Share

البارت الخامس

Penulis: Faten Aly
last update Tanggal publikasi: 2026-06-09 19:24:41

بالرغم من غصّة الظلم التي كانت تسكن جوف حور، ودموعها التي تزرفها يوميًا في خلوتها على حالها وأحلامها الموؤودة، إلا أنها نفضت كل ذلك جانبًا في لمح البصر. تلاشت ملامح العتاب من عينيها، وأمسكت بيد والدها تضغط عليها برفق منفيةً كلامه

- متقولش كده يا بابا، أنت مقصرتش معايا في حاجة خالص...... الحمد لله على كل حال.

تابعت بنبرة هادئة حملت في طياتها حزنًا شفيفًا، لكنها نبعت من اقتناع تام ورضا حقيقي بقضاء الله

- أنا راضية يا بابا بكل اللي ربنا كاتبهولي، ومفيش حاجة بتحصل من غير حكمة، يمكن الخير ليا هنا في ده وإحنا منعرفش.. المهم عندي تفضل أنت راضي عني وبصحة وخير.

كانت حور بتلك الكلمات لا تطمئن والدها فحسب، بل كانت كمن يطبطب برفق على قلبه المثقل بالجراح، وتدعوه للهدوء وهدنة قصيرة مع تأنيب الضمير.

دمعت عينا عادل ورفع يده بالدعاء لها، وصوته يرتجف

- ربنا يرضى عنك ويديكي على قد صبِرِك يا حور.. أنتِ نعم الابنة البارة، ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي.

ساد الصمت بينهما لثوانٍ، غرق فيها عادل في بئر ذكرياته الأليمة؛ تذكر خطأه الفادح في الماضي عندما تزوج من تلك السيدة (والدة مصطفى) التي حطمت حياته ونثرت الأشواك في طريقه، ولم تترك له من ذكراها سوى ابن عاق فاشل يجرع مرارة عقوقه كل صباح ومساء.

شعرت حور بظلال الحزن التي خيمت على ملامح أبيها، ولم تكن تريد الخوض في تلك السيرة المريرة الآن، فأرادت تغيير مجرى الحديث لتنتشل والدها من غرقه. استأذنته بلطف

- بابا.. تسمحلي أروح لصاحبتى جنة عشان أطمنها على نتيجتي؟ ومش هتأخر عليك، هروح وأرجع علطول.

ابتسم عادل وأخرج من جيبه بعض النقود القليلة، وضعها في يدها بحنو وأذن لها بالذهاب. وقف يتطلع في أثرها، يراقب خطى حوريته وهي تغيب عن ناظريه وسط زحام الشارع، وفي تلك اللحظة بالذات، هبت عليه نسمة من الماضي؛ فتذكر زوجته الراحلة (والدة حور)، وتذكر حنانها الطاغية ورقتها التي تشبه رقة ابنتها، ليتنهد بأسى على زمن جميل ولى ولن يعود.

✨✨✨✨✨✨✨

دلف مصطفى من باب الشقة والإنهاك يثقل كاهله بعد يوم عمل طويل في الورشة، لكن كل ذلك التعب تخرس أطرافه فجأة عندما وقع بصرُه على سمر. كانت لا تزال مستلقية بالإغراء ذاته، ترتدي منامتها السوداء الشفافة المنسوجة من الحرير، والتي تلتصق بجسدها بتفاصيل مثيرة تكشف أكثر مما تخفي، مبرزةً عري ظهرها ومنحنياتها بوقاحة آسرة.

التمعت عينا مصطفى ببريق الشهوة، وسرى الخدر في عروقه وهو يتأملها بنهم، خاصة بعدما علم بنظرة سريعة أن الشقة خالية تمامًا، وأن الأجواء مهيأة لهما بمفردهما. اقترب منها بخطوات لاهثة، لكنها فاجأته بأن هبت واقفة وتراجعت للخلف، وهي تصرخ في وجهه ممتعضة، عاقدة حاجبيها بتأفف

- ابعد عني كده يا مصطفى... إيه الريحة دي؟ جاز وشحم على الصبح؟ أنا مش قادرة أتحمل

ثم تلوت شفتاها بتمثيل متقن وهي تتصنع الإعياء الشديد، وتابعت تشتكي بنبرة متباكية مسمومة

