تسجيل الدخوللم تكن شمس اليوم التالي لتشرق على قصر عائلة "الراوي" كأي شمسٍ مضت؛ بل جاءت خيوطها الذهبية ممتزجة ببريق النصر الحاسم الذي اهتزت له أروقة المال والأعمال في العاصمة بأكملها. مانشيتات الصحف الاقتصادية الكبرى كانت ما تزال تتصدر الشاشات، معلنة الانهيار الكامل لمجموعة "حصون الشرق" واقتياد "كارما السيوفي" إلى ساحات التحقيق خلف جدران مديرية الأمن الكلية، لتدفن أوهامها في نفس الزنزانة التي ضمت طارق ورأفت المنشاوي.
في الجناح الرئيسي الفخم، كان الصمت المهيب يلف الأركان، صمتٌ دافئ تكسره أنفاس "تولين" الهادئة والمستكينة في نومها. كانت مستلقية برقتها المعهودة فوق الفراش الملكي، وشعرها الحريري الداكن ينسدل كأمواج الليل فوق ذراع "مالك" العريضة. كان فستانها الشيفون الوردي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نقاءها الساحر الذي لم تلوثه قذارة الحروب المالية بالخارج.
بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ الفجر، يتأمل ملامح وجهها الجميل بنظرة تفيض بعشق جارف طالما حاول إخفاءه خلف أقنعة البرود الكاذبة. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة عن جبهتها بحنان حارق، وشعر بغصة خنقت حنجرته وهو يتذكر كيف كانت هذه الأنثى الرقيقة مستعدة للتضحية بحياتها من أجله في المخزن الصحراوي. لم يعد يرى في وجودها جنباً إلى جنب معه أي نوع من الشفقة على ساقه المبتورة؛ بل أيقن أنها القوة الوحيدة الحقيقية التي ترمم شروخ كبريائه وتجعله مَلِكاً على عرشه.
اعتدل "مالك" في جلسته ببطء شديد، متحاملاً على الآلام الخفيفة التي كانت تعاوده في موضع البتر نتيجة مجهود الأيام الماضية العنيف في البورصة. التقط عصاه الأبنوسية الفخمة ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس، ووقف على قدمه السليمة بثبات وعناد لا يلين. ارتدى ملابسه الرسمية التي تميزت بالفخامة الكلاسيكية الصارمة؛ حُلة كحليّة داكنة تناسب اجتماعه الطارئ اليوم مع كبار المستثمرين لإعادة هيكلة مجلس الإدارة بالكامل، ثم انحنى ليطبع قبلة حانية طويلة على وجنة "تولين" المغمضة، قبل أن يتحرك بخطوات متزنة تصدر منها نبرة حازمة فوق الرخام متوجهاً إلى مكتبه السفلي.
داخل المكتب السفلي، كانت الأجواء مشحونة بنوع آخر من الترقب العملي الصارم. كان "عاصم الراوي" يجلس في مقعده الجلدي الوثير واضعاً يديه فوق مقبض عصاه الخشبية، وعيناه الثاقبتان تراقبان الملفات الممتدة أمامه، وبجانبه "ياسين" و"آسر" الذي كان يفرك وجهه بإرهاق شديد بعد ليلة قضاها في مراجعة الدفاتر القانونية بعد إفلاس مجموعة كارما.
دخل "مالك" وضغط بعصاه على الأرض ليعلن بدء جلسة العمل، وقال بنبرة حادة وصارمة:
— صباح الخير يا جماعة. آسر.. التقرير النهائي لتصفية أصول مجموعة "حصون الشرق" في البورصة بقى تحت إيدنا بالكامل؟ مش عايز فوت واحد من الأسهم دي يهرب بره سيطرة عيلتنا.
