Share

الصفقة

last update publish date: 2026-05-21 08:11:31

ردت "ليان" بغضب دفين وغير ومحتمل:

— بتقولي إيه يا ماما؟! ازاي يعني؟! المفروض طالما هيا عارفة كدا وشايفة جفافه، تتكلم مع بابا وينتهي الاتفاق دا خالص! تولين تستاهل حد يحبها ويقدر رقتها، مش حد يعاملها كأنها فرض واجب!

لوت السيدة "فريدة" شفتيها بأسف ومرارة:

— وتفتكري أبوكي عاصم هيوافق يا ليان؟ وحتي لو وافق.. ما هي كدا بردو هتعذب، أختك بتموت فيه ومش شايفة راجل غيره في الدنيا دي كلها.

تابعت "ليان" بإصرار:

— بس يا ماما..

قطع "ياسين" حديثهما وهو يزفر بحنق، محاولاً إغلاق الملف المقبض:

— بقولك إيه يا ليان.. إحنا ملناش دعوة، هما حرين في حياتهم. انتي شايفه بنفسك أختك بتحبه وهتموت نفسها علشانه ومستحملة كل ده، يبقى خلاص. إحنا اللي علينا إننا نحاول نغير منه شوية بالراحة ومن بعيد.. مع إني عارف وموجوع إن مفيش فايدة فيه أصلاً، مالك قلب حجر.

اغتاظت "ليان" من إعلان زوجها التخلي عن التدخل لمصلحة أختها، وقالت بحنق:

— هو ده اللي ربنا قدرك عليه؟ دا بدل ما تقعد معاها وتعقلها وتفهمها إن جوازتنا إحنا مش مقياس لنجاح جوازتهم؟ ياسين.. أختي بتدمر قدام عيني!

مسح "ياسين" على شعره بعصبية وشعر بالغيظ من عدم استيعاب زوجته لطبيعة أختها، وقال:

— شاهدة يا مرات عمي.. أنا حاسس إن حضرتك ولدتي "ليان" ناقصة تلات شهور! ما هو مش معقول مش فهماني ولا فهماكي ولا فاهمة أختها! طب أقولها إيه تاني؟ يا ستي أختك بتحبه.. ولو كان مالك ده مجرم أو سفاح، بردو بتحبه وهتتجوزه! الحب أعمى وهي مغمية عيونها بمزاجها.

تنهدت السيدة "فريدة" بصبر، وطبطبت على يد ياسين:

— معلش يا ابني.. بالراحة عليها، هيا بس بتحب أختها أوي وموجوعة عشانها، ومفكرة إن أختها ممكن تقتنع بكلامك أنت بالذات لأن مالك بيحترمك.

رد "ياسين" بقوة وقلة صبر:

— لا يا مرات عمي.. "تولين" عمرها ما هتقتنع بكده، لأنها مغيمة بحبها ليه من وهي طفلة، وعمرها ما شافت بعينها راجل غيره.. الحب عندها بقى مرض.

قالت "ليان" بحزن وشرود، وهي تتذكر تفصيلة أخرى:

— ياريتها كانت حتى أخدت بالها من مشاعر "طارق" ابن عمي.. دا بيحبها حب حقيقي وبيتمناها من زمان، بس لأسف هيا مش شايفاه خالص وبتعتبره مجرد أخ ليها ومصدر أمان مش أكتر.

كان "ياسين" يلوك الطعام داخل فمه بسرعة وعصبية، وعند ذكر اسم "طارق"، توقفت اللقمة في حلقه فجأة، وسعل كثيراً حتى كاد يختنق. سارعت "ليان" بتقديم كوب الماء له، وبعد أن بلع اللقمة بصعوبة بالغة وتغير لونه، نظر إليهما بجدية وخوف:

— ليان.. حبيبتي، انتي فاكرة لو هيا حتى انجذبت لـ"طارق"، السيد والدك عاصم هيوافق؟ دا مش بعيد يقتله! دا من غير حاجه بيعامله كأنه خدام عندنا في الشركة وتحت إيده.. طارق مملكش الفلوس اللي تخلي عمي يبص في وشه! ما تقوليلها يا مرات عمي الحقيقة.