- أنا ضهري انكسر من النجمة في تنظيف البيت وطبخ الأكل وتربية الولد، وست حور هانم صابحة من بدري صايعة في الشوارع ومحدش قادر عليها ولا كاسر لها كلمة، سايبالي الشقا كله ونازلة تتدلع

كانت سمر ترمقه بطرف عينها، تراقب بدقة ملامح وجهه التي بدأت تحتقن بالـغضب وتأثير كلماتها المحرضة عليه. ابتسمت في أعماقها بخبث ولؤم بعدما تأكدت أنها أصابت هدفها بدقة، فأرادت أن تزيد النار اشتعالاً لتكسب جولتها الكبرى، فاقتربت منه خطوة وتمايلت بجسدها قائلة بنبرة ذات دلال وعتب

- أنا تعبت من العيشة دي يا مصطفى.....بيت مقرف مش عارفة آخد راحتى خالص، لا عارفة أخد راحتي في بيتي ولا ألبس اللي على هوايا وأتدلع لجوزي

انمحت عقله فكرة العمل والجهد، وأعماه سحر جسدها وكلماتها. اقترب منها بجاذبية لا تقاوم، وجذبها من خصرها بقوة نحو صدره العريض حتى التزق جسداهما تمامًا، وهمس بفحيح لاهث يملؤه الرغبة العارمة وهو يدفن وجهه في عنقها العاري، مستنشقًا عطرها النفاذ بقبلات ساخنة ومتلاحقة تداعب بشرتها

- حقك عليا يا قلبي.. متزعليش، والنعمة في كتاب الله لأربيها، حور دي هربيها.... بس تعالى دلوقتى

تلاشت ملامح التمنع من وجه سمر وحلت مكانها نظرة خاضعة مستسلمة لسطوته، وتجاوبت معه بنعومة ودلال التفت فيه ذراعاها حول عنقه بقوة، تارة تبادله الأنفاس اللاهثة، وتارة تغرس أظافرها في كتفيه بإثارة. لم يحتمل مصطفى هذا الفيضان من الدلال، فانحنى وحملها بين ذراعيه بخفة، بينما رصعت سمر وجهه بقبلات متفجرة، ليتجه بها بخطوات سريعة متخبطة نحو غرفة نومهما..

وهنا.. نغلق نحن باب الغرفة وباب الشقة أيضًا، فالبيوت أسرار، ولندع الأحداث تأخذ مجراها خلف الأبواب المغلقة، بانتظار ما ستسفر عنه العاصفة القادمة لحور عند عودتها.

✨✨✨✨✨✨✨

وصلت حور إلى البناية التي تقطن بها صديقتها جنة. وقفت لوهلة تتأمل الطراز الحديث للعمارة، ثم دلفت إلى الداخل. اتجهت أنظارها نحو باب المصعد المعدني، فتملكها خوف طفولي غريب، وتخيلت وكأن ذلك الصندوق الحديدي وحش يتربص بها؛ فلوحت له بذعر مضحك، والتدفت نحو السلم تركض صعودًا على الدرج بنشاط لم تخلُ منه الرهبة.

وصلت إلى باب الشقة وهي تلهث بشدة، تكاد أنفاسها تنقطع، ووقفت تحاول تنظيم شهيقها وزفيرها وهي تطرق الباب بيدين مرتعشتين. انفتح الباب لتطل منه جنة، التي تطلعت إليها بدهشة عارمة من منظرها اللاهث وكأنها كانت في سباق للجري، وتساءلت بذهول عن حالتها، لتجيبها حور بنبرة مقطوعة وهي تستند إلى الجدار

- طلعت على السلم.. رجلي انكسرت.

انفجرت جنة ضاحكة بصوت عالٍ؛ فهي تعلم علم اليقين مدى فوبيا حور وخوفها المرضي من المصاعد، وجذبتها من يدها تدعوها للدخول

- ادخلي يا خوافة، دايماً عاملة لنا مناحة من الأسانسير.

