه

  • أسوار العشق    البارت الخامس

    بالرغم من غصّة الظلم التي كانت تسكن جوف حور، ودموعها التي تزرفها يوميًا في خلوتها على حالها وأحلامها الموؤودة، إلا أنها نفضت كل ذلك جانبًا في لمح البصر. تلاشت ملامح العتاب من عينيها، وأمسكت بيد والدها تضغط عليها برفق منفيةً كلامه- متقولش كده يا بابا، أنت مقصرتش معايا في حاجة خالص...... الحمد لله على كل حال.تابعت بنبرة هادئة حملت في طياتها حزنًا شفيفًا، لكنها نبعت من اقتناع تام ورضا حقيقي بقضاء الله- أنا راضية يا بابا بكل اللي ربنا كاتبهولي، ومفيش حاجة بتحصل من غير حكمة، يمكن الخير ليا هنا في ده وإحنا منعرفش.. المهم عندي تفضل أنت راضي عني وبصحة وخير.كانت حور بتلك الكلمات لا تطمئن والدها فحسب، بل كانت كمن يطبطب برفق على قلبه المثقل بالجراح، وتدعوه للهدوء وهدنة قصيرة مع تأنيب الضمير.دمعت عينا عادل ورفع يده بالدعاء لها، وصوته يرتجف- ربنا يرضى عنك ويديكي على قد صبِرِك يا حور.. أنتِ نعم الابنة البارة، ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي.ساد الصمت بينهما لثوانٍ، غرق فيها عادل في بئر ذكرياته الأليمة؛ تذكر خطأه الفادح في الماضي عندما تزوج من تلك السيدة (والدة مصطفى) التي حطمت حياته ونثرت الأشوا

  • أسوار العشق    البارت الرابع

    تسارع الأحداث.. وتدور عجلة الزمن بقطار العمر لتمر ثلاث سنوات كاملة، تبدلت فيها النفوس وتغيرت معها ملامح الحياة في ذلك البيت القديم. أُحيل عادل إلى المعاش، فلم يعد جسده النحيل يقوى على مجاراة شقاء السنين، لكنه لم يطق البقاء في المنزل؛ كان يهرب من جدرانه هربًا من النظرات الخبيثة لزوجة ابنه اللعوب، فخرج يبحث عن أي عمل بسيط، ليس لقمة للعيش فحسب، بل حماية لنفسه ولبيته من أن يجمعه سقف واحد مع سمر بمفردهما. أما سمر، فقد أنجبت طفلاً أسمته آدم، جاء نسخة مصغرة من أبيه في الملامح، لكن قدوم الطفل لم يغير من طباعها القذرة شيئًا، ولم يثنها عن أفعالها المشبوهة. كان يسكنها حقد أسود وغيرة نهشت قلبها من حور ومن جمالها الفتان الذي يزداد نضجًا وبهاءً بمرور الأيام. كانت سمر تتلذذ بافتعال المشاكل وتلفيق الأكاذيب لحور، محرضة مصطفى عليها، ولا تهدأ ولا يستقر لها بال إلا عندما ترى يد مصطفى الغليظة تهوي على وجه أخته، وعندما تبصر دموع الحورية تتساقط كاللؤلؤ، لتشق علامات الحزن طريقها في ملامحها البريئة. في المقابل، تحول مصطفى إلى وحش كاسر؛ صار أكثر عنفًا وقسوة مع والده المسن وأخته المسكينة، بينما كان ينقلب أما

  • أسوار العشق    البارت الثالث

    انتهى مصطفى من ساعات عمله الشاقة في الورشة، والضيق يأكل صدره طيلة اليوم. كان يغلي من الداخل؛ ففكرة خسارة سمر وفراقها بالنسبة إليه بمثابة طعنة قاتلة لا يقوى على احتمالها. لقد كان يعشقها بجنون، ولا يتخيل حياته بدونها؛ فهي الوحيدة كما كان يدعي ويوهم نفسه التي وجد معها الحنان الذي طالما افتقده في حياته القاسية.نعم، لقد عاش مصطفى طفولة مشوهة جافة خالية من عطف الأمومة؛ إذ نشأ ضحية لإنفصال والديه. انتقل بعدها ليعيش في كنف جدته لأبيه، التي لم تكن تملك الطاقة لتربيته، فكانت تنهره بعنف دائمًا نظرًا لشقاوته المفرطة وكبر سنها، ولم يكن ينتهي توبيخها له إلا بسبّ والدته وتقريعها، تلك الأم التي تخلت عنه وهو طفل صغير، وتركته لأبيه من أجل أن تتزوج برجل آخر وتبدأ حياتها بعيدًا عنه.زفر مصطفى بعنف وضيق جرف معه ذكرياته الأليمة، وضرب جدار الورشة بقبضة يده ضربة قوية كادت تدمي أصابعه. شعر بكتلة من الغضب تعتصر قلبه، لكنها تحولت في لحظة إلى إصرار أعمى؛ لقد عزم أمره على التمسك بسمر مهما كلفه الأمر، ولن يسمح لأحد بأن ينتزعها منه.توجه إلى المكان المحدد لتلاقيهما اليومي ووقف ينتظرها، وما هي إلا دقائق حتى أقبلت

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status