عادت السيدة "فريدة" بذاكرتها إلى الوراء، وشردت بحزن شديد عندما تذكرت أحداث الماضي وقسوة زوجها "عاصم" في التعامل مع "طارق" وهو صغير، فقط لأنه لم يرث من والديه الراحلين المال والأسهم مثلما ورث "ياسين" و"مالك". أفاقت من شرودها وقالت بأسى تام:

— حقيقة يا ليان.. باباكي طول عمره مبيحبش طارق، قلبه كله لـ"ياسين" و"مالك" عشان الشغل والامتداد. ولولا رابط الدم والأصول، كان طرده من الشركة ومن القصر زي ما قال مالك بالظبط.. تعرفي يا ليان؟ أنا خايفة من طريقة مالك دي.. خايفة يكون نسخة تانية من أبوكي، ويكرهكم في بعض بسبب الفلوس والسيطرة.

شعرت "ليان" بقشعريرة خوف تسرع في جسدها، وتمسكت بيد زوجها قائلة برعب:

— لا يا ماما.. مش للدرجة دي إن شاء الله. مالك قاسي بس طيب من جوه.. وإن شاء الله "تولين" برقتها هتعرف تغيره وتدوب الجليد ده.. صح يا ياسين؟

نظر "ياسين" إلى عيني زوجته المليئتين بالبراءة والأمل، وابتسم بحنان متناسياً غضبه، وقبل يدها:

— صح يا روح قلب وعمر ياسين من جوه.. ممكن بقى أكمل فطاري في سلام عشان ألحق مكتبنا؟

ابتسمت بخجل ومسحت على وجنتها:

— ألف صحة وهنا على قلبك يا حبيبي.

غمز لها بمرحه المعتاد:

— حبيبتي يا ليونتي.. ربنا ما يحرمني منك.

على الجانب الآخر من الفيلا، وتحديداً في الحديقة الخلفية الواسعة.. هربت "تولين" إلى مكانها المفضل والأقرب إلى روحها المكسورة؛ "حوض الورد". كانت تعشق الزهور لأنها تشبهها تماماً؛ شخصية حساسة، رقيقة، وضعيفة، يمكن قطفها أو كسر ساقها بسهولة.. منهم من يعتني بها لتزدهر، ومنهم من يتركها تذبل وتموت تحت أقدام الإهمال.

وقد اختارت "تولين" هذا المكان بالذات في الحديقة لسبب خفي يعلمه قلبها؛ لأنه يطل مباشرة على شرفة حجرة مكتب "مالك". كانت دائماً تقف هناك، على أمل أن ينظر من نافذته يوماً، فيراها، وينجذب لنقائها ويشعر بالدفء الذي يملأ كيانها تجاهه.

في تلك اللحظة، كان "مالك" داخل مكتبه، يلملم أوراقه المهمة بعصبية ويضعها في حقيبته الجلدية الفاخرة استعداداً للسفر. لفت نظره وجودها من خلال الزجاج الكبير. نظر إلى الأسفل ورآها تقف عند "حوض الورد". هز رأسه يميناً ويساراً بسخرية لاذعة وتذمر، متمتماً في سره: "ناس فاضية.. م وراهمش غير الورد والعواطف والكلام الفاضي.. دي متصلحش تكون زوجة لراجل في مكاني!" بالنسبة له، هذا الاهتمام المبالغ فيه بالزهور ليس من اختصاص ستات عائلة "الراوي"، ولا يليق بامرأة ستتحمل اسمه ومسؤولياته في المجتمع.

ظلت "تولين" تبكي بصمت، والدموع تنحدر على وجنتيها لتسقط فوق أوراق الأزهار كحبات الندى الحارقة. كانت تتساءل بمرارة بداخلها: "ليه كل الألم ده يا مالك؟ الم يكفيك إنه زواج تقليدي باتفاق العائلات عشان أستحمل جفاك؟ ألم تستشعر مدى حبي وجنوني بيك ولو ليوم واحد؟ ليه محسستنيش إني أنثى مرغوبة ومش مجرد فرض وواجب؟"

احست بحركته وهيبته وهو يخرج من باب الفيلا الجانبي ماراً بالحديقة متوجهاً لسيارته. كانت تعطيه ظهرها، لكن قلبها كان يعلم جيداً أنه يمر خلفها ويراها. شعرت بغصة قاتلة في حلقها لأنه كالعادة لم يعرها أي اهتمام، ولم يكلف نفسه عناء إلقاء تحية الصباح أو السلام عليها. انهار حصنها الصغير فور خروجه من أسوار الحديقة، وانحنت على ركبتيها تبكي بنشيج مزق سكون المكان.