دلفت حور إلى ردهة الشقة، ودون مقدمات، أخرجت من حقيبتها الصغيرة ورقة النتيجة الرسمية الخاصة بجنة ومدتها إليها. تلقتها جنة بلهفة وفرحة عارمة كادت تطير بها؛ فاليوم أعلنت شهادة تخرجها الرسمية، وبات بإمكانها أخيرًا الزواج من حبيبها الذي انتظر هذا اليوم بفارغ الصبر.

استغلت حور هذه اللحظات لتلتقط أنفاسها وتستعيد توازنها، ثم هبت واقفة فجأة، ورسمت علامات غضب مصطنعة على وجهها الصبوح، وتساءلت بعصبية ونبرة عتاب

- ممكن أسمع بقى إيه سبب شحططتي دي؟ وليه تخليني أروح أجيب نتيجتك أنا بالنيابة عنك، مع إنك صحتك زي البمب وتقدرى تمشي على رجليكي؟

اقتربت جنة منها بأسف مبتسمة، وطبعت قبلة حانية على وجنتها الناعمة ثم احتضنتها بقوة، معتذرة عن ذلك المجهود الذي بذلته حور بالنيابة عنها، وقالت بنبرة حماسية

- حقك عليا يا حوري متزعليش.. والله غصب عني، ابن خالتي لسه راجع من السفر النهاردة بعد غياب سنين، وأنا مع خالتي في بيتها من يومين بنجهز كل حاجة، لسه داخلة بيتنا مفيش من شوية صغيرة

شعرت حور بالشفقة والالتماس لصديقتها عقب سماع عذرها. تلاشت عصبيتها، وضربت جنة بخفة ودلال على كتفها، لتشرق على شفتيها المكتنزتين تلك الابتسامة الرقيقة الساحرة التي تميزها، وتزينت وجنتيها بالغمازتين المحفورتين اللتين تزيدان وجهها فتنة وبهاءً، وقالت بحب

- مبروك يا حبيبتي، ربنا يسعدك ويتمملك على خير.

همت حور بالانصراف بالرغم من توسلات جنة الحارة وإلحاحها الشديد بأن تمكث معها لتقضيا بعض الوقت معًا، إلا أن حور رفضت بلطف وغادرت البناية.

لم تكن حور ترغب في العودة إلى المنزل قط؛ فهي تعلم جزيئات الوقت بدقة، وتعلم أن والدها الحنون ما زال مرابطًا في عمله، بينما شقيقها القاسي مصطفى قد عاد حتمًا إلى الشقة. شعرت بنفور جارف وضيق في صدرها من فكرة مواجهة ذلك الأخ المتجبر، وزوجته الأفعى سمر التي تتفنن في معاملتها بأسوأ ما يكون وإذلالها في غياب أبيها.

راحت حور تجوب الشوارع والحواري العتيقة بخطى وئيدة هائمة، مستسلمة لدوامة الأفكار التي بدأت تنهش عقلها؛ لقد أنهت دراستها رسميًا اليوم، فماذا بعد؟ ماذا ستفعل في الأيام القادمة وما هو مصيرها المجهول؟ بالرغم من جمالها الصارخ الذي جعل الكثير من شباب الحي يتقدمون لخطبتها طوال الفترات الماضية، إلا أنها كانت تقابل كل طلب بالرفض القاطع؛ لعلمها ويقينها التام أن هؤلاء الخطاب لم يأتوا إلا من طرف زوجة أخيها سمر وبتدبير خبيث منها، للتخلص منها وإلقائها لأي شخص.

لم تشعر حور كم مضى من الوقت وهي تمشي على غير هدى في أزقة القاهرة، حتى بدأت خيوط الشمس الذهبية بالانكسار، وشعرت بآلام مبرحة تنهش أقدامها الصغيرة، وتسلل الوهن والضعف إلى كامل جسدها الممشوق؛ فهي لم تتناول أي لقمة أو قطرة ماء منذ استيقاظها صباحًا من فرط القلق.

