تسجيل الدخولعند حسن..
كان حسن يتوسط مائدة الطعام، تحيط به هالة من دفء العائلة المفتقد؛ فعن يمينه شقيقه الأصغر عصام، وعن يساره شقيقه محمد، وبجوارهما شقيقتهم الوحيدة إيناس التي وصلت قبل قليل، وعلى وجهها علامات الشوق الطاغي لشقيقها المغترب. كانت مائدة الطعام عامرة بما لذ وطاب؛ أصناف شتى من المحاشي، وصواني اللحوم المحمرة، والدجاج المتبل، والحمام المحشو بالفريك الذي تفوح رائحته الشهية لتملاً أركان الشقة. تطلع حسن إلى المائدة بذهول، ثم التفت نحو المطبخ حيث تقف والدته وضج بضحكة دافئة من قلبه قائلًا بمرح - إيه كل ده يا أمي؟ دي مش سفرة استقبال.. دي ما شاء الله بقت مائدة الرحمن من كتر الخير والأصناف اللي تفتح النفس.... احنا مكناش عايشين بقى مال عليه عصام، وضربه برفق على كتفه قائلًا بابتسامة - اضحك اضحك يا عم.. والنعمة أمك واقفة على رجليها في المطبخ بتجهز في الأكلات دي من يومين كاملين، ومكنتش راضية تخلي حد فينا يمد إيده عشان تعملك كل حاجة بنفسها. في تلك اللحظة، خرجت السيدة زينب من المطبخ حامطة آخر الأطباق، ووضعتها على المائدة ثم تسمرت مكانها. تطلعت إلى وجه حسن بنظرات طويلة حائرة، كأنها تحاول أن تشبع عينيها الجائعتين من ملامح ابنها الذي طالت غيبته السبع سنوات. ولم تتمالك نفسها، فنزلت دموعها رغماً عنها، ومسحتها بطرف شالها وهي تقول بنبرة مخنوقة بالحنان - بالهنا والشفا يا قلب أمك.. كل ده قليل عليك يا حسن. أنا عارفة إنك يدوب هتقعد كام يوم وتجري تسافر تاني، وأنا متأكدة إنك هناك مش بتاكل حلو، وشك خاسس وجسمك مش عاجبنى ياولا خسيت اوى هبّ حسن واقفًا في لمح البصر، وتوجه نحوها بخطوات سريعة. أمسك بيديها الخشنتين وقبلهما بحنو جارف، ثم طبع قبلة طويلة على جبينها تقديرًا وشكرًا للمجهود الشاق الذي بذلته من أجله، وقال بصوت دافئ يملؤه اليقين - لا يا أمي، مش هسافر بعد كام يوم ولا حاجة.. ارتاحي بقى واطمني، أنا قاعد معاكي المرة دي وقت طويل ومش هسافر إلا لما أتجوز هنا وأخد مراتي معايا. وما إن استقرت الكلمات في مسامع السيدة زينب، حتى انطلقت من حنجرتها زغرودة مصرية مدوية، هزت أركان المنزل وجعلت الجيران يبتسمون فرحًا. أخيراً.. أخيراً وافق بكرها وعزيز قلبها على فكرة الزواج! طار قلبها فرحًا وظنت في أنفسها أن هناك فتاة في الغربة استطاعت أن تغير فكرته العنيدة، وتمحو من ذاكرته مرارة تجربته القديمة والجرح الذي تسبب في سفره. التفتت إليه بلهفة شديدة وعيناها تتسعان بفضول الأمومة - بجد يا حسن؟ هتسمع كلامي وتتجوز؟ قولي ومين بقى العروسة اللي أمها داعية لها ابتسم حسن برقة، وهز رأسه نافيًا وهو يعود لمقعده - مفيش عروسة يا أمي ولا حاجة.. أنا سايبلك أنتِ الحرية كاملة في الاختيار، اللي تشوفيها مناسبة وتدخلي قلبك أنا جاهز أخطبها علطول.أنا هلاقى زى ذوقد ياست الكل وفي هذه الأثناء، انفتح باب الشقة ودلفت جنة بخطواتها المرحة المعتادة بعد عودتها من عند حور. ألقت تحية الصباح بصوت عالٍ، وتوجهت فورًا نحو حسن تسلم عليه بحرارة وتهنئه بسلامة الوصول، ثم سألته بشقاوة طفولية - حمد الله على السلامة يا أبوعلي.. منور مصر والمنطقة كلها، بس قولي بقى.. فين الهدية بتاعتي؟ أوعى تكون نسيتني وسط الزحمة دي تطلعت إليها السيدة زينب بنظرة غلفها حزن شفيف ودوار؛ فكم كانت تتمنى في أعماقها طوال السنوات الماضية أن تزوج جنة لأحد من أولادها بحكم قرابتهم وأخلاقها، لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن. لمحت جنة تلك النظرة في عين خالتها، ففهمت مقصدها على الفور، وضجت بالضحك وهي ترفع يدها اليمنى بطريقة مسرحية كوميدية، مشيرة بسبابتها إلى الدبلة الذهبية التي تزين إصبعها، وقالت بنبرة فكاهية مضحكة - جرى إيه يا خالتو؟ شيلي النظرات دي من دماغك كده.. أنا دبلتي في إيدي أهي، والنعمة لو انطبقت السما على الأرض مش هتنازل عن حب عمري، أنا ماليش في غيره انفجر الجميع بالضحك على طريقتها، ووصفوها بالمجنونة التي لا تتغير. جلست السيدة زينب بجوار حسن، وساد الصمت وجهها للحظات وهي تسرح بذهنها تفكر في فتيات الحي والمعارف. لاحظت إيناس شرود والدتها، فمالت عليها وسألتها بفضول - جرى إيه يا أمي؟ سرحانة في إيه وسايبة الأكل واللمة الحلوة دي؟ التفتت إليها زينب وقالت بجدية تامة - بدور وبفكر في عروسة تليق بأخوكي حسن.. عاوزاها زينة البنات. تعالت ضحكات الإخوة محمد وعصام، وطلبوا منها بـمرح أن تؤجل التفكير قليلاً - يا أمي ارحمينا وارحمي نفسك، كلي الأول وغذينا بالأكل اللي يجنن ده، وبعدين نقعد نفكر معاكي ونقلب الحارةعليها واطيها نلاقي العروسة ✨✨✨✨✨✨✨ وفي مكان آخر، بعيدًا عن نقاء اللمات العائلية.. كانت تجلس تلك السيدة التي شارف عمرها على الخمسين عامًا؛ إنها هيام، الزوجة الأولى لعادل ووالدة مصطفى. كانت تقبع في صالة شقتها الفارهة أمام شاشة التلفاز، وبجوارها منضدة تكدست فوقها أطباق الفاكهة، وإلى جانبها زجاجة ممتلئة بالخمور التي حرمها الله سبحانه وتعالى. كانت ملامحها تحمل بوضوح آثار حياة صاخبة ومستهترة. انفتح باب الغرفة الداخلية ليخرج منها شاب في الثلاثين من عمره، يدعى باسم، يتسم بملامح حادة ونظرات انتهازية. توجّه باسم نحو الأريكة وجلس بجوارها، فمالت عليه هيام على الفور، ودفت وجهها في عنقه تقبله بإغراء وتصنّع؛ وأي إغراء كانت تحاول ممارسته تلك العجوز الشمطاء؟ سرى في عروق باسم شعور بالاشمئزاز النفور الجارف وهو يرمقها بطرف عينه. كان يرى دلالها وتصرفاتها الهوجاء لا تليق أبدًا بتلك التجاعيد التي بدأت تغزو وجهها وتملأ جسدها المترهل. لم يكن يعلم بالتحديد ما ترتيبه الحالي في قائمة الرجال أو الأزواج السريين المؤقتين في حياتها، ولكنه كان على يقين تام بأنه معها قد ضمن السكن الـمريح، والمأكل الوفير، والنقود الكثيرة التي تنفقها عليه ببذخ، حتى وإن كان هذا الأمر لفترة مؤقتة تنتهي بانتهاء شغفها به. كان يود البصق في وجهها من فرط القرف؛ فهي تتصرف بابتذال مفرط كأنها ما زالت فتاة لعوب في العشرين من عمرها. تحامل على نفسه وقاوم نفوره، فانحنى وطبع قبلة باردة على رأسها ليرضي كبرياءها، ثم مد يده وتناول قضمة من ثمرة التفاح أمامه ليتلهى بها. صبت له هيام كأسًا من الخمر، فالتقطه من يدها وتجرعه دفعة واحدة على فمه لعل السُّكْر يغيب عقله. ومع أولى