وقف "آسر" وتقدم بنبرة حازمة:
— صباح النور يا مالك.. كله تمام يا صاحبي. الأسهم اللي كارما السيوفي ضختها في السوق لميناها بالكامل، وحصتنا في قطاع النقل والجمارك رفعت لنسبة غير مسبوقة تضمن لينا السيطرة المطلقة لـ خمس سنين قدام.. بس في لغم جديد اتكشف الصبح وأنا بقفل المحاضر في النيابة الكلية مع طارق. طارق اعترف إن في مستند قديم، "شيك بنكي بمبلغ ضخم جداً" وموقع باسم والدتك "شاهيناز هانم" قبل نفْيها، الشيك ده كان مقدم لـ شبكة تهريب دولية بره مصر كـ "ضمان مالي" لتسهيل دخول شحنة السـ،ـلاح المهربة اللي قبضنا عليها!
تصلب جسد "مالك" تماماً، واشتعلت عيناه بجمر الغضب العارم، وضغط على مقبض عصاه الفضي بقوة كادت تطحن الماس المطعم به، وتابع "آسر" بتلعثم وتوتر:
— المصيبة إن الشيك ده لو وقع تحت إيد النيابة الدولية أو البوليس الدولي من خلال المراسلات القديمة لـ رأفت المنشاوي، اسم شاهيناز هانم هيتحول من التستر إلى الشراكة الفعلية في تمويل الإرهـ،ـاب الدولي وتخريب الأمن القومي.. وده معناه فضحية بجلاجل هتهد القيمة السوقية لشركات الراوي وتدخل اسم أبوك الله يرحمه في طين المحاكم بره وجوه مصر! طارق مخبي النسخة الأصلية من الإيصالات دي في مكان سري ومساومته الجديدة واضحة.. عايز تهريب رسمي ليه بره السجن مقابل الشيك ده!
انخفض صوت "مالك" ليتحول إلى فحيح مرعب زلزل جدران المكتب الخشبي:
— طارق الكلب فاكر إنه وهو ورا القضبان لسه يقدر يساومني على شرف اسم أبويا؟! شاهيناز هانم غلطت وخدت جزاءها بالنفْي في الفيوم، وأنا مش هسمح لـ اسم "الراوي" إنه يتلوث في المحاكم الدولية بسب طمعها وغبائها القديم! آسر.. التحرك في الموضوع ده هيكون بره نطاق القانون الرسمي تماماً. أنت ويزيد تاخدوا قوة من رجالتنا الأشداء وتدخلوا لـ طارق السجن في ميعاد الزيارة السري بكره الصبح.. وتفهموه إن روحه في إيدي، ولو الورقة دي متسلمتش لرجالتنا في ظرف 24 ساعة، أنا بنفسي هضمن إنه يتعدم في زنزانته قبل ما يشوف الشمس! اللي بيلعب مع مالك الراوي في الشرف والاسم، هيكون كتب نهايته بإيده!
تحدث "عاصم الراوي" بصوته الرخيم المهيب، ووقف مستنداً على عصاه ونظر لابن أخيه بجدية بالغة:
— القرار ده صح يا مالك.. اسم عيلتنا وشرف أبوك خط أحمر، وطارق لازم ينتهي تماماً وميبقاش له أي حس في السوق.. بس بلاش تخلي النيران دي تحرق بيتك من جوه.. تولين بدأت تحس بالأمان معاك، وبلاش تدّخلها في تفاصيل قذارة طارق وأمه تاني.. صون مرأتك وسيب آسر ويزيد يخلصوا الحكاية دي في صمت.
هز "مالك" رأسه بصلابة كالصخر:
— مفهوم يا عمي.. تولين هي الحاجة الوحيدة النظيفة اللي باقية في حياتي، وأنا مش هخلي نقطة دم واحدة من قذارة بره تلمس فستانها.. أنا هتحرك للشركة دلوقتي مع ياسين لعقد اجتماع مجلس الإدارة الجديد، وآسر ينفذ الأوامر بالحرف.
