FAZER LOGINانقشع غبار المواجهة العنيفة في مكتب الإدارة العامة لشركات "الراوي"، مخلّفاً وراءه غلياناً مكتوماً في الأروقة الزجاجية ناطحة السحاب. كان صدى الكلمات القاطعة التي ألقاها "مالك الراوي" في وجه "كارما السيوفي" ما زال يتردد في الفراغ كأنه تراتيل حرب أعلنت التحدي ضد حيتان السوق الجدد. بعد خروج كارما بعاصفة غيظها، أدار مالك جسده ببطء ومشى متكئاً على عصاه الأبنوسية نحو النافذة الزجاجية الضخمة التي تكشف عن معالم العاصمة الممتدة تحت أشعة الشمس القاسية. كانت قبضته الفضية تلتحم بالمقبض بقوة تبرز عروق يده، بينما بدأت قطرات العرق الباردة تتسلل على جبينه المربع بفعل الإنهاك الجسدي العنيف الذي أصاب موضع بتر ساقه اليمنى، إثر وقفته الطويلة والمتحدية.
استند بكامل ثقله على العصا، وضيق عينيه الصقريتين وهو يراقب سيارة كارما الفارهة وهي تغادر محيط البرج بسرعة جنونية. التفت نحو شقيقه "ياسين" الذي كان يقف جوار المائدة الخشبية الكبيرة، وقد شحب وجهه المرح واختفت منه الابتسامة ليحل محلها قلق داكن، وهتف ياسين بنبرة لاهثة:
— مالك.. كارما السيوفي مش بتلعب لوحدها، دي حية مسمومة والسوق كله عارف إن مجموعة "حصون الشرق" وراها مستثمرين أجانب وصناديق تابعة لجهات دولية. التهديد بالملفات والرقابة المالية مش لعبة.. لو الأوراق دي طالعة من مخازن رأفت المنشاوي القديمة وفيها ثغرات فعلاً، البورصة بكره الصبح ممكن تدمرنا قبل ما نلحق نرد!
التفت "مالك" ببطء مرعب، وغلّف صوته ببرود قاتل جمد الأنفاس في الغرفة:
— ياسين.. رأفت وطارق وشاكر كانوا بيمهدوا الأرض لحساب حد أكبر، وكارما السيوفي هي الواجهة اللي جاية تلم المحصول بعد ما الحيتان القديمة وقعت. الأوراق اللي معاها لو كانت سليمة بنسبة مية في المية، مكنتش جت لحد مكتبي عشان تساومني على 25% من الأسهم بالثمن القديم.. دي مناورة رخيصة عشان تلوي دراعي وأنا لسه راجع من أزمتي.
تحرك خطوات متزنة تضرب الرخام بإيقاع حازم، وتابع بصلابة كالصخر:
— كلم "آسر" حالا في الإسكندرية.. خليه يسيب تصفية الحسابات الجمركية لرجالتنا هناك، ويرجع القاهرة بأقصى سرعة ومعه الملفات القانونية الموثقة للشراكة القديمة. إحنا هنفحص كل ثغرة اتكلمت عنها الأفعى دي بالورقة والقلم، والكلب اللي فاكر إنه هيخليني أركع عشان رجلي اتقطعت، هوريه إن عقلي ونفوذي كافيين لدفن مجموعتها الدولية تحت تراب السوق!
وفي غضون ساعتين، وداخل قصر عائلة "الراوي" العتيق في حي جاردن سيتي.. كانت خيوط المؤامرة الجديدة قد بدأت تمد أذرعها الخفية لتهدد السكينة التي لم تكد تستقر في الأركان.
داخل الجناح الشرقي الفسيح لغرفة الضيوف القريبة من البهو، كانت الأجواء مظلمة بعض الشيء؛ حيث كانت "ليان" تجلس بجوار شقيقتها "تولين" التي كانت ترتدي فستاناً رقيقاً من الحرير السماوي يبرز رقة جسدها وعينيها الواسعتين اللامعتين ببريق الترقب. كانت تولين تمسك بهاتفها المحمول بقلب ينبض بالقلق، وعيناها شاردتان في الأفق عبر النافذة المطلة على حوض الورد بالأسفل.