رشفات تلك المادة المغيبة، بدأت الخطوط تتداخل في مخيلته، وبدأ يزيح ملامح العجوز القابعة بجواره ليتخيل مكانها امرأة أخرى؛ تذكر سمر زوجة ابنها مصطفى، تلك التي رآها ذات مرة في زيارة خاطفة فاشتعلت في قلبه النيران. تحت تأثير هذا الخيال الآثم، انحنى باسم وحمل هيام بين ذراعيه بعنف، ودلف بها إلى غرفتها الداخلية وهو مغمض العينين. فمنذ اللحظة الأولى التي دبت فيها قدماه بيت هذه الحيزبون، وهو يحمل في أعماقه رغبة شديدة وشهوة دنيئة في التهام زوجة ابنها؛ لكنه كان لا يزال يجهل الطريق والسبيل للوصول إليها، بانتظار فرصة تجمع خطوطه الخبيثة بها.57 أنهت سما ساعات مناوبتها الطويلة، وقبل أن تغادر الغرفة المعقمة، التفتت لتلقي نظرة أخيرة على يوسف الراقد فوق فراشه الاستشفائي. في تلك اللحظة، سرى في أوصالها حدس مهني وإنساني غريب؛ شعرت بيقين يلامس قلبها بأن حديثها المتواصل معه على مدار اليوم، وتلك الكلمات الحازمة التي سكبتها في أذنه المخدرة، ستأتي بثمارها غداً، وأن هذا المستسلم لظلام الغيبوبة يوشك أن يفتح عينيه ليعود إلى دنياه. زفرت سما زفيراً حارقاً يحمل غصات الألم، وهي تستحضر في مخيلتها نظرات والدته المنهكة المكسورة وقهر شقيقه اللذين يمزقان نياط القلب خارج اللوح الزجاجي. خرجت سما من أسوار المستشفى وخطت في الشارع الممتد؛ ورغم الصخب والزحام الخانق الذي يحيط بها من كل جانب، وضجيج السيارات والبشر، إلا أنها كانت تشعر بوحدة قاتلة تعتصر روحها، كأنها تسير بمفردها في وادٍ مهجور من معالم الحياة. كانت تمضي بخطى آلية ميتة، ولم تعد تشعر بتلك التخبطات أو الأكتاف التي تصطدم بها وسط حشود المارة، فلقد تحولت في تلك اللحظات إلى مجرد جسد خاوٍ، آلة صماء تتحرك في الشوارع بلا هدف أو وجهة، هاربة من حقيقة مشاعرها. ما إن وصلت إلى بنايتها وصعدت الدرج، حتى
60 في تلك اللحظات الممتدة بين الموت والحياة، شعر يوسف بأنه عالقٌ في جوف دوامة سوداء مرعبة، تدور به بعنفوان كاسر وهو يدور معها مستسلماً لجاذبيتها. حاول أن يقاوم، وراح يصارع التيارات الخفية التي تجذبه بقسوة نحو الأسفل، نحو القاع المظلم حيث لا ألم ولا خذلان. كانت أنفاسه في الواقع مضطربة، متلاحقة وكأن صدره يضيق بالهواء، حتى خارت قواه تماماً وبدأ جسده وروحه في الاستسلام المطلق لتلك العتمة. وفجأة، شق صمت واديه السحيق صوتٌ عذب هبط عليه من عالم بعيد، صوتٌ يحمل رنين الأمل والدفء وجاءه كأنه طوق نجاة أُلقي إليه في الدقيقة الأخيرة (قوم يا يوسف.. قوم عشان خاطر مامتك) تردد صدى تلك الكلمات في ردهات عقله الباطن، فدبت في أوصاله الخامدة قوة مفاجئة سرت كالنار في الهشيم، قوة انتزعها من غريزة الابن البار ليحارب بها تيار الدوامة. بدأ الظلام يتراجع ببطء، وانقشعت السحب السوداء قليلاً وكأنه كان في غفوة قصيرة خارج حدود الزمن. لكن العودة لم تكن سهلة؛ إذ بدأت ذكرياته المخذولة تمر أمام عينيه كشريط سينمائي حارق، يستعرض أيامه الأخيرة تفصيلاً تفصيلاً، وصولاً إلى تلك اللحظة القاسية، لحظة الخنجر المسموم حين وقفت