وفي غضون ساعتين، وفي الطابق العلوي للقصر.. استيقظت "تولين" بكامل رقتها ونقائها الساحر. ارتدت فستاناً كلاسيكياً ناعماً من الشيفون المطرز باللون الوردي الهادئ، وتركت شعرها الحريري ينسدل بعفوية فوق كتفيها الرقيقين. نزلت إلى البهو السفلي الفسيح، لتجد شقيقتها "ليان" ووالدتها السيدة "فريدة" تجلسان في ردهة الطعام المحاطة بباقات زهور الياسمين والأوركيد البري التي تفوح برائحة زكية ملأت الأركان بالدفء والرومانسية الكلاسيكية المهيبة.
اقتربت منهما بابتسامة ناعمة تفيض بالخجل تلونت معها بشرتها الوردية الخلابة:
— صباح الخير يا ماما.. صباح الخير يا ليونتي.
قامت "ليان" بسرعة واحتضنتها بحنان وفرحة عارمة:
— يا صباح الورد والياسمين على أحلى وأجمل ملكة حكمت قصر الراوي! طمنيني عنك يا توتة.. مالك باشا صحي من بدري ونزل المكتب السفلي وصوت عصايته الفخمة كان بيهز الحيطان كأنه داخل معركة جديدة! ما شاء الله عليه، الجبروت والهيبة بتوعه مبيتهزوش بأي أزمة، والسوق كله مقلوب على النصر اللي حققه بارح ضد كارما السيوفي!
جلست "تولين" ووضعت يدها على وجنتها برقة، وقالت بصوت ناعم تفيض منه المشاعر الدافئة:
— مالك راجل يا ليان.. وأنا مش شايفة في الدنيا راجل غيره يقدر يتحمل الصدمات دي كلها ويفضل واقف بطوله كدا.. أنا مش هسيبه، وهكون دايماً السند والراحة اللي بيلجألها لما يتعب من صراعات الملايين بره.. المهم عندي إن قلبه يفضل صافي ونظيف وميدخلوش الشك أو الجفاء تاني بسب خيانة أمه أو وحوش بره.. أنا هفضل أحميه بحبي ونقائي دايماً.
قالت السيدة "فريدة" بنبرة حانية وموجوعة بعض الشيء:
— ربنا يهديه ليكي يا بنتي ويحنن قلبه عليكي دايماً.. مالك صانك وعوضك قدام الكل في الفرح، بس عالم رجال الأعمال ده زي الغابة، مبيتصفاش والكلاب بره بيموتوا من نجاح عيلتنا.. خليكي الحضن الدافئ اللي بينسيه وجع رجله ووجع قلبه، وبلاش تخلي الدسائس تدخل بينكم تاني بعد ما الأقنعة كلها سقطت برضاها.
طمأنتها "تولين" برقة وهي تبتسم بثقة عميقة نبض بها عشقها الجارف:
— متقلقيش يا ماما.. طالما إيدي في إيد مالك، مفيش مخلوق في الدنيا دي هيقدر يمس شعرة من بيتنا أو يهد حصون حبنا تاني.. إحنا اتعمدنا بالوجع والمؤامرات، والحب الصادق هو اللي كسب في النهاية وهيفضل يحمينا للأبد.
عند الساعة الثانية ظهراً.. في المقر الرئيسي لشركات "الراوي" بوسط القاهرة..
كانت قاعة الاجتماعات الكبرى المبطنة بخشب الماهوجني الداكن والمطلة على النيل تضج بوجود كبار المستثمرين وأعضاء مجلس الإدارة والوزراء المعنيين بقطاع النقل والاتصالات. ساد صمت رهيب شابه الخوف والترقب الكامل؛ فالجميع ينتظر دخول رئيس مجلس الإدارة المتوج بعد الأزمة الدولية الكبرى التي أطاحت بمجموعة حصون الشرق وكارما السيوفي.
