FAZER LOGINخرج "رأفت المنشاوي" من باب البرج الزجاجي لشركات "الراوي" كعاصفة مسمومة، تاركاً وراءه أجواءً محملة برائحة البارود والترقب. في المكتب الرئيسي الفخم، بقي "مالك" واقفاً في مكانه خلف الطاولة الخشبية الضخمة. لم يتحرك شبرًا واحدًا، بل ظل ممسكًا بمقبض عصاه الفضية، وعيناه مثبتتان على الباب المغلق بنظرة صقرية قادرة على اختراق الجدران. كان ينصت إلى دقات قلبه الغاضبة التي تضرب صدره بعنف، بينما بدأت قطرات العرق البارد تتسلل على جبينه المربع إثر المجهود العضلي العنيف والضغط العصبي الذي تعرض له في مواجهة الحوت المنافس.
أدرك "مالك" في تلك اللحظة أن الحرب لم تنتهِ بوضع طارق وشاكر الجويلي في السجن، بل إن الأقنعة الصغيرة قد سقطت لتكشف عن وجه الوحش الحقيقي الذي يدير اللعبة من خلف الستار. التفت ببطء، وجلس على مقعده الجلدي الوثير، ووضع عصاه بجانبه لتستند على المكتب. أخرج هاتفه الشخصي وضغط على زر الاتصال السريع بـ"آسر"، وما إن جاءه الرد حتى هتف بنبرة حادة وصارمة تفيض بالوعيد:
— آسر!! أنت فين دلوقتي؟.. اسمعني كويس، رأفت المنشاوي كان عندي في المكتب حالا.. الكلب كشف عن ورقه كله. الشحنة اللي داخلة الرصيف رقم 7 في ميناء الإسكندرية الأسبوع الجاي مش مجرد قطع غيار معدات.. دي شحنة سـ،ـلاح دولية مهربة، طارق وشاكر كانوا الواجهة اللي هتدمر اسم الراوي للأبد، ورأفت هو اللي حاطط اللغم ده عشان يلوي ذراعي ويستولي على حصة النقل والجمارك بالمليم!
على الطرف الآخر من الهاتف، كان صوت "آسر" يتدفق وسط ضجيج عجلات السيارة على الطريق السريع، وهتف بفزع صدم كيانه:
— أنت بتقول إيه يا مالك؟! سـ،ـلاح ودولي؟! يعني طارق مكنش عايز يسرق الأسهم وبس، ده كان عايز يلف حبل المشنقة حوالين رقابنا كلنا! رأفت المنشاوي مش هيهدأ غير لما يهد الإمبراطورية دي فوق رؤوسنا.. أنا قفل بره بوابات القاهرة دلوقتي وداخل على طريق الإسكندرية الصحراوي، مش هسيب رصيف الميناء لحد ما أمنع الكارثة دي.
رد "مالك" بصوت حازم كالصخر، وعيناه تلمعان ببريق غامض:
— آسر.. التحرك في الميناء لازم يكون سري وقانوني لأعلى درجة. رأفت قالي إن البوليس الدولي والمخابرات عندهم علم بالشحنة ومستنيين أول صندوق يلمس الرصيف عشان يقبضوا عليا بتهمة تخريب الأمن القومي. ده فخ محكم يا صاحبي.. أنت تدخل الميناء بالتنسيق المباشر مع الأجهزة السيادية، وتفهمهم إن شركات الراوي هي اللي بتبلغ عن الشحنة دي برضاها وبأوراقنا الرسمية. إحنا مش هنستنى الفخ ينفجر فينا.. إحنا اللي هنفجره في وش رأفت المنشاوي! طمنّي أول ما توصل.
أغلق "مالك" الهاتف، وأسند رأسه للخلف مجهدًا، وشعر بألم حاد ينهش موضع بتر ساقه اليمنى، ألمٌ يذكره دائمًا بضعفه الجديد، لكنه في نفس الوقت كان يدفعه للمقاومة الشرسة؛ فـ"مالك الراوي" لم يُخلق ليكون ضحية في شباك الصيادين.
وفي غضون ساعتين، وداخل قصر "الراوي" بجاردن سيتي.. كانت الأجواء تغلي بطريقة أخرى، أجواء اختلطت فيها غسق الشكوك بنيران الغيرة والحب الدفين.
