تسجيل الدخولتوقف "مالك" في مكانه. صراع خفي دار داخله، لكن كبرياءه منعه من إظهار أي تعاطف. تنحنح بصوت جهوري صارم:
— انتي كويسة؟
تفاجأت "تولين" من صوته القريب. رفعت وجهها بسرعة، وعيناها الحمراوان المليئتان بالدموع تلتقيان بعينيه الحادتين. ايعقل أنه عاد لأجلها؟ هل شعر بنبضات قلبها المكسور واستمع لشكواها الخفية؟
ردت بارتباك شديد وهي تمسح دموعها بسرعة طفولية:
— مالك؟! أنت.. أنت رجعت ليه؟ في حاجة حصلت؟ الصفقة فيها مشكلة؟
رأى آثار دموعها بوضوح، لكن ملامحه بقيت خالية من أي مبالاة أو حنان، ورد بجفاف:
— لا.. نسيت موبايلي على المكتب، هروح جيبه وراجعلك هنا.. استنيني، في كلمتين لازم نتكلم فيهم عشان نضع النقط على الحروف.
فرحت كثيراً، ودق قلبها بعنف كطبول الحرب. ارتسم الأمل على وجهها، وانتظرته بلهفة، متمنية أن يرق قلبه أخيراً، وأن تسمع منه ولو كلمة حنونة واحدة ترطب قلبها المتألم وتهدئ من روع عاصفتها الدفينة.
وعندما عاد بعد دقيقتين، حاملاً هاتفه، وقف أمامها بكامل هيبته وجبروته، ونظر إليها مباشرة:
— تولين.. أنا عارف ومتأكد إنك مكنتيش حابة تتجوزي بالطريقة دي، وعارف إن الأمور بتمشي بضغط عائلي..
كادت أن تقاطعه لترد وتفهمه الأمر كله، وتصرخ في وجهه بأنها ليست مجبورة، بل هي من اختارته وعشقته منذ نعومة أظفارها.. ولكن صوته الحازم قاطعها بقسوة:
— اسمعيني للآخر وبعدين اتكلمي! حتي لو مكنش عمي عاصم طلب مني الجواز منك كشرط في توزيع الحصص.. كنت أنا اللي هطلبك منه بنفسي!
ارتسمت على وجهها معالم الفرحة الساحرة، وظنت لثانية أن معجزتها قد تحققت.. ولكن الفرحة سرعان ما تحولت إلى جمود تام وصدمة شلت أطرافها عندما سمعته يتابع ببرود قاتل:
— لسبب واحد.. لأنك بنت عمي اللي رباني وله أفضال كتير عليا، وأنا بفضل الأصول في بيتي. وياريت مش كل مرة نتكلم فيها في موضوع الجواز تاخدي الأمور بحساسية مفرطة وتعيطي! أنا طبيعتي كدة وعمري ما هتغير، ولا عندي وقت للرومانسيات الرخيصة دي.. عن إذنك عشان متأخرش.
استوقفته "تولين" برجاء حار، ممسكة بطرف كم بدلتها الفاخرة وعيناها تستعطفانه:
— ثواني يا مالك.. أرجوك، ممكن طلب واحد بس قبل ما تسافر؟
تنهد بنفاذ صبر واضح وتطلع إلى ساعته الفاخرة:
— اتفضلي.. قولي بسرعة.
جمعت شتات نفسها وقالت بنبرة حاولت جعلها قوية:
— عايزة أنزل أشتغل في الشركة معاك.. أكون قريبة منك وأفهم طبيعة شغلك.
بكل جمود وصخرية رد في أقل من ثانية:
— لأسف.. مرفوض.
شعرت بحزن مضاعف وسألت بنبرة مخنوقة:
— ليه؟ دا حقي وحق عيلتي بردو!
رد وعيناه تلمعان بصرامة لا تلين:
— مبحبش مراتي تكون شغالة عندي وتحت طوع أوامري في المكاتب.. الست مكانها بيتها وبرستيجها بره الإطار ده.
فرجت شفتيها بذهول مما سمعته، وقالت بمرارة:
— بتشتغل عندك؟! مالك.. أنا هبقى مراتك وشريكة حياتك، مش موظفة!