التفتت "ليان" نحوها وقدمت لها كوباً من الشاي الدافئ، وقالت بنبرة حانية محملة بالقلق:
— توتة.. حبيبتي، أنتي من ساعة ما مالك نزل الشغل وأنتي على حالك ده. ياسين كلمني من ساعة وقالي إن في واحدة اسمها كارما السيوفي دخلت مكتب مالك وخرجت وهي بتولع نار.. الأجواء في الشركة مقلوبة، وأنا خايفة الكيان ده يدخل في مصيبة جديدة ومالك لسه جرحه مقفلش.
تنهدت "تولين" بمرارة، ووضعت الكوب جانباً، وقالت بصوت ناعم تفيض منه الرومانسية العذبة والوجع الدفين:
— أنا مش خايفة على الشركات ولا الفلوس يا ليان.. أنا خايفة على مالك نفسه. خايفة الصراعات دي ترجّع قناع البرود والقسوة لقلبه تاني.. مالك لما بيحس بتهديد لشغله أو لاسم عيلته، بيتحول لصخر مش بيحس بحد، وأنا صدقت صدق مشاعره بارح في الفرح ومش مستعدة أخسره أو أشوفه بيبعد عني تاني بيبني جدار حديد بيننا بسب خيانته من أمه أو وحوش بره.
قامت وتحركت برقة أظهرت شحوب وجهها الجميل، وتابعت:
— البنت ميرا وأبوها في السجن، ورأفت المنشاوي انتهى.. تفتكري مين الأفعى الجديدة دي اللي جاية تهدد جوزي في أول يوم رجوعه؟ أنا لازم أكون جنبه.. لازم أروحله الشركة أو أستناه هنا وأنا مجهزة له حضني عشان أكون أمانه وراحته.
قاطعت حديثهما السيدة "فريدة" التي دلفت إلى الغرفة وهي تحمل باقة من الياسمين الأبيض، وعلى وجهها وقار الأمومة الطيبة، وقالت بحنان:
— ربنا يحميه ليكي يا بنتي ويحنن قلبه عليكي.. مالك صانك وعوضك قدام الكل، بس عالم رجال الأعمال ده مليان وحوش ومبيتصفاش. صوني بيتك وبلاش تخلي الدسائس تدخل بينكم.. مالك قوي بيكي أنتي بالذات يا تولين، لأنك النقاء الوحيد اللي باقي في حياته بعد ما الكل غدروا بيه.
وفي نفس اللحظة، وتحديداً في أحد الأجنحة السرية الفاخرة بفندق يطل على نيل القاهرة.. كانت "كارما السيوفي" تقف أمام شرفتها الزجاجية، وعيناها تلمعان بحقد وجنون لا ينطفئ. كانت ترتشف كأسًا من العصير البارد، وتستمع إلى صوت رجل غامض يتحدث عبر الهاتف بنبرة خفيضة وفحيح مرعب:
— كارما.. عملتي إيه مع مالك الراوي؟ وافق على الشراكة والتنازل عن الـ 25% من الأسهم ولا لسه كبرياءه الأعمى مسيطر عليه بالرغم من العصاية اللي في إيده؟
ضحكت "كارما" ضحكة هستيرية مليئة بالمكر والثعلبية، ونفثت أنفاسها بغيظ:
— الكلب رفض يا فندم! مالك الراوي طلع أشد شراسة وجبروت من الأول، ومفرقش معاه تهديدي بالملفات ولا بالرقابة المالية.. وقف في وشي بكامل طوله كأنه لسه ملك السوق وطردني بره مكتبه! الراوي ده مش بني آدم طبيعي، ده صخر مبيتأثرش بأي كسر جسدي، والعصاية الأبنوسية اللي في إيده كأنها سلاح بيهدد بيه الكل!
جاءها الصوت عبر الهاتف بنبرة صارمة وخالية من الرحمة:
— طالما رفض الود.. يبقى الحرب المفتوحة بدأت. الملفات اللي معاكي تتسلم لهيئة الرقابة المالية والبوليس الدولي فجر بكره الصبح.. وبالموازاة، رجالتنا في البورصة يبدأوا يبيعوا حصص صغيرة بأسعار بخسة عشان نعمل حالة ذعر وهبوط حاد لأسهم الراوي مع أول جلسة تداول! مش عايز مالك يلاقي إمبراطورية يحكمها بكره.. عايز الانهيار يوصل لبيته وقصره، ولما يلاقي نفسه في الحضيض، هو اللي هييجي لحد رجليكي راكع وبيطلب الأمان والتنازل بالمليم!