انفتح الباب الخشبي الثقيل للقاعة بعنف وحسم، ودلَف "مالك الراوي" بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. كان يرتدي حُلتة الكحليّة الفاخرة، ومفرد الظهر بكامل طوله وعناد ملامحه الحادة، ويستند بيده اليمنى على عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي المصمت، ويخطو بخطوات بطيئة لكنها ثابتة، قوية، تضرب أرضية الرخام بإيقاع حازم هز قلوب الحاضرين قبل حوائط القاعة. جلس خلف رأس الطاولة الضخمة، ووضع عصاه بجانبه لتستند على المسند الجلدي للمقعد، ونظر إليهم بعينين صقريتين حادتين كالشفرة جمدت الأنفاس في الصدور.
مال "مالك" بجسده للأمام، وقال بنبرة صوت جافة، صارمة، وخالية من أي تردد:
— مساء الخير يا جماعة. أعتقد الأيام اللي فاتت كانت درس قاسي لكل واحد فكر إن غياب طارق أو رأفت المنشاوي هيسيب شركات الراوي فاضية للمناورات الرخيصة أو اللعب في الخفاء.. كارما السيوفي ومجموعتها الدولية أعلنوا الإفلاس الفعلي بارح والكلابشات اتلفت حوالين رقابيهم بتهمة غسيل الأموال وتخريب الاقتصاد.. والنهارده، إحنا داخلين مرحلة جديدة مفيش فيها مكان للإهمال أو الضعف البشري. قطاع النقل والجمارك هيرجع بالكامل تحت إشراف مباشر مني ومن شقيقي ياسين، وأي مدير إدارة هثبت إنه قصر أو تستر على ورقة مزورة واحدة من مخلفات شاكر الجويلي، مكانه السجن المؤبد قبل ما يلحق يجمع حاجته ويمشي برضه!
انحنى كبار المستثمرين برؤوسهم باحترام وهيبة تامة أمام كلماته الحازمة؛ فقد أثبت لهم للمرة المليون أن بتر ساقه اليمنى لم يزده إلا شراسة، وجبروتاً، وسيطرة مطلقة على السوق لا يمكن لأي حوت أن يهزها أو يقلل من قيمتها الأرستقراطية التاريخية.
عند الساعة السادسة مساءً.. ومع غروب الشمس التي صبغت سماء جاردن سيتي بلون قرمزي دافئ ملأ الأجواء بنوع من الغموض الرومانسي الساحر.. عادت السيارات المصفحة السوداء الفارهة لتدخل من البوابة الرئيسية لقصر "الراوي".
انفتح الباب، وخرج "مالك". كان وجهه شاحباً من فرط الإنهاك العضلي العصبي، وعيناه غائرتين تحملان تعب الحروب الطاحنة والدسائس التي يحاربها في الخفاء لحماية شرف اسم أبوه، لكن حركته على العصا الأبنوسية كانت ما تزال ثابتة، قوية. صعد الدرج الرخامي ببطء شديد أظهر المشقة الفظيعة التي يواجهها جَسده خفية في موضع البتر نتيجة وقفته الطويلة طوال النهار في الشركة، ودلف إلى الجناح الرئيسي المغلق.
بمجرد دخول الباب، غمرته الأجواء الرومانسية الدافئة والسكينة العذبة التي كانت تفوح بعطر الأوركيد والياسمين البري. كانت الأنوار خافتة، و"تولين" تقف بانتظاره بفستانها الوردي الشيفون الساحر وعيناها تلمعان بدموع الفخر والعشق الجارف الذي لا ينطفئ. ركضت نحوه بخطوات رقيقة، ولم تبالِ بملامحه الجافة، بل ارتمت بكامل جسدها الرقيق في أحضانه العريضة، وأحاطت عنقه بذراعيها بقوة تفيض بالجنون، ودفنت وجهها في صدره الدافئ وهي تبكي براحة وسعادة:
— مالك.. حبيبي.. وحشتني أوي. أنا كنت بعد الساعات والدقائق لحد ما ترجعلي بالسلامة وتقفل عليا باب أوضتك وحضنك ده.. أنت قوي يا مالك، وأنا ماليش مكان في الدنيا دي كلها غير بين إيديك الكبيرة دي.