قاطعها بحدة كالعادة، حاسماً النقاش دون رجعة:
— مهما اختلفت المسميات يا تولين.. أنا مبحبش حد من ستات عيلتي يشتغلوا في شركاتي، حتى لو كانت أمي شاهيناز هانم بيدخلهاش المكتب ده! الموضوع قُضي.. أنا اتأخرت وعندي طيارة بعد الظهر.. عن إذنك.
تركها كالعادة في حيرة من أمرها، تصارع أمواج خيبتها، ورحل بخطوات واسعة واثقة، تاركاً إياها تموت ببطء بجوار زهورها التي تمنت لو تذبل معها في تلك اللحظة.
في الجانب الآخر من العاصمة، وتحديداً داخل شقة متوسطة الحال في أحد أحياء مدينة نصر الصاخبة، كانت الأجواء مشحونة بنوع آخر من الطموح؛ طموحٌ لا يتغذى على الأصول أو الكبرياء الأرستقراطي، بل على الجشع والرغبة العارمة في تسلق الطبقات الاجتماعية بأي ثمن.
أمام مرآة الزينة الكبيرة في غرفتها، كانت "ميرا" (خلود سابقاً) تقف متأملة انعكاس صورتها برضا تام. كانت ترتدي فستاناً أحمر نارياً، بأكمام طويلة ولكنه ضيق للغاية، يبرز تفاصيل جسدها بشكل صارخ يتحدى كل القيود والتقاليد العائلية. لم يكن هناك أي رادع يمنعها من ارتداء ملابس بهذا الشكل، ولِمَ لا؟ وإن كانت هذه الملابس والتبرج المبالغ فيه هما الوسيلة الوحيدة التي يراها أبوها وأمها لجذب "العريس الثري" المنتظر. لم تكن "ميرا" بالنسبة لهما مجرد ابنة تُربى، بل كانت أشبه بصفقة تجارية مربحة خططا للاستثمار فيها منذ سنوات.
أمسكت بقلم أحمر الشفاه الصاخب، ومررته على شفتيها بعناية، ثم رفعت شعرها الأسود الداكن إلى الأعلى في كعكة عشوائية، تاركة خصلتين ناعمتين تنسدلان على وجنتيها لتضفي لمسة من الإغراء المصنوع. أخذت حقيبتها الصغيرة، وخرجت من غرفتها تركض بسرعة لتلحق بموعد المعهد.
وفي صالة الشقة، اصطدمت بقوة بوالدتها "هاجر غازي"، التي كانت تجلس واضعة قناعاً للوجه وتتصفح هاتفها. تراجعت "هاجر" للخلف بانزعاج شديد وصاحت بنبرة حادة:
— إييييه؟ قطر معدي؟! مش تاخدي بالك يا بنت وتفتحي عينيكي دي؟!
ابتسمت "ميرا" ببرود ولم تبالِ بغضب والدتها، بل اقتربت منها قائلة بدلال:
— سوري يا مامي.. اتأخرت جداً على المعهد ومش شايفة قدامي.
ثم مدت يدها المفتوحة نحوها وأردفت باقتضاب:
— إيدك بقى على الأخضر.. يلا.
نظرت إليها "هاجر" باشمئزاز ورفعت حاجبها مستنكرة:
— إيه "إيدك" دي؟ مش تتكلمي بأدب وأسلوب راقي يناسب الطبقة اللي عاوزين ندخلها؟ تملي لسانك دبش كده!
عدلت "ميرا" من جلست حقيبتها على كتفها وقالت بنبرة مرحة ساخرة:
— سوري يا "شاهيناز هانم" المستقبل.. ممكن هاجر هانم تديني قدر من المال عشان أمشي أموري النهارده؟
لوت "هاجر" فمها بسخرية ومرارة:
— ومنين يا حسرة؟! باباكي شاكر الجويلي شطب على كل المبالغ اللي معايا الأسبوع ده، ومبقاش سيبلي غير الفكة.