وجدت نفسها في نهاية المطاف تعود بخطى مكسورة نحو مربع بيتها؛ فالمنزل بالنسبة إليها رغم قسوته وجحيمه، يظل شرًا لابد منه، ومأوى لا بديل عنه لتسند رأسها المتعب وتواجه ما تخبئه لها الساعات القادمة خلف الباب المغلق.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • أسوار العشق    57

    57 أنهت سما ساعات مناوبتها الطويلة، وقبل أن تغادر الغرفة المعقمة، التفتت لتلقي نظرة أخيرة على يوسف الراقد فوق فراشه الاستشفائي. في تلك اللحظة، سرى في أوصالها حدس مهني وإنساني غريب؛ شعرت بيقين يلامس قلبها بأن حديثها المتواصل معه على مدار اليوم، وتلك الكلمات الحازمة التي سكبتها في أذنه المخدرة، ستأتي بثمارها غداً، وأن هذا المستسلم لظلام الغيبوبة يوشك أن يفتح عينيه ليعود إلى دنياه. زفرت سما زفيراً حارقاً يحمل غصات الألم، وهي تستحضر في مخيلتها نظرات والدته المنهكة المكسورة وقهر شقيقه اللذين يمزقان نياط القلب خارج اللوح الزجاجي. خرجت سما من أسوار المستشفى وخطت في الشارع الممتد؛ ورغم الصخب والزحام الخانق الذي يحيط بها من كل جانب، وضجيج السيارات والبشر، إلا أنها كانت تشعر بوحدة قاتلة تعتصر روحها، كأنها تسير بمفردها في وادٍ مهجور من معالم الحياة. كانت تمضي بخطى آلية ميتة، ولم تعد تشعر بتلك التخبطات أو الأكتاف التي تصطدم بها وسط حشود المارة، فلقد تحولت في تلك اللحظات إلى مجرد جسد خاوٍ، آلة صماء تتحرك في الشوارع بلا هدف أو وجهة، هاربة من حقيقة مشاعرها. ما إن وصلت إلى بنايتها وصعدت الدرج، حتى

  • أسوار العشق    60

    60 في تلك اللحظات الممتدة بين الموت والحياة، شعر يوسف بأنه عالقٌ في جوف دوامة سوداء مرعبة، تدور به بعنفوان كاسر وهو يدور معها مستسلماً لجاذبيتها. حاول أن يقاوم، وراح يصارع التيارات الخفية التي تجذبه بقسوة نحو الأسفل، نحو القاع المظلم حيث لا ألم ولا خذلان. كانت أنفاسه في الواقع مضطربة، متلاحقة وكأن صدره يضيق بالهواء، حتى خارت قواه تماماً وبدأ جسده وروحه في الاستسلام المطلق لتلك العتمة. وفجأة، شق صمت واديه السحيق صوتٌ عذب هبط عليه من عالم بعيد، صوتٌ يحمل رنين الأمل والدفء وجاءه كأنه طوق نجاة أُلقي إليه في الدقيقة الأخيرة (قوم يا يوسف.. قوم عشان خاطر مامتك) تردد صدى تلك الكلمات في ردهات عقله الباطن، فدبت في أوصاله الخامدة قوة مفاجئة سرت كالنار في الهشيم، قوة انتزعها من غريزة الابن البار ليحارب بها تيار الدوامة. بدأ الظلام يتراجع ببطء، وانقشعت السحب السوداء قليلاً وكأنه كان في غفوة قصيرة خارج حدود الزمن. لكن العودة لم تكن سهلة؛ إذ بدأت ذكرياته المخذولة تمر أمام عينيه كشريط سينمائي حارق، يستعرض أيامه الأخيرة تفصيلاً تفصيلاً، وصولاً إلى تلك اللحظة القاسية، لحظة الخنجر المسموم حين وقفت

