LOGINدلف عادل إلى الشقة بخطوات مثقلة بالهموم بعد يوم عمل شاق، ولم يكد يضع مفاتيحه حتى توجه فورًا نحو غرفة ابنته حور ليطمئن عليها. طرَق الباب برفق مستدعيًا إياها، ولكن لم يأته أي رد. انقبض صدره فجأة وتسلل الرعب إلى أوصاله؛ فأعاد الطرق بإلحاح وقلق ينبض في نبرات صوته وهو يناديها - حور.. أنتِ جوه يا بنتي؟ حور ردي عليا. بعد لحظات بدت له كالساعات، تحرك المزلاج ببطء وانفتح الباب لتطل منه حور. وما إن دلف عادل إلى عتمة الغرفة ووقع بصره عليها، حتى تجمدت الدماء في عروقه؛ كانت ملامحها شاحبة، وثوبها مبعثرًا، وحين رفعت يدها لتزيح خصلات شعرها المتمرصع على وجهها، انقشعت الأكمام لتكشف عن علامات حمراء وزرقاء داكنة كست بشرتها الناعمة، ناهيك عن الكدمات التي بدأت ترتسم على كتفها. لم يكن بحاجة لسؤالها؛ فالمشهد نطق بكل تفاصيله، وعلم على الفور أن حوريته قد تلقت وجبة جديدة من العنف المتوحش والغل على يد ذلك الجزار المسمى شقيقها. اندفع عادل نحوها وجذبها إلى صدره، وضمرها بين أحضانه بقوة وجسده ينتفض غضبًا وحسرة. انهمرت دموعه على شعرها وهو يهمس بنبرة مكسورة ومتهدجة - سامحيني يا بنتي.. حقك عليا يا نور عيني.. أنا ال
عند حور.. عادت حور بخطى متهالكة وهي تشعر بتعبٍ مبرح ووهن شديد يسري في أطرافها؛ كان كل ما تتمناه في تلك اللحظة هو أن تدلف إلى المطبخ بهدوء، وتصنع لنفسها شطيرة بسيطة مع كوب من الشاي الدافئ يسند طولها، لتخلد بعدها مباشرة إلى النوم لعيدًا عن هذا العالم الصاخب. لكن آمالها تبخرت في الهواء ما إن دفعت باب الشقة ودلفت إلى الداخل؛ إذ تسمرت مكانها برعب حين وجدت شقيقها مصطفى يقف في منتصف الصالة، يتطلع إليها بنظرات جاحظة ومتوعدة تحمل كل معاني الشر. خطى نحوها بخطوات ثقيلة وهو يزجرها بصوته الجهوري الذي زلزل أركان المكان، بينما كانت أنفاسه تتصاعد لتفوح منها رائحة الحشيش الكريهة والنفاذة. تكره حور تلك الرائحة جداً وتصيبها بالغثيان، لأنها تعلم علم اليقين أن شقيقها عندما تفوح منه هذه الرائحة لا يكون في كامل وعيه، ويتحول إلى وحش كاسر لا يرحم. صرخ في وجهها بقسوة - كنتِ فين لحد دلوقتي يا هانم؟ وسارحة في الشوارع من النجمة ومن غير إذن مين؟ لم يكن لدى حور طاقة للمجادلة أو العراك في هذه الحالة من الإعياء؛ لذا فضلت الصمت والانسحاب، وردت بنبرة هادئة وخافتة وهي تحاول تجاوزه - أنا مكنتش سارحة يا مصطفى.. أنا
عند حسن..كان حسن يتوسط مائدة الطعام، تحيط به هالة من دفء العائلة المفتقد؛ فعن يمينه شقيقه الأصغر عصام، وعن يساره شقيقه محمد، وبجوارهما شقيقتهم الوحيدة إيناس التي وصلت قبل قليل، وعلى وجهها علامات الشوق الطاغي لشقيقها المغترب.كانت مائدة الطعام عامرة بما لذ وطاب؛ أصناف شتى من المحاشي، وصواني اللحوم المحمرة، والدجاج المتبل، والحمام المحشو بالفريك الذي تفوح رائحته الشهية لتملاً أركان الشقة. تطلع حسن إلى المائدة بذهول، ثم التفت نحو المطبخ حيث تقف والدته وضج بضحكة دافئة من قلبه قائلًا بمرح- إيه كل ده يا أمي؟ دي مش سفرة استقبال.. دي ما شاء الله بقت مائدة الرحمن من كتر الخير والأصناف اللي تفتح النفس.... احنا مكناش عايشين بقىمال عليه عصام، وضربه برفق على كتفه قائلًا بابتسامة- اضحك اضحك يا عم.. والنعمة أمك واقفة على رجليها في المطبخ بتجهز في الأكلات دي من يومين كاملين، ومكنتش راضية تخلي حد فينا يمد إيده عشان تعملك كل حاجة بنفسها.في تلك اللحظة، خرجت السيدة زينب من المطبخ حامطة آخر الأطباق، ووضعتها على المائدة ثم تسمرت مكانها. تطلعت إلى وجه حسن بنظرات طويلة حائرة، كأنها تحاول أن تشبع عينيه