59 سأعزف على أوتار قلبكِ أعظم ألحاني، فأنتِ ليَ الحياة، وأنتِ ليَ الأمل.. ليتغير تاريخ ميلادي بيوم لقائنا، وتقف الساعات حين غيابكِ، ليكفّ القلب تماماً عن الخفقان في البعد عنكِ. هكذا كانت تتدفق الخواطر والشجون في عقل حسن، وهو يقود سيارته على الطريق السريع الممتد، مستسلماً لفيضان من المشاعر الجارفة. لم يكن يركز في الطريق بقدر تركيزه مع تلك الفتنة القابعة بجواره؛ كان يتطلع إلى حور بين الحين والآخر بنظرات تفيض عشقاً، ويمد يده ليحتضن كفها الصغير، يضم أصابعها بدفء داخل قبضته القوية، بينما استسلمت حور لراحة اللحظة وأسندت رأسها برقة على كتفه العريض. ولم يكن حسن يبخل عليها؛ إذ كان ينحني بين دقيقة وأخرى ليطبع قبلات حانية متتالية على رأسها، يستنشق معها عبير شعرها الياسميني الأخّاذ الذي كان يتسلل إلى أعماقه لينعش رئتيه ويشعل ولهه. كان يستمع إليها بكل جوارحه وهي تقص عليه أحلامها الطفولية، وآمالها الوردية التي بدأت تنسجها بجواره، وتحدثه بنبرة عذبة عن كم تغيرت حياتها وانقلبت رأساً على عقب منذ أن دخل عالمها وانتشلها من جفائه. في تلك اللحظة، شعر حسن برغبة مجنونة تطغى عليه؛ ود لو يوقف السيارة في منت
58 جلست سمر على الأريكة المخملية، وقد ربعت قدميها بملل مرتدية منامتها الساتان؛ كانت تطعم ابنها الصغير بآلية وجفاء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعقلها شارد في ملكوت آخر. على المقعد المقابل لهما، كان زوجها مصطفى يجلس بنظرات ميتة، منشغلاً بلف أصابعه المرتعشة حول سجائر الشؤم المحشوة بتلك السموم المخدرة. راحت سمر تختلس إليه النظرات بين الحين والآخر، وفي صدرها غليان؛ قارنت بينه وبين حسن، زوج حور؛ ذلك الشاب اليافع الذي يشع حيوية، ونضارة، ورجولة طاغية تحسدها عليها النساء. تذكرت بـمرارة نظرات العشق والهيام الحارقة التي كان يخص بها حور بالأمس، بالرغم من كل محاولاتها المستميتة وحركاتها المتصنعة للفت أنظاره وإثارة إعجابه، لكنه لم يلتفت إليها وثبت بصره على حوريته وكأن سمر لم تكن موجودة اصلاً. لم يتوقف عقلها المتمرد عند حسن؛ بل استرجعت ذاكرتها الماكرة تلك اللحظة التي كانت تهبط فيها درج البناية، حين اصطدمت بـشقيق حسن، عصام.. تذكرت بنيته الجسدية القوية، عضلاته المفتولة البارزة، ونظرته الحادة الجامدة التي زلزلت كيانها كأنثى. أعادت بصرها بغم وندم نحو زوجها القابع أمامها، الغارق في مغيبات المخدرات، والذي
56 استيقظت سلمى على الصوت الملحّ لرنين هاتفها المحمول. راحت تتحسس الفراش بكسل وهي ما زالت معلقة في المنطقة الضبابية بين الحلم واليقظة، وقبل أن تفتح عينيها بالكامل، التقطت الهاتف لتراه يضيء بالاسم الذي اعتادت عليه طوال العام الماضي مخزناً بكلمة حبيبي. ولأن عقها الباطن ما زال تحت تأثير خدر النوم الكثيف، فتحت الخط وضمته إلى أذنها وهي تمتم بصوت مبحوح وناعم - يوسف... صباح الخير يا حبيبي... لم يأتِها الرد الحنون الذي انتظرته، بل باغتها صوت شادي الغاضب كالصاعقة وهو يزأر بنبرة حارقة جافة قطعت حبل نومها - يوسف؟ إنتي لسه بتنطقي اسم الزفت ده على لسانك أول ما تصحي؟ لسه فاكراه يا سلمى؟ انخلع قلبها وفزعت على الفور، ونهضت تعتدل في جلستها وهي تحاول لمشتات عقلها المذعور. تطلعت إلى شاشة الهاتف لتدرك فداحة خطئها؛ لقد نسيت تماماً أنها بالأمس فقط نقلت ملكية هذا اللقب لشادي! فكيف لها أن تنسى يوسف بين عشية وضحاها بعد كل تلك العشرة والأيام؟ ولكن يبدو أن تلك هي طريقتها وطباعها التي جُبلت عليها. سارعت بالاعتذار بنبرة متلعثمة يملؤها الارتباك - شادي.. أنا آسفة جداً، والله العظيم مأخدتش بالي.. أنا لسه صا