  • أسوار العشق    59

    59 سأعزف على أوتار قلبكِ أعظم ألحاني، فأنتِ ليَ الحياة، وأنتِ ليَ الأمل.. ليتغير تاريخ ميلادي بيوم لقائنا، وتقف الساعات حين غيابكِ، ليكفّ القلب تماماً عن الخفقان في البعد عنكِ. هكذا كانت تتدفق الخواطر والشجون في عقل حسن، وهو يقود سيارته على الطريق السريع الممتد، مستسلماً لفيضان من المشاعر الجارفة. لم يكن يركز في الطريق بقدر تركيزه مع تلك الفتنة القابعة بجواره؛ كان يتطلع إلى حور بين الحين والآخر بنظرات تفيض عشقاً، ويمد يده ليحتضن كفها الصغير، يضم أصابعها بدفء داخل قبضته القوية، بينما استسلمت حور لراحة اللحظة وأسندت رأسها برقة على كتفه العريض. ولم يكن حسن يبخل عليها؛ إذ كان ينحني بين دقيقة وأخرى ليطبع قبلات حانية متتالية على رأسها، يستنشق معها عبير شعرها الياسميني الأخّاذ الذي كان يتسلل إلى أعماقه لينعش رئتيه ويشعل ولهه. كان يستمع إليها بكل جوارحه وهي تقص عليه أحلامها الطفولية، وآمالها الوردية التي بدأت تنسجها بجواره، وتحدثه بنبرة عذبة عن كم تغيرت حياتها وانقلبت رأساً على عقب منذ أن دخل عالمها وانتشلها من جفائه. في تلك اللحظة، شعر حسن برغبة مجنونة تطغى عليه؛ ود لو يوقف السيارة في منت

  • أسوار العشق    58

    58 جلست سمر على الأريكة المخملية، وقد ربعت قدميها بملل مرتدية منامتها الساتان؛ كانت تطعم ابنها الصغير بآلية وجفاء دون أن تنطق بكلمة واحدة، وعقلها شارد في ملكوت آخر. على المقعد المقابل لهما، كان زوجها مصطفى يجلس بنظرات ميتة، منشغلاً بلف أصابعه المرتعشة حول سجائر الشؤم المحشوة بتلك السموم المخدرة. راحت سمر تختلس إليه النظرات بين الحين والآخر، وفي صدرها غليان؛ قارنت بينه وبين حسن، زوج حور؛ ذلك الشاب اليافع الذي يشع حيوية، ونضارة، ورجولة طاغية تحسدها عليها النساء. تذكرت بـمرارة نظرات العشق والهيام الحارقة التي كان يخص بها حور بالأمس، بالرغم من كل محاولاتها المستميتة وحركاتها المتصنعة للفت أنظاره وإثارة إعجابه، لكنه لم يلتفت إليها وثبت بصره على حوريته وكأن سمر لم تكن موجودة اصلاً. لم يتوقف عقلها المتمرد عند حسن؛ بل استرجعت ذاكرتها الماكرة تلك اللحظة التي كانت تهبط فيها درج البناية، حين اصطدمت بـشقيق حسن، عصام.. تذكرت بنيته الجسدية القوية، عضلاته المفتولة البارزة، ونظرته الحادة الجامدة التي زلزلت كيانها كأنثى. أعادت بصرها بغم وندم نحو زوجها القابع أمامها، الغارق في مغيبات المخدرات، والذي

  • أسوار العشق    56

    56 استيقظت سلمى على الصوت الملحّ لرنين هاتفها المحمول. راحت تتحسس الفراش بكسل وهي ما زالت معلقة في المنطقة الضبابية بين الحلم واليقظة، وقبل أن تفتح عينيها بالكامل، التقطت الهاتف لتراه يضيء بالاسم الذي اعتادت عليه طوال العام الماضي مخزناً بكلمة حبيبي. ولأن عقها الباطن ما زال تحت تأثير خدر النوم الكثيف، فتحت الخط وضمته إلى أذنها وهي تمتم بصوت مبحوح وناعم - يوسف... صباح الخير يا حبيبي... لم يأتِها الرد الحنون الذي انتظرته، بل باغتها صوت شادي الغاضب كالصاعقة وهو يزأر بنبرة حارقة جافة قطعت حبل نومها - يوسف؟ إنتي لسه بتنطقي اسم الزفت ده على لسانك أول ما تصحي؟ لسه فاكراه يا سلمى؟ انخلع قلبها وفزعت على الفور، ونهضت تعتدل في جلستها وهي تحاول لمشتات عقلها المذعور. تطلعت إلى شاشة الهاتف لتدرك فداحة خطئها؛ لقد نسيت تماماً أنها بالأمس فقط نقلت ملكية هذا اللقب لشادي! فكيف لها أن تنسى يوسف بين عشية وضحاها بعد كل تلك العشرة والأيام؟ ولكن يبدو أن تلك هي طريقتها وطباعها التي جُبلت عليها. سارعت بالاعتذار بنبرة متلعثمة يملؤها الارتباك - شادي.. أنا آسفة جداً، والله العظيم مأخدتش بالي.. أنا لسه صا