بالرغم من غصّة الظلم التي كانت تسكن جوف حور، ودموعها التي تزرفها يوميًا في خلوتها على حالها وأحلامها الموؤودة، إلا أنها نفضت كل ذلك جانبًا في لمح البصر. تلاشت ملامح العتاب من عينيها، وأمسكت بيد والدها تضغط عليها برفق منفيةً كلامه- متقولش كده يا بابا، أنت مقصرتش معايا في حاجة خالص...... الحمد لله على كل حال.تابعت بنبرة هادئة حملت في طياتها حزنًا شفيفًا، لكنها نبعت من اقتناع تام ورضا حقيقي بقضاء الله- أنا راضية يا بابا بكل اللي ربنا كاتبهولي، ومفيش حاجة بتحصل من غير حكمة، يمكن الخير ليا هنا في ده وإحنا منعرفش.. المهم عندي تفضل أنت راضي عني وبصحة وخير.كانت حور بتلك الكلمات لا تطمئن والدها فحسب، بل كانت كمن يطبطب برفق على قلبه المثقل بالجراح، وتدعوه للهدوء وهدنة قصيرة مع تأنيب الضمير.دمعت عينا عادل ورفع يده بالدعاء لها، وصوته يرتجف- ربنا يرضى عنك ويديكي على قد صبِرِك يا حور.. أنتِ نعم الابنة البارة، ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي.ساد الصمت بينهما لثوانٍ، غرق فيها عادل في بئر ذكرياته الأليمة؛ تذكر خطأه الفادح في الماضي عندما تزوج من تلك السيدة (والدة مصطفى) التي حطمت حياته ونثرت الأشوا
تسارع الأحداث.. وتدور عجلة الزمن بقطار العمر لتمر ثلاث سنوات كاملة، تبدلت فيها النفوس وتغيرت معها ملامح الحياة في ذلك البيت القديم. أُحيل عادل إلى المعاش، فلم يعد جسده النحيل يقوى على مجاراة شقاء السنين، لكنه لم يطق البقاء في المنزل؛ كان يهرب من جدرانه هربًا من النظرات الخبيثة لزوجة ابنه اللعوب، فخرج يبحث عن أي عمل بسيط، ليس لقمة للعيش فحسب، بل حماية لنفسه ولبيته من أن يجمعه سقف واحد مع سمر بمفردهما. أما سمر، فقد أنجبت طفلاً أسمته آدم، جاء نسخة مصغرة من أبيه في الملامح، لكن قدوم الطفل لم يغير من طباعها القذرة شيئًا، ولم يثنها عن أفعالها المشبوهة. كان يسكنها حقد أسود وغيرة نهشت قلبها من حور ومن جمالها الفتان الذي يزداد نضجًا وبهاءً بمرور الأيام. كانت سمر تتلذذ بافتعال المشاكل وتلفيق الأكاذيب لحور، محرضة مصطفى عليها، ولا تهدأ ولا يستقر لها بال إلا عندما ترى يد مصطفى الغليظة تهوي على وجه أخته، وعندما تبصر دموع الحورية تتساقط كاللؤلؤ، لتشق علامات الحزن طريقها في ملامحها البريئة. في المقابل، تحول مصطفى إلى وحش كاسر؛ صار أكثر عنفًا وقسوة مع والده المسن وأخته المسكينة، بينما كان ينقلب أما
انتهى مصطفى من ساعات عمله الشاقة في الورشة، والضيق يأكل صدره طيلة اليوم. كان يغلي من الداخل؛ ففكرة خسارة سمر وفراقها بالنسبة إليه بمثابة طعنة قاتلة لا يقوى على احتمالها. لقد كان يعشقها بجنون، ولا يتخيل حياته بدونها؛ فهي الوحيدة كما كان يدعي ويوهم نفسه التي وجد معها الحنان الذي طالما افتقده في حياته القاسية.نعم، لقد عاش مصطفى طفولة مشوهة جافة خالية من عطف الأمومة؛ إذ نشأ ضحية لإنفصال والديه. انتقل بعدها ليعيش في كنف جدته لأبيه، التي لم تكن تملك الطاقة لتربيته، فكانت تنهره بعنف دائمًا نظرًا لشقاوته المفرطة وكبر سنها، ولم يكن ينتهي توبيخها له إلا بسبّ والدته وتقريعها، تلك الأم التي تخلت عنه وهو طفل صغير، وتركته لأبيه من أجل أن تتزوج برجل آخر وتبدأ حياتها بعيدًا عنه.زفر مصطفى بعنف وضيق جرف معه ذكرياته الأليمة، وضرب جدار الورشة بقبضة يده ضربة قوية كادت تدمي أصابعه. شعر بكتلة من الغضب تعتصر قلبه، لكنها تحولت في لحظة إلى إصرار أعمى؛ لقد عزم أمره على التمسك بسمر مهما كلفه الأمر، ولن يسمح لأحد بأن ينتزعها منه.توجه إلى المكان المحدد لتلاقيهما اليومي ووقف ينتظرها، وما هي إلا دقائق حتى أقبلت