تلاشت كل نيران الغضب وصراعات طارق والشيكات المزورة من كيان "مالك" في جزء من الثانية؛ ألقى بعصاه الأبنوسية جانباً فوق الفراش الملكي الفسيح، وأحاط خصرها بذراعه اليسرى القوية، وضامها إلى صدره العريض بقوة كادت تدمج روحيهما معاً في كيان واحد لا ينفصل، ووضع يده الأخرى يداعب شعرها الحريري المنفرط بحنان حارق أذاب بقايا حصونه الزجاجية وجفافه القديم، وهمس أمام شفتيها بصوت مبحوح ومتحشرج تفيض منه أصدق معاني الرومانسية العذبة والوجع الشافي:
— تولين.. اهدي يا قلب وعمر مالك من جوه. أنا هنا.. أنا رجعتلك وبيتك وحضنك هما الحصن الوحيد والنظيف اللي بهرب ليه من قذارة العالم بره. كبرياء السوق والشركات والفلوس ميسووش حاجة لو جيت وملقيتش النقاء والراحة اللي في عيونك دول.. أنتي روحي يا تولين، والكلاب بره مش هيقدروا يمسوا شعرة من بيتنا طول ما أنا عايش وبتمشى بيكي في الدنيا.. أنتي الساق اللي بتمشى بيها والعين اللي بتشوف بيها الدنيا بجد.
ارتجف النبض في صدورهم، وانحنى "مالك" ليطبع قبلة حانية دافئة وطويلة فوق شفتيها الرقيقتين، قبلة امتزجت فيها لوعة وجعه القديم بنقاء عشقها الجارف الصادق، قبلة أعلنت سيادتهما المطلقة وعرشهما الجديد الذي بُني فوق حطام المؤامرات وحقد الخائنين. أخذ كفها الصغيرة وضمد جروح معصميها بقبلات حانية جعلت وجنتيها تشتعلان بالخجل الخلاب، وأسند رأسه الفاخر فوق كتفها الرقيق وهما لا يعرفان ما يدبرلهما ..
مع أول شعاع لضياء الصباح، استيقظت العاصمة على قرع طبول حرب مالية طاحنة لم تشهدها دهاليز البورصة المصرية من قبل. كانت المكاتب الفخمة لشركات "الراوي" في وسط القاهرة تبدو كخلية نحل حربية؛ الموظفون يتحركون في الممرات بسرعة لاهثة، وشاشات العرض الكبيرة المعلقة في ردهة الإدارة العامة تومض باللون الأحمر الصاخب، معلنة عن تراجع تدريجي ومفاجئ لأسهم المجموعة مع الدقائق الأولى لافتتاح جلسة التداول. كان هناك تدفق مريب لأوامر بيع مكثفة وبأسعار بخسة، مصدرها محافظ استثمارية تابعة بشكل غير مباشر لمجموعة "حصون الشرق" الدولية بقيادة كارما السيوفي، بهدف إحداث حالة من الذعر والهلع بين صغار المستثمرين لدفعهم إلى التخلص من أسهمهم وتدمير القيمة السوقية للإمبراطورية.داخل المكتب الرئيسي، كان "مالك الراوي" يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. لم يكن يرتدي بدلة كلاسيكية عادية، بل اختار حُلة سوداء قاتمة من قماش فاخر يبرز قوة جسده المفرود وعناد ملامحه الحادة التي لم يخطّ عليها الإنهك العصبي أي أثر للتراجع. كانت عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص مستق