  • أسوار العشق    55

    55 ما مضى من عمري بدونكِ لا أستطيع احتسابه، فأنتِ وحدكِ العمر ونبض الفؤاد.. وكيف لي أن أتخطى مرارة الماضي دونكِ، وقد أقسم نبضي ألا يخفق إلا لكِ، يا ملكةً تربعَت فوق عرش هذا القلب وعاثت فيه عشقاً؟ استيقظ حسن في الصباح الباكر قبل أن تتسلل خيوط الشمس بالكامل عبر ستائر الغرفة، ولم يتحرك إنشاً واحداً؛ بل ظل مكانه يتطلع بنظرات حانية تقطر شغفاً إلى تلك الغافية بسلام بين أحضانه. شرد فكره قليلاً وهو يتأمل تقاطيع وجهها المستكين؛ كم هو عجيب أمر هذه الصغيرة! ففي هذه المدة القصيرة جداً، استطاعت ببراءتها الفطرية، ونقائها العذب، وعفويتها اللامعة أن تمحو من قاع روحه كل الندوب والآلام التي خلفها ماضيه القاسي معها. أرجع حسن رأسه إلى الخلف مستنداً به على الوسادة، ثم وضع ذراعه خلف رأسه، وسافر بعقله في غياهب ماضٍ قديم نال من كبريائه ورجولته الكثير، وجعله لسنوات طويلاً يعيش خلف جدار من البرود والشك. لكن الخوف الحقيقي الذي بدأ يزحف إلى صدره الآن لم يكن من الماضي، بل من الحاضر؛ إنه يخشى بـصدق أن تُفسد عائلته بأنانيتهم وطمعهم الذي بات مكشوفاً هذه السعادة الطاهرة التي انتزعها من مخالب الدنيا بالنهاية. انع

  • أسوار العشق    البارت السادس

    عند حسن..كان حسن يتوسط مائدة الطعام، تحيط به هالة من دفء العائلة المفتقد؛ فعن يمينه شقيقه الأصغر عصام، وعن يساره شقيقه محمد، وبجوارهما شقيقتهم الوحيدة إيناس التي وصلت قبل قليل، وعلى وجهها علامات الشوق الطاغي لشقيقها المغترب.كانت مائدة الطعام عامرة بما لذ وطاب؛ أصناف شتى من المحاشي، وصواني اللحوم

  • أسوار العشق    البارت الرابع

    تسارع الأحداث.. وتدور عجلة الزمن بقطار العمر لتمر ثلاث سنوات كاملة، تبدلت فيها النفوس وتغيرت معها ملامح الحياة في ذلك البيت القديم. أُحيل عادل إلى المعاش، فلم يعد جسده النحيل يقوى على مجاراة شقاء السنين، لكنه لم يطق البقاء في المنزل؛ كان يهرب من جدرانه هربًا من النظرات الخبيثة لزوجة ابنه اللعوب، ف

  • أسوار العشق    البارت الثالث

    انتهى مصطفى من ساعات عمله الشاقة في الورشة، والضيق يأكل صدره طيلة اليوم. كان يغلي من الداخل؛ ففكرة خسارة سمر وفراقها بالنسبة إليه بمثابة طعنة قاتلة لا يقوى على احتمالها. لقد كان يعشقها بجنون، ولا يتخيل حياته بدونها؛ فهي الوحيدة كما كان يدعي ويوهم نفسه التي وجد معها الحنان الذي طالما افتقده في حيا

  • أسوار العشق    البارت الثانى

    دلفت حور من باب المدرسة بخطوات مرتجفة وقلب ينبض بالدعاء. التفتت حولها لتلقي تحية الصباح على زميلاتها اللاتي بدا عليهن التوتر، وتوجه الجميع بلهفة نحو اللوحات المعلقة لإحضار النتيجة. وفجأة، شق صمت المكان صرخة فرحة عارمة أطلقتها فرح؛ صديقة حور المقربة وتوأم روحها.ركضت فرح نحو حور وهي تلوح بيديها وتكا

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status