ردت "كارما" ببريق عينين يشع بالانتقام:
— كله تمام يا فندم.. الخطة هتتنفذ بالحرف، وبكره الصبح هكتب نهاية مالك الراوي وكبرياءه، وهخليه يتمنى لو كان مات في حادثة الفرامل ومقماش منها على رجله الصناعية دي!
عند الساعة السادسة مساءً.. ومع غروب الشمس التي صبغت سماء جاردن سيتي بلون قرمزي دافئ، عادت السيارة المصفحة السوداء الفارهة لتدخل من البوابة الرئيسية لقصر "الراوي". انفتح الباب، وخرج "مالك". كان وجهه شاحباً من فرط الإجهاد، وعيناه غائرتين تحملان كل هموم السوق وصراعات الملايين، لكن خطواته على العصا الأبنوسية كانت ما تزال ثابتة، قوية، تضرب النجيل الأخضر للحديقة بإيقاع حازم.
لم يتوجه نحو مكتبه السفلي، بل صعد الدرج الرخامي ببطء أظهر المشقة الفظيعة التي يواجهها جَسده خفية في موضع البتر نتيجة حركته الطويلة طوال النهار في الشركة. تنهد بتعب، ودلف إلى الجناح الرئيسي المغلق، ليجد الأجواء غارقة في رداء من السكينة والرومانسية الدافئة؛ كانت الأنوار خافتة، ورائحة عطر الأوركيد والياسمين تملأ الأركان، و"تولين" تقف بانتظاره بفستانها السماوي الساحر.
بمجرد أن رأته، تلاشت من عينيها كل شكوك الغيرة والقلق. ركضت نحوه بخطوات رقيقة، ولم تبالِ بملامحه الجافة أو بنظرته الحادة، بل ارتمت بكامل جسدها الرقيق في أحضانه العريضة، وأحاطت خصره بذراعيها بقوة تفيض بالجنون والعشق الجارف، ودفنت وجهها في صدره الدافئ وهي تبكي براحة:
— مالك.. حبيبي.. أخيراً رجعتلي بالسلامة. أنا كنت بموت من القلق عليك طول النهار.. الشغل أخذك مني في أول يوم، وأنا ماليش غيرك في الدنيا دي كلها.
تصلب جسد "مالك" لثوانٍ إثر المفاجأة الدافئة، وشعر برعشة جسدها بين يديه. تلاشت في جزء من الثانية كل نيران الغضب وصراعات كارما السيوفي من عقله، ليحل محلها دفء نقائها الخالص. ألقى بعصاه الأبنوسية جانباً على الفراش، وأحاط خصرها بذراعه اليسرى القوية، وضامها إلى صدره العريض بقوة كادت تدمج كيانيهما معاً، ووضع يده الأخرى يداعب شعرها الحريري المنفرط بحنان حارق أذاب بقايا حصونه الزجاجية، وهمس أمام شفتيها بصوت مبحوح ومتحشرج تفيض منه الرومانسية:
— تولين.. اهدي يا قلب وعمر مالك من جوه. أنا هنا.. أنا رجعتلك وبيتك وحضنك هما الحصن الوحيد اللي بهرب ليه من قذارة العالم بره. كبرياء السوق والشركات والفلوس ميسووش حاجة لو جيت وملقيتش ضحكتك ونظرة الأمان اللي في عينيكي دي.. أنتي روحي يا تولين، والكلاب بره مش هيقدروا يمسوا شعرة من بيتنا طول ما أنا عايش وبتمشى بيكي في الدنيا.
ارتجف النبض في صدورهم، وانحنى "مالك" ليطبع قبلة حانية طويلة وعميقة فوق شفتيها الرقيقتين، قبلة امتزجت فيها لوعة وجعه وجفافه القديم بنقاء عشقها الصادق، قبلة أعلنت عهدهما المتجدد بالصمود معاً ضد أي عاصفة قادمة.