في الجناح الرئيسي، كانت "تولين" تجلس على مقعد وثير بجوار النافذة الكبيرة المطلة على الحديقة، ممسكة بكتاب صغير لكن عينيها كانت شاردة تماماً في الأفق. انفتح الباب الخشبي ودخلت شقيقتها "ليان" وهي تحمل صينية صغيرة عليها كوب من الليمون الدافئ بالنعناع، ووجهها يحمل مسحة من القلق:
— توتة.. حبيبتي، أنتي من ساعة ما صحيتي وأنتي قاعدة كدا وقافلة على نفسك. مالك نزل الشغل من الصبح، وياسين كلمني وقالي إن الأجواء في الشركة مشحونة جداً.. طمنيني، في حاجة حصلت بينك وبين مالك بارح بالليل خبتيها عليا؟
تنهدت "تولين" بمرارة، وقامت من مقعدها لتتحرك بفستانها الودي الناعم برقة أظهرت شحوب وجهها الجميل:
— لا يا ليان.. مفيش حاجة حصلت بالعكس، مالك كان حنين أوي بارح في الفرح، ووعدني إنه هيصونني ويعوضني عن كل اللي فات.. بس أنا خايفة. خايفة من عالم رجال الأعمال ده، خايفة الكبرياء اللي جواه يخليه يرجع يقفل قلبه تاني لو حس بأي تهديد لشركته أو لرجله.. البت ميرا وأمها لما اتقبض عليهم بارح، نظرة الشماتة والغدر اللي كانت في عينيهم خلتني أحس إن في حية تانية لسه مستخبية بره القصر ومستنية الوقت الصح لتلدغنا.
ضمتها "ليان" برقة وطمأنتها:
— اهدي يا توتة.. مالك راجل، وبعدين عاصم بيه والدنا وياسين معاه في كل خطوة. الشركات دي قوية بوجودهم، ورأفت المنشاوي ولا غيره يقدر يهز شعرة من عيلة الراوي.. ركزي أنتي بس في بيتك وفي جوزك، وخلّيكي الحضن الدافئ اللي بيلجأله لما الدنيا تضيق عليه بره.
قاطعت حديثهما الخادمة التي طرقت الباب بديرية وقالت باحترام:
— تولين هانم.. في تليفون جالي على الخط الأرضي للقصر من واحدة بتقول إنها سكرتيرة قديمة في مكتب شاكر الجويلي، ومصرّة تتكلم مع حضرتك شخصياً وبسرعة.. بتقول إن في أوراق خطيرة تخص مالك باشا لازم تسلمها ليكي أنتي بالذات عشان الشغل ميتخربش.
توجست "تولين" خيفة، وتبادلت نظرة قلقة مع "ليان". تحركت بسرعة نحو البهو السفلي، وأمسكت بسماعة الهاتف الأرضي وقالت بنبرة حاولت جعلها متماسكة:
— أيوة.. أنا تولين الراوي. مين معايا؟ وإيه هي الأوراق الخطيرة دي اللي تخص جوزي؟
جاءها صوت امرأة مرتعش ومذعور عبر الخط، يتحدث بنبرة خفيضة كأنها تلتفت حولها:
— تولين هانم.. أرجوكي اسمعيني كويس ومتجيبش اسمي لأي مخلوق! أنا كنت سكرتيرة شاكر الجويلي، وقبل ما يتقبض عليه بساعات، شفته بيخبي ملف أحمر صغير جوه الخزنة السرية اللي في مكتبه القديم بفرع الدقي.. الملف ده فيه مستندات وتوقيعات مزورة باسم مالك باشا شخصياً بخصوص شحنة سـ،ـلاح دولية داخلة البلد الأسبوع الجاي.. رأفت المنشاوي هو اللي مرتب كل حاجة، ولو الملف ده البوليس الدولي وصله قبلكم، مالك باشا هيروح ورا الشمس وهيتحكم عليه بالمؤبد! أنا ببلغك أنتي لأن شاهيناز هانم وميرا في السجن، وعارفة إنك الوحيدة اللي هتخافي على مصلحة جوزك.. روحي خدي الملف ده قبل ما رجالة رأفت يكبسوا على المكتب ويخدوه!