لم تكن شمس اليوم التالي لتشرق على قصر عائلة "الراوي" كأي شمسٍ مضت؛ بل جاءت خيوطها الذهبية ممتزجة ببريق النصر الحاسم الذي اهتزت له أروقة المال والأعمال في العاصمة بأكملها. مانشيتات الصحف الاقتصادية الكبرى كانت ما تزال تتصدر الشاشات، معلنة الانهيار الكامل لمجموعة "حصون الشرق" واقتياد "كارما السيوفي" إلى ساحات التحقيق خلف جدران مديرية الأمن الكلية، لتدفن أوهامها في نفس الزنزانة التي ضمت طارق ورأفت المنشاوي.في الجناح الرئيسي الفخم، كان الصمت المهيب يلف الأركان، صمتٌ دافئ تكسره أنفاس "تولين" الهادئة والمستكينة في نومها. كانت مستلقية برقتها المعهودة فوق الفراش الملكي، وشعرها الحريري الداكن ينسدل كأمواج الليل فوق ذراع "مالك" العريضة. كان فستانها الشيفون الوردي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نقاءها الساحر الذي لم تلوثه قذارة الحروب المالية بالخارج.بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ الفجر، يتأمل ملامح وجهها الجميل بنظرة تفيض بعشق جارف طالما حاول إخفاءه خلف أقنعة البرود الكاذبة. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة عن جبهتها بحنان حارق، وشعر بغصة خنقت حنجرته وهو يتذكر كيف
انقشع غبار المواجهة العنيفة في مكتب الإدارة العامة لشركات "الراوي"، مخلّفاً وراءه غلياناً مكتوماً في الأروقة الزجاجية ناطحة السحاب. كان صدى الكلمات القاطعة التي ألقاها "مالك الراوي" في وجه "كارما السيوفي" ما زال يتردد في الفراغ كأنه تراتيل حرب أعلنت التحدي ضد حيتان السوق الجدد. بعد خروج كارما بعاصفة غيظها، أدار مالك جسده ببطء ومشى متكئاً على عصاه الأبنوسية نحو النافذة الزجاجية الضخمة التي تكشف عن معالم العاصمة الممتدة تحت أشعة الشمس القاسية. كانت قبضته الفضية تلتحم بالمقبض بقوة تبرز عروق يده، بينما بدأت قطرات العرق الباردة تتسلل على جبينه المربع بفعل الإنهاك الجسدي العنيف الذي أصاب موضع بتر ساقه اليمنى، إثر وقفته الطويلة والمتحدية.استند بكامل ثقله على العصا، وضيق عينيه الصقريتين وهو يراقب سيارة كارما الفارهة وهي تغادر محيط البرج بسرعة جنونية. التفت نحو شقيقه "ياسين" الذي كان يقف جوار المائدة الخشبية الكبيرة، وقد شحب وجهه المرح واختفت منه الابتسامة ليحل محلها قلق داكن، وهتف ياسين بنبرة لاهثة:— مالك.. كارما السيوفي مش بتلعب لوحدها، دي حية مسمومة والسوق كله عارف إ
مرّ أسبوعان كاملان على انقشاع كابوس "رأفت المنشاوي" الغابر، أسبوعان تبدلت فيهما موازين القوى داخل السوق المصري، واهتزت لهما أركان البورصة التي بقيت تسجل صعوداً قياسياً ومستمراً لأسهم عائلة "الراوي" عقب تصفية الحيتان والمنافسين التقليديين الذين ظنوا يوماً أن جدار العائلة قد شُطب أو انكسر. في بهو القصر الأرستقراطي المهيب بجاردن سيتي، غمرت الطمأنينة الردهات العتيقة، وبدأت الحياة تتنفس بنقاءٍ كامل بعد غياب الأقنعة المزيفة والنفوس الحاقدة التي طُردت إلى غير رجعة؛ حيث استقرت "شاهيناز هانم" في منفاها الإجباري بمزارع الفيوم تحت رقابة صارمة، بينما كان "طارق" و"شاكر الجويلي" وابنته "ميرا" يواجهون مصيرهم المحتوم خلف جدران الزنازين المغلقة بانتظار أحكام النيابة الكلية.