أما "مالك"، فقد توجه إلى سيارته الفارهة، وعندما وضع يده في جيبه ليخرج مفاتيح التشغيل، اكتشف أنه نسي هاتفه الشخصي الآخر الخاص بالعمليات الدولية فوق مكتبه. زفر بضيق وعاد أدراجه سريعاً ليأخذه. وأثناء مروره بالحديقة مرة أخرى، تفاجأ بوجودها؛ كانت تجلس على حافة "حوض الورد" الرخامية، وتضع كلتا يديها على وجهها، وجسدها يهتز بعنف إثر البكاء المرير.

توقف "مالك" في مكانه. صراع خفي دار داخله، لكن كبرياءه منعه من إظهار أي تعاطف. تنحنح بصوت جهوري صارم:

— انتي كويسة؟

تفاجأت "تولين" من صوته القريب. رفعت وجهها بسرعة، وعيناها الحمراوان المليئتان بالدموع تلتقيان بعينيه الحادتين. ايعقل أنه عاد لأجلها؟ هل شعر بنبضات قلبها المكسور واستمع لشكواها الخفية؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسياد الوجع   محراب العشق وعاصفة الضباب

    ساد الصمت أرجاء القاعة الفسيحة، صمت ثقيل جاثم على الصدور كصخور الجبال، لم يكن يقطعه سوى أنفاس اللورد كرافين المتلاحقة، والتي تحولت غطرسته البريطانية الباردة في ثوانٍ معدودة إلى ذعر بدائي خطّ ملامحه على وجهه الشاحب. كانت وثائق البراءة الرسمية والتنازلات الدولية الموثقة التي يحملها "عبد السلام باشا" تتلألأ تحت أضواء الثريات الكريستالية كأنها مقصلة قانونية نُصبت خصيصاً لقطع دابر النفوذ الأجنبي.وقف مالك الراوي بطوله الفارع وكبريائه الذي لا يلين، وعيناه السوداوان تطلقان شرارات من الهيبة والصرامة. يمسك بعصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي، مشكّلاً مع رجال الصعيد الأشداء الذين جاءوا لرد جميله جداراً منيعاً من النصر الحاسم. لقد كان مالك طوال عمره صاحب فضل ونفوذ، والآن يقف هؤلاء الرجال خلفه كدرع بشري لا يمكن اختراقه. وعلى مقربة منه، كانت تولين تتنفس الصعداء، تشعر بدفء خفي يسري في أوصالها وهي متشبثة بعضده العريض، مستمدة من صلابته أماناً ظنت أنها فقدته للأبد في دهاليز المؤامرات الدولية.لكن السكون الذي أعقب العاصفة لم يكن سوى خديعة أخرى من خبايا القدر.في اللحظة التي تقدم فيها عبد الس

  • أسياد الوجع   وَلِيمَةُ الأَفَاعِي

    امتصّ الصمتُ الكثيف الصارم صدى تلك الطلقات الغامضة التي اخترقت العتمة الموحشة، وانقشع غبار الخوف سريعاً بعدما تهاوت أجساد المرتزقة الذين حاولوا تصفية تولين وآسر في الغرفة السرية. لم تكن تلك الرصاصات المباغتة الدقيقة إلا طلقات القناصة المحترفين التابعين لرجال "مالك الراوي" الأشداء، الذين طوقوا مقر اللورد البريطاني ومحيط القصر قبل أن تكتمل فصول الخيانة بالدم. لملمت العاصمة خيوط ليلها الدامي المليء بالهزات، واستيقظت الإمبراطورية المالية في اليوم التالي على حقيقة واحدة لا شريك لها: الصقر كسر قيده واسترد سماءه بكامل سطوته، لكن الأفاعي ما زالت تزحف وتنفث سمومها بره الجدران، والمعركة الكبرى بحاجة إلى مسرح تليق به الأصول الصارمة لآل الراوي. تم التنسيق سريعاً خلف الكواليس لعقد عشاء عمل سري، فخم، وبالغ الخطورة والتعقيد داخل "قصر الراوي" عينه، بعدما تراجعت لجان التحفظ القضائي مؤقتاً تحت وطأة الأوراق والمستندات الرسمية القاطعة التي قدمها آسر وأيدها عبد السلام باشا بدمه. كان الضيف الثقيل ليس سوى "اللورد البريطاني" (آليستر كرافين)، الشريك الثالث الغادر الذي وصل إلى القاهرة فجأ