شهقت "تولين" بصدمة لفتت انتباه "ليان" ووالدتها السيدة "فريدة" التي كانت قد دخلت لتوّها البهو. أغلق الخط فجأة، وبقيت تولين ممسكة بالسماعة وجسدها يرتعش بعنف من شدة الرعب. التفتت إلى شقيقتها وعيناها تفيضان بدموع الفزع:
— ليان.. مالك في خطر!! في مصيبة بتتحضرله بره، والبوليس الدولي ممكن يقبض عليه بتهمة تـ،ـهريب سـ،ـلاح!! لازم أتحرك حالا.. لازم أروح مكتب شاكر الجويلي القديم في الدقي وأجيب الملف ده قبل ما حد يوصله!
صاحت السيدة "فريدة" بذعر:
— تروحي فين يا بنتي في نص النهار كدا؟! كلمي مالك في الشركة وبلغيه وهو يتصرف مع رجالته!
ردت "تولين" بإصرار وعناد نبض به عشقها الجارف:
— لا يا ماما!! مالك لو عرف، كبرياءه هيخليه يتحرك بنفسه وممكن يعمل حاجة تأذي رجله أو تخليه يقع في الفخ.. تليفونات الشركة ممكن تكون متراقبة من رجالة رأفت المنشاوي زي ما البنت قالت.. أنا هروح بنفسي ومعايا حراسة القصر، وهجيب الملف ده وأسلمه لمالك في إيده عشان أحميه.. أنا مش هسمح لأي مخلوق يهد بيتي أو يكسر رجلي التانية اللي بقيت بتمشى بيها في الدنيا!
عند الساعة الثانية ظهراً.. تحركت "تولين" بسيارتها الخاصة برفقة اثنين من الحراس الشخصيين الأشداء للقصر متوجهة نحو حي الدقي العتيق. كانت شوارع القاهرة تضج بالحركة والصخب تحت أشعة الشمس العمودية، لكن عقل "تولين" كان يدور في فلك واحد: (مالك.. أنا لازم أنقذك دايماً زي ما صنتني قدام الكل).
وصلت السيارة إلى مقر المكتب القديم لشاكر الجويلي، وكان عبارة عن شقة إدارية مغلقة في عمارة كلاسيكية هادئة. نزلت "تولين" وبجوارها الحارسان، وصعدوا إلى الطابق الثالث. فتح الحارس الباب المغلق بأمر من عاصم بيه الذي كان يملك مفاتيح فروع الشركة كلها.
دلفت "تولين" إلى المكتب الذي ساد فيه غبار خفيف ورائحة الأوراق القديمة الكئيبة. توجهت مباشرة نحو مكتب شاكر الضخم، وبدأت تبحث خلف اللوحات الخشبية حتى وجدت الخزنة الحديدية الصغيرة المخبأة في الجدار. وبمساعدة الحارس الذي كان خبيراً في فتح الأقفال الخاصة بالشركة، انفتحت الخزنة بعد دقائق حبست الأنفاس.
مدت "تولين" يدها المرتعشة إلى الداخل، ولشدة فرحتها وصدمتها، وجدت بالفعل الملف الأحمر الصغير! أخرجته بسرعة وفتحته، لتجد أوراقاً رسمية مطبوعة بشعار شركات الراوي، وعليها توقيعات مطابقة تماماً لإمضاء "مالك" تطلب تسهيل دخول شحنة معدات ثقيلة برصيف 7، وتحتها مستندات سرية مكتوبة باللغة الإيطالية توضح تفاصيل الأسلحة المشحونة!
قبضت "تولين" على الملف وضامته إلى صدرها بقوة وهي تبكي براحة:
— الحمد لله يا رب.. الحمد لله إني جيت في الوقت الصح..
وفجأة.. وقبل أن تتحرك خطوة واحدة نحو الباب، انفتح باب المكتب الرئيسي بعنف ودخل منه ثلاثة رجال ضخام الجثة، يرتدون نظارات سوداء وملابس قاتمة، وفي أيديهم أسلـ،ـحة نارية كاتمة للصوت! ومن خلفهم.. دلف بخطى ثعلبية متبخترة "رأفت المنشاوي" بنفسه!