زفرت "ميرا" بضيق واضح وعقدت ذراعيها:
— أوففف.. وأنا أعمل إيه دلوقتي؟ أروح المعهد مش معايا تمن الكتب والمواصلات؟
هنا، لمعت في رأس "هاجر" فكرة شيطانية، واختفت نظرة الضيق من عينيها ليحل محلها بريق المكر. اعتدلت في جلستها وقالت بنبرة خفيضة مليئة بالإيحاء:
— بقولك إيه.. روحي لـ"شاكر" المكتب في الشركة وخذي منه الفلوس اللي انتي عاوزاها بنفسك.. ومنها بالمرة، يمكن "مالك الراوي" يشوفك هناك وتخطفي عينه ويعجب بيكي.. ونخلص منك ومن مصاريفك ونرتاح!
أطلقت "ميرا" ضحكة ساخرة وحانقة:
— مالك مين يا ماما اللي يعجب بيا؟! مالك الراوي خطب "تولين" بنت عمه خلاص، والبلد كلها عارفة إن فرحهم قرب، ده واحد عايش في برج عاجي ومش بيبص لأشكالي.
انتفضت "هاجر" بانتصار وهتفت وهي تلوح بهاتفها:
— لسه واصلالي الأخبار حالا من "شاهيناز هانم" شخصياً! كلمتني وقالتلي إنه شكله كدا هيفك الخطوبة دي ويفركش مع بنت عمه.. لأنه أساساً مش بيطيقها ومش بيحبها ويادوب بيعاملها كواجب عائلي، و"شاهيناز" مش موافقة على الجوازة دي من الأول ومستحملاها غصب عنها عشان خاطر جوزها عاصم.
اتسعت عينا "ميرا" باهتمام، وتابعت والدتها بخبث:
— وبعدين انتي مش عارفة شاهيناز هانم؟ دي لما بتصمم على حاجة بيبقاش قدامها مستحيل.. هتعمل ميت طريقة وطريقة عشان تبوظ الجوازة دي.. خصوصاً إنها من زمان، ومن أيام ما كانت بتلمحلي، نفسها تشيل "عاصم الراوي" من الشركة وتطرده بره الإمبراطورية خالص.. زي ما كان عاوز يرميها بره البيت زمان ويحرمها من ورثها.. دي تصفية حسابات قديمة يا حبيبتي، والفرصة جاتلنا على طبطاب.
عضت "ميرا" على شفتيها بقوة، وجالت في عقلها أفكار متضاربة. تذكرت فجأة كلمات "طارق" (ابن العم الحاقد) عندما التقت به سراً في المرة الأخيرة، وكيف كان ينظر إلى عينيها ببريق غامض وهو يقول لها بنبرة ذات مغزى: (ياريت كل مرة أشوف فيها عينيكي الجميلة دي، تقوليلي في أي خبر جديد عن فيلا "الراوي" يا قمري.. عيوني ليكي لو غديتيني بالأخبار).
نهضت "ميرا" سريعاً، وقد تبدلت خططها تماماً في ثانية واحدة، وقالت بنبرة متحمّسة:
— تمام يا مامي.. كلامك مظبوط، يدوبك ألحق أروح الشركة آخد الفلوس من بابي وأشوف الأجواء هناك عاملة إزاي.. سلام يا جوجو!