  • أسياد الوجع   الإمبراطور يكسر القيد

    كانت شمس مطلع الفجر تشق عباب السماء بخيوطٍ ذهبية دافئة، تنعكس على جدران قصر "الراوي" الأثرية العتيقة كأنها تمهد الساحة لحدثٍ يترقبه التاريخ المالي والاجتماعي للبلاد. لم تكن هذه النسمات الصباحية لتمر برداً وسلاماً، بل كانت تحمل في طياتها ملامح إعصارٍ قادم من غياهب الصعيد، إعصارٍ لا يبقي ولا يذر، يوشك أن يزلزل عروشاً شُيدت في دهاليز لندن وروما.بفضل وثائق البراءة الجديدة القاطعة التي نسج خيوطها "آسر" بدهاءٍ محاسبي وفني لا غبار عليه من واقع الدفاتر السرية، ومصحوبةً بالتنازل الرسمي الموثق بالدم والمختوم بأختامٍ سيادية والذي قدمه "عبد السلام" باشا لإبراء ذمة زوج ابنته، تحطمت الأغلال. تم الإفراج عن "مالك الراوي" بالأصول الصارمة والوجاهة الاجتماعية الباذخة التي تليق باسمه؛ فلم يكن خروجه مجرد إخلاء سبيل عابر، بل كان زفة ملوكية، وموكباً مهيباً تناقلت أنباءه وكالات الأنباء بره وجوه مصر، ليعلن للجميع أن الصقر قد استرد سماءه، وأن القيد لم يكن إلا استراحة محارب.انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة للبهو الفسيح، ودخل مالك الراوي.كان دخوله أشبه بعاصفة صامتة تجتاح المكان برائحة السيطرة والرج

  • أسياد الوجع   عودة الميت

    كان الصمت الذي أعقب دوي الطلقات الغامضة في ردهات القصر أشبه بسكون المقابر الذي يسبق البعث، صمتٌ ثقيل، لزج، تفوح منه رائحة البارود المحترق والأنفاس المحبوسة في غياهب الفزع. انقشعت غيابة الظلمة ببطء حين عادت الأضواء الخافتة لتداعب جدران المكتب الأبنوسي المغلق لـ "مالك الراوي". وعلى الأرض، كانت جثث المرتزقة الذين حاولوا التصفية ممددة بلا حراك، بعد أن باغتها رصاصٌ مجهول المصدر من النوافذ العلوية الشاهقة، بينما كانت "تولين" تقف مذهولة، كفها المخملية ما زالت متشبثة بقبضة عصا مالك الأبنوسية، وجسدها الممشوق يرتعش بعنفوانٍ يمزج بين رعب اللحظة وأنوثتها الطاغية التي لم يزدها الخطر إلا بريقاً وجاذبية. في تلك اللحظة الرهيبة، انفتح الباب الخشبي الضخم للمكتب ببطء يحمل هيبة جنائزية. دخل رجلٌ يجر خطاه بثقل، رجلٌ ترتعد الفرائص لرؤيته. كان يرتدي معطفاً صوفياً رصاصياً قديماً، ملامحه غائرة كأخاديد حفرها الزمن والقهر، ولحيته البيضاء الكثة تنطق بعقدٍ من العذاب والتواري. وقف في منتصف القاعة وسط ذهول "آسر" الذي تجمدت الدماء في عروقه، وشلل "ياسين" الذي كان جاثياً في زاوية الغرف

  • أسياد الوجع   جَبَرُوتُ العَرْشِ

    كان برج "الراوي" الإداري الشاهق ينطح سحاب العاصمة كمسلة من زجاج وفولاذ، يعكس أشعة الشمس الحارقة التي تبدو واهنة أمام برودة الصراع الدائر في ردهاته. في الطابق الخمسين، كانت قاعة الاجتماعات الكبرى لقطاع الموانئ مهيأة لاستقبال إحدى أخطر جلسات الجمعية العمومية الطارئة في تاريخ المجموعة. الطاولة البيضاوية المصنوعة من خشب الجوز النادر يحيط بها حيتان السوق، رجال أعمال ومستثمرون كبار تلمع في عيونهم شهوة الانقضاض على فريسة جريحة غاب أسدها. كان الهواء مشحوناً بذكورة طاغية غاشمة، ونظرات الشماتة تتربص بالكرسي الشاغر في رأس الطاولة. وفجأة، انفتحت الأبواب الهيدروليكية الضخمة، ودخلت "تولين". لم تكن تسير، بل كانت تطأ الأرض بكبرياء ملوكي وخطوات مدروسة بدقة تزلزل قلوب الحاضرين. كانت ترتدي بدلة نسائية سوداء حادة الخطوط، مستوحاة من رداء القادة، تلتف حول جسدها الممشوق بدقة متناهية، مبرزة بياض بشرتها المرمرية النقي وعنقها المشرئب بعناد أرستقراطي باذخ. وجهها الرخامي خلا من أي مساحيق تجميل مبالغ فيها، تاركةً لعينيها الصقريتين، اللتين تفيضان بنقاء شرس وذكاء حاد، مهمة إرهاب الحضور. كانت ت