اتسعت عينا "تولين" برعب شلّ أطرافها، وتراجعت للخلف مستندة على المكتب، بينما تحرك حارسا القصر بسرعة ل حمايتها، لكن رجال رأفت رفعوا السـ،ـلاح في وجوههم مباشرة وصاح أحدهم بحسم:
— حرك بيدك أنت وهو بره وارفعه لفوق!! أي نفس مسموع هيرميك مكانك ميت!!
تقدم "رأفت المنشاوي" ووقف أمام "تولين" وهو يبتسم ابتسامة خبيثة تفيض بالمكر الشيطاني، ونظر إلى الملف الأحمر في يدها، ثم قال بصوت خفيض يحمل فحيح الأفاعي:
— أهلاً أهلاً بالعروسة الجميلة.. تولين هانم الراوي بنفسها هنا وفي عقر دارنا! ما شاء الله.. طلعتي ذكية وشاطرة أوي، والملعوب اللي عملته مع السكرتيرة المزيفة في التليفون دخل عليكي بغباء! أنتي فاكرة إن في سكرتيرة هتحب مالك وتخاف عليه؟! أنا اللي خليتها تكلمك عشان تجري بنفسك وتطلعي الملف ده من الخزنة اللي مكنتش عارف مكان مفتاحها السري!
شهقت "تولين" بغيظ ودموع الرعب تنهمر على وجنتيها الشاحبتين:
— أنت.. أنت مجرم نذل يا رأفت!! مالك مش هيرحمك، والبوليس زمانه قالب الدنيا عليك!! سيب الملف ده واطلع بره حياتنا!!
ضحك "رأفت" ضحكة هستيرية مرعبة، واقترب منها خطوة وانتزع الملف الأحمر من يدها المرتعشة بعنف:
— مالك مين اللي مش هيرحمني يا قطة؟! جوزك العاجز اللي بيمشي بعصاية دلوقتي زمانه محاصر في مكتبه من رجال الجمارك والمخابرات الكلية! الأوراق دي أنا مش عايزها تختفي.. أنا عايزها تكون في إيدي عشان أسلمها بنفسي للنيابة الدولية والشرطة اللي مستنية الشحنة في الميناء! وبوجودك أنتي معايا هنا كـ "رهينة لطيفة".. مالك هيوقع على تنازل كامل عن حصة الجمارك والنقل البحري قبل فجر بكره وهو راكع تحت رجلي لو عايز يشوف مراته الحبيبة عايشة وراجعة له في حضنه السليم!
صاحت "تولين" بقوة وكرامة انتفضت بداخلها رغم الرعب:
— مستحيل مالك يركع لواحد زيك!! مالك قوي وهيدمرك أنت ورجالتك!!
أشار "رأفت" لرجاله بنبرة صارمة وخالية من الرحمة:
— خدوها من هنا حالا على المخزن السري في طريق بلبيس الصحراوي.. وكتفوا الحراسة دي وارموهم في الحمام جوه! اللعبة انتهت يا بنت عاصم الراوي.. والليلة دي هكتب نهاية إمبراطورية جوزك بكامل كبرياءه الأعمى!
سحب الرجال "تولين" وهي تصرخ وتستغيث باسم مالك، بينما كانت دموعها تسقط فوق أرضية المكتب المغبرة، لتعلن عن بدء فصل جديد من الرعب والمؤامرات الساخنة التي ستحرق قلوب عائلة "الراوي" وتضع عشقها وجبروتها في اختبار حابس للأنفاس ومشتعل بالنيران!