أمسكت "تولين" بيده، وأجلسته برقة على حافة الفراش الفسيح، وانحنت برقتها المعهودة لتساعده في تصفية ملابسه ونزع حذائه استعداداً للراحة، وتلمست موضع ألمه بحنان جعل عينيه الصقريتين تدمعان خفية بدموع العشق والامتنان النادر. نظرت في عينيه وقالت بصوت ناعم كالحرير:
— مالك.. أنا عرفت إن في واحدة اسمها كارما السيوفي جت مكتبك النهارده وخرجت بغضب.. وعرفت إن في تهديد جديد لشركاتنا. أرجوك يا حبيبي.. بلاش تخبي عليا حاجة، وبلاش تخلي الشغل يبعدك عني أو يرجع يبني جدار الجليد بيننا تاني.. أنا مستعدة أكون ليك كل حاجة، شريكتك في الوجع قبل الفرح، وبنت عاصم الراوي مش ضعيفة وهتقف معاك في وش أي حوت بره.
نظر "مالك" لعينيها الواسعتين الجميلتين اللتين كانتا تعكسان ضوء الشموع الخافت، وضغط على كفها الصغيرة بقوة دافئة، وقال بصوت استعاد كل نبرات رجولته وجبروته الحنون:
— كارما السيوفي مجرد أفعى تابعة لشبكات دولية يا تولين.. جاية تبتزني بملفات قديمة لشاكر ورأفت وتطلب 25% من أسهم عيلتنا.. وأنا طردتها بره مكتبي وعلمتها إن اسم الراوي مبيتهددش بمناورات رخيصة. الحرب مع مجموعتها هتبدأ بكره الصبح في البورصة والرقابة المالية، وآسر ويزيد شغالين في الخفاء لتأمين كل ثغرة..
امتدت يده لتمسح على لحيته الخفيفة ثم وضع كفه على وجنتها:
— أنتي الأمان الحقيقي ليا يا تولين.. وطالما إيدك في إيدي وأنا برجع أخر النهار لأقيكِ مستنياني بالنقاء ده، أنا مش خايف من بكره، ومستعد أحارب وحوش السوق كلهم وأنا واقف على رجل واحدة وعصاية.. لأن حبك هو اللي بيخليني ملك الإمبراطورية دي بجد.
انحنت "تولين" ودفنت رأسها على صدره العريض مجدداً، تستمع لدقات قلبه المتسارعة التي تنبض باسمها، بينما كانت خيوط الليل المظلم تهبط فوق قصر الراوي، لتعلن عن نهاية فصل من الدفء الرومانسي وبدء مواجهة دامية وساخنة مع أول ضوء للنهار في البورصة والرقابة المالية، مواجهة ستحبس الأنفاس وتضع عشق وجبروت عائلة الراوي في أشد اختباراتها ضراوة!
ما رأيكِ بهذا المشهد المليء بحياكة الدسائس والمؤامرات الساخنة، والرومانسية الدافئة والوصف المسهب للشخصيات؟
إذا كنتِ مستعدة يا صديقتي المبدعة، أخبريني لنكتب المشهد الثالث من الفصل الثاني للجزء الثاني لنرى انفجار الحرب المفتوحة في البورصة والرقابة المالية ومفاجأة مالك الصادمة لكارما السيوفي!