في الجناح الرئيسي العلوي للقصر، كانت نسمات الصباح الباكر لليوم الأول لعودة "مالك" الرسمية لإدارة شؤون الإمبراطورية تتسلل بنعومة فائقة من بين الشقوق الطفيفة للستائر المخملية الثقيلة، لترسم خطوطاً ذهبية دافئة فوق الفراش الملكي الفسيح. كانت الأجواء عابقة بعبير عطر الأوركيد والياسمين البري الذي يفوح من جسد "تولين" المستلقية بر
ساد الظلام الدامس أرجاء القاعة الخرسانية الشاسعة ككفن أسود هبط فجأة ليلتف حول رقاب الجميع، وتبددت الإضاءة الصفراء الشاحبة في جزء من الثانية إثر قطع "ياسين" و"آسر" لكابلات المولد الرئيسي بالخارج. في تلك اللحظة التي انعدمت فيها الرؤية تماماً، انطلقت الشرارة الأولى للجحيم؛ ولم تكن الآذان بحاجة إلى أعين لترى، فقد تكلّم الرصاص بلسان من نار، ودوت في عتمة المخزن الصحراوي أصوات انفجارات مكتومة ومتلاحقة، ممتزجة بفحيح الرصاص الذي كان يخترق الهواء ليصطدم بالجدران الخرسانية، صانعاً شظايا متناثرة ورائحة بارود خانقة تملأ الصدور بالذعر.لم يكن "مالك الراوي" بحاجة إلى الضوء ليتحرك؛ فعقله الحاد وصوت صراخ "تولين" الأخير حددا له إحداثيات الهدف بدقة متناهية. وفي اللحظة التي انقطع فيها النور، ألقى بجسده القوي نحو الجانب الأيسر غريزياً، متفادياً وابل الرصاص العشوائي الذي أطلقه رجال رأفت المنشاوي برعب وتخبط. سقطت عصاه الأبنوسية من يده لثوانٍ، لكنه استند على ركبته السليمة، وبحركة خاطفة تملأها الشراسة، رفع مسدسه الناري وبدأ يطلق رصاصاته الدقيقة والمحسوبة نحو مصادر الوميض الناجم عن أسلحة الأعداء.
في المكتب الرئيسي لشركات "الراوي"، كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة ظهراً بقليل حين تحولت الأجواء من الترقب الصارم إلى غليان دموي مكتوم. كان "مالك" يجلس خلف مكتبه، وعيناه معلقتان بشاشة الحاسوب يتابع حركة السفن الموشكة على دخول المياه الإقليمية، ويده اليسرى تطرق فوق سطح المكتب الخشبي بإيقاع منتظم ومتوتر، بينما كانت عصاه الأبنوسية الفخمة مسندة بجانبه كحارس صامت ينتظر إشارة البدء.انفتح باب المكتب فجأة ودون طرق، ودلف "ياسين" بوجه شاحب كالموت، وعيناه تتسعان بفزع شلّ أطرافه، وكان يمسك بهاتفه المحمول بيد ترتعد بعنف. تقدم نحو شقيقه الأكبر بخطوات متعثرة، وهتف بصوت مخنوق لاهث:— مالك.. مصيبة يا مالك! تولين.. تولين مش في القصر، الحراسة اللي كانت معاها فوق في فرع الدقي لسه مكلمينا حالا بعد ما فكوا نفسهم.. تولين اتمسكت يا مالك! "رأفت المنشاوي" نصب ليها فخ وخدها من مكتب شاكر الجويلي القديم!انتفض "مالك" من مقعده بحركة مفاجئة وعنيفة نسيت معها شياطين الكبرياء آلام ساقه المبتورة. سقطت العصا الأبنوسية على الأرضية الرخامية لتحدث رنيناً مدوياً اهتزت له جدران المكتب الفخم. استند