مع أول شعاع لضياء الصباح، استيقظت العاصمة على قرع طبول حرب مالية طاحنة لم تشهدها دهاليز البورصة المصرية من قبل. كانت المكاتب الفخمة لشركات "الراوي" في وسط القاهرة تبدو كخلية نحل حربية؛ الموظفون يتحركون في الممرات بسرعة لاهثة، وشاشات العرض الكبيرة المعلقة في ردهة الإدارة العامة تومض باللون الأحمر الصاخب، معلنة عن تراجع تدريجي ومفاجئ لأسهم المجموعة مع الدقائق الأولى لافتتاح جلسة التداول. كان هناك تدفق مريب لأوامر بيع مكثفة وبأسعار بخسة، مصدرها محافظ استثمارية تابعة بشكل غير مباشر لمجموعة "حصون الشرق" الدولية بقيادة كارما السيوفي، بهدف إحداث حالة من الذعر والهلع بين صغار المستثمرين لدفعهم إلى التخلص من أسهمهم وتدمير القيمة السوقية للإمبراطورية.داخل المكتب الرئيسي، كان "مالك الراوي" يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. لم يكن يرتدي بدلة كلاسيكية عادية، بل اختار حُلة سوداء قاتمة من قماش فاخر يبرز قوة جسده المفرود وعناد ملامحه الحادة التي لم يخطّ عليها الإنهك العصبي أي أثر للتراجع. كانت عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص مستق
لم تكن شمس اليوم التالي لتشرق على قصر عائلة "الراوي" كأي شمسٍ مضت؛ بل جاءت خيوطها الذهبية ممتزجة ببريق النصر الحاسم الذي اهتزت له أروقة المال والأعمال في العاصمة بأكملها. مانشيتات الصحف الاقتصادية الكبرى كانت ما تزال تتصدر الشاشات، معلنة الانهيار الكامل لمجموعة "حصون الشرق" واقتياد "كارما السيوفي" إلى ساحات التحقيق خلف جدران مديرية الأمن الكلية، لتدفن أوهامها في نفس الزنزانة التي ضمت طارق ورأفت المنشاوي.في الجناح الرئيسي الفخم، كان الصمت المهيب يلف الأركان، صمتٌ دافئ تكسره أنفاس "تولين" الهادئة والمستكينة في نومها. كانت مستلقية برقتها المعهودة فوق الفراش الملكي، وشعرها الحريري الداكن ينسدل كأمواج الليل فوق ذراع "مالك" العريضة. كان فستانها الشيفون الوردي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نقاءها الساحر الذي لم تلوثه قذارة الحروب المالية بالخارج.بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ الفجر، يتأمل ملامح وجهها الجميل بنظرة تفيض بعشق جارف طالما حاول إخفاءه خلف أقنعة البرود الكاذبة. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة عن جبهتها بحنان حارق، وشعر بغصة خنقت حنجرته وهو يتذكر كيف
انقشع غبار المواجهة العنيفة في مكتب الإدارة العامة لشركات "الراوي"، مخلّفاً وراءه غلياناً مكتوماً في الأروقة الزجاجية ناطحة السحاب. كان صدى الكلمات القاطعة التي ألقاها "مالك الراوي" في وجه "كارما السيوفي" ما زال يتردد في الفراغ كأنه تراتيل حرب أعلنت التحدي ضد حيتان السوق الجدد. بعد خروج كارما بعاصفة غيظها، أدار مالك جسده ببطء ومشى متكئاً على عصاه الأبنوسية نحو النافذة الزجاجية الضخمة التي تكشف عن معالم العاصمة الممتدة تحت أشعة الشمس القاسية. كانت قبضته الفضية تلتحم بالمقبض بقوة تبرز عروق يده، بينما بدأت قطرات العرق الباردة تتسلل على جبينه المربع بفعل الإنهاك الجسدي العنيف الذي أصاب موضع بتر ساقه اليمنى، إثر وقفته الطويلة والمتحدية.استند بكامل ثقله على العصا، وضيق عينيه الصقريتين وهو يراقب سيارة كارما الفارهة وهي تغادر محيط البرج بسرعة جنونية. التفت نحو شقيقه "ياسين" الذي كان يقف جوار المائدة الخشبية الكبيرة، وقد شحب وجهه المرح واختفت منه الابتسامة ليحل محلها قلق داكن، وهتف ياسين بنبرة لاهثة:— مالك.. كارما السيوفي مش بتلعب لوحدها، دي حية مسمومة والسوق كله عارف إ