55 ما مضى من عمري بدونكِ لا أستطيع احتسابه، فأنتِ وحدكِ العمر ونبض الفؤاد.. وكيف لي أن أتخطى مرارة الماضي دونكِ، وقد أقسم نبضي ألا يخفق إلا لكِ، يا ملكةً تربعَت فوق عرش هذا القلب وعاثت فيه عشقاً؟ استيقظ حسن في الصباح الباكر قبل أن تتسلل خيوط الشمس بالكامل عبر ستائر الغرفة، ولم يتحرك إنشاً واحداً؛ بل ظل مكانه يتطلع بنظرات حانية تقطر شغفاً إلى تلك الغافية بسلام بين أحضانه. شرد فكره قليلاً وهو يتأمل تقاطيع وجهها المستكين؛ كم هو عجيب أمر هذه الصغيرة! ففي هذه المدة القصيرة جداً، استطاعت ببراءتها الفطرية، ونقائها العذب، وعفويتها اللامعة أن تمحو من قاع روحه كل الندوب والآلام التي خلفها ماضيه القاسي معها. أرجع حسن رأسه إلى الخلف مستنداً به على الوسادة، ثم وضع ذراعه خلف رأسه، وسافر بعقله في غياهب ماضٍ قديم نال من كبريائه ورجولته الكثير، وجعله لسنوات طويلاً يعيش خلف جدار من البرود والشك. لكن الخوف الحقيقي الذي بدأ يزحف إلى صدره الآن لم يكن من الماضي، بل من الحاضر؛ إنه يخشى بـصدق أن تُفسد عائلته بأنانيتهم وطمعهم الذي بات مكشوفاً هذه السعادة الطاهرة التي انتزعها من مخالب الدنيا بالنهاية. انع
دلفت حور من باب المدرسة بخطوات مرتجفة وقلب ينبض بالدعاء. التفتت حولها لتلقي تحية الصباح على زميلاتها اللاتي بدا عليهن التوتر، وتوجه الجميع بلهفة نحو اللوحات المعلقة لإحضار النتيجة. وفجأة، شق صمت المكان صرخة فرحة عارمة أطلقتها فرح؛ صديقة حور المقربة وتوأم روحها.ركضت فرح نحو حور وهي تلوح بيديها وتكا
بالرغم من غصّة الظلم التي كانت تسكن جوف حور، ودموعها التي تزرفها يوميًا في خلوتها على حالها وأحلامها الموؤودة، إلا أنها نفضت كل ذلك جانبًا في لمح البصر. تلاشت ملامح العتاب من عينيها، وأمسكت بيد والدها تضغط عليها برفق منفيةً كلامه- متقولش كده يا بابا، أنت مقصرتش معايا في حاجة خالص...... الحمد لله ع
تسارع الأحداث.. وتدور عجلة الزمن بقطار العمر لتمر ثلاث سنوات كاملة، تبدلت فيها النفوس وتغيرت معها ملامح الحياة في ذلك البيت القديم. أُحيل عادل إلى المعاش، فلم يعد جسده النحيل يقوى على مجاراة شقاء السنين، لكنه لم يطق البقاء في المنزل؛ كان يهرب من جدرانه هربًا من النظرات الخبيثة لزوجة ابنه اللعوب، ف
انتهى مصطفى من ساعات عمله الشاقة في الورشة، والضيق يأكل صدره طيلة اليوم. كان يغلي من الداخل؛ ففكرة خسارة سمر وفراقها بالنسبة إليه بمثابة طعنة قاتلة لا يقوى على احتمالها. لقد كان يعشقها بجنون، ولا يتخيل حياته بدونها؛ فهي الوحيدة كما كان يدعي ويوهم نفسه التي وجد معها الحنان الذي طالما افتقده في حيا
![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)