  • أسياد الوجع   عِنَاقُ الأَرْوَاح

    لم تكن الطرقات المؤدية إلى مقر الاحتجاز السري سوى دهاليز من الصمت والوجوم، ممرات معتمة تفوح منها رائحة الرطوبة والحديد البارد، كأنها نفق ممتد نحو الجحيم. غير أن "تولين" كانت تسير في تلك الممرات كملكة منيفة تسير نحو عرشها المستباح، واثقة الخطى، برغم الخفقان الرعديد الذي كان يخلع قلبها بين الضلوع. لقد استخدمت كل ما تملكه عائلتها الأرستقراطية العريقة من نفوذ قانوني باذخ، وعلاقات ضاربة في جذور السلطة والقضاء الدولي، لتنزع هذا اللقاء الاستثنائي، منفرداً، بعيداً عن عيون الرقباء وآذان المخبرين.كانت ترتدي ثوبها الأسود الحازم، الذي بات بمثابة درعها الفولاذي وجناحها الكاسر؛ ثوب يبرز بياض بشرتها المرمرية التي ازدادت شحوباً بفعل السهر واللوعة، لكنه كان يعكس أيضاً عناداً أرستقراطيًا لا يقبل الانكسار.انفتح الباب الحديدي الثقيل بصريرٍ يمزق نياط القلوب، لتدخل إلى غرفة التحقيق المعتمة، الإضاءة شحيحة، تنبعث من مصباح عارٍ متدلٍ من السقف، يسلط ضوءاً مخروطياً أصفر على وسط القاعة. وهناك، في قلب تلك الظلمة الموحشة، رأته.كان "مالك الراوي" مصلوب القامة كعاداته، كالنخلة العاتية التي ترفض أن تن

  • أسياد الوجع   خيوط الفخ الخفي

    انقشعت أنوار الحفل الأسطوري مع تباشير الصباح الأولى، وحلّت السكينة المؤقتة على أرجاء قصر "الراوي"، لكنها لم تكن سكينة راحة، بل كانت أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة في الأسواق. في الجناح الرئيسي الفخم، كانت خيوط الفجر الأولى تتسلل بنعومة من بين الستائر الحريرية المطرزة، لتلقي بظلالها الدافئة على "تول

  • أسياد الوجع   شروخ في القناع

    انقضت الأيام السبعة التالية للزلزال العائلي وكأنها دهرٌ كُتب بمداد من الترقب والحذر. في بهو قصر "الراوي" العتيق، تحولت ردهات الكآبة والوجوم تدريجياً إلى ورشة عمل لا تهدأ؛ استعداداً لحدثٍ أراد له "مالك الراوي" أن يكون بمثابة إعلان سيادة متجدد أمام السوق وأمام مجتمع رجال الأعمال الذي ظل يترقب سقوطه

  • أسياد الوجع   العهد الجديد

    عقارب الساعة كانت تقترب من منتصف النهار حين بدأت خيوط الشمس الذهبية الحارقة تخترق النوافذ الزجاجية العملاقة لصالون القصر، لتنعكس على الأرضية الرخامية وتكشف عن آثار المعركة الصامتة التي دارت رحاها قبل قليل. كانت الأجواء مفعمة برائحة القهوة المسكوبة المخلوطة بعبير عطر الأوركيد الدافئ الذي كانت تفوح

  • أسياد الوجع   مواجهة الجحيم

    سقطت الكلمات في بهو القصر كقنابل هيدروجينية، شطرت سكون المكان إلى شظايا مرعبة، وجمدت الدماء في عروق كل واقف. بدا وكأن الزمن قد توقف فجأة؛ الهواء ثقيل لا يكاد يُتنفس، والوجوه التي كانت قبل ثوانٍ تتصارع في معركة كبرياء وكرامة، تحولت إلى أقنعة من الشمع المشوه تحت تأثير الصدمة القاتلة.أصوات ت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status