مع أول شعاع لضياء الصباح، استيقظت العاصمة على قرع طبول حرب مالية طاحنة لم تشهدها دهاليز البورصة المصرية من قبل. كانت المكاتب الفخمة لشركات "الراوي" في وسط القاهرة تبدو كخلية نحل حربية؛ الموظفون يتحركون في الممرات بسرعة لاهثة، وشاشات العرض الكبيرة المعلقة في ردهة الإدارة العامة تومض باللون الأحمر الصاخب، معلنة عن تراجع تدريجي ومفاجئ لأسهم المجموعة مع الدقائق الأولى لافتتاح جلسة التداول. كان هناك تدفق مريب لأوامر بيع مكثفة وبأسعار بخسة، مصدرها محافظ استثمارية تابعة بشكل غير مباشر لمجموعة "حصون الشرق" الدولية بقيادة كارما السيوفي، بهدف إحداث حالة من الذعر والهلع بين صغار المستثمرين لدفعهم إلى التخلص من أسهمهم وتدمير القيمة السوقية للإمبراطورية.داخل المكتب الرئيسي، كان "مالك الراوي" يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. لم يكن يرتدي بدلة كلاسيكية عادية، بل اختار حُلة سوداء قاتمة من قماش فاخر يبرز قوة جسده المفرود وعناد ملامحه الحادة التي لم يخطّ عليها الإنهك العصبي أي أثر للتراجع. كانت عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص مستق
لم تكن شمس اليوم التالي لتشرق على قصر عائلة "الراوي" كأي شمسٍ مضت؛ بل جاءت خيوطها الذهبية ممتزجة ببريق النصر الحاسم الذي اهتزت له أروقة المال والأعمال في العاصمة بأكملها. مانشيتات الصحف الاقتصادية الكبرى كانت ما تزال تتصدر الشاشات، معلنة الانهيار الكامل لمجموعة "حصون الشرق" واقتياد "كارما السيوفي" إلى ساحات التحقيق خلف جدران مديرية الأمن الكلية، لتدفن أوهامها في نفس الزنزانة التي ضمت طارق ورأفت المنشاوي.في الجناح الرئيسي الفخم، كان الصمت المهيب يلف الأركان، صمتٌ دافئ تكسره أنفاس "تولين" الهادئة والمستكينة في نومها. كانت مستلقية برقتها المعهودة فوق الفراش الملكي، وشعرها الحريري الداكن ينسدل كأمواج الليل فوق ذراع "مالك" العريضة. كان فستانها الشيفون الوردي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نقاءها الساحر الذي لم تلوثه قذارة الحروب المالية بالخارج.بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ الفجر، يتأمل ملامح وجهها الجميل بنظرة تفيض بعشق جارف طالما حاول إخفاءه خلف أقنعة البرود الكاذبة. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة عن جبهتها بحنان حارق، وشعر بغصة خنقت حنجرته وهو يتذكر كيف
انقشع غبار المواجهة العنيفة في مكتب الإدارة العامة لشركات "الراوي"، مخلّفاً وراءه غلياناً مكتوماً في الأروقة الزجاجية ناطحة السحاب. كان صدى الكلمات القاطعة التي ألقاها "مالك الراوي" في وجه "كارما السيوفي" ما زال يتردد في الفراغ كأنه تراتيل حرب أعلنت التحدي ضد حيتان السوق الجدد. بعد خروج كارما بعاصفة غيظها، أدار مالك جسده ببطء ومشى متكئاً على عصاه الأبنوسية نحو النافذة الزجاجية الضخمة التي تكشف عن معالم العاصمة الممتدة تحت أشعة الشمس القاسية. كانت قبضته الفضية تلتحم بالمقبض بقوة تبرز عروق يده، بينما بدأت قطرات العرق الباردة تتسلل على جبينه المربع بفعل الإنهاك الجسدي العنيف الذي أصاب موضع بتر ساقه اليمنى، إثر وقفته الطويلة والمتحدية.استند بكامل ثقله على العصا، وضيق عينيه الصقريتين وهو يراقب سيارة كارما الفارهة وهي تغادر محيط البرج بسرعة جنونية. التفت نحو شقيقه "ياسين" الذي كان يقف جوار المائدة الخشبية الكبيرة، وقد شحب وجهه المرح واختفت منه الابتسامة ليحل محلها قلق داكن، وهتف ياسين بنبرة لاهثة:— مالك.. كارما السيوفي مش بتلعب لوحدها، دي حية مسمومة والسوق كله عارف إ