مع أول شعاع لضياء الصباح، استيقظت العاصمة على قرع طبول حرب مالية طاحنة لم تشهدها دهاليز البورصة المصرية من قبل. كانت المكاتب الفخمة لشركات "الراوي" في وسط القاهرة تبدو كخلية نحل حربية؛ الموظفون يتحركون في الممرات بسرعة لاهثة، وشاشات العرض الكبيرة المعلقة في ردهة الإدارة العامة تومض باللون الأحمر الصاخب، معلنة عن تراجع تدريجي ومفاجئ لأسهم المجموعة مع الدقائق الأولى لافتتاح جلسة التداول. كان هناك تدفق مريب لأوامر بيع مكثفة وبأسعار بخسة، مصدرها محافظ استثمارية تابعة بشكل غير مباشر لمجموعة "حصون الشرق" الدولية بقيادة كارما السيوفي، بهدف إحداث حالة من الذعر والهلع بين صغار المستثمرين لدفعهم إلى التخلص من أسهمهم وتدمير القيمة السوقية للإمبراطورية.داخل المكتب الرئيسي، كان "مالك الراوي" يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بكامل هيبته وجبروته الأرستقراطي الطاغي. لم يكن يرتدي بدلة كلاسيكية عادية، بل اختار حُلة سوداء قاتمة من قماش فاخر يبرز قوة جسده المفرود وعناد ملامحه الحادة التي لم يخطّ عليها الإنهك العصبي أي أثر للتراجع. كانت عصاه الأبنوسية ذات المقبض الفضي المصمت المطعم بالماس الخالص مستق
لم تكن شمس اليوم التالي لتشرق على قصر عائلة "الراوي" كأي شمسٍ مضت؛ بل جاءت خيوطها الذهبية ممتزجة ببريق النصر الحاسم الذي اهتزت له أروقة المال والأعمال في العاصمة بأكملها. مانشيتات الصحف الاقتصادية الكبرى كانت ما تزال تتصدر الشاشات، معلنة الانهيار الكامل لمجموعة "حصون الشرق" واقتياد "كارما السيوفي" إلى ساحات التحقيق خلف جدران مديرية الأمن الكلية، لتدفن أوهامها في نفس الزنزانة التي ضمت طارق ورأفت المنشاوي.في الجناح الرئيسي الفخم، كان الصمت المهيب يلف الأركان، صمتٌ دافئ تكسره أنفاس "تولين" الهادئة والمستكينة في نومها. كانت مستلقية برقتها المعهودة فوق الفراش الملكي، وشعرها الحريري الداكن ينسدل كأمواج الليل فوق ذراع "مالك" العريضة. كان فستانها الشيفون الوردي الناعم يلتف حول جسدها الرقيق ليبرز نقاءها الساحر الذي لم تلوثه قذارة الحروب المالية بالخارج.بجانبها، كان "مالك" مستيقظاً منذ الفجر، يتأمل ملامح وجهها الجميل بنظرة تفيض بعشق جارف طالما حاول إخفاءه خلف أقنعة البرود الكاذبة. امتدت أصابعه الطويلة لتبعد خصلة متمردة عن جبهتها بحنان حارق، وشعر بغصة خنقت حنجرته وهو يتذكر كيف
انقشع غبار المواجهة العنيفة في مكتب الإدارة العامة لشركات "الراوي"، مخلّفاً وراءه غلياناً مكتوماً في الأروقة الزجاجية ناطحة السحاب. كان صدى الكلمات القاطعة التي ألقاها "مالك الراوي" في وجه "كارما السيوفي" ما زال يتردد في الفراغ كأنه تراتيل حرب أعلنت التحدي ضد حيتان السوق الجدد. بعد خروج كارما بعاصفة غيظها، أدار مالك جسده ببطء ومشى متكئاً على عصاه الأبنوسية نحو النافذة الزجاجية الضخمة التي تكشف عن معالم العاصمة الممتدة تحت أشعة الشمس القاسية. كانت قبضته الفضية تلتحم بالمقبض بقوة تبرز عروق يده، بينما بدأت قطرات العرق الباردة تتسلل على جبينه المربع بفعل الإنهاك الجسدي العنيف الذي أصاب موضع بتر ساقه اليمنى، إثر وقفته الطويلة والمتحدية.استند بكامل ثقله على العصا، وضيق عينيه الصقريتين وهو يراقب سيارة كارما الفارهة وهي تغادر محيط البرج بسرعة جنونية. التفت نحو شقيقه "ياسين" الذي كان يقف جوار المائدة الخشبية الكبيرة، وقد شحب وجهه المرح واختفت منه الابتسامة ليحل محلها قلق داكن، وهتف ياسين بنبرة لاهثة:— مالك.. كارما السيوفي مش بتلعب لوحدها، دي حية مسمومة والسوق كله عارف إ