مرّ أسبوعان كاملان على انقشاع كابوس "رأفت المنشاوي" الغابر، أسبوعان تبدلت فيهما موازين القوى داخل السوق المصري، واهتزت لهما أركان البورصة التي بقيت تسجل صعوداً قياسياً ومستمراً لأسهم عائلة "الراوي" عقب تصفية الحيتان والمنافسين التقليديين الذين ظنوا يوماً أن جدار العائلة قد شُطب أو انكسر. في بهو القصر الأرستقراطي المهيب بجاردن سيتي، غمرت الطمأنينة الردهات العتيقة، وبدأت الحياة تتنفس بنقاءٍ كامل بعد غياب الأقنعة المزيفة والنفوس الحاقدة التي طُردت إلى غير رجعة؛ حيث استقرت "شاهيناز هانم" في منفاها الإجباري بمزارع الفيوم تحت رقابة صارمة، بينما كان "طارق" و"شاكر الجويلي" وابنته "ميرا" يواجهون مصيرهم المحتوم خلف جدران الزنازين المغلقة بانتظار أحكام النيابة الكلية.في الجناح الرئيسي العلوي للقصر، كانت نسمات الصباح الباكر لليوم الأول لعودة "مالك" الرسمية لإدارة شؤون الإمبراطورية تتسلل بنعومة فائقة من بين الشقوق الطفيفة للستائر المخملية الثقيلة، لترسم خطوطاً ذهبية دافئة فوق الفراش الملكي الفسيح. كانت الأجواء عابقة بعبير عطر الأوركيد والياسمين البري الذي يفوح من جسد "تولين" المستلقية بر
ساد الظلام الدامس أرجاء القاعة الخرسانية الشاسعة ككفن أسود هبط فجأة ليلتف حول رقاب الجميع، وتبددت الإضاءة الصفراء الشاحبة في جزء من الثانية إثر قطع "ياسين" و"آسر" لكابلات المولد الرئيسي بالخارج. في تلك اللحظة التي انعدمت فيها الرؤية تماماً، انطلقت الشرارة الأولى للجحيم؛ ولم تكن الآذان بحاجة إلى أعين لترى، فقد تكلّم الرصاص بلسان من نار، ودوت في عتمة المخزن الصحراوي أصوات انفجارات مكتومة ومتلاحقة، ممتزجة بفحيح الرصاص الذي كان يخترق الهواء ليصطدم بالجدران الخرسانية، صانعاً شظايا متناثرة ورائحة بارود خانقة تملأ الصدور بالذعر.لم يكن "مالك الراوي" بحاجة إلى الضوء ليتحرك؛ فعقله الحاد وصوت صراخ "تولين" الأخير حددا له إحداثيات الهدف بدقة متناهية. وفي اللحظة التي انقطع فيها النور، ألقى بجسده القوي نحو الجانب الأيسر غريزياً، متفادياً وابل الرصاص العشوائي الذي أطلقه رجال رأفت المنشاوي برعب وتخبط. سقطت عصاه الأبنوسية من يده لثوانٍ، لكنه استند على ركبته السليمة، وبحركة خاطفة تملأها الشراسة، رفع مسدسه الناري وبدأ يطلق رصاصاته الدقيقة والمحسوبة نحو مصادر الوميض الناجم عن أسلحة الأعداء.
في المكتب الرئيسي لشركات "الراوي"، كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة ظهراً بقليل حين تحولت الأجواء من الترقب الصارم إلى غليان دموي مكتوم. كان "مالك" يجلس خلف مكتبه، وعيناه معلقتان بشاشة الحاسوب يتابع حركة السفن الموشكة على دخول المياه الإقليمية، ويده اليسرى تطرق فوق سطح المكتب الخشبي بإيقاع منتظم ومتوتر، بينما كانت عصاه الأبنوسية الفخمة مسندة بجانبه كحارس صامت ينتظر إشارة البدء.انفتح باب المكتب فجأة ودون طرق، ودلف "ياسين" بوجه شاحب كالموت، وعيناه تتسعان بفزع شلّ أطرافه، وكان يمسك بهاتفه المحمول بيد ترتعد بعنف. تقدم نحو شقيقه الأكبر بخطوات متعثرة، وهتف بصوت مخنوق لاهث:— مالك.. مصيبة يا مالك! تولين.. تولين مش في القصر، الحراسة اللي كانت معاها فوق في فرع الدقي لسه مكلمينا حالا بعد ما فكوا نفسهم.. تولين اتمسكت يا مالك! "رأفت المنشاوي" نصب ليها فخ وخدها من مكتب شاكر الجويلي القديم!انتفض "مالك" من مقعده بحركة مفاجئة وعنيفة نسيت معها شياطين الكبرياء آلام ساقه المبتورة. سقطت العصا الأبنوسية على الأرضية الرخامية لتحدث رنيناً مدوياً اهتزت له جدران المكتب الفخم. استند