مرّ أسبوعان كاملان على انقشاع كابوس "رأفت المنشاوي" الغابر، أسبوعان تبدلت فيهما موازين القوى داخل السوق المصري، واهتزت لهما أركان البورصة التي بقيت تسجل صعوداً قياسياً ومستمراً لأسهم عائلة "الراوي" عقب تصفية الحيتان والمنافسين التقليديين الذين ظنوا يوماً أن جدار العائلة قد شُطب أو انكسر. في بهو القصر الأرستقراطي المهيب بجاردن سيتي، غمرت الطمأنينة الردهات العتيقة، وبدأت الحياة تتنفس بنقاءٍ كامل بعد غياب الأقنعة المزيفة والنفوس الحاقدة التي طُردت إلى غير رجعة؛ حيث استقرت "شاهيناز هانم" في منفاها الإجباري بمزارع الفيوم تحت رقابة صارمة، بينما كان "طارق" و"شاكر الجويلي" وابنته "ميرا" يواجهون مصيرهم المحتوم خلف جدران الزنازين المغلقة بانتظار أحكام النيابة الكلية.في الجناح الرئيسي العلوي للقصر، كانت نسمات الصباح الباكر لليوم الأول لعودة "مالك" الرسمية لإدارة شؤون الإمبراطورية تتسلل بنعومة فائقة من بين الشقوق الطفيفة للستائر المخملية الثقيلة، لترسم خطوطاً ذهبية دافئة فوق الفراش الملكي الفسيح. كانت الأجواء عابقة بعبير عطر الأوركيد والياسمين البري الذي يفوح من جسد "تولين" المستلقية بر
ساد الظلام الدامس أرجاء القاعة الخرسانية الشاسعة ككفن أسود هبط فجأة ليلتف حول رقاب الجميع، وتبددت الإضاءة الصفراء الشاحبة في جزء من الثانية إثر قطع "ياسين" و"آسر" لكابلات المولد الرئيسي بالخارج. في تلك اللحظة التي انعدمت فيها الرؤية تماماً، انطلقت الشرارة الأولى للجحيم؛ ولم تكن الآذان بحاجة إلى أعين لترى، فقد تكلّم الرصاص بلسان من نار، ودوت في عتمة المخزن الصحراوي أصوات انفجارات مكتومة ومتلاحقة، ممتزجة بفحيح الرصاص الذي كان يخترق الهواء ليصطدم بالجدران الخرسانية، صانعاً شظايا متناثرة ورائحة بارود خانقة تملأ الصدور بالذعر.لم يكن "مالك الراوي" بحاجة إلى الضوء ليتحرك؛ فعقله الحاد وصوت صراخ "تولين" الأخير حددا له إحداثيات الهدف بدقة متناهية. وفي اللحظة التي انقطع فيها النور، ألقى بجسده القوي نحو الجانب الأيسر غريزياً، متفادياً وابل الرصاص العشوائي الذي أطلقه رجال رأفت المنشاوي برعب وتخبط. سقطت عصاه الأبنوسية من يده لثوانٍ، لكنه استند على ركبته السليمة، وبحركة خاطفة تملأها الشراسة، رفع مسدسه الناري وبدأ يطلق رصاصاته الدقيقة والمحسوبة نحو مصادر الوميض الناجم عن أسلحة الأعداء.
في المكتب الرئيسي لشركات "الراوي"، كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة ظهراً بقليل حين تحولت الأجواء من الترقب الصارم إلى غليان دموي مكتوم. كان "مالك" يجلس خلف مكتبه، وعيناه معلقتان بشاشة الحاسوب يتابع حركة السفن الموشكة على دخول المياه الإقليمية، ويده اليسرى تطرق فوق سطح المكتب الخشبي بإيقاع منتظم ومتوتر، بينما كانت عصاه الأبنوسية الفخمة مسندة بجانبه كحارس صامت ينتظر إشارة البدء.انفتح باب المكتب فجأة ودون طرق، ودلف "ياسين" بوجه شاحب كالموت، وعيناه تتسعان بفزع شلّ أطرافه، وكان يمسك بهاتفه المحمول بيد ترتعد بعنف. تقدم نحو شقيقه الأكبر بخطوات متعثرة، وهتف بصوت مخنوق لاهث:— مالك.. مصيبة يا مالك! تولين.. تولين مش في القصر، الحراسة اللي كانت معاها فوق في فرع الدقي لسه مكلمينا حالا بعد ما فكوا نفسهم.. تولين اتمسكت يا مالك! "رأفت المنشاوي" نصب ليها فخ وخدها من مكتب شاكر الجويلي القديم!انتفض "مالك" من مقعده بحركة مفاجئة وعنيفة نسيت معها شياطين الكبرياء آلام ساقه المبتورة. سقطت العصا الأبنوسية على الأرضية الرخامية لتحدث رنيناً مدوياً اهتزت له جدران المكتب الفخم. استند