مرّ أسبوعان كاملان على انقشاع كابوس "رأفت المنشاوي" الغابر، أسبوعان تبدلت فيهما موازين القوى داخل السوق المصري، واهتزت لهما أركان البورصة التي بقيت تسجل صعوداً قياسياً ومستمراً لأسهم عائلة "الراوي" عقب تصفية الحيتان والمنافسين التقليديين الذين ظنوا يوماً أن جدار العائلة قد شُطب أو انكسر. في بهو القصر الأرستقراطي المهيب بجاردن سيتي، غمرت الطمأنينة الردهات العتيقة، وبدأت الحياة تتنفس بنقاءٍ كامل بعد غياب الأقنعة المزيفة والنفوس الحاقدة التي طُردت إلى غير رجعة؛ حيث استقرت "شاهيناز هانم" في منفاها الإجباري بمزارع الفيوم تحت رقابة صارمة، بينما كان "طارق" و"شاكر الجويلي" وابنته "ميرا" يواجهون مصيرهم المحتوم خلف جدران الزنازين المغلقة بانتظار أحكام النيابة الكلية.في الجناح الرئيسي العلوي للقصر، كانت نسمات الصباح الباكر لليوم الأول لعودة "مالك" الرسمية لإدارة شؤون الإمبراطورية تتسلل بنعومة فائقة من بين الشقوق الطفيفة للستائر المخملية الثقيلة، لترسم خطوطاً ذهبية دافئة فوق الفراش الملكي الفسيح. كانت الأجواء عابقة بعبير عطر الأوركيد والياسمين البري الذي يفوح من جسد "تولين" المستلقية بر
ساد الظلام الدامس أرجاء القاعة الخرسانية الشاسعة ككفن أسود هبط فجأة ليلتف حول رقاب الجميع، وتبددت الإضاءة الصفراء الشاحبة في جزء من الثانية إثر قطع "ياسين" و"آسر" لكابلات المولد الرئيسي بالخارج. في تلك اللحظة التي انعدمت فيها الرؤية تماماً، انطلقت الشرارة الأولى للجحيم؛ ولم تكن الآذان بحاجة إلى أعين لترى، فقد تكلّم الرصاص بلسان من نار، ودوت في عتمة المخزن الصحراوي أصوات انفجارات مكتومة ومتلاحقة، ممتزجة بفحيح الرصاص الذي كان يخترق الهواء ليصطدم بالجدران الخرسانية، صانعاً شظايا متناثرة ورائحة بارود خانقة تملأ الصدور بالذعر.لم يكن "مالك الراوي" بحاجة إلى الضوء ليتحرك؛ فعقله الحاد وصوت صراخ "تولين" الأخير حددا له إحداثيات الهدف بدقة متناهية. وفي اللحظة التي انقطع فيها النور، ألقى بجسده القوي نحو الجانب الأيسر غريزياً، متفادياً وابل الرصاص العشوائي الذي أطلقه رجال رأفت المنشاوي برعب وتخبط. سقطت عصاه الأبنوسية من يده لثوانٍ، لكنه استند على ركبته السليمة، وبحركة خاطفة تملأها الشراسة، رفع مسدسه الناري وبدأ يطلق رصاصاته الدقيقة والمحسوبة نحو مصادر الوميض الناجم عن أسلحة الأعداء.
في المكتب الرئيسي لشركات "الراوي"، كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة ظهراً بقليل حين تحولت الأجواء من الترقب الصارم إلى غليان دموي مكتوم. كان "مالك" يجلس خلف مكتبه، وعيناه معلقتان بشاشة الحاسوب يتابع حركة السفن الموشكة على دخول المياه الإقليمية، ويده اليسرى تطرق فوق سطح المكتب الخشبي بإيقاع منتظم ومتوتر، بينما كانت عصاه الأبنوسية الفخمة مسندة بجانبه كحارس صامت ينتظر إشارة البدء.انفتح باب المكتب فجأة ودون طرق، ودلف "ياسين" بوجه شاحب كالموت، وعيناه تتسعان بفزع شلّ أطرافه، وكان يمسك بهاتفه المحمول بيد ترتعد بعنف. تقدم نحو شقيقه الأكبر بخطوات متعثرة، وهتف بصوت مخنوق لاهث:— مالك.. مصيبة يا مالك! تولين.. تولين مش في القصر، الحراسة اللي كانت معاها فوق في فرع الدقي لسه مكلمينا حالا بعد ما فكوا نفسهم.. تولين اتمسكت يا مالك! "رأفت المنشاوي" نصب ليها فخ وخدها من مكتب شاكر الجويلي القديم!انتفض "مالك" من مقعده بحركة مفاجئة وعنيفة نسيت معها شياطين الكبرياء آلام ساقه المبتورة. سقطت العصا الأبنوسية على الأرضية الرخامية لتحدث رنيناً مدوياً اهتزت له جدران المكتب الفخم. استند